حسين سرمك حسن : هل سيرحل شاكر خصباك عنّا بلا وداع ؟ دراسة من أدب المحنة (رواية الأصدقاء الثلاثة) (القسم الأخير)

إشارة : بعد أن أكمل الناقد حسين سرمك حسن كتابه “شاكر خصباك وفن البساطة المركّبة” وأرسله إلى خصباك للإطلاع عليه، فوجيء بأن الأستاذ خصباك –ولأول مرة- لم يرد على رسائله برغم تكرارها. ثم جاءت الرسالة المريرة من الأخ الدكتور ثامر نجم عبد الله لتخبرنا أن خصباك الذي لعبت به يد المنافي الظالمة من اليمن إلى الولايات المتحدة قد أصيب بفقدان الذاكرة بعد وصوله الأرض المشؤومة. هل سيرحل عنا خصباك وحيدا وغريبا وبلا وداع ومن دون رعاية ؟ .. هذا ما نتوقعه للأسف في زمن الخراب العراقي هذا

– صوت :
هنا يأتي “الصوت” المهدّد المُنذر الغادر .. صوت الخاطف “الإسلامي” المرعب .. يتوعّد بـ “جيشه” المخيف الذي لا يفصح خصباك عن هويته برغم وضوح دلالاته وحيثيات إحالات مسمّياته . فما يهم الكاتب هو المراهنة على توصيل جوهر الرسالة المسؤولة التي ستعصف بحيوات كل من لن يفهما أو يمسك بمعانيها الأساسية . ومعنى الرسالة التي ينقلها “الصوت” بصورة آمرة ومستبدة تكرر الحركة الأولى ولكن بشكل نافد الصبر . ووفق التهديدات التي يحملها هذا الإنذار المباشر الذي يتوعد الأصدقاء الثلاثة بالموت إذا لم يسلم حزبهم الفدية الهائلة ، تتأسس بنى حركة “حوار” المقبلة .. فخصباك يؤسس بنية روايته بصورة حلقية .. حلقة ترتبط بحلقة .. مع حلقة .. وفي حلقة .. وبحلقة :
(صوت :
يظهر أن جماعتكم يركبون رؤوسهم فلم يتفاوضوا معنا حتى الآن . هل تتصورون أننا يمكن أن نطلق سراحكم بدون فدية ؟ إنهم مجانين إذن .. أو لعلهم لا يشترونكم بنواة . وعلى كل حال لا بأس في أن ننتظر اياما أخر . وقد حدّدت لهم قيادة جيشنا مهلة جديدة ، وعليهم أن يستجيبوا لها إن كانوا يهتمون لأمركم – ص 17 ) .
وكل شيء لاحق في نصوص خصباك يُشاد – بحذاقة – على مضامين أو إشارات سابقة ، فيعزز هذا الإرتباط وحدة النص .
5- حوار :
هنا عودة إلى الحوار بين الأصدقاء الثلاثة وقد تأجج القلق والتوتر في نفوسهم بعد أن أنذرهم الصوت بوجود مهلة محددة لقيادة حزبهم لدفع الفدية ، يُذبحون بعدها . ومن الطبيعي أن يكون التساؤل الأول عن التشكيك الذي أطلقه الصوت المُنذر ، وهو هل أن قيادة الحزب تهتم لأمرهم ؟ . هكذا يتساءل يوسف ، فيرد عليه علي بأن رفاقهم يهتمون بأمرهم ولكنهم مغلوبون على أمرهم .                                                                                              وفي كل حوار يثير خصباك إشكاليات جديدة تفجّرت في الواقع العراقي في ظل الإحتلال وكشفت مفارقات سياسية مؤلمة :
( علي : لا .. لا يوسف .. لا يذهب بك الظن إلى هذا الحدّ . كل ما في الأمر أنهم مغلوبون على أمرهم .
زكي : هذا صحيح . اصبح رفاقنا مغلوبون على أمرهم .
يوسف : أنا لا أصدق ذلك . أنسيتم كيف كانوا يلهبون الشارع بمنشوراتهم ؟
زكي : لكنهم لم يعودوا كذلك يا يوسف . لابد لنا أن نعترف بذلك . صار أمراء الدين هم الذين يلهبون أفئدة الناس . ويا لها من نهاية كارثية لأحلامنا وأفكارنا وآمالنا بشعبنا – ص 18 ) .
وهي فعلا حالة مؤلمة أن حزبا ثوريا عريقا يُسحب البساط من تحت قدميه بكل بساطة ، ولا يحصل على أي صوت في الانتخابات . يتساءل الأستاذ (عبد الحسين شعبان ) – وهو من الكوادر الشيوعية السابقة المعروفة – في أحد حوارات كتابه (الصوت والصدى ) قائلا بحق وألم :
( وثمة مفارقة أخرى حين يلتف حول السيد “مقتدى الصدر” الكادحون والمسحوقون الذين عملنا من أجلهم عشرات السنين دون أن يلتفتوا إلينا ، في حين كانت قضيتهم في صلب برامجنا لسنوات طويلة . وبالمناسبة ، فمدينة الصدر التي بناها الزعيم عبد الكريم قاسم استبدلها الرئيس السابق “صدام حسين” إلى مدينة صدام ، ثم تم تغيير اسمها إلى مدينة الصدر وليس إلى مدينة سلام عادل أو فهد أو غيره من قادة الحركة الشيوعية ، ولعلها تلك مفارقة أخرى ، على الماركسيين التوقف عندها لدراستها ظاهرة جديدة في التطور السياسي والاجتماعي في تاريخ العراق ) (12) .
لقد أصبحت الحركات السياسية الثورية معزولة وتابعة للحركات الدينية المتصلبة والمتخلفة . تصوّر لافتة قماشية هائلة معلقة في مدخل شارع المتنبي بعد الإحتلال تحمل العبارة التالية :
( الحزب الشيوعي العراقي يعزّي صاحب العصر والزمان الإمام المهدي الغائب عجّل الله فرجه باستشهاد الإمام الحسين “ع” ) .
لم يعد الأمر كما يقول زكي هو خضوع القاعدة الشعبية لسيطرة أمراء الدين حسب ، بل تبعية القيادات الثورية لخيارات أمراء الدين :
( يوسف : كنت آمل أن يهب شعبنا لإنقاذ حياتنا إذا ما وجّه حزبنا نداء إليه .
زكي : أين هو الشعب الذي يستمع إلى نداء حزبنا يا يوسف ؟ إنه لم يعد يستمع إلا إلى نداء أمراء الدين .
يوسف : هل من المعقول أننا فقدنا كل رصيدنا الشعبي ؟ ما جدوى نضال حزبنا لطويل إذن وما فائدة تضحياته العظيمة ؟ ما جدوى كل ما عانيناه من مشقات وجهد ومخاطر كادت تودي بحياتنا ؟ – ص 18 و19 ) .
.. ولكن الإشكالية الكبرى التي يثيرها خصباك في هذا الحوار هي التي جاءت على لسان زكي حين قال إن الناس في البلاد يقتلون بعضهم بعضا لمجرد إختلافهم في عقائدههم الدينية ، بل لمجرد اختلاف أتباع الدين الواحد في طوائفهم . هي إشارة إلى محنة الصراع الطائفي التي مازال ينكرها حتى السياسيين الذين يرون بأم أعينهم الصراع الدامي بين المذاهب المختلفة ، ويصرّون على اننا نعيش في ثبات ونبات . هنا تحضرني ريادة الراحل الدكتور “علي الوردي” المبكرة في التحذير من الروح الطائفية التي نمارسها في بيوتنا ومجالسنا الخاصة ، وننكرها في الإعلام والمجالس والمؤسسات العامة .                                                 كما يبقى الوردي رياديا ومتفردا في أنه لم يسلك سلوك النعامة في التعامل مع الطائفية في المجتمع العراقي . حتى اليوم ، وبعد احتلال العراق والخراب الطائفي الشامل المصحوب بقطع الرؤوس وفقء العيون وتقطيع الأوصال ، مازال سلوك النعامة طاغيا ومتسيدا . كل المسؤولين السياسيين يظهرون في وسائل الإعلام ليعلنوا أن العراقيين إخوة وإن المجتمع العراقي صاف ومتجانس ولا وجود للطائفية فيه !!! .
إذن من أين جاءت هذه الحرب الطائفية التناحرية المدمّرة التي عصفت بحال الشعب العراقي . لقد شكل السيد نوري السعيد أربع عشرة وزارة ، كلها كانت فيها وزارة الداخلية للشيعة والدفاع للسنة أو بالعكس في وزارات أخرى . كيف شكلت أول وزارة عراقية ؟ أليس على أساس طائفي ؟ . الكل كانوا طائفيين سلوكا ووطنيين لسانا ، إلا المجاهد التنويري علي الوردي الذي لم يقع في أحابيل هذه الخدعة المكابرة . كان في مؤلفاته كلها يعلن أننا طائفيون ، وأن مجتمعنا قائم على أسس طائفية ، وأن سياستنا طائفية ، وأننا إذا لم نحاول معالجة هذا السرطان بصورة علمية مدروسة تقوم أولا على الاعتراف بها كظاهرة فإنها سوف تدمر حياة الشعب العراقي ، وهذا ما حصل عبر أكثر من ثمانين عاما من حياة الشعب العراقي . الوردي هو المفكر العراقي الوحيد الذي جعل جزءا من موجّهات منهجه وسماته في الوقت نفسه الطرق المثابر العزوم على موضوعة ” الطائفية ” المقيتة . لم يستمع لصوته التحذيري أحد ، واستمر الجميع في سلوك النعامة هذا ، الذي أوصلنا إلى هذا الحال الكارثي بعد الاحتلال خصوصا . لم يترك الوردي مناسبة – حتى الكتاب الذي لا علاقة مباشرة له بموضوعة الطائفية – دون أن يصرخ ليحذّر من الطائفية . في كتابه ” أسطورة الأدب الرفيع ” وهو كتاب يختص بالأدب كما نعلم وكما يعلن عنوانه ، يتحدث الوردي وفي أكثر من موضع عن الطائفية والنزاع الطائفي ، فيتناول في فصل غريب ومقطوع الصلة – المقالة الحادية والثلاثون : “الضجة والمجتمع” – الفرق بين المصلح والمشعوذ فيضرب مثلا بالصراع الطائفي ، حيث يقول إن فقهاء كل طائفة في الإسلام قد اعتادوا أن ينسوا عيوب طائفتهم ويركزوا على عيوب الطوائف الأخرى . فكان كل فقيه يهتف بالأفكار المطلقة لكي يتخذ منها سلاحا للدفاع عن طائفته وللهجوم على الطائفة الأخرى ، وكانت النتيجة أن نشأ نزاع خبيث يشبه نزاع القبائل البدوية التي تتغازى فيما بينها وتتقاتل دون أن يكون وراء ذلك فكرة جديدة تفتح عيون الناس . ومثلما يتصنّع سياسيوا البلاد في عهودها كلها بأننا غير طائفيين وبأن المجتمع يرفل بالأخوة الدينية والوطنية ويندهشون من شخص مفكر يطرح موضوعة غير موجودة للنقاش مثل الطائفية فقد استشرف الوردي مثل هذا الموقف ” النعامي ” . يقول الوردي :                        ” قد يعترض معترض فيقول : ما بالك تهتم بالنزاع الطائفي في الوقت الذي ينشغل العالم فيه بالقضايا الاجتماعية الكبرى التي لا يعد النزاع الطائفي تجاهها شيئا مذكورا !! ”
ويجيب على اعتراض هذا المعترض بالقول :                                                  ” نعم يا سيدي المعترض ، إن النزاع الطائفي لا أهمية له في العالم المتمدن ، ولكنه في هذا البلد الذي نعيش فيه له كل الأهمية . فالمتمدنون الآن منهمكون في أقمارهم الصناعية وقذائفهم الموجّهة ، وهم على وشك أن يصعدوا بها إلى المريخ ، بينما نحن لا نزال نتحدّث في موضوع المفاضلة بين علي وأبي بكر وأيهما أولى بالخلافة من صاحبه” .
ويقول جورج طرابيشي في كتابه “هرطقات” :                                                ( والواقع أنه ابتداء من منتصف القرن الرابع وحتى منتصف القرن السابع – زمن سقوط بغداد في أيدي التتار – دارت بين سنتها وشيعتها لا ” حرب ثلاثين عاما ” كما تُسمى كبرى الحروب التي دارت بين البلدان الكاثوليكية والبروتستانتية في أوروبا بين 1618و1648 ، بل حرب ثلاثمئة سنة ) (13).
ولا تقتصر معالجة جورج طرابيشي لمحنة الصراع الطائفي على تقديم ” جردة ” بسنوات وقائع القتال الطائفي الدموي الذي كان يحصل في بغداد نقلا عن ابن الأثير في ( الكامل في التاريخ ) وعن ابن كثير في ( البداية والنهاية ) حسب ، بل يلتقط ممارسات عنفية خطيرة كنا نعتقد أنها من نتاجات الحرب لأهلية اللبنانية أو الحرب الطائفية العراقية بعد الإحتلال . فعلى سبيل المثال كنا نعتقد أن ظاهرة الحواجز التي يُقترف عندها ” القتل على الهوية ” هي من إفرازات الحرب الأهلية اللبنانية ، لكن طرابيشي يؤكد وجود مثل هذه الظاهرة في بغداد في الصراع بين السنة والشيعة الذي كان مستعرا في القرن الرابع الهجري :                                                                                          ( يضيف ابن الجوزي في ” المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ” أنه في تلك السنة [ = 408 هجرية ] أيضا ظهرت ” الأبواب ” ، أي بلغة الحرب الأهلية اللبنانية ” حواجز القتل على الهوية ” . وفي ذلك يقول : ” إن الفتنة بين الشيعة والسنة تفاقمت وعمل أهل نهر القلائين بابا على موضعهم وعمل أهل الكرخ بابا على الدقاقين مما يليهم ، وقُتل الناس على هذين البابين ) (14) .                                                                                   وعلى الصفحة (20) ينقل طرابيشي عن ابن الأثير نصا عن أحداث سنة (441 ) هجرية بين السنة والشيعة يقول فيه :                                                                    ( في هذه السنة مُنع أهل الكرخ [ = الشيعة ] من النوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء ، فلم يقبلوا ، وفعلوا ذلك ، ، فجرى بينهم وبين السنة فتنة عظيمة ، قتل فيها وجرح الكثير من الناس … وبطلت الأسواق وزاد فيها الشر حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا فيه ) (15).                                                ويعلق طرابيشي على ذلك بالقول :                                                              ( تلك هي ظاهرة النزوح التي يعرفها عراق اليوم على نطاق موسع ، علما بأن الجانب الشرقي من بغداد سني ، والجانب الغربي ذو غالبية شيعية ) (16) .
كان الجميع يرمون بتبعات الصراع الطائفي على عاتق جهات أجنبية ، وهو ما يقول به علي في رده على زكي حيث ينبهه إلى الجهات الأجنبية المحرّضة ، وهو أمر صحيح تماما ، لكن من المهم أن نتصارح بأنه يتأسس على خلل بنيوي في مجتمعنا .
ثم تأتي الإشكالية الثالثة التي يستشرف فيها زكي الطبيعة الجحيمية المظلمة والخانقة التي سيرسمها أمراء الدين لحياة الشعب في المستقبل القريب ، وما سيصاحب ذلك من غمط لحقوق الأقليات خصوصا ودعم اللاعدالة في البلاد . وهو الأمر الذي حصل فعليا .
ومثلما ختم الكاتب الحوار الاول بين الأصدقاء بالحديث عن أحلامهم ، ومراجعتها ، منتهيا بسخرية زكي منها ، ورجاء يوسف في أن يكون لها فعلا للخلاص ، ينهي الحوار الثاني هذا باقتراب الثلاثة – يوسف وزكي خصوصا – ، مع اقتراب شبح المثكل ، من عتبة نفض اليد من جدوى أحلامهم في إنقاذهم من محنتهم الكابوسية هذه ، وأنها تكوينات زائفة تشبه السراب :
( يوسف : أتعتقد يا زكي أن أحلامنا لن تثمر في أنقاذنا من كابوسنا ؟
زكي : فلنعترف أنها كانت أحلاما زائفة يا يوسف وأن السكين في انتظارنا .
علي : هذا صحيح يا يوسف .. السكين في انتظارنا فعلا .
يوسف : أتعنيان أن أحلامنا الرائعة لم تكن سوى سراب ؟
زكي : أحلامنا الرائعة انتهت إلى فاشوش يا يوسف .
علي : لكنها ستظل أملا مشرقا للناس في حياتهم المستقبلية يا زكي – ص 20 ) .
6 حوار داخلي (مونولوج) :
أ‌-    يوسف :
وإذا كان يوسف قد بدأ مونولوجه الأول بالإصرار على أن يحلم بانتهاء كابوسهم ، رغم معرفته بأن هذا الحلم نوع من المعجزة ، فهو في مونولوجه الثاني وبعد أن تأكدوا من أن السكين في انتظارهم فعلا يخاطب أباه بصورة مباشرة :
( إذن سأموت يا أبي دون أن ينجح حلمي في التخفيف من معاناتك والرفع من شأنك بحيث يقول عنك أبناء قومنا في احترام : هذا هو أبو يوسف – ص 21 ) .
ثم يسلط الضوء على جانب من سلبيات مجتمعنا داخل طائفتهم نفسها ، فليست الأم النكدة فقط هي التي تسخر من الأب ومن مهنته ورائحته ، بل راعي الكنيسة ايضا لم يكن يتلطف مع عائلتهم في الحديث كما يفعل مع أهل الصفوف الأولى .
ثم يكشف جانبا من شخصية أخته مريم وتضحيتها في سبيل العائلة ورفضها للخطاب حتى الآن … ثم علاقته المجهضة مع جورجيت التي تزوجت شخصا أدنى منه شأنا وهاجرت معه إلى  كندا .
ولأن النفس البشرية حين تُخذل على الأرض تبحث عن الفرج في السماء ، فإن يوسف يختم حواره الذاتي بأن يخبر جورجيت بأن أحلامه التي تبددت على هذه الأرض سوف تثمر في السماء ، وأنه سيكون هناك في معيّة يسوع المسيح مع حوارييه من المستضعفين .
ب‌-    زكي :
وبفعل شخصيته الإنفعالية الجامحة فإن زكي يعلن خيبته من أحلامه بصورة اشد عنفا :
(أهكذا ستنتهي أحلامي وأُذبح كما تذبح الحيوانات ؟ ولكن هل كانت أحلاما واقعية ؟ ألم تكن زائفة من البداية ؟ أليست الحياة كلها بما تنطوي عليه من أديان وعقائد وعلاقات متشابكة أمرا زائفا ؟ – ص 25 ) .
إنه يشكك حتى في قصة حبّه للمعان والتي انتهت بالفشل . ومنها نمسك بسلبيات تنخر العلاقات الإنسانية داخل طائفتهم ، ومحورها التباينات الطبقية الجائرة . فاين وجد التعويض ؟ وجده في الإندفاع في سوح النضال ، والمغامرة بذاته حد الموت .
ج- علي :
وبسبب طبيعته الشخصية ايضا ، ونشأته العائلية ، ودور أبيه القاضي تحديدا ، وصلته بمعلمه المناضل بلال ، فإنه مازال يحاول إقناع نفسه بأن بلاده سوف تكون بخير . إنه يراهن على نهوضها وتخطيها المحن .
ثم يكشف لنا عن علاقته العاطفية بمريم ،أخت يوسف ، وهي سبب امتناعها عن الزواج إلى الأبد . لقد أحبته من النظرة الأولى كما يُقال ، خلال زيارته الأولى لبيتهم . لكن علاقة الحب هذه فشلت ايضا كحال علاقة يوسف بجورجيت وزكي بلمعان ، ولكن السبب الآن غريب . ففي الرواية نسمع رأيا غريبا مفاده أن من يناضل لا يتزوج لأنه ينذر حياته للسياسة ، وكأن النضال والحياة خطان متوازيان لا يلتقيان . هذا كان حال الأستاذ بلال .. ثم حال تلميذه في الدراسة والنضال علي . ثم يقدم رأيا من الغريب أن يصدر عن مناضل ويتعلق بالتحصيل الدراسي ، فمريم حصلت على الدراسة المتوسطة ، في حين أنه كان مصمما على أن تمتلك زوجته الشهادة الجامعية مثله . وقد أشاد قناعته هذه على متابعة علاقة أمه وأبيه ، والفارق التعليمي بينهما ، حيث لم تكن أمه تحمل سوى الشهادة المتوسطة . ومن الممكن أن ننظر إلى موقفه هذا من زاوية أخرى مخالفة ومستترة ، إذ قد يكون غطاء لدوافع أوديبية لائبة . لكن الأخطر هي الذريعة الثالثة التي قال عنها معلم فيينا :
( أما العقبة الثانية (في الواقع هي الثالثة بعد النضال والشهادة) يا مريم فكانت أقوى واشد .. وقد عانيت منها أكبر المعاناة . فقد مثلت لي اختبارا لصدق أفكاري وتوجهاتي . واعتقدت أنها تمثل اختبارا لصدق توجهات عائلتي : فهل يمكن لعائلتي أن ترضى بالإرتباط بكم ؟ وهل بوسعها التغاضي عن الفجوة التي تفصل بيننا ؟ – ص 32 ) .
وهنا يحضرني المثل العامي (إقرأ على الإسلام السلام!) . فإذا كان هذا هو حال المناضل الذي يكافح من أجل بناء مجتمع المساواة والعدل ، فكيف سيكون حال البشر المسحوقين والرازحين تحت نير القيم المتخلفة – كان الراحل علي الوردي يقول عن المثقفين العراقيين ، لكنه يحمل عقال الرأس في جيبه – . ويقع علي في تناقض فاضح وهو يتحدث عن أحد احتمالات الممانعة العائلية فيقول :
( ولم أجرؤ على وضع عائلتي على محك الاختبار هذا وخصوصا أبي . فلم أكن لأحتمل فشله في هذا الإختيار . وكم من مرة هممت فيها بمصارحته ثم أحجمت . فقد كان أبي يمثل لي رمز العدالة يا مريم ويستحيل علي أن أخدش صفحة هذا الرمز . ثم انتهيت أخيرا إلى لجم عواطفي وإلغاء فكرة الزواج من حياتي – ص 32 ) .
والتناقض هنا فاضح .. فكيف لرمز للعدالة [= الأب القاضي] أن لا يحكم بالعدل في قضية محبّين عاشقين مخلصين ؟ وكيف لهذا الرمز أن “يظلم” فتاة على اساس مهنة أبيها مثلا وهي مهنة مشرفة ؟ لا يمكن أن نقر بهذا التبرير إلا إذا عدنا إلى مقولة الوردي الساخرة التي ذكرناها قبل قليل .
7- صوت :   
يرتفع صوت الجلادين معلنة نهاية المهلة الثانية التي حددوها لحزب الأصدقاء .. لم يتصل أحد من رفاقهم .. ويبدو إعلان الصوت عن حاجة الجلادين للمال لشراء الأسلحة للقضاء على  الزنادقة “أمثالكم” يبدو مباشرا ومتناقضا .
ينهي الصوت وعيده بأن قيادة الجيش ستعيّن الموعد الذي ينفذ فيه الإعدام في الأصدقاء الثلاثة .
8– حوار :  
وهذا هو الحوار الأخير بين الأصدقاء الثلاثة كثلاثة . ويستهله زكي بالإقرار بأن نهايتهم قد جانت أخيرا . وهنا نواجه من جديد هذا الإصرار “العصابي” الإنكاري المصر على أن الشعب العراقي هو الشعب الموحّد والخالي من السلبيات والصراعات [= سلوك النعامة] . يقول علي :
( لقد كان الشعب العراقي موحّدا دائما بكل أعراقه من عرب وأكراد وتركمان وكلدان وآشوريين وغيرهم . ولم يكن أحد منهم يبالي بالفروق المذهبية أو الدينية أو العرقية – ص 35 ) .
وقد لاحظنا كيف يستحي يوسف من مهنة أبيه .. ويعاملهم حتى راعي الكنيسة بدونية .. ما هي الفوارق المؤلمة داخل طائفة زكي .. فوارق أفشلت تجربة حبه الوحيد .. وكيف كانت أمه “تخدم” زوجة الشيخ .. ثم ما الذي أفشل تجربة حب مريم لعلي ؟ ..                                               كل هذه وغيرها سلبيات عاشها الاصدقاء الثلاثة ودمّرت حياتهم وتكشف سلبيات مجتمعهم .. لم يأت بها عدو من الخارج برغم ان العدو المحتل عمل بصورة مخططة ومقصودة على تفجيرها بأبشع صورة وأكثرها دموية .
وتأتي نهاية هذا الحوار الثالث مغايرة تماما لنهاية الحوارين السابقين .. الآن هم بانتظار موعد الإعدام .. وهذا يؤكد لهم – زكي ويوسف خصوصا – أن الشر يهزم الخير دائما (نيتشه  أم لا ؟ ) .. وأن اللاعدالة قاعدة والعدالة استثناء :
( زكي : لا أظن يا علي . فاللاعدالة هي السلطة النافذة على الأرض . وأنني لست آسفا على مغادرة هذه الأرض المليئة بالشرور . فلم تعد مكانا يغريني بالبقاء فيه .
يوسف : وأنا مثلك يا زكي . أنا أيضا لم أعد راغبا في البقاء على هذه الأرض . أنا مشتاق للقاء يسوع المسيح .
علي : أما أنا فلست متشوقا مثلكما لمغادرة هذه الأرض قبل أن أشهد انقشاع هذه الغمة عن شعبنا وبلادنا – ص 37 و38 ) .
9-حوار داخلي (مونولوج) :
أ‌-    زكي :
الآن انتهى كل شيء .. لا أمل ولا أحلام ولا مشروعات نضالية مضنية .. الراحة تكمن في مغادرة هذه الحياة التعسة .. شريط سريع – على طريقة نشاط المحكوم بالإعدام – من الذكريات يمر أمام عيني زكي .. وفي العادة يمثل الموت عودة باهرة – من الناحية النفسية وحسب أطروحة “أوتو رانك – otto rank” – إلى الرحم الأمومي الذي هو الفردوس الأول الذي تُشتق منه حتى صورة الجنة التي نتقابل فيها على الأرائك مدللين . وفي العادة تشتد الحماسة الأوديبية الإنقاذية تجاه الأم مع تأكد اقتراب منجل الموت الباشط :
(.. وها أنا ذا سأغادر الدنيا غير آسف عليها . فوداعا لهذه الدنيا التعسة ووداعا يا أمي الشقية .. يا من كنت سندها الوحيد وسأتركها لأحزان موصولة – ص 286 ) .
ب‌-     يوسف :
يوسف الآن في مرحلة الإذعان والرضوخ .. وفي تلك اللحظات تتصاعد الميول لمحاسبة الذات .. يتأجج الشعور بالذنب الكامن الذي كبت طويلا .. جاء مونولوج يوسف سلسلة من وقفات محاسبة الذات .. من خجله من مهنة أبيه رغم كونه أبا مثاليا .. وكونه مسحوقا مثل حواريي يسوع .. مرورا بعدم وقوفه في وجه أمه المتجبرة .. وانتهاء بخيبته النضالية ..
ج- علي :
في حواره الداخلي يحاور علي أباه الذي رحل عن هذه الدنيا مقهورا محطما ويموت كمدا ، بعد أن ضاق به الطاغية ذرعا فأحاله إلى التقاعد . لقد تمكن اليأس من القاضي العصامي المتماسك الذي كان أنموذجا للتماهي من قبل الآخرين خصوصا الأصدقاء الثلاثة . وفي ختام حواره الذاتي يهتز يقين علي الراسخ عبر نقلة تساؤلية يسأل فيها اباه :
( ها أنا واصدقائي نتوقع أن نُذبح في أية لحظة . فهل يحق لي أن اظل متمسكا بموقفي المتفائل يا أبي أم أن عليّ أن أعترف بمقولتك في أواخر حياتك بأن الشر قد انتصر على الخير ولم يعد هناك من أمل ؟ – ص 44 ) .
10– صوت :
يقرر الجلادون البدء بتنفيذ قرار الإعدام ذبحا .. فيبدأون (بهذا الصابئي الكافر ) كما يسمونه .. يذبحونه وسط صيحات التهليل والتكبير وصرخات الإبتهاج .
11– حوار :  
وسيصبح الحوار الآن – بعد ذبح زكي – بين اثنين : يوسف وعلي . وكلاهما قد تأكدا أن مصيرهما قد تحدد وسيلحقان برفيقهما زكي الذي ذبحه الجلادون “الإسلاميون” بسكين لم يشحذوها جيدا !! .
12– حوار داخلي (مونولوج) :
أ‌-    يوسف :  
دخل يزسف دائرة مرحلة الإذعان ووقف في مركزها بعد إنكار طويل .. مستذكرا أنموذجه العظيم والخالد  يسوع المسيح الذي – في فلتة معبّرة عن تصارع يوسف الذاتي – صرخ من شدة عذابه أخيرا : أبتي .. لماذا تخليت عني ؟
ب‌-    علي :
يسترجع علي واقعة ذبح صديقه ورفيقه زكي .. فيقر أخيرا – ولو على مضض كما يُقال – بأنه لم يعد راغبا في الحياة وهو يشهد الجرائم المنكرة التي يواجهها أبناء شعبه .. وهنا يستشعر الذنب تجاه أمه لأنه لم يحقق هدفها في أن تشهد زواجه .. إنه يعرف أنها لن توافق !!! .. وفي صياغة مُربكة تشي بالكثير مما هو مكبوت يخاطب علي أمه :
( ما ذنبك يا أمي حتى تواجهي كل هذه الأحزان ؟ … وقد لبست السواد منذ ذلك الحين [= منذ وفاة أبيه] وأقسمت ألا تخلعيه إلا حينما أتزوج . لكنني خيبت أملك فلم أتزوج . وتعللت بشتى الأعذار . وأنّى لي أن أتزوج امرأة أخرى يا أمي وقد أخلصت لي كل ذلك الإخلاص ؟! – ص 50 ) .
13- صوت :
يعلن صوت الجلادين الآن عن حلول موعد ذبح يوسف .. فيهتف : أنا آت إليك يا يسوع .. يذبح وسط تكبير وتهليل وصرخات ابتهاج .
14- حوار داخلي (مونولوج) :
أ‌-    علي :
الآن علي في وحشة عزلته المريرة بعد أن ذُبح رفيقاه .. وها هو ينفض يديه تماما من أحلامه :
( كنا نتخيل أننا سنشهد تلك الأحلام على أرض الواقع يوما فنسعد بها . وبدا لنا أن أحلامنا على وشك أن تتحقق فعلا فإذا بها أحلاما زائفة كما قال زكي . فها نحن على وشك أن نموت ونحن نشهد أبناء بلدنا يصارعون أبشع أنواع البطش بعد سقوط الطاغية . وكنا نعتقد أن سقوط الطاغية هو اليوم الذي سيؤرخ خلاصك من معاناتك . وإذا بك تلقى معاناة أشدّ . كم تعاني الآن أيها الشعب البائس – ص 52 ) .
15- صوت :  
وهنا ختام الشدة الفاجعة التي تمر بها بلاد شاكر خصباك المبدع الغيور الجسور .. ختام يُذبح فيه العقل والتعقل والتفاؤل والرصانة المعنوية ممثلة بعلي .. يصرخ علي في وجه جلاديه الملوّحين بسكاكينهم “العمياء” غير المشحوذة والذين يتهمونه ويتهمون حزبه بالزندقة :
( علي : (يصرخ وهم يسحلونه ) أنتم الذين أفسدتم الإسلام أيها البرابرة . أفسدتم دين الرحمة فجعلتموه دين القتل والإرهاب . ستلقون جزاءكم في الآخرة نار جهنم التي أُعدّت لمن يُفسدون في الأرض – ص 54 الصفحة الأخيرة ) .
تحية للمبدع شاكر خصباك ….

هوامش :
———–
(1)الأصدقاء الثلاثة – رواية – شاكر خصباك – ضمن الأعمال الكاملة – المجلّد الثالث – دار نينوى – دمشق – 2007 .
(2) القوة والإرهاب جذورهما في عمق الثقافة الأميركية – نعوم تشومسكي – ترجمة – إبراهيم يحيى الشهابي – دار الفكر – دمشق – 2003 .
(3)سيكولوجية الإبداع في الأدب والفن – يوسف ميخائيل أسعد –  مشروع النشر المشترك: دار آفاق عربية (بغداد)، الهيئة المصرية للكتاب (القاهرة) – من دون تاريخ.
(4) و(5)عشر روايات خالدة – سومرست موم – ترجمة : سيد جاد وسعيد عبد المحسن – دار المعارف – القاهرة – 1971 .
(6) و(7) و(8)نحو وعي ثقافي جديد – عبد السلام المسدي – كتاب مجلة دبي الثقافية (34) – دار الصدى – 2010 .

(9) و(10) قاسم الشواف – ديوان الأساطير – الكتاب الأول والثاني والثالث – تقديم أدونيس- ترجمة قاسم الشواف- دار الساقي- بيروت- 1997.

(11)لمحات من تاريخ العراق الحديث – علي الوردي لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث – الجزء الأول – مطبعة الإرشاد – بغداد –
(12)الصوت والصدى – حوارات ومقابلات في السياسة والثقافة – إعداد وتقديم الدكتور كاظم الموسوي – الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت- الطبعة الاولى – 2010 .
(13) و(14) و(15) و(16)هرطقات – جورج طرابيشي – الجزء الثاني – دار الساقي – 2008 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

تعليق واحد

  1. حيدر خصباك

    يا رب يكوم بالسلامة ويبقى يسجل للعراق تاريخه 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.