| مصطفى الموسوي : كتاب لؤي عبد الإله “حين تغيرنا عتبات البيوت” والهوامش التي اصبحت متوناً .

في منتصف سبعينات القرن الماضي غادر القاص والروائي والمترجم لؤي عبد الاله وطنه العراق الى الجزائر، وقد اتخذ مساراً مغايراً ومختلفاً عن باقي المثقفين العراقيين حتى وصل الى لندن التي اندمج فيها بعد اتقانه الإنكليزية لغةً، أدباً، وثقافةً عامة، مما ترك أثراً واضحاً على تجربته الشخصية في الكتابة من حيث الغزارة والتنوع وطريقة التناول الحيادية الباردة في اختيار المواضيع الثقافية التي يتناولها، لكنه لايجيد الترويج لنفسه وهذا ما أعتقده للأسف.

صوت متفرد مبتعد عن السياسة الا في حدود التأمل، منعزلاً في ركنه الانكليزي الهادئ ليحيا صاخب العقل متأملاً صدى الأفكار التي تتلاطم في روحه ووجدانه بعد سنين طوال من التجربة والغربة، مسحور بالفن والصداقة والحياة يحاول التقاط حبات الجمال المتناثرة ليطرد الوحشة التي خلفتها كآبة المنفى الإختياري المجبر عليه، وفيما نبت له جذر في بلاد الضباب كان له هناك جذراً مازال متصلاً في العتبة الأولى لبلاده الهاربة من بين يديه فيما هو يحاول ان يتمسك به ويحافظ عليه من خلال زياراته القليلة وكتاباته عن العراق. 

يعرف الكثير ويكتب القليل هذا هو لؤي عبد الاله فبالرغم من كونه متنوع المعرفة الا انه كان متأنيا في الكتابة لا يمسك القلم الا بعد أن يهضم الموضوع الذي يكتب عنه بحيادية وبعقل بارد وروح ملتهبة، صاحب تجربة متوترة دائماً تبحث عن قالبها النهائي وهي بذلك صيرورة دائمة التحول من شكل ابداعي الى شكل اخر ترجمة متفاعلة، قصة قصيرة، رواية، مقالة نقدية، يوميات وغيرها.

ومع تأنيه فقد اصدر العديد من الكتب تنوعت ما بين مجموعات قصصية عديدة منها مجموعة رمية زهر، ومجموعة لعبة الأقنعة، ورواية كوميديا الحب الإلهي التي ترجمت الى اللغة الانكليزية، اضافة الى كتب اخرى، كما قام بترجمة العديد من المقالات والكتب ومنها كتاب خيانة الوصايا لميلان كونديرا.

كتاب(حين تغيرنا عتبات البيوت) الصادر عن دار دلمون الجديدة

وصدر للكاتب حديثاً كتاب(حين تغيرنا عتبات البيوت) الذي ضم عدداً كبيراً من مقالات الكاتب للفترة من عام 1990 -2020، توزعت على ثلاثة اقسام الكتاب بحسب فهرس الكتاب الذي اشار الى عدد أقل من المقالات المنشورة بين دفتي الكتاب، وجاء القسم الاول منه تحت عنوان (نصوص) وضم 24 نصا، أما القسم الثاني فكان تحت عنوان (مقاربات نقدية) وضم 9 مقالات  اما الجزء الثالث فكان تحت عنوان (انطباعات بصرية)  وضم 3 مقالات.

ما الخيط الذي يربط بين مقالات ثقافية في مواضيع متنوعة كتبت على مدى ثلاثين عاماً؟ هذا السؤال واجهني حين قررت الكتابة عن هذا الكتاب، لكني لم أجد بعد الانتهاء من القراءة  صعوبة في ان خيط المتعة وتناول المواضيع بطريقة مبتكرة ممتد من العتبة الأولى للكتاب وحتى الصفحة الأخيرة هو ما دفعني لتناول الكتاب احتفاءاً به وبالكاتب.

امتاز لؤي عبد الإله في هذا الكتاب بقدرته على تحويل الذائقة المعرفية المتنوعة إلى منجز ثقافي مترف من خلال تطويعه مواضيع مختلفة بأريحية تجعل حتى الهموم اليومية منجزاً ثقافيا، واستطاع من خلال طريقة تناوله تجاوز الطريقة التقليدية في تسلط الكاتب على القارئ.

وأنت تقرأ هذه النصوص ينتابك شعور ما لا يمكن إصطياده بمفهوم ولا وضعه في كلمة، لكنه يشعرك بشئ أكبر من الإنتشاء والمتعة والإغناء والشبع الفكري.

 بعض هذه النصوص وجداني تأملي فيما الأعم الأغلب منها معرفي ثقافي، لكن الممتع فيها هو الشعور بتحول فعل القراءة الى حوار، فنحن أزاء نصوص مفتوحة ذات أبعاد سائبة من نوع السهل الممتنع التي تتنقل بك من الجميل الى الاجمل ومن المعرفي الى الوجداني وتفتح امامنا آفاقاً واسعة للتساؤلات وفسحة رحبة للتأمل.

هذا الكتاب يناقش ويسلط الضوء على المخفي والمهمل لكن المهم في الكوميديا الإلهية لدانتي، ورسالة الغفران لأبو العلاء المعرّي، وعوالم الروائيان العراقيان فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان والشاعر محمد مهدي الجواهري والشاعر فاضل السلطاني الفيلسوف الألماني هيغل، وغوته وتولستوي ودستويفسكي وبتهوفن وفان كوخ وإيتالو كالفينو، وخيانة الوصايا لميلان كونديرا ، ورواية كازوو ايشيغورو ،فرويد، وكارل يونغ، وماركس ونتيشة وغيرهما.

ويوفر الكتاب فرصة لاستكشاف احداث تأريخية كان لها أثراً كبيراً ودوراً فاعلاً في تشكيل عالمنا المعاصر حتى بدون ارادة الفاعلين الرئيسيين فيها فللتأريخ مكره الذي يشبه بشكل ما فكرة المكر الإلهي في التراث الإسلامي، فيتناول الثورة الفرنسية وكومونة باريس، واثر التطور التكنولوجي على العلاقات الانسانية وكثير من الأحداث.

ان نصوص هذا الكتاب تباغت القارئ بطرح الأسئلة المراوغة التي تتسلل الى ذهن القارئ من حيث لا يدري مما تدفعه الى استذكار واعادة تقييم معلوماته بشأن ما تطرحه هذه الأسئلة وبين ما يعرفه، فاتحةً كوةً للتطلع نحو إضافة معرفية جديدة، خصوصاً اذا كان قارئها من نوع خاص وتستهويه مثل هذه النصوص المعرفية المتنوعة المدافة بلذة فكرية خالصة.

في العربية اعْتَتَبَ الطريقَ: ترك سَهْلَهُ وأخذَ في وَعْرِه، ولؤي لم يقبع مستكيناً على عتبة الدار يستشعر الأمان والدفء والطمأنينة المتوفرة في ظل الملاذ الأول، بل تخطاه إلى فسحة العالم المجهول والصعب يستكشف مغاليقه ليشكل هويته الشخصية وليبلور كينونته من خلال صيرورة وتحول دائم، وهو بسعيه هذا كأنه مدفوع لتحقيق غاية ما، ربما لم يصل إليها لحد الآن لكن المهم أن المتعة في الطريق لانه يعني الحياة، فالهوية نافذة مفتوحة على الآخر ومتشكلة من خلاله، وهي صيرورة دائمة اكبر من كونها كينونة ثابتة.

عالم لؤي عبد الإله الحقيقي في هذا الكتاب وهو يتنفس هواء الثقافة ينتمي الى الحرية والإلتزام الإنساني البعيد عن التزمت الإيديولوجي. هنا تجد هماً انسانياً خالصاً ينعكس على مرآة مثقف ذو هم وجودي، وذات شاعرة تراقب اجمل مافي العالم وتتنقل كفراشة في حقول متنوعة من المعرفة، كتاب، رواية، ادب، فلسفة، معارض رسم ونحت، مسارح، متاحف.

 ومن الجميل في لؤي ان موسوعيته تمنعه من التعامل بحدية مع حقول الثقافة كما يتعامل بها المتأدلجون، انه يتأمل ويتحاور مع الانسان والطبيعة، مع اليومي والمطلق، مع الماضي والمستقبل في بحثه عن الحقيقة، فمن يعتقد انه يمتلك الحقيقة كاملة يلغي مجهولات العالم وبالتالي ينفي اهمية الحوار ويلغيه من قاموسه ويرفض التطلع الدائم للمعرفة.

نحن هنا أمام عتبة، ثقافية، فلسفية، وجودية،عتبة وجودية كونها نافذة الإنسان الاولى بكينونته الضيقة وانفساحها نحو صيرورة مع تخطيه العتبة الأولى نحو الكون الفسيح.

في الختام يقول مظفر النواب

لكنَّني في المساءْ

وجدتُ على عُتْبَةِ الدّارِ

خمسينَ عاماً مِنَ الحُزنِ

جالسةً بانتظاري

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء ” : في مديح المجاز / علي هامش صحائف السيدة واو  .

1/ قبل يومين أو ثلاثة كنت أتصفح الأنترنت ورحت أطالع صفحات في الفيس بوك .رغم …

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *