د. عبد الستار الراوي : قمر الكرخ (سيرة دربونة بغدادية) (3)

إشارة : يواصل الدكتور عبد الستار الراوي نشر سلسلة ذكرياته (سيرته الذاتية) التي تسد نقصا كبيرا في الثقافة العراقية في مجال أدب السيرة الذي لا يقدر قيمته الكتاب العراقيون على الرغم من أن فيه حفاظا على الذاكرة العراقية التي تُشن عليها حملة شعواء لتهديمها من كل جانب خصوصا من الأميركان. تحية للدكتور الراوي في جهده المهم هذا .
إلى أمي مليكة حمادي وإلى دربونة زنْگوّْْ لوحة التنوير الاولى

الحلقة الثالثة
دربونة  زنْگوّْْ.
(1)
زنْگوّْْ.
جاء في الأخبار الطوال ومسامرات الليالي بأن  المعمرين القدامى  ذكروا بأن  اسم (زنْگوّ)ْْ.
أضفيَ على الدربونة  في زمن قديم مضى وإنقضى ، إثر حادثة  طريفة  علقت  بألسنة الناس فظلت الفحامة  تتداولها جيلا اثر جيل ،  قال عبد الجبار الحفصة ، عن جدته (هوية الحالوب) عن أبيها الذي قضى في الحرب العثمانية ، أنه سمع أمه  تروي الحكاية التالية (..   أن رجلا بدويا قدم إلى  محلة (الفحامة)  برفقة بعير ينوء  بحمل ثقيل من ملح الطعام،  يدور الاثنان في محلة الفحامة ويقطعان دروبها ، يتنقل البدوي  ببعيره  من باب لباب ، معلنا عن بضاعته، وعندما  ولج دربونتنا ، ووصل إلى منتهاها  حشر جسد البعير بين جدارين متقاربين يضيقان عند داريّْ (الحاج مشمش ونوره القدسي)، إذْ  لا تتعدى المسافة بين الدارين  من متر واحد .
.. حاول الرجل البدوي جاهدا  ومن حوله الناس إخراج البعير  من (زنفته) ، إلا أنهم أخفقوا
.. وأعادوا المحاولة مرة أخرى وأخرى .
غربت الشمس ذلك اليوم ، ووّلى النهار دونما جدوى , وحين إنتصف الليل ، أُسقط في أيدي الجميع ,  فلا الجدران تتزحزح من مستقرها ولا الحيوان المسكين  الذي أوهنت  قواه  الزنقة  قادر على النفاذ بجلده , وبدا متوجعا مما أصابه من التدافع وما تعرض له جسده  من رضوض جراء ضغط الجدارين فكانت  (جرجرة) البعير تبث كما الانين ، فبادر شيخ الدربونة الحاج مشمش العبيدي  وهو يوجه كلامه للبدوي ؛  رفقا بـ(الحيوان) ، فإنني أكاد أسمع بكاءه ..  لم يعد أمام الرجل الذي ملكته الحيرة واسقط في يده ، إلاّ حلاً واحداً لاغيره، وهو أن يضع النهاية بنفسه ، فيعمد إلى نحر البعير  في المكان نفسه الذي (زئق) فيه. وقد تضامن أهل الدربونة  مع البدوي وأخذوا على يديه ،  فدفعوا ثمن الضحية ووزعوا اللحم فيما بينهم .
قالت هوّية الحالوب : فى مروياتها :
“منذ تلك (الزنقة) المولغة في القدم. أضفى الناس على هذه الدربونة لاحقة التعريف فصارت الزنقة بلغة العامة – زنْگوّْْ –
(2)
تضمّ دربونة زنْگوّْْ  أحد عشر بيتاً , متراصة متداخلة , تحسبها بيتاً واحداً , يشق جناحيها درب ضيق طويل نسبيا , يبلغ طوله حوالي خمسة وعشرون متراً ولا يزيد عرضه عن خمس خطوات .
ينفرج في المبتدأ ويضيق في المنتهى عندما ينحرف الى جهة اليمين , ليشكل مدخلا ذا طاق واطئ , مستقلا عن  حوض الدربونة , ينفذ الى ممر بعرض متر واحد , أويزيد عليه قليلا , تتعانق فيه الجدران على نحو متداخل , وكأنها جدار واحد , وتطل على هذا الممر دار نوره القدسي ,تليها دار الحاج مشمش العبيدي ينحرف جهة اليسار قليلا , حيث تواجهك دار (الراوى). وعند هذه النقطة بالذات كانت خاتمة الفصل الاخير لمأساة  (البعير) ,  التي منحت  الدربونة إسمها العتيد .
.. يوحيّ التصميم المعماري التلقائي  لخارطة الدربونة  بأن (زنْگوّْْ) كانت في البدء بيتاً قائماً بذاته ، يضم إحدى عشر حجرة .. ثم أتى عليها حين من الزمن ، فصارت أحد عشرة بيتاً .
يضم الجناح الأيمن منها على التوالي الدور التالية  ؛
– دار علي ناصر الدويج .   ماهية (أم حميد) . أما الدار الثالثة فهي دار علي العكلة ؛ ذات الحجرات العشر والسدرة الباسقة ؛  وهي أكبر  بيوتات  الدربونة  سعة  وفضاء ، وكانت  بمساحتها وطريقة بنائها شبيهة بخانات الفحامة  ، قإلى جوار الحجرات الثلاث التي تشغلها  عائلة علي العكلة وزوجته  وأولاده نوري وصبري وحميد ، فإن الحجرات السبع الاخرى كانت تسكنها  عائلات :)   صديقة  وزوجها  وبناتها الست وولديها إرحيم وإنعيم ، حميد  الغناش وزوجته كيفية أم البنين  الستة ،  زكية الكردية وابنتهما الوحيدة مجودة ،  سبتي الاعمى وزوجته خدوجة وابنهما فليفل).
–  دار الحاج مشمش العبيدي وزوجته حمدة المحنة ، وولدهما  جميل وعائلته المؤلفة    من  ( أسعد ، سعود، نزار ، مزهر ، ربيع ، وسعدية وضوية )
– دار الراوي يضم ثلاث حجرات ؛
الاولى تسكنها عائلة عبدالجبار الطه وزوجته فتحية العساف واولادهما .
الحجرة الثانية تضم عزالدين  المحمود وزوجته مليكة الحمادي  وأولادهما ( ألمازة ، عبدالستار ، سعدية ، وداد ، سعد ) .
الحجرة الثالثة ؛ كانت مخصصة للضيوف والامتعة .
-دار نورة القدسي (أم خالد) .
أما الجناح الأيسر فيضّم على التوالي .
– دار  جمال وزوجته حمدة النعيمي .
– دار عبدالرزاق العبود وزوجته حفصة.
– بطوشة زوجة الصكلاوي .
–  دار  زيدان خلف الجنابي .
–  جرمط وزوجته ملكة (أم رشيد) .

(4)
الطين. الأجر الأصفر. جذوع النخل. الحصران لغة تكوين منازلنا الأولى . صلة حميمية دافئة ، متعانقة ، متداخلة , وبمحبة حانيّة ، تتكئ  كل دار على الدار الاخرى ، تشكل فيما بينها, حبلاً سرياً  يشدّ قلوبها شدّا, لا ينفك أو يتراخى ,  حتى أضْحتْ زنكوّْ كلها بيتاً واحداً .
قد تكون بيوتنا في ذلك الزمن من الاربعينيات؛  بسيطة , وصغيرة , وأقل سعة، وحياتنا أكثر فقراً , لكنها بكل تأكيد كانت الأقرب للطبيعة , والأرحب حرية ، أنشأت حياة مفعمة بالبهجة والجمال والرضى
باحاتها مفتوحة الآفاق فيأتيها الهواءُ والطيرُ والأنوار .. كما لو كانت حديقة زاهرة بلا أسوار  إلى أن إقتلعتنا الحداثة الباردة القلب ، لنلج غابة الأسمنت ذات الستمائة متر المسلح ، فافتقدنا الدفء ، والألفة ، والشاعرية .
يقول الصديق الكرخي  سامي مهدي في إحدى روائعه الشعرية؛  ( واسع وجميل هو البيت لولا السياج) ..!!
.. إن مفهوم البيت البغدادي القديم،  في الزمن البهّي كما في (زنْگوّْْ.) أخلّى مكانه في الأزمنة الباردة والأمكنة الأشد إغتراباً إلى القصور المنيفة والعمارات الشامخة، التي قد تكون كبيرة ، لكنها واطئة السقف شحيحة الضوء وقد تكون (عمياء) ، عديمة النوافذ ، كما لو كانت قبوراً بعدة طوابق .
(5)
منذ البدء حتى آخره خمسينيات القرن الماضى ، والدربونة كانت بيتاً واحداً ، عامراً بالأيام الحلوة ، زاهرة بالحب ، تحدثت أُمهاتنا  عن الزمن الجميل : “إن زنْگوّْْ. شأن غيرها من أزقة بغداد العريقة ، وضّعتْ يدها على السرّ العظيم – المحبة– صانعة الخيرات والفضائل الإنسانية ، فأشرقت في النفوس قيّم :  الإيثار , الشهامة ، الشيمة ، النخوة .السماحة , البساطة , البراءة ,السخاء عبر ثلاثية  الفردوس المقيم  : الفلوب البيضاء , المحبة الصافية , التتراحم.
.. فالدور الأحدى عشرة تتواصل في السراء والضرّاء ، تلتقي القلوب والعقول عند الضرورة السببية  فكان وجع الكائن الواحد كلياً ، فما يصيب داراً يحلّ بالدربونة كلها من أول بيت حتى آخر بيت .
.. وطبقاً لقانون الفطرة الأولى ، فأن التآزر المتبادل هو ذاته في أحوال الفرح وطقوس الغبطة ، كما في الارزاء .
.. علمتنا وصايا الأمهات : (إن من يضاحكنا قد لايكون  صاحبا وفيا  ، ولا نحمل على من يبكينا بل قد يكون هو الصاحب والصديق ) .
(العين المفتوحة على الذات دون الآخر ، تجلّب الإنانية ، وتوقع صاحبها فى الضلاّل) .
لأن الفردية بلّوْنها النرجسي موضع ريبة على الدوام ، قد تكون صالحة مرة ولكنها ذميمة في غالب المرات .
أما الإرادة العامة فهي صالحة في كل الأزمان. وهو ما درجت على توكيده وقائع الحياة .
فانصياع الفرد للمشيئة العامة هو المبدأ العملي الأعلى الذى جعل بيوتنا الصغيرة تنشدّ لبعضها ، تتآزر في كل ما يتفق مع المصلحة الكلية.
فالفرد الذي يّعي كينونته في محيط الكل لابد أن يدرك أيضاً بأن حقوقه الطبيعية الوحيدة هي تلك التي يتمتع بها الناس كافة ..
وهذا هو القانون الذى جعل الحياة نضرّة متألقة ، تزْخرّ بكل هذه الخصوبة الباذخة من المعاني الإنسانية العذبة .
Zangaw41@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عايدة الربيعي : الامتداد الإبداعي والطلاقة والمرونة عند الفنان التشكيلي العراقي مهرجان كلاويز الدولي 2022.

يرى البعض من النقاد ان فن التصوير (الرسم الملون) هو فن حسي اكثر مما هو …

| د. فاضل حسن شريف : الهجرة القسرية واللجوء في القرآن الكريم.

صادف خلال شهر يونيو حزيران اليوم العالمي للاجئين. كلمة لجوء مصدرها لجأ، واللجوء تأتي بمعنى الالتجاء. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.