| صالح الرزوق : نقطة المصالحة والتوازن: قراءة في نسائيات جنان النعيمي  .

لا يوجد شكل أو بنية محددة في قصص “تعويذة السفر عبر عينيه” لجنان النعيمي الصادر عام 2021 عن دار سطور وسومر في بغداد*. هذا إذا وافقنا أنها قصص جدلا. حتى الكاتبة تعترف أنها كتابات ونصوص وتسميها (رؤى جامحة). وفعلا هي كتابات تتراوح بين القصة وقصيدة التفعيلة والخواطر. ولكن ليس هذا هو المهم. فالجمع بين عدة أشكال وأساليب معروف ابتداء من “الأغاني” لأبي الفرج (في القرن الثامن الميلادي) وحتى “أوراق الرماد” للشاعر محمد عمران (1982). المهم هو كيف عبرت الكاتبة عن رؤاها الجامحة (كما قالت علنا وصراحة)؟؟!!. لقد اختارت أن تبتعد عن الواقع، وعن كل الأساليب الموضوعية، ولم تقدم لا أحداثا متسلسلة ولا شخصيات واضحة المعالم، وتهربت من تسمية هذه الشخصيات الغامضة والمحتارة والتي تتخبط بشباك ذاتها وليس على أرض الأحداث. بتعبير آخر كان يغلب عليها الاستلاب، فهي غريبة عن نفسها وعن واقعها.

وبهذا السياق تقول:

غربة قاتلة تحيق بي. ص7.

تجولت في عالمك الغريب. ص11.

جلست معهم وهي شاردة الذهن منفعلة قلقة. ص14.

هذا الانسلاخ من عالمي. ص36. وهكذا…

ومثلما اختبأت كل شخصية وراء ضمير منفصل أو متصل (هو، هي، أنا، أنت) اختارت للمكان حدودا غامضة كأن تقيم بين طيات السحاب (ص39) أحيانا، أو تتجول فوق غيوم أثيرية وكريستالية (ص56). وفي بعض الأحيان تلمح إلى أن الحبكة تدور في كواكب غير الأرض مثل كوكب تامرا (ص64) وكوكب الثريا (ص83). وأنت لا تستطيع أن تعلم هل هذا يجري في أحلام الشخصيات أم أنها تكهنات لخيال علمي. ولذلك يقفز للذهن فورا مشكلة الربط بين السفر والعيون (حسب ما ورد في العنوان). فتلك العيون لم تكن تراقب المسافرين حقا، وتنقل لنا معاناتهم، ولا تعنى بتقديم أي تفاصيل مرئية عنهم، بل كانت تدور حول ألغاز ومعميات وأطياف. كما أن الحوار كان إما بشكل شخص يسأل نفسه ويجيب عليها، أو بطريقة خطاب هاملت لطيف والده القتيل. ويمكن أيضا أن تجد شيئا يشبه نبوءة ساحرات شكسبير،  ولو أنه طفيف. فالأحداث مبنية على الحدس والتكهن، ثم على الإحساس بالأثر، وليس الرؤية بالعين. ولذلك تلاحظ زيادة كبيرة في استعمال كلمات ظنية. ومنها: سرحت مع مخيلتي (ص8)، خيل إلي (ص8)، تناجي الزوايا الداجية (ص62)، وغير ذلك. وأستطيع أن أذكر هنا بتجربة حداثية من هذا النوع هي “عيون في الحلم” لعبد الرحمن مجيد الربيعي شيخ القصة العراقية في الستينات والسبعينات. وغني عن الذكر أن الأدب العراقي في تلك الفترة أدمن على هذا الأسلوب. ومن أمثلته عبد الستار ناصر وجمعة اللامي ومحي الدين زنكنة وآخرين. ولكن إذا كان الدافع آنذاك هو التهرب من سلطة الرقابة وامتلاك مساحة أوسع للمناورة وحرية التعبير ما هي مبررات جنان النعيمي؟؟.

ليس من السهل أن تجيب على هذا السؤال.

ولكن هناك عدة احتمالات. وفي المقدمة أن التجربة النسائية غالبا هي معاناة نفسية ووجدانية. ولا يمكن أن يهرب أحد من هذه الحقيقة. وأدبنا منذ الخمسينات (وتمثله السورية وداد سكاكيني ومي زيادة) وحتى الوقت الراهن، يدور حول نفس النغمة. وهي وأد المرأة في مجتمع يزداد إنكاره لها. وهو ما يتأكد أيضا في تجارب نسائية أوروبية تنعي التعنت الاجتماعي لطبيعة مذكرة وقاسية كما هو الحال في روايات فرانسواز ساغان أو آن إينرايت. فكلتاهما تقف بوجه مجتمع غامض ينظر للمرأة على أنها خطيئة وجودية ويجب الحرص منها. وكلتاهما تتابعان مفاجآت غير محددة يفرضها القدر على النساء والأطفال كأن المرأة كائن بدائي وأداتي (للإنجاب والتربية وليس الانتاج والتطوير).

وهنا لا بد من الإشارة لنقطتين لا يخلو منهما أي نص في هذه المجموعة.

الأولى أن “تعويذة سفر” تكتفي بالندب والتظلم، ولا تفكر بالخطيئة لكسر القشرة الصلبة التي تقيدها. بالعكس هي تدعو للتقارب مع المنظور الأخلاقي لجيل الإصلاح والنهضة، وتفتخر بنكران الذات وبالوفاء والتضحية في سبيل سلامة العائلة. وهذا أول تمايز عن حداثة الستينات (كما تمثله ليلى البعلبكي وكوليت خوري). ومن الواضح أن فكرة تحرر المرأة هي غير تحرير دورها الاجتماعي. ولا يمكن لأحد أن ينكر عمق السجال الذي قيد الحرية بمنظومة من الأخلاق الخاصة، وهو الرهان الذي شغل كل أدبيات صراع الشرق مع الغرب بدءا من “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس وحتى “رصيف العذراء السوداء” لعبد السلام العجيلي. فقد كان السيف الذي حاربنا به هو الأخلاق وليس العلم ولا القوة، الأمر الذي يسهل تأنيث المذكر، وبالمثل يقلل من تأثير غواية الغرب على روح الشرق الموجوع. وبوجيز العبارة تغيب من القصص الأهداف التربوية لأدب عصر الأنوار وأهداف الحداثة العصابية المثقلة بالطيش وروح المغامرة والتي كانت تحض على الخطأ والمعاصي وبنبرة انتحارية عنيدة (وأشير إلى “الآلهة الممسوخة” لليلى بعلبكي – “ليل الغرباء” لغادة السمان – “شجرة الليمون الصغيرة” لسميرة بريك وغيرها..).

النقطة الثانية أن كل قصص المجموعة لا تنتفض بوجه المجتمع الظالم ولكن بوجه مندوبه وهو القرين أو الحبيب. ويلفت انتباهي أيضا غياب الأبناء والمجتمع من المعادلة. فالأصدقاء والجيران والبشر في الشوارع في حالة غياب تام. وهذه أول علامة على انفصال الذات عن الواقع سواء الموضوعي أو الشخصي. إنها قصص نمطية. لا ترى من العالم غير نفسها بمواجهة ذئاب بشرية هم الرجال. وضمن هذا السياق تتحول الحياة لمهمة مستحيلة ولا يجوز أن تنتهي إلا بالاستسلام أو التمرد. وهو ما تختاره بعض القصص في مشهدها النهائي. ويمكن أن تعتبر أن هذه نقطة مفصلية وهي مركز وثقل الدراما في كل القصص بلا استثناء. فالأحداث تتراكم بشكل أفكار ومشاهد حتى يحين وقت تدمير النواة وتفجيرها أو فتح أبواب الغرف المقفلة.

ومثلما يكون التقاطب بين مذكر ومؤنث يتحول لتقاطب بين ظالم ومتمردة.

هل هو إشعار بثورة ما؟.

يمكن أن تشعر ببوادر انتفاضة صغيرة قد تندلع لاحقا. وهو ما يحسب لصالح قصص النعيمي. فالروايات النسائية التي ختم بها هاني الراهب مشواره (ومنها “خضراء كالمستنقعات” و”خضراء كالعلقم”) تبدأ من تفكيك الواقع وملاحظة نقاط ضعفه لتنتهي بالاستسلام المريع والمؤسف له. ونظام المعرفة (ويرمز له دائما بجيل الطليعة من الشباب أنصار الحداثة والتنوير) يتحول قبل الخاتمة بسطور قليلة لمجرد مياه راكدة يخيم تحتها الموت والظلام.  ولا يشذ العراقي نجم والي عن هذا المنطق. فنساء رواياته الأخيرة تهبطن على سلم التطور من اكتشاف الذات إلى تفجيرها ونحرها. وهو ما تمثله سارة (في “إثم سارة”) ثم سعاد (في “سعاد والعسكر”). وصناعة التفاؤل في مطلع هذه الأعمال سرعان ما تنتهي إلى ذهان يترك فراغا واضحا في وعي الشخصيات. أما جنان النعيمي فهي تشذب من رغبات شخصياتها قليلا وتدعو لمزيد من الانضباط إنما لا تتخلى عن الشعار المعروف “إن الحق يؤخذ ولا يعطى”.

يبقى ملاحظة أطرحها بشكل سؤال فني. ما الغاية من نشر القصص مع القصائد، ولا سيما أن القصص تكسر كل القوالب المعروفة، بينما القصائد تلتزم بأسلوب رواد المهجر ولا سيما نسيب عريضة وميخائيل نعيمة وبقية هذا الرعيل الذي حقن الرومنسية الغربية بوجوديات العقل السلوفيني الروسي؟..

هل هي دعوة للمصالحة بين الفرقاء؟. أم أنه بحث عصابي عن نقطة توازن في مرحلة اختلت بها كل المعايير؟؟.

 

*الدكتورة جنان النعيمي، متخصصة في علوم التربية، وحصلت على الدكتوراة في “طرق تدريس اللغة العربية” من جامعة المستنصرية. فازت بالجائزة الثالثة بمسابقة القصة العراقية عام 1998. وصدر كتابها الأول بعنوان “تعويذة السفر عبر عينيه” عام 2021 في بغداد/ 155ص.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مصطفى الموسوي : كتاب لؤي عبد الإله “حين تغيرنا عتبات البيوت” والهوامش التي اصبحت متوناً .

في منتصف سبعينات القرن الماضي غادر القاص والروائي والمترجم لؤي عبد الاله وطنه العراق الى …

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء ” : في مديح المجاز / علي هامش صحائف السيدة واو  .

1/ قبل يومين أو ثلاثة كنت أتصفح الأنترنت ورحت أطالع صفحات في الفيس بوك .رغم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *