| د. عاطف الدرابسة : مشكلاتُ النقد في الدراسات العربية .. رؤى نقدية .

النَّقدُ المُغيِّرُ :
 
لعلَّ الإشكاليَّةَ الأولى التي تُواجهُ الباحثَ تدورُ حول سؤالين : ما الأدبُ ؟ ما النَّقدُ ؟ 
هذان السُّؤالانِ قديمان جديدانِ ، حولهما تدورُ النَّظريةُ النقديةُ الحديثة ، أو لنقُل تحوُّلات النظريةِ النقديةِ الحديثةِ ، التي يمكن أن أُجمِلَها في المحاور التالية : الشَّكلانية ، الماركسية ، الفرويدية ، البنيوية ، التفكيك ، وما بعد التفكيك .
 
تلك الأسئلة لم تأتِ من فراغٍ ، فهي في الأصلِ مُنتَجٌ حقيقيٌّ للصراعِ ما بين ثنائيةِ الشَّكِّ واليقين ، وهنا لا أُشيرُ إلى ديكارت بقدرِ ما أُشيرُ إلى هيجل ، حينما تحدَّثَ عن الجدل ، أو (الديالكتيك) ، فهو عنده يعتمدُ على عمليةِ التناقضِ بين الأطرافِ المتضادَّةِ ، وعلى مادةِ الموضوعِ الذي يبحثه ، والأطرافُ المتضادَّة عنده هي تعريفاتٌ للمفاهيمِ المنطقية التي تُعارضُ بعضَها البعض . 
 
إنَّ ثنائيةَ الشَّكِّ واليقين ، والجدل حولَهما وبهما هو المُفعِّلُ الحقيقي للتطوراتِ والتغيُّراتِ التي حدثت في نظريةِ المعرفةِ عموماً ، ونظريتي الأدبِ والنقدِ خصوصاً .
 
إنَّ ثنائيةَ الشَّكِّ واليقين مرتبطةٌ بفكرةِ (المركز) ، وفكرةُ المركز هنا أيضاً ينناسلُ منها ثنائيَّةٌ متضادَّةٌ تنهضُ على سؤالينِ هما : هل يوجدُ مركزٌ ثابتٌ للمعرفة ؟ أم المركزُ متغيِّرٌ ؟ أي نحن إزاء ثنائيَّتين هما : المركز الثابتُ والمركز المُتغيِّرُ ، “إنَّ المعرفةَ في حدِّ ذاتِها كيانٌ متغيِّرٌ ودائمُ التحولِ ؛ لأنَّ العالم الخارجي الذي يرتبطُ به الوجودُ في حالةِ تغيُّرٍ وتحوُّلٍ مستمران ، لكنَّ تحقيقَ المعرفةِ في هذا العالمِ المتغيِّرِ والمُتحوِّلِ تفترضُ فلسفياً وجودَ مركزٍ ثابتٍ ؛ يرى ديريدا أنَّ له أسماءً مختلفةً عبر تاريخِ المعرفةِ الإنسانيَّة مثل : المركز الثابت ، مركز الوجود ، الجوهر ، الكينونة ، الحقيقة ، الوعي ، الله ، والإنسان” (المرايا المحدبة ص 30) .
 
إنَّ هذه التسميَّاتِ تُشيرُ إلى المدلولاتِ العليا التي تُمثِّلُ أرضيَّةً ثابتةً ، تقفُ فوقها متغيراتُ العالم ، وهذا المركزُ الثابتُ هو ما يرفضه المشروعُ التفكيكي ، وقد تستغربون لماذا اتخذتُ من التفكيكيةِ وما بعدها مفتاحاً لمناقشةِ مشكلات النقدِ في الدراساتِ العربيةِ ؛ فالتفكيكيةُ وما بعدها لم تأتِ كما أجمعَ النُّقادُ الغربيون والعربُ بحسبها ردةِ فعلٍ على البنيوية ، وإنَّما جاءت كردَّةِ فعلٍ على بنيةِ العقل الإنساني عبر آماده التاريخيَّةِ ، فنظريةُ المعرفةِ في الأصلِ كانت مرتبطةً بسلطةِ الآلهة ، وهنا أُشير إلى المُنتَج الأسطوري ، إذ كان يوصف الشاعرُ بأنَّه الشخصُ الذي يثيره الإله ، وكان يُنتظَر من الشاعرِ أن يتلو قصة واقعيةً ، لأنَّ صدقَ قصته سيكونُ اختباراً لإلهامه الإلهي ، وكانت مهمةُ الشاعرُ إذَّاك إسعادَ الآخرين بقدرةٍ منحه إيَّاها الإله ، كما يظهر في الأوديسا كما على لسانِ (سينيوس) :
“سلْ الشاعر المتجوِّلَ المُقدَّس ديمودوكس أن يحضرَ إلى هنا ، فالإلهُ منحه الغناءَ على نحوٍ لم يمنحه للآخرين ؛ ليدخلَ السرورَ إلى نفوس الناس بالطريقة التي تثيره بها روحه إلى الغناء” . (صناعة الأدب ر.أ سكوت جيمس ص 33) 
 
هذا النصُّ يكشفُ عما يلي : 
١. المرجع الثابتُ هو الإله .
٢. مصدر الإلهام هو الإله .
٣. لاحظوا عبارة أن يتلو الشاعر قصة واقعية .
 
معنى هذا أنَّ أصل القصة هو الشعر ، وأصل الرواية هو الشعر ، أي القصة بالشعر ، ثم أرجو أن تُربط هذه القصة بإشكالية مصطلح القصيدة بالنثر ، أو قصيدة النثر وهي مجال حوار . ثم لاحظوا مصطلح إسعاد الآخرين ، وحاولوا أن تقيموا علاقة بينه وبين مصطلح (الفن للفن أو الفن للمتعة) ، ثم لاحظوا معي عبارة الشاعر المقدس ، ثم حاولوا أن تقيموا علاقة بينها وبين ثنائية المقدس والمدنس ، أي بين ما هو ديني وما هو دنيوي وإنساني . ثم لاحظوا عبارة صدق قصته سيكون اختباراً لإلهامه الإلهي ، ثم أرجو أن تقيموا علاقة بين هذه المقولة وبين عبارة الواقعي والمتخيل في النقد الحديث والدراسات العربية ، ثم لنتأمل مصطلح الإلهام الإلهي ، وأرجو هنا أن ينفتح هذا المدلول على ما يلي : مصطلح الإلهام ، العبقرية ، الإبداع ، القوى الخفية ، الوحي ، شيطان الشعر ، وثنائية الشاعر والنبي .
 
كما قلتُ فإن التفكيكية تسعى إلى هدم فكرة المركز ، وتأملوا معي مصطلحات ديريدا : 
– الكينونة وتحيلنا إلى البنيوية وهايدجر .
– الحقيقة وتحيلنا إلى الواقعية الماركسية . والواقعية الحقيقية ، وجورج لوكاش 
– الوعي ويحيلنا إلى فرويد ، ومخرجات علم النفس .
– الله ويحيلنا إلى الوجودية ، وتجلياتها ومخرجاتها .
– الإنسان ويحيلنا إلى المنهج التاريخي والمنهج الاجتماعي ، أي ما هو ثقافي ، والثقافة هنا تتضادَّ مع ما هو طبيعي .
 
وهنا أخلصُ إلى اشكالية في التفكيك غابت من تفاصيل النظرية النقدية ، والواقع أنَّ ديريدا لم يبتعد كثيراً عن مخرجات الفلسفة السفسطائية ، وهنا أعودُ للثنائية الأولى ، أي ثنائية الشك واليقين ، من منظور هيجل لا من منظور ديكارت (أي من منظور جدلي) .
 
إنَّ ظهور الفلسفة السفسطائية في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد ، نقض تلك الرؤية ، فالسفسطائيون لم يتردَّدوا في هدم المركز الثابت ، أي أنَّ مركز المعرفة ومركز الوجود هو الله ، إذ لم يتردَّدوا بالشك بالآراء التقليدية في الدين والفن والمجتمع ، حين شرعوا يسألون أسئلة ثاقبة :
ما الوجود ؟ ما الخير ؟ ما المعرفة ؟ ما الفضيلة ؟ ما الكلام ؟ ما الأسلوب ؟ ما خصائص الشعر ووظائفه وأغراضه ؟ 
 
إنَّ التأمُّل في هذه الأسئلة يقودني إلى مصطلحين غيَّرا وجهة النقد الحديث وهما : (الحداثة ومفهوم النقد الابيستمولوجي) ، ولن أدخل هنا في حوار عن الحداثة وعلاقتها بالتاريخ والدين والمجتمع لأنها مستهلكة ، وهنا أحيل إلى إدوارد سعيد ورايمون ويليامز ، فهذه الأسئلة على اختلافها تختزل النظرية النقدية ، فالأسئلة الأربعة الأولى : (ما الوجود ؟ ما الخير ؟ ما المعرفة ؟ ما الفضيلة ؟) ترتبط بمفهوم النقد الابيستمولوجي ، أي أنَّها مرتبطة بالموضوع ، وما هو خارج النص ، والأسئلة الثلاثة الأخرى : (ما الكلام ؟ ما الأسلوب ؟ ما خصائص الشعر ووظائفه وأغراضه ؟) مرتبطة بمفهوم الحداثة ، وأعني هنا الحداثة كمفهوم نقدي ، أي الانقطاع عمَّا هو خارجي ، أو ما هو ديني ، أو أيدولوجي ، أو تاريخي ، أو اجتماعي ، أي النظر إلى النص بوصفه بنية مجرَّدة ، لا يمكن إسقاطها خارج ذاتها ، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن متعلِّقٌ ب : هل كان هذا الفكر بعيداً عن ديريدا وهايدغر ؟
 
تلك الأسئلة السفسطائية كانت محور اهتمام بروتاغوراس الذي خلص إلى أنَّ المعرفة نسبية ، وأنَّ الوجود هو الظهور ، وأنَّ الإنسان هو مقياس الاشياء جميعها ، فالذات هي التي تنتج المعرفة ، غير أنها تظل نسبية ، لأنَّ بروتاغوراس كان يعتقد أنَّ الأشياء بالنسبة لك هي كما تبدو لك ، وبالنسبة لي هي كما تبدو لي ، وأنا وأنت ناس .
 
إنِّ هذه الرؤية في المعرفة تجعل الانسان مركز الوجود ، والجدل الضدِّي يقوم بين أنَّ الله هو مركز الوجود والإنسان مركز الوجود ، وهذه الثنائية هي محور الفلسفة الوجودية المعاصرة (وجودية سارتر وهايدغر) ، وهي من أهم محاور التفكيك ، وهذه الرؤية في المعرفة تشير إلى غير أمر ، فهي تُجذِّر فكرة أنَّ الإنسان هو مركز الأشياء جميعها ؛ فهو مقياس وجود ما يوجد منها ، ومقياس وجود ما لا يوجد ، وعبارة (وجود ما لا يوجد) هي من صلب فكر ديريدا وهايدغر ، وتؤصل من نحو ثانٍ رفض فكرة الإلهام الإلهي في الابداع ، أي رفض ما هو مُقدَّس ، وتشير من نحوٍ أخير إلى أنَّ الذات طرفٌ في إنتاج المعنى ، لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ الأشياء في تغيُّرٍ دائم ، وأنَّ مقياس هذا التغير هو الانسان على ما يبدو له ، وعلى ما يظنُّ .
 
وهنا ينبغي أن نلحظ أنَّ هذه الفكرة جاءت في الأصل من قول هيرقليطيس : “جميع الأشياء تجري بتدفُّق ، ولا شيء يبدو ثابتاً” ، لاحظوا هنا عبارة : (ولا شيء يبدو ثابتاً) ، ألا تشير إلى مفهوم التقويض أو التفكيك أو الهدم كما وردا عند هايدغر وديريدا ؟ ألا تعيدنا إلى ثنائية المركز واللامركز ؟ 
 
إنَّ نفي ديريدا لفكرة المركز يقودني إلى أنَّ اللامركز هو مركز بالمنطق ، كما أنَّ مفهوم ما وراء اللغة هو لغة ، بمعنى آخر أنَّ ديريدا حينما تحدَّث عن غياب المركز كان ينطلق من اللغة أو النص ، إذن نحن لا ندرك الوجود إلا من خلال اللغة أو النص .
 
لكنَّ ديريدا بقي حذراً وهو ينطلق من مركز فلسفي قبل الميلاد ، يمكن أن نستشعره من مقولة أنَّه لا يوجد شيء يمكن أن يُسمَّى أو يوصف ، فكلُّ شيءٍ في تغيُّرٍ أو تحوُّلٍ مستمر ، وهنا لا بدَّ أن أُشير إلى قول جورج جياس أنَّ : (ألفاظ اللغة اشارات ليست مشابهة للأشياء المفروض علمها ، فكما أنَّ ما هو مُدْرَك بالبصر ، ليس مُدْرَك بالسمع ، فإنَّ ما هو موجود خارجاً عنه مُغاير للألفاظ ، فنحن ننقلُ للناس ألفاظاً ولا ننقلُ لهم الأشياء ، فالأشياء غائبة) . 
 
وهذا أمرٌ أوقع النُّقاد في أزمة ، وأوقع الدراسات العربيَّة في أزمة ، وانطوت على كثير من التناقضات ، وأترك هذا الأمر للحوار . 
 
د. عاطف الدرابسة – الأردن
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : فلسفة الاغتراب في قصص السيرة عند الأديب علي القاسمي | الحلقة الاولى.

تمهيد الدكتور علي القاسمي لغويّ وباحث متمرس وأديب يتعامل مع الكلمة بإحساس مرهف وخيال عميق …

| مهدي شاكر العبيدي : بين أديبين .

من قبيل الغرابة أن يتماثل الاثنان و هما الروائي الروسي تولستوي و صنوه المصري توفيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *