ناطق خلوصي : محمود عبد الوهاب والمنحى التجديدي في القصة

ليست مصادفة ً أن يتزامن تكريم الملتقى التأسيسي للرواية الذي عقد في البصرة مؤخرا ً للقاص الرائد محمود عبد الوهاب ، مع الذكرىالستين لأول قصة نشرت له . تشكـّل قصة ” خاتم ذهب صغير ” التي نشرت  عام 1951نقطة انطلاق مسيرة محمود عبد الوهاب القصصية التي تواصلت على امتداد ما يقرب من نصف قرن . غير ان النقاد يرون ان قصته “القطار الصاعد إلى بغداد “التي نُشرت في مجلة ” الآداب ” البيروتية  عام 1954 ، تمثل انعطافة واضحة باتجاه التجديد في هذه المسيرة  ،وبذلك يكون قد انضم إلى قصاصي الخمسينات الذين اعتمدوا المنحى التجديدي في القصة وفي المقدمة منهم عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي  ، وكان قد كتب هذه القصة  عام 1952 وهي قصة واقعية بامتياز تعد جديدة وفق معايير زمن كتابتها ونشرها في الخمسينات ولا تعتبر كذلك وفق معايير العصر الحاضر . لقد أعاد القاص نشر هذه القصة في مجموعته ” رائحة الشتاء ”  التي صدرت   عام 1997 وهي مجموعته الأولى والأخيرة حتى الآن وقد كنب على غلافها الأخير : ” بين ( خاتم ذهب صغير ) ــ أول قصة ظهرت لي في صحيفة بغدادية ، و” طقس العاشق  “آخر قصة  كتبنها عام 1997 ــ إرتحالات في رؤى سردية متحولة وجدت  نفسي في نهايتها بعيدا ً عن الدهشة الأولى بأول حلم قصصي انبثقت منه الشخصية الأولى والمشهد الأول ، وقريبا ً من استبصار مغاير ارتقت تقنيتي به إلى مرصدي الأخير بين قصص هذه المجموعة . أتذكر انني سودت مئات الصفحات في سنوات تلك الارنحالات  حتى وجدت نسختي المنقاة هنا ” . ( ليست  قصة ” طقس العاشق ” آخر ما كتب  القاص فقد كتب بعدها قصة ” دروكوكو ” عام 1999 ) .
لقد ضمت مجموعة ” رائحة الشتاء “عشرين من قصصه القصيرة كتب الجزء الأكبر منها في تسعينات القرن الماضي  وهي سنوات توهجه القصصي ، كان من بينها ” عابر استثنائي ” التي تكرر نشرها  أكثر من مرة .. فقد ظهرت في جريدة ” الجمهورية ” البغدادية ومجلة ” الآداب ” البيروتية ، ومجلة ” البيان الثقافي ” الإماراتية قبل نشرها في المجموعة ،   وظاهرة النشر المتكرر مألوفة عنده شأنه في ذلك شأن العديد من القصاصين والشعراء . إنها من القصص التي تحتفظ بمكانة خاصة لديه . فقد قال عن تجربة كتابتها ليلقي بذلك  درسا ً في كتابة  القصة : ” :قبل ضحى ذلك اليوم ، من عام 1993 ، لم تكن قصة  (عابر استثنائي ) حتى مجرد غمغمة في داخلي . إنها لم تبعث  بإشاراتها بعد ، لكن هاجسا ً مفرط الرقة كان يعدني بأن قصة ً ما ستولد  فأخذت أتأهب لاستقبالها في صحوة الحواس وانفتاح المخيلة مثل عاشق يترقب في قلق دائم عودة حسنائه في قطار قادم يجهل ساعة وصوله . ظللت أتفحص الأمكنة من حولي وأتطلع إلى الوجوه ، وأنصت إلى أصوات المارة لعلني أقع على بشارة الآتي ، ورغبة لا تهدأ تقويني على أن أضع هذا الرهق البهيج  ولكن ” لكي تكتب يجب أن يكون عندك ما تقوله  ” أي رغبة  مدمرة هذه التي تحرقك وتعتصر الروح لتدفعك إلى أن تقول شيئا ً أنت لا تمتلكه الآن في هذه اللحظة …. وكما في الأحلام تكون الكتابة عمليات باطنية متداخلة ، منطقية ولامنطقية ، تجميع الحدث والصور والاستجابات وتطويرها بمكر . عمليات كتابة وشطب وتقديم وتأخير وتكثيف وتوسيع وانضواء في وحدة عمل ، وأنا مثل الحالم أفكر بصمت وأصغي إلى كلام معاد ينطق به من صنعتهم داخل القصة . صراع نفسي حاد لا يكف :ممتع ومضن ٍ ومحبط وسار . معاناة للخروج من سطوة اللغة ( لسانا ً ) إلى ( الأدبية ) صوتا ً ذاتيا ً ” . وقد أثمرت هذه المعاناة وهذا الصراع النفسي   قصة تعتمد التكثيف  وبحجم لا يزيد عن ثلاثمائة كلمة إلا قليلا ً .
ومن يقرأ قصة ” الشباك والساحة ” ، التي يراها ياسين النصير أفضل قصة في تيار الوصف ، يجد نفسه إزاء لوحة تشكيلية يرسمها الكاتب بالكلمات وهو خبير بالوصف ونوظيفه فنيا ً .. وإذا كان الصبي بطل القصة يرى في الشباك المطل على مدرسة ، وهو يلتم على ساقيه المشلولتين ، وسيلة اتصاله بعالمه المحدود تماما ً ، فإن القاص يطل على مأساة الصبي من خلال ذلك في داخل نفسه . يقول لؤي حمزة عباس عن هذه القصة ان القاص  يواجه قارىء هذه  القصة  بمقدرته على الارتفاع بأثر التشكيلي عنصرا ً مؤثرا ً من عناصر خطابه القصصي ، يملك بوضوح مكوناته وحضوره التفصيلي وانسجامه الحركي مع مختلف عناصر الخطاب ، أن يشارك مشاركة فاعلة في إضاءة هذا الخطاب والتعبير عن رؤياه . فهذه القصة تقدم  فرصة لقراءة الخطاب القصصي بوصفه منظومة تشكيلية تسهم ( اللوحة  ــ السجادة الحائطية ) فيها بالجهد الأساس لإضاءة ما يحيط بها من عناصر وإعادة ربطها عبر طاقة الوصف وإمكانياته على تجديد الموصوفات وإدراك قيمة أجزائها ربطا ً دالا ً في نظام تشكيلي تكون في المركز منه الواقعة القصصية .
لقد قوبلت هذه المجموعة بقبول نقدي واضح وتم تناولها وفق أكثر من منظور . فقد قدم احسان وفيق السامرائي قراءة سينمائية لها يرى  فيها ان محمود عبد الوهاب لم يحاول فصل الأسلوب عن الشكل بل تأثر فعليا ً نتيجة مراجعاته ودراساته السينمائية بطريقة التوليف وحاول إيجاد لون من التوازن بين الأدب والسينما في خلقه لقصصه . وفي حالات متشابهة يفترض ذلك اعتماد عين الكاميرا كميزان جمالي لأنها الناقد الوحيد الذي لا يغفل حتى الأشياء الصغيرة . ويتفق معه مقداد مسعود في ذلك حيث يرى ان آلية القص في أغلب نتاجات محمود عبد الوهاب تشتغل على فاعلية العين لا فاعلية الذاكرة أو الحوار ،  وما الحوار إلا تعليق على المشاهد السينمائية . وإذا كانت حركة العين ــ عين الكاميرا ــ  حركة أفقية فإن حركة عين القارىْ ، القارىْ الند للمؤلف ستكون أفقية ، وبالتالي عمودية وهي تمارس حفرياتها في طبقات النص لتعيد إنتاجه .  في حين يرى محمد أحمد العلي  أن المؤاخذة العامة  التي تؤخذ على القصص ( الشيئية والسينمائية ) والتي ما كانت ستخرج إلا منحوتة سيناريوهية أضعف من انطلاقتها الأولى  ، وان القاص ، وفي فترة الخلط بين عناصر السينما ( الصورة ) وبين ( الكلمات ) عناصر الأدب  ، انطوى مع كثيرين تحت سلطة الدرامية ، ، وصار يتعامل مع الإطار الخارجي للحدث ودقق كثيرا ً في التفاصيل وضغط على القصص القصيرة فأحالها إلى صور لقصص قصيرة جدا ً . أما القاص نفسه فيقول  عن توظيف السينما في القصة : ” يستهويني في كتابة القصة ( المشهد ) و( الحدث الممثل  )لا المخبر عنه . أحاول أن أشكـّل الفعل القصصي في عملية مرئية . لا أرغب في الحكي  عما يحدث في القصة وكأنني أروي حكاية جدة . حتى ما يسمى بالاسترجاع في القصة لا ارغب فيه . . إنني ممن يرغب في الانحياز إلى محمول اللغة السينمائية : الفكرة بالصورة . أستطيع أن أزعم إنني مولع بالسينما تلقيا ً على صعيدي المشاهدة والقراءة .
وبدا واضحا ً ان محمود عبد الوهاب لم يعر اهتماما ً للرواية ربما بسبب قِصَر نَفَسه في الكتابة لذلك اكتفى بما حققه من مجد في القصة القصيرة . كان قد بدأ كتابة رواية بعنوان ” تخطيطات بالفحم الأسود “عام 1953 لكنه صرف النظر عنها مثلما صرف النظر عن رواية أخرى لم يتم منها سوى ثلاثة فصول . لكنه اصدر ، بعد أن تأخر كثيرا ً رواية ” رغوة السحاب ” عام 2001 ، وهي نص ربما يواجه  القارىء فيه بإشكالية التجنيس . فالغلاف الخارجي الأول يشير إلى رواية لكن الشروع في قراءتها والتوغل فيها يكشف له بأنه إزاء نصوص قصصية ينفرد كل منها بحبكته وشخصياته  وإن كان يجمعها مناخ نفسي واحد وتتحرك أحداثها عموما ً في ظلال أجواء الحرب  . ولعل الجديد في هذا العمل ــ وهو جديد في الشكل ــ ان القاص استعاض عن العناوين بأرقام مثل أرقام الهاتف .  فقد أدرج كل قصة ” تحت عنوان رقمي مفترض لهاتف فاعل القصة، أربعة أصفار أو خمسة على اليسار ورقم أو رقمان يحملان تسلسل الأقاصيص ” كما يقول .  وإذا كان ثمة ما يجعل المرء يتوقع ان الهاتف سيكون شخصية رئيسية في القصص ، فإنه لا يجد له حضورا ً إلا في عدد محدود من هذه الأقاصيص . وقد يكتشف ان توظيف الهاتف تم للتعبير عن الصوت الإنساني لأنه الأداة التي تنقل هذا الصوت . إن الصوت الإنساني يتغلغل في مفاصل القصص : مسموعا ً بشكل مباشر أو غير مباشر أو محمولا ً عبر الهاتف أو مرويا ً عنه ، حتى ليمكن القول بأنه يصبح شخصية القصص الرئيسية حقا ً .  لكن محمود عبد الوهاب يرى ان ” رغوة السحاب ” إجناسيا ً رواية وليست مجموعة أقاصيص وإنها ليست شكلا ً روائيا ً سائدا ً . إنها مغايرة ، والرواية ــ أية رواية ــ جنس لا محدود تتداخل فيه الأجناس المختلفة ولا يشترط صيغة واحدة ، وإن روايته هذه إطارية تمثل نسق إدراج مجموعة قصص قصيرة غير متصلة قيما بينها ، داخل قصة مؤطرة يكون مبناها محفزا ً لذلك الإدراج والإطار، والمحفز في رغوة السحاب هو جو الحرب الذي يعمل بناء الرواية ــ أي قصصها ــ على تحفيز إدراج الجو المتماثل والواحد وهو الحرب وكوارثها . وربما يواجه قارىء الرواية بإشكالية العنوان أيضا ً إذ يظل يبحث عن العلاقة بين العنوان ومضمون النص . فقد اختار القاص عنوانا ً يكاد يكون تجريديا ً لنص يفترض أن يكون واقعيا ً بفعل تعامله مع موضوعة الحرب .  غير أن القاص يرى انه ليس ملزما ً أن يكون العنوان دالا ً مباشرا ً على النص الذي يحمله . فقد يتكتم العنوان ، كما يقول ، على الدلالة أو بضللها أو يفصح عنها .لأنه يختار العنوان بعد إجراء تعديلات عليه تخضع لمفاضلات دلالية صريحة أو متكتمة  أو لمفاضلة جمالية لكنها تنبثق جميعا ً من سرة القصة ، مهيمنتها لا على شكل انعكاسي آلي مباشر أو عملية منطقية .  وهو ينفي أن يكون عنوان ” رغوة السحاب  ” تجريديا ً ، فهو قد يخدع القارىء بحكم تواتر ” رغوة ” و ” السحاب  ” في سياقات نصية لمحمول تجريدي ، لكن العنوان هنا يموّه دلالته المخبوءة على  “عدم الثبات ” بدليل الرغوة التي سرعان ما تنحل وتتلاشى ، وبدليل السحاب الذي لن يستديم سحابا ً إلى الأبد . ويضيف ان لاستجابة المتلقي للعنوان دلالات أخر محتملة بالمستوى التأويلي غير أنه مهما تعددت الدلالة فإنها لن تلغي دلالة محق حالة الحرب ، والتفاؤل بالمصير القادم بدلالة هشاشة السحاب كما لو أن دمار الحرب لحياة الناس في مدنهم وبيوتهم وأسرهم لن يطول ولابد من صحوة قادمة .
صحيح إن محمود عبد الوهاب مقل فيما كتب  لكنه استطاع أن ينفذ بهذا القليل  إلى مواقع عليا في فضاء السرد العراقي وفد ظل قاصا ًبارزا ً دون أن تستطيع ” رغوة السحاب ” أن تنتقل به إلى خانة الروائيين . يرى ماجد السامرائي ان الباحثين الذين تناولوا القصة العراقية في النصف الثاني من القرن العشرين ابرزوا اسم محمود عبد الوهاب بامتياز ، وامتيازه ليس في قلة ما نشر خلال ما يقرب من نصف قرن من الكتابة والعطاء الفني المتميز ، ولا في تأنيه في كتابة قصته أناة ً يستدعيها الفن الرفيع ، ولا هو في تفرد موضوعاته التي لم يختلط فيها مع غيره من القصاصين ، ولا خالط سواه في رؤيته لها ، أو في رؤية الحياة والإنسان من خلالها ، بل هو فضلا ً عن هذا كله ، في هذه الروح المتجددة والمتواصلة مع عصرها ، الملتقطة لهواجس زمنها والمعبرة عن هذا كله ، في قصة  لها من المقومات الفنية والموضوعية ما استوقفت به دارسيها ونقادها .
ويبدو أن محمود عبد الوهاب يدعو إلى أن تظل تجربة المبدع في حالة مخاض تجريبي متواصل وهو يرى ان ما يقدمه المبدع يظل دائما ً في إطار محاولة تجاوز نصوصه المتميزة السابقة . فالنص القادم عنده يقع إذن في منطقة التجريب لا بمعنى التجريب البدئي لكن بمعنى التجريب القائم على الخبرة المتراكمة والمنظمة للكتابة ، أي أن الكتابة محاولة للارتقاء بالنص القادم .
كنت قد سألته في حوار أجريته معه عن سر انقطاعه عن النشر زمنا ً وفي مدد متفاوتة ثم بدا كأن  فورة حماس للكتابة استجدت لديه في تسعينات القرن الماضي  ، فعلل ذلك بأن التريث في النشر والانقطاع عنه لا الانقطاع  عن الكتابة ، ظاهرة خمسينية ، وان أسبابا ً موضوعية تقف وراءها ، ويشير إلى محدودية ما تركه رواد القصة تلك الأيام  مثل عبد الملك نوري الذي يعترف بأستاذيته له حيث كان يلتقيه في مقهى البرازيلية في بغداد . إن جيل الخمسينات ، كما يقول ، كان جيلا ً قارئا ً وعارفا ً باشتراطات فعل الكتابة . إن من يعرف حرفية العمل يكون كثير التدقيق في إنجازه .
وربما يثير اللبس إجتراحه لمصطلح ” الواقع  النصي ” إنه إعادة صياغة لفظية لـ
” خيال الواقع ” الذي يجد من يقول بأنه يعني به المزاوجة بين المرئي والمتخيل وأن الواقع النصي هو إعادة صياغة لفظية لـ ” خيال الواقع ”  لأنه يقول ان القصة عمل تخييلي . أما هو فيقول بأنه أراد بالواقع النصي التأكيد على اختلافه عن الواقع الوقائعي . فما يكتبه الكاتب ، مهما كان فقير الخيال ، ليس  واقعا ً عيانيا ً أو فوتوغرافيا ً ولن يستطيع أن ينقل هذا  الواقع مهما كان أمينا ً . إن ما ينقل من الواقع المرئي يمر عبر ذات الكاتب ومن هذا الممر الذاتي يأخذ واقع النص اختلافه عن واقع الوقائع .
وكنت ذكـّرته  في حواري معه أنه قال في الحوار الذي أجراه الشاعر حسين عبد اللطيف معه في العدد الأول لسنة 2000 من مجلة ” الأقلام ”  انه ليس لزاما ً أن يحل القاص في قصته . فما دامت القصة عملا ً تخييليا ً وجب أن ينحي القاص نفسه عنها وإلا فهي سيرة ذاتية، وان الكاتب لا يتمرأى نفسه في نصه ولا يجد ذاته فيه وإنما يجد الآخرين وبعضا َ من ذاته ، وكأنه بذلك يعزل الكاتب عن نصه مع تأكيده على ان القصة محض عمل تخييلي لا يخضع لقوانين الواقع في حين ان القاص ــ أي قاص ــ يجد نفسه فيما يكتب ويعكس رؤيته وموقفه حين يتقمص شخصية بطله أحيانا ً . فكان رده ان القول بأن القاص يجد بعضا ً من  ذاته أو انه  يتقمص شخصية بطله أحيانا ً ، إنما هو دلالة على التبعيض في ظهور ذات الكاتب في الحالة الأولى أو التبعيض في وقت ظهور تلك الذات في الحالة الثانية ، وان كتابة القصة لا تعني غالبا ً الكتابة عن ذات صاحبها فذات الكاتب تثوي في بعض شخوصه وإذا لم يكن كذلك فكيف يتسنى له أن يكتب ؟ وما يقوله لابد من ان يكون نابعا ً أو جزءا ً من تجربته لكن ذلك لا يعني ان قصته التي كتبها هي سيرته التي عاشها بكاملها . انها تعني بعضا ً منها .
والى جانب اهتمام محمود عبد الوهاب بالسرد فإنه اهتم بالبحث أيضا ً . فقد شغف بدراسة العنوان وكتب فيه وحاضر ، وأصدر كتابه ” ثريا النص : مدخل في دراسة العنوان ” الذي يقول في مقدمته : ” إن ما يهدف إليه هذا المدخل هو الاقتراب من العنوان القصصي وفحص آلياته وطرق اكتشافه واختياره ” .  أما في الحوار الذي أشرنا إليه فقد قال ان فصول الكتاب تناولت مداخل مغرية تجتذب متلقيها إلى منطقة الكتابة مثل بنية العنوان وطرائق القاص والروائي في اكتشاف العنوان واختياره والوعي بدلالته في الكتابة وإنتاج تلك الدلالة في القراءة .
ولد محمود عبد الوهاب  في بغداد وانتقل الى البصرة وعاش فيها منذ طفولته حتى الآن . أكمل دراسته الجامعية في دار  المعلمين العالية ( كلية التربية الآن ) وحصل على شهادة البكلوريوس في اللغة العربية وآدابها عام 1953 . عمل في التدريس لسنوات ثم أصبح مشرفا ً تربويا ً اختصاصيا ً وأحيل على التقاعد عام 1992 . كان يطمح في الحصول على الدكتوراه وسافر في طريقه للالتحاق بجامعة كامبريدج في بريطانيا ، لكنه قفل عائدا ً من بيروت بعد أن بلغه نبأ وفاة أمه . سافر بعد ذلك إلى مصر ليلتحق بجامعة عين شمس والحصول على الدكتوراه منها  . انتظم في الدراسة فيها لكنه ما لبث أن قطع دراسته وعاد إلى البصرة . يقول مهدي عيسى الصقر صديقه ورفيق مسيرته الإبداعية إن محمود عبد الوهاب يفلسف عدم حماسه للحصول على الدكتوراه بالقول بأنه لا يحب أن يرى اسمه مسبوقا ً بصفة غير صفة قاص ، إذ لا يستطيع أن يتخيل اسمه مكتوبا ً ” القاص الدكتور  محمود عبد الوهاب  ” . ويرد الصقر السبب الحقيقي لعزوفه عن ذلك إلى عدم قدرته على فراق حدود البصرة التي أحبها كثيرا ً .
وعلى الرغم من أن محمود عبد الوهاب عُرف قاصا ً كبيرا ً ، فإنه مارس تشاطا ً في فنون مجاورة في مقدمتها المسرح .فقد أخرج مسرحية ” أهل الكهف ” لتوفيق الحكيم عام 1957ومسرحية  “عرس الدم  ”  للوركا ومسرحية ” سوء تفاهم ” لكامو عام 1958 . واشترك مع الشاعر كاظم نعمة التميمي عام 1973 في تقديم برنامج ” مسائل ثقافية ” لتلفزيون الصرة . كما مارس ترجمة القصة والرواية عن الانكليزية  في الخمسينات فترجم ” قطة في المطر ” و ” المخيم الهندي ” و” العجوز على الجسر ” لهمنغواي ، و”” هروب ” و ” سارق الحصان ” لكادويل ، و” سارق عربة الشحن ” لمورافيا  ، وغير ذلك . وشارك في الكثير من الملتقيات والمهرجانات الثقافية ، وألقى عشرات المحاضرات في مواضيع مختلفة إلى جانب موضوع اهتمامه الرئيس .  وهكذا فإن محمود عبد الوهاب أمضى ستين عاما ً في خدمة ثقافة وطنه ويكون من حقه على وطنه الآن ، وقد استبدت به الشيخوخة  وتزاحمت عليه أمراضها ، أن تلتفت الدولة إليه ، وبما يليق بمكانته الأدبية وحجم ما قدمه لثقافة بلده ، فهل ستفعل ذلك ؟

 إشارة :
اعتمدنا في هذا الاستقراء على :
1 ــ  رائحة الشتاء ــ محمود عبد الوهاب ــ قصص ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد ــ  1997 .
2 ــ  رغوة السحاب ــ محمود عبد الوهاب ــ رواية  ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد  ــ 2001
3 ــ  ثريا النص : مدخل لدراسة العنوان القصصي ــ محمود عبد الوهاب ــ دراسة ــ دار الشؤون الثقافية العامة ــ بغداد  ــ  1995
4 ــ  قصص عراقية معاصرة ــ فاضل ثامر وياسين النصير ــ مكتبة بغداد ــ بغداد ــ 1971
5 ــ مجلة الأقلام ــ بغداد ـ العدد  3 ــ  لسنة 1998 و العدد  1 لسنة  2000و والعدد 2 لسنة 2001
6ــ حوار أجريته مع القاص في ألف ياء الزمان ـ طبعة العراق ـ عددي يومي 1 و2 آب  ــ 2005

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.