| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) :
 
۱. تكشف لغة (فاطمة ناعوت) عن شعرية حداثيةٍ ، تجوزُ مفاهيم التجددِ والخروجَ عن المألوف ، والتحرر ، والثورة ، والهدم ، نحو لغةٍ ذاتِ مرجعيةٍ خصبةٍ : اسطورية ، ودينية ، وفلسفية ، وصوفية .
 
هذه المرجعياتُ هي المكونات الأولى لوعي الكاتبة ، أو هي الجينات الثقافية التي شكَّلت ذاتها الشعرية ، كما أنَّها في الوقت نفسه هي البذورُ التي تفتَّق منها خطابها الشعري .
 
٢. إنَّ شعريةَ (فاطمة ناعوت) لا تشبه أيَّة تجربة شعرية معاصرة لها ، فهي متأثرةٌ بموروثها الثقافي ، ومتأثرة بمختلفِ الاتجاهاتِ والرؤى المُغيِّرة ، سواءٌ أكان ذلك على المستوى الأيدولوجي الحديث ، أو على مستوى الوعي العتيق ، والعميق ؛ وأعني هنا أنَّها ذاتُ ثقافةٍ تتمدَّدُ جذورها في كلِّ ما هو بَدئي ، أو ديني ، فنصوصها الشعريةُ تغور عميقاً في آمادِ تاريخ الأفكار ، فاجتمع في نصوصها ما هو شرقي ، من عقائدَ ، وفلسفاتٍ ، وأساطيرَ ، وما هو غربيٌّ كالميثيولوجيا الإغريقية ، واليونانية ، فضلاً عن الفلسفتينِ : الهندية والفارسية ، وما جاء في الكتب المُقدَّسة على اختلافِ عهودها .
 
٣. حين تُواجه شعريةَ (فاطمة ناعوت) في ديوانيها : (شرفتي محطُّ العصافير) ، و(الأوغاد لا يسمعون الموسيقى) ، ستجدُ نفسَكَ وسطَ غابةٍ من الأنهار التي تتدفَّقُ عليك أفكاراً ورؤىً من مختلفِ المنابعِ ، والأمصار .
 
هذا السيلُ العارمُ من الأفكارِ والرؤى يحتاجُ إلى قارئٍ قادرٍ على السبرِ ، والحفرِ ، ويملكُ جيشاً من المفاهيم النقديةِ ، ليفتحَ مغاليقَ النصِّ أو النصوصِ ، فلغتها التي تبدو شفافةً ، وتخضعُ لقوانين النحو والصرفِ ، والمجازِ ، تحفلُ بنيتُها العميقةُ بإشاراتٍ ودوالٍ شديدةِ التعقيدِ ، تنزاحُ عن جذورها التاريخية الزاخرةِ بالإشكالياتِ والاختلافِ .
 
٤. إنَّ التعامل مع نصوصٍ مُثقلَةٍ بالرمز ، والتضادِّ ، والجَدَلِ ؛ لا يمكن أن يكونَ بمعزلٍ عن إدراكِ ماهيَّاتِ تلك الأصولِ ، وتلك المرجعياتِ التي شكَّلت (الأنا الإبداعية) في شخصيةِ (فاطمة ناعوت) .
 
٥. حتى لا يبدو الكلام عامَّاً ، سأقفُ عند نصِّها الذي يندرج تحت عنوان (طفلان) من ديوانِ (الأوغاد لا يسمعون الموسيقى) .
 
هذا النصُّ يثيرُ إشكاليةً على مستوى بنية الخطابِ ، هل هو قصة قصيرة أم هل هو نصٌّ شعري ؟ عناصرُ القصة مكتملةٌ : الراوي ، السَّارد ، الحدث ، الشخصيات ، التشويق ، التأزُّم ، العقدة ، ثمَّ حلِّ تلك العقدة .
 
وأيضاً الخصائص الشعرية في هذا النصِّ مكتملة : الإيقاع الداخلي ، المجاز ، الدهشة ، الإيحاء .. إلخ ، باختصارٍ نحن إزاء نصٍّ يغيبُ فيه الحدُّ الفاصل بين ما هو شعريٌّ ، وبين ما هو سرديٌّ .
 
في هذا النصِّ تُحاول (فاطمة ناعوت) أن تُعيدَ العالم إلى طفولته ، وأن تُخرجه من طور التوحُّشِ إلى طور البراءةِ ، وهو بنيوياً يقوم على التضادِّ ، التضادُّ العام هنا يقوم على الصراع بين ما هو طبيعي ، وبين ما هو حضاري ، وظهر هذا التضاد باللازمة اللغوية (كان يظنُّ) ، فظهر التضاد على النحو التالي : 
(القصر / الكوخ) ، (نعومة الحرير والفُرش/ خشونة الأخشاب) ، (الملكة / الخادمة) ، (المباهج/ الوحشة) ، (الازدحام / الفراغ) ، (العلى / الأرض) ، (الجواهر / الخبز المالح) ، (اليقين / الشك) ، (برج الكهرباء / النخلة الخضراء) .  
 
إنَّ (فاطمة ناعوت) تبحث عن الخلاص من هذا العالم المأزوم ، بتوظيفها اللافت لجبران ، وغاندي ، ولوثر كينغ ، وكأنَّها تختزل صورة الحضارة البشعة بما يدعو له جبران وغاندي ولوثر ، ولذلك ليس عجيباً أن تجعل الطفلةَ تطرق أبوابَ بوذا ، ولاما ، وابن العذراء ، وزرادشت ، فالكاتبة هنا تختزل وجع الحضارة ، ووجع الإنسان في عصر الحداثة ، وكأنّها تجعل الإنسان مركز الخلاص ، فلا ينتظر الخلاصَ من عالم الغيب .  
 
٦. إنَّ (فاطمة ناعوت) كاتبةٌ ذات رؤية نضاليَّة على مستوى المضامين ، تدور حول قضايا المرأة ، والمجتمع ، والسلام ، والإرهاب ، والتطرُّف ، وكأنَّها تعود بنا إلى مفهوم الالتزام ، وهي في ديوانَيها تحاول أن تجعلَ من تجربتها الفردية تجربةً عامةً ، وتحاول أن تُقدِّم رؤية جديدة للإنسان المعاصر ، فهي على مستوى التجربة تُعيدُ إنتاجَ الواقعِ المعاصر من الماضي أو من الموروث ؛ فهي تستحضرُ ذلك الموروث كأنَّه أشبه بحُلم كما يظهر من قصيدتها : من فوقِ غيمة .
 
هذه القصيدة أخذت شكلاً يستجيبُ لرؤيتها ، فبُنيت على هيئة مسرحية شعرية ، ظهرت فيها الكاتبة مُحايدة ، فصارت تطرحُ رؤيتها على لسان كليوباترا وأنطونيو ، ويبدو لي أنَّ فاطمة كانت على وعي تامٍّ بتقنية الحلم ، فبدأت الأفكار تتداعى تداعياً حرَّاً أشبه بالهذيان ، وأشبهُ باللامعقولِ : 
يا أنطونيو أراكَ من فوق غيمةٍ تحملني
وأنتَ تنظرُ إلى السماء .
ثمَّ يأتي صوت أنطونيو :
حبيبتي معلَّقة في سماء الصَّقيع
 
تظهرُ كليوباترا في عالمها العلوي ، ويظهر أنطونيو في عالمه الأرضي ، ثمَّ سرعانَ ما تخرجُ من تقنية الحلم ، حيث تتكسَّرُ القيود ، وحواجز الزمان والمكان ، ثمَّ تبدأ اللغة تُمارسُ طقوس العبور ، من الحلم إلى الواقع ، أو من اللاممكن إلى الممكن ، فتبدو لنا كليوباترا كأنَّها رمزٌ حرٌّ للمرأة المقموعة في الشرق ، والتي تخضع لسلطة القبيلة ، فتُستَلب في عالم الأرض وتُقهر ، ثمَّ ترحل إلى عالم السماء حيث الملاذ الآمن ، فتمرُّ كليوباترا بجُملة من التحولات ، فمرَّة تتجوَّل على ضفة النهر ، ومرَّة تشتبك ضفائرها مع غصون الدَّغل الكثيف ، ومرَّة تصعد شجرةَ الحنظلِ لتجدَ العصفورَ مخنوقاً يبكي ، وتجدَ الغرابَ يُضاجع الحدأة ، إنَّه باختصار قانون الغابة .
 
هكذا تُظهر لنا (فاطمة ناعوت) هموم الذات الشاعرة بواقعها ، وهموم الجماعة ، وهكذا تتخذ الكتابة عندها شكل الانعكاس ، أي كيف تنعكس بِنى المجتمع في بِنى اللغة ، وتأخذ الكتابة في الوقت نفسه شكل الإسقاط ، وتصبح كليوباترا مُعادلاً موضوعياً يفضحُ الواقعَ ، ويستدرجه إلى حيِّز اللاوعي ، لتبني من خلاله وعياً جديداً ، تتفاعلُ فيه اللغة مع هذا الألم ، وهذا الوجع ، أو لنقل مع قضية المرأة .
 
٧. في نصِّ محاكمة القمح (ص١٠٦) ، نجدُ أنَّ التجربة الشعرية تأخذ منحى آخر على مستوى الشكل ، إذ تظهر فاطمة ناعوت وكأنَّ تُنتجُ أسطورتها ، ولكن على شكلِ قصةٍ سريالية ، أو عبثية ، فيغيبُ السطر الشعري تماماً ، وتحضر كلُّ مكوناتِ القصة التي تبدأ بقولها :
تقف سنبلةٌ على بابِ بيتي
تحولُ بيني وبين عتبةِ الدارِ 
التي أسافر إليها منذُ دهور
حتى هدِّني التعب .
 
تلجأ الكاتبةُ إلى الأسلوب الحواري ، وتُقيم حواراً مدهشاً مع السنبلة ، ثمَّ حواراً مع حبَّات القمح التي تُمثل السنبلة لهنَّ الأُم ، ثمَّ تبدأ الذات الشاعرة من خلال تشخيص حبَّات القمح بطرح الأسئلة الكبرى ، تلك الأسئلة التي تحتاجُ إلى درجةٍ عاليةٍ من التأويل ، فهذه الأسئلة تُحيلكَ إلى رمزِ القمح في الموروث الفرعوني ، حيث تستحيل شخصية البطلة إلى رمزٍ مطلقٍ لمصر عبر التاريخ ، إذ تُقدِّم نفسها بأنَّها سليلة (ماعت) وشقيقة (حات حور) ، عمرها ألف عامٍ ، لكنَّها ما زالت طفلةً لديها دمية من قماش ، غزلتها لها (إيزيس) ، تحمل سبعةَ آلاف حقيبة ، في كلِّ حقيبةٍ أحلامُ أجيالٍ ثلاث ، وكأنَّها هنا تحمل تاريخ مصر ، وحين سُئلت في أيِّ حقيبةٍ تحملين الوطن ، أجابت أحمله في قلبي .
 
ثمَّ نجدها تتماهى مع هذا الوطن ، ونجدها تنزف ، ربَّما هذا النزيف هو إشارة رامزةٌ للصراع الأبدي ، فالوطن عندها ما زال ينزف ، والدم متجلِّطٌ في الشرايين ، وهنا تضع يدها على سرِّ التخلُّفِ الحضاري الذي يعاني منه الوطن ، إنَّها مفارقةٌ عجيبة ، فما زال الوطن ينزف بالرغم من أنَّه يحمل إرث سبعة آلاف حقيبة ، لا أريد أن أقول عام .
 
إنَّ شعريَّة (فاطمة ناعوت) شعريةٌ لا تخضع لقوانين البنية ، ولا تخضع لقوانين الشكل ، هي في حالةِ خرق دائمٍ ، وانتهاكٍ دائمٍ للشكل ، غير أنَّها لم تخرج عن نظام اللغة ، ولم تخرق قانون النحو ، أمَّا الخرق في علاقة الكلمات داخل الجملة ، و سلوك الكلمات داخل الجملة .
 
د. عاطف الدرابسة – الأردن
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مصطفى الموسوي : كتاب لؤي عبد الإله “حين تغيرنا عتبات البيوت” والهوامش التي اصبحت متوناً .

في منتصف سبعينات القرن الماضي غادر القاص والروائي والمترجم لؤي عبد الاله وطنه العراق الى …

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء ” : في مديح المجاز / علي هامش صحائف السيدة واو  .

1/ قبل يومين أو ثلاثة كنت أتصفح الأنترنت ورحت أطالع صفحات في الفيس بوك .رغم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *