| د. زهير ياسين شليبه : مقدمة عن المترجم عدنان المبارك.

الكاتب العراقي عدنان المبارك 1935-2016
ناقد فني وصحفي ومترجم وقاص وروائي، درس الفن والسينما في بولندا، يجيد الإنجليزية والبولونية ومطلع على الفرنسية
د. زهير ياسين شليبه
وملم بالدنمركية، ويفهم الكثير من الروسية، اشرف على موقع القصة العراقية حتى آخر يوم في حياته.
كانت لي تجربة رائعة في التعاون مع هذا الإنسان المتواضع بكل ما تعنيه الكلمة ولو لفترة قصيرة على موقع القصة العراقية والترجمة ومراجعة النصوص وتدقيقها.
من المؤسف أنه رحل عنا في فترة يعاني منها العراق من الفوضى والصراع على السلطة ومكوناتها بما فيها الثقافية فأصبح الصوت الجدي منسيا في هذا الزحام. وأنا أتمنى من النقاد العراقيين الشباب أن يقرأوا اعماله في الترجمة والكتابة السردية رواية وقصة لكي يطلع القراء والدارسين على إبداعه ويكتبوا عنه دراسات أكاديمية.
وهم طبعا يستطيعون معرفة هذه الأمور في موقعَي “القصة العراقية” و”أدب وفن” للأطلاع عليها.
عدنان المبارك عشق السينما منذ كان يدرس في ثانوية البصرة حيث كان هو وزملاؤه يصغون لأحاديث صديقهم مصطفى عبود عن جمالية الفيلم.
إلا أنه في الحقيقة استعاض عن السينما بالتشكيل والنظرة الثاقبة والسرد، وأخيرا في التسعينات إستخدم الكومبيوتر الذي صار بالنسبة له كل شيء، يخترق من خلاله الزمان والمكان وعالم الأشياء وقهر الناشرين المتسلطين.
واريد هنا أن أذكر تجربتي معه عندما اشرفنا على موقع القصة العراقية لفترة قصيرة ثم تركتها بسبب مشاغلي الوظيفية بأنه رغم كونه متطلبا إلا أنه كان متساهلا متسامحا ويحاول أن يصوب الأخطاء قبل نشر النصوص رغبة منه في تشجيع الآخرين على النشر في الموقع، وبالذات الأسماء غير المعروفة آنذاك.
أحببت عدنان المبارك كثيرا لأنه كان صادقا لايدّعي ماليس له به ودقيق المعرفة والتواضع ومتعلما جيدا وساخرا ونشرت بعض القصائد الدنمركية المترجمة من قبله.
أما مساهمته في الكتابة عن معرض الفنانين التشكيليين الأجانب الذي نظمته شخصيا بمساعدة بلدية روسكيله فلا تقدر بثمن حيث كتب عنه مقالا رائعا.
خيراً فعلت صحيفة “العالم” العراقية بإعادة نشرها القصائد الدنمركية التي ترجمها إلى العربية، والتي نشرها في موقع القصة العراقية أيضاً، وأخيرا لابد من ذكر تجربة اعداد ملف عن الراحل عدنان المبارك وشكر المساهمين في الكتابة عنه مثل الكاتبة العراقية ميسلون هادي وعادل كامل والمغربي اسماعيل الغزالي وحسن بلاسم وآخرين لا تحضرني الآن أسماؤهم.
وأقدم هنا بعض القصائد الدنمركية التي ترجمها الكاتب الراحل عدنان المبارك.

 

عدنان المبارك

ثلاث قصائد للشاعر الدنمركي أوله سارفيج، يُلفظ سارفي  1921-1981 Ole Sarvig,

شاعر التأمل والشعور بالقلق الإجتماعي

ترجمة : عدنان المبارك 1935-2016

 
كتب الشاعر والروائي الدنمركي أوله سارفي أولى النصوص التجديدية في الدنمرك واستلهمته لوحات الفنانين الدنمركيين أسجر يورن وكارل هينينج بيدرسِن، مما يمكن ملاحظته في ديوانه الأول ” قصائد خضراء ” الصادر عام 1943 الذي جلب له الشهره لأنه ظهر كشاعر ناضج ومتأمل، يعالج الشعور بالقلق الإجتماعي بعدآثار الحرب العالمية. أصدر خمسة عشر ديوانا شعريا.
ساهم في مجلة هيريتيكا. أشعاره تقريبًا متنبئة وتشكل أسطورة عن الناس المتمدنين كما ظهر في كتابه “أنا بيت ” 1944.
حيث يكتب: “الزمن المتفتت / منحدر طيني رمادي / حيث يطقطق الحصي ” وفي “إنسان” (1948) ، حيث يكتب  “كل الأيام مهجورة / نحن، الذين نعيش، فارغون “. يستخدم سارفيج الشعر كلغة تشخيص، كما أشارت جريدة إنفورماشيون في مراجعتها لهذه المجموعة عام 1950:
يمكن ملاحظة انتقاد التمدن أيضًا في مجموعة التحقيقات كتاب كريسِن المصور، 1950، الذي يبين فيه العلاقة المقطوعة بين العالمين الروحي والمادي. أصبح الفن بالنسبة للشاعر وسيطًا بين الماضي والحاضر ومتطبعا بالقيم المسيحية. أصدر سارفي أيضًا أربعَ روايات. أقام في إسبانيا من 1954 حتى 1962 واتخذ موقفًا متحفظًا معينًا من الدنمرك والأدب الدنمركي. آخر ديوان أصدره عام 1981 كتبه تحت تأثير إحساسات خطيرة بسبب مرض زوجته ومن ثم وفاتها. تضع اشعاره هنا الجسد والروح بعضهما مقابل بعض من خلال وجهة نظره المسيحية الخاصة به. الشعور بالغربة ووفاة زوجته أدّى إلى انتحاره عام 1981.
أولَه سارفيج
نهار القمر
يضيء في الليل الأرضي
حيث البيوت واقفة  قفرًا وبكماً.
وبينها زوايا ضوئية زرقاء حادة*.
 
الليل يخيّم على العالم
وفي مواقد النجوم.
 
ومثل ومضةِ حلم ٍ
أو حدث طويل مستيقظ
في فناء القمر الخلفي الأبيض
أو في درب الشمس المشتعل.
الضوء الذي ينبضُ** على ممر السلالم،
حيث تصطفق الأبواب وتُطفئ بعد قليل،
مصائرٌ تعود متأخرةً إلى ديارها
حيث تسكن.
 
 
نجوم منتصف الليل الكبيرة
ندية طازجة متدليةٌ
في عناقيد ثقيلة كزهور بيضاء
نحو الزجاج المتجلد.
 
والغد – أسود ولم يولد.
 
* في الترجمة الإنجليزية: شرائط أو خطوط حادة.
** يستخدم الشاعر مفردة stikker  لها عدة معان حسب سياقها مثل: ينغز، يوخز، يلسع، يطعن، يهرب، تنميل، يؤلم ألماً حاداً، يوصل، يعطي، يجري، يتساقط، ينقر بمنقار، يلتقط، يحشر، تشع، يبرز، يظهر، وغيرها، لكن المترجم آثر ينبض بدلا من مثلا: الضوء يلسع أو يشع، أو يسقط.
 
 
تجوال
أنا آت، من سهول أحلام ضبابية
 وأمضي بعيدًا عبر غابة الكلمات.
 
هنا، من أماكن عالية غالباً ما أنظرُ
الى السهول خلفي،
لكن أغصانًا تظللها وتصبح بعيدةً،
وأنا في الطريق
نحو جبل البحر الكبير،
ومنه بحيراته الغابية المتلألئة،
حيث غالبًا ما أجلس، على الشاطيء،
هي صخرة قد إنفجرت متناثرة مرةً وجُرفت بعيداً
عن أرض الجبال.
 
وأنا في الطريق من جديد،
أمضي عبر عتمة الغابة،
حيث الكثير من الأشجار القديمة الرائعة
قد ماتت من صقيع الليل
في هذه الأمكنة.
 
وفي كل مكان
تُزهر حشود القراص، العاليةُ المعتمةُ.
——-
*nælderne نبتة القراص nettles أو الحرّيق والقرّيص، أغلبها وليس كلها يقرص ولهذا سميت بهذا الإسم ويعرفها الصغار قبل الكبار لأنها تقرص وتنغز. منتشرة جداً في الدنمرك وأوروبا، ومفيدة صحياً.
 
 
الدروب *
 
حبيبتي  
وجهك كان لي كنيسة
وقفت عاليةً فوق
عند حافة الغابة،
منيرة نحو تلك الدروب،
الكائنة أمامَ قدمك.
 
وقفت دائماً وأنرت،
حين قطعتُ الدروب
في بلادك.
 
أتذكر الظهائرَ حين أدرتِ
الوجه نصف إستدارة
في ظل غابة نهاية الصيف…
وفي الليالي المقمرة، حين كنت ترنين إليّ،
بودّ، تحت ساعة القمر …
 
دائماً كان وجهك الشاحب
في كلّ أيامي،  **
ينادي من حافة الغابة.
 
وكنتُ كما تعرفين قد تُهتُ.
لكني لم أكن أبدًا خارج
ضاحية وجهك.
 
*  من ديوان: الشعر الدنمركي. الكتاب السنوي لدار نشر جولديندال 1960
** فوق over أيامي: هكذا جاءت في الأصل:تعني هنا: في كل أيامي، وتعني أيضاً: أثناء، خلال، في، عبر، على، الخ، تحتمل أكثر من تأويل. المترجم.
 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : فلسفة الاغتراب في قصص السيرة عند الأديب علي القاسمي | الحلقة الاولى.

تمهيد الدكتور علي القاسمي لغويّ وباحث متمرس وأديب يتعامل مع الكلمة بإحساس مرهف وخيال عميق …

| مهدي شاكر العبيدي : بين أديبين .

من قبيل الغرابة أن يتماثل الاثنان و هما الروائي الروسي تولستوي و صنوه المصري توفيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *