| إيمان المحمداوي : حلم أعمى .

ربما كانت ذاكرته معلّقة، حين حاول النأي عن المرآة كي لا يرى خيباته المتكررة، وفوضى حواسه المتشظية، وهو يبحث عن  سرير خال إلا من أحلامه، وسط ظلمة تغلفها جدران مغلقة، فيهرب نحو حلمه الجميل كي ينأى به عن أيامه المتعرجة، فيغذ السير في طريق مكتظ بالأماني.

هذا ما كان يجول في باله وهو يغلق باب غرفته، ويحذر زوجته وأولاده من أي ضوضاء قد تقلق نومه، بعد أن دخل البيت بوجهه العابس، المثقل بأعباء العمل، متذمرا من زوجته المنهمكة دوما في فوضى أطفالها ومشاغل المنزل.

جال بنظره في فضاء الغرفة، وكأن ملامحها غابت إلا من ذلك السرير الذي يجمعه دوما بأحلامه التي ينسجها خياله، هاربا من زعيق زوجته، ووجهها المنهك، ورائحة المطبخ التي عبقت بملابسها.

        عندما اضطجع على سريره المؤثث برائحة جسدها المتخم بأنوثتها الطاغية وهو يتلمسها ويداعبها، أتاه زعيق زوجته  من خلف الباب وهي توبخ طفلهما المشاكس، استيقظ من غفوته التي ما فتأت تطرق بوابة الأحلام، حينها اختفت تلك اللمسات، بينما رعشة رغبته ما زالت تباغته.

نهض نحو الباب مجلجلا بصوته الغاضب، أطلق لعناته وتوعده بهم، ثم رجع ليغلق الباب بالمزلاج، ثم عاد إلى السرير باحثا عنها، تقدمت خطواته نحوها، وجدها ممددة فوق سرير من عشب أخضر، ووهج الشمس يشرق في عينيها، تنسج شالات من ألوان قوس قزح تنثرها من حولها، بينما تلف جسدها في ملاءة شفافة وهي تناديه أن يقترب.

مد يده نحو درج في خزانة كانت قد وضعت بجانب السرير، فتحها ليخرج سدادة الأذن وغطاء العين المعتم، كي يعيش حلمه الجميل معها، فلا يرى ولا يسمع سوى حديث جسدها المشتعل، يلتقط أجمل كلماته وهو يكمل مآثره. ألقى برأسه على ذراعها، استدارت نحوه، قبلت جبينه ثم سحبت ذراعها ونهضت وهي تناديه: تعال معي.

نهض خلفها يندفع من الباب، يتبعها وهو لا يرى غير جسدها الممشوق يسبقه، ولا يسمع غير همسها المتناغم على وقع موسيقاها الساحر، وهي تهمس له:

  • أنا الحب.. أنا الحياة

*****

مرّت ساعات الليل وعبثا حاولت زوجته فتح الباب الموصد من الداخل، الذي لم تجرؤ على طرقه خوفا من غضبه إن حاولت إيقاظه، آثرت النوم مع صغيرها في غرفته، وتركته يداعب أحلامه في نشوة يصنعها لنفسه.

انقضى الليل وانقضى الحلم حين أيقظه رجاج الجوال الذي وضعه تحت وسادته، إنه موعد العمل، فتح عينيه فإذا بالظلام يخيم على المكان، أعطى المنبه غفوة ليرجع نحو لذة الحلم، لكن رجة أخرى من جواله أيقظته، تأفف من الظلام الذي ما زال يهيمن على المكان، وأخذ يصدر لعناته على حياته البائسة مع نهار يبتدئ بالظلام بانطفاء الكهرباء.

اعتمد على لمسات يده ليجد طريقه نحو ملابسه ويرتديها ثم يخرج متعجّلا يبحث عن دربه وسط الظلام، (عجبا.. ما يحدث؟ هل هناك كسوف كلي؟ وأين ذهب الجميع؟ لمَ الطرقات خالية، والسماء معتمة). سار في طريق تخيّم عليه العتمة، متعثرا بمطبات لا حصر لها، لا صوت لأحد كي يسأله ماذا حدث؟ لا يعلم هل ما زال يسكن الحلم؟ هل تحول حلمه الجميل إلى كابوس؟ أخذ يصفع خده لعله يستيقظ، لكن لا  جدوى، حاول الرجوع للمنزل، لكنه أضاع طريق الرجوع وسط هذا الظلام الشاسع والصمت الرهيب، لا يعلم كيف السبيل للوصول للعمل، ولا يعلم كيف السبيل للرجوع للمنزل، ضاع وسط شوارع خاوية، (ما الذي حصل؟ أين ذهب الجميع، أين أنا) سؤال تردد في نفسه من دون إجابة.

 اصطدم بجدار أسقطه أرضا، نهض وهو يتلمس جبهته بحذر، فالألم زاد من توتره، استدار ليحوّل اتجاهه لعله يجد طريق الرجوع، ارتطمت قدمه بحافة الرصيف، سقط أرضا ثانية، حاول النهوض لكن قواه خانته، جلس محاولا لملمة نفسه، هدأ الوجع قليلا لكن الرعب ما زال يدب فيه، والهواجس لا تفتأ تتملك عقله المتعب.

أخذ يتنقل من مكان لآخر وهو يرتطم بكل شيء من حوله، ظل يشعر بالألم من دون سماع  صدى ارتطامه، زاد جزعه وازدادت مخاوفه، أخذ يركض وهو يتلمس كل شيء من حوله، أخذ  بالصراخ، نادي على زوجته، أولاده، أصدقائه، جيرانه، كل من يعرفه، ولكن من دون جدوى، فلا مجيب لاستغاثته، لحظات وتتزاحم عليه الأيادي وتمسك به، يسأل أصحابها من دون رد، يتملكه الرعب من تلك الأيادي الصامتة، سحب نفسه من بين تلك الأيادي وهرب وهو لا يعرف إلى أين تقوده خطاه، وعبثا حاول أن يدرك ماذا حدث؟ وأين الجميع؟ وما الذي حصل؟ لمَ هذا الصمت وتلك الظلمة؟ ولمن تلك الأيادي الصامتة؟.

        خفف من سرعة سيره، فلم يعد جسده المتعب من كل تلك الكدمات يعينه على الجري، ” ما فائدة الجري وأنا لا أعلم إلى أين أنا ذاهب” . هكذا تحدث مع نفسه من دون أن يسمعه أحد، أو قد يكون هو لا يسمع غير صوت رأسه.

استوت الأرض تحت أقدامه، لم تعد الأرض صلبة، غاصت قدماه وهو يرفعها بتثاقل، ” يبدو أنها أرض طينية” أحس بالماء يبلل قدميه، تراجعت خطواته إلى الخلف، أو هكذا خيل له، فما عاد يدرك الاتجاهات، ارتفع الماء حتى منتصف جسده، تزحلقت قدماه فغاص في الماء، غمر الماء رأسه وهو يستغيث، ولا يسمع ردا، وإذا بموجة قوية ترفعه ثم ترميه ليغوص نحو القاع فيسقط غطاء العين من رأسه ويبصر شمسا تطفو فوق الماء، وبشرا يلوحون له من بعيد على حافة الجرف، تذكّر سدادة الأذن، سحبها ليسمع أخيرا صراخهم، ويرى شهقات موته.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بختي ضيف الله : قصة قصيرة / قلب الوحش .

في يوم عطلة بارد جدا، ارتدى “عليوة”معطفه الأسود المرقع، يمشي متعثر الخطى، شارد الذهن، يتفقد …

| د. قصي الشيخ عسكر : العث .

كانت تقول له إذهب وحدك وتمتع مع أعضاء التعاونية بمراقبة حشرة العث أمّا أنا فسأبقى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *