مؤيد البصّام : حميد محمد جواد والرؤيا المستقبلية

عرفت الفنان المخرج السينمائي والمسرحي حميد محمد جواد في ستينيات القرن الماضي، الذي أحدث موجة في وقت ظهوره، وما زال يحمل له أصدقاءه وتلاميذته، نفس الحب والذكريات، التي تستمد وجودها من الإنسان المبدع الذي ظهر في حقبة ستينيات القرن الماضي، كان العراق يومها وبغداد بالذات تموج فيها حركات فكرية وأدبية وفنية وسياسية، مثل خلية النحل، لها دوي ولا يسمع منها إلا القليل، وقد اخرج القمقم رأسه من قعر الجرة ليطل على عالم يحلم إن يقوده، ولكنه ظل يخشاه ويخشى بطشه، لهذا كان يتحدث بما يريد وينظر إلى جميع الاتجاهات بتوجس، كل واحد كان يريد إن ينفذ ما في عقله، وما كان يحلم بتحقيقه قبل إن يتداركه الوقتان، وقت العمر و وقت إن تنقلب الأمور وتعود دون إن يكون قد حقق ما يريد، فبزغت عشرات المشاريع الفكرية والفنية، وصال في الساحة العشرات، فمنهم الزائف ومنهم الأصيل تتقدمهم أحلامهم الواقعية والسريالية والفنتازية يمينا ً ويسارا ً، وتشكلت مجموعات واتجاهات تعبر عن وجه نظرها، ويخطئ من يقول انه لم يكن مع هذا أو ذاك، فمجرد الجلوس اليومي في المقهى إن كان في مقاهي شارع الرشيد، أو مقاهي شارع أبي نؤاس، وهو ما ينطبق على بقية المحافظات تحدد هوية الشخص بإجلاسه، وما يدور من حديث بينهم، وهكذا وضعنا لأجل تنفيذ المشروع الحداثوي الذي كنا نحلم بتحقيقه، كل بطريقته أو مع مجموعته، وهي الفترة التي لابد من ذكرها بمجئ الدارسين من الاتحاد السوفييتي السابق، الذين أرسلتهم الحكومة للدراسة بعد نهاية الحكم الملكي في 14 تموز 1958، ولم تعادل شهاداتهم ولكن في منتصف الستينيات، في عهد الرئيس الراحل عبد الرحمن عارف، بدأ الاعتراف بهم ومحاولة معادلة شهاداتهم، والذين كانوا في الداخل، ولم تتح لهم فرصة السفر، كانوا ينظرون للقادمين أنهم حملة شعلة النضال الاشتراكي و الشيوعي، فقد عاشوا ودرسوا التجربة بحقها وحقيقتها، فهم الذين سيقصون للذين لم

المخرج وممثل دور هملت حميد محمد جواد

يسعفهم الحظ عن الجنة الموعودة، وينفذوا ما تعلموا ورأوا، والذين جاؤا كانوا يحملون انطباعين، الأول عظمة الانجازات التي حققتها الثورة البلشفية للشعب الروسي، والانبهار بما كانت الثورة توليه للثقافة والفن، والانطباع الثاني الذي غصوا الطرف عنه، وهم يحاولون إن لا يتحدثوا به حتى لا يثلموا الحلم الذي يعيشه من لم يذهب هناك، إن الحلم الذي بنت أجيال وأجيال حياتها عليه، ومات المئات من اجل تحقيقه أو التفكير بتحقيقه، همشته أيادي الانتهازيين والبيروقراطيين والمنتفعين، لتحيله جحيما على الشعب وعلى أبناءه ودعاته، فباتت تجربة سعادة الشعب وبالا على الشعب، مما جعل الدوائر الامبريالية تستغل هذه النقطة وتنفذ منها لتدمير التجربة الاشتراكية، خصمها وعدوها اللدود، وكان حميد محمد جواد احد هؤلاء القادمين، ولكن كانت له ميزة عن غيره، لم يعرف عنه انه انغمس في السياسة قبل سفره، خصوصا وانه ذهب شابا في بدايات حياته، ولكن هذا لا يمنع إن تكون توجهاته يسارية غير واضحة المعالم في ذهنه، استكملت شروطها هناك، وقد درس حميد محمد جواد السينما في الاتحاد السوفييتي السابق، وهو يتيم الأبوين وربته قريبة له كان يسميها الحجية، وفي الاتحاد السوفييتي السابق، اثبت حضوراً بآرائه وجموح خياله، حتى أن معهد موسكو للسينما لأول مرة في تاريخه يوافق على منح شهادة من دون تنفيذ المشروع، وقبل مشروعه على الورق لصعوبة تحقيقه،  كان حميد يحمل حلما فكريا  أراد تحقيقه عن طريق الفن أولا والأدب ثانيا، وكان مهوسا بالتغيير ويرى إن العراق والإنسان العراقي لا يمكن له إن يتطور حضاريا ويلحق بركب الشعوب إن لم يؤمن بالتغيير الثوري، وإزاحة الماضي وإحلال الجديد، ولهذا كان أول اصطدام  له مع إدارة معهد الفنون الجميلة، بما كان يمثله المعهد قبل تأسيس أكاديمية الفنون الجميلة قبل إن يصبح اسمها كلية الفنون الجميلة بعد ذلك، من صرح يمثل الفن العراقي، بطلابه وأساتذته رواد الفن الأوائل، والذين بنوا حياتهم لتحقيق أحلامهم في أعادة مجد العراق الحضاري، وما كانوا يقدموه من نشاطات على مدار السنة، والتف الطلبة حول حميد محمد جواد، فقد وجدوا فيه مبتغاهم نحو التجديد والحداثة، والثورة على الأساليب القديمة في الحياة الدراسية أو المنهجية، وهو ما وضع المعهد بين قطبين، بين فهم عملية التغيير وبين ما يمكن إن يحدثه التغيير السريع من فوضى، مما جعل الأساتذة الذين كانوا قبل مجئ حميد يحملون لواء التغيير وينتقدون المتزمتين، للانضمام إلى الطرف الآخر والوقوف ضد هذه الأفكار الجديدة، ولا أريد إن أسهب بما حدث لأني ضمنت هذا الصراع وما نتج عنه في كتابي( الصقور في بلاد الطيور)، كان حميد يسكن غرفة في فندق في شارع الرشيد، ليس فيها إلأ الكتب وبعض القطع من الملابس، وكان يأتيه طلبته ما بعد المساء فيخرج معهم إلى مقاهي أبي نؤاس، يستمعون إلى آراءه ويتناقشون في المدارس الحديثة وما ظهر منها، وهذا الذي جعل الطلبة ينشدون إليه، فلأول مرة يتاح للطلبة الجلوس مع أستاذ لهم خارج نطاق المؤسسة، خصوصا إذا عرفنا إن اغلب الطلاب كانوا من المحافظات، إضافة إلى إن حميد كان لا يبخل على الطلبة في مشاويرهم اليومية أو في مساعدتهم ماديا، فهو لم يكن يشرب الخمرة ولا يدخن، واكله بسيط، وليس له التزامات عائلية، واقتصرت نفقاته على أجور الفندق والمأكل وشراء الكتب، التي هي الأخرى لم يكن يبخل بها لتقديمها للطلبة، كنا نلتقي يوميا تقريبا ، حميد محمد جواد وصديقنا الكاتب المسرحي صبحي الطائي، ونخرج إلى مقاهي أبي نؤاس نحن الأصدقاء الثلاث، وكثيرا ما كنا نبقى أنا وحميد لوحدنا عندما يغادرنا صبحي لبعض أعماله، فنظل نسير من الجندي المجهول إلى ساحة التحرير، ونحن في نقاش وجدال، لنجلس أكثر الأحيان عند المصاطب التي كانت موضوعة تحت نصب الحرية رائعة جواد سليم في ساحة التحرير، وفي احد الأيام تمددنا كل واحد على مصطبة لنرتاح قليلا بعد مسيرة تعب طويلة، أخذتنا غفوة فصحونا فجرا ً على عمال المسطرة، الذين يتخذون هذا المكان بانتظار من يستأجرهم للعمل لديه، نهضنا ونحن نضحك على أنفسنا كيف نمنا إلى الفجر، ولم نشعر بشئ أو يوقضنا أحد أو يسرق حقيبتينا ذخيرة أفكارنا وحاملتا كتبنا، وتناولنا الفطور شوربة عدس من إحدى العربات اللواتي يقفن للبيع لعمال المسطرة، الصحن بخمسين فلسا مع الصمونة، وغادر كل واحد منا إلى عمله، وكنا أكثر الأحيان بعد انتهاء سهرتنا في الليالي النواسية، نذهب إلى شقتي في بغداد الجديدة، خصوصا عندما يأتي صديقنا الناقد شجاع العاني، فقد كان وقتها مدرسا في احد المحافظات، فنذهب ثلاثتنا أو أكثر إلى شقتي، لان شقتي كانت كبيرة فيها أربعة غرف، وكان حميد دائم يحمل وسادته معه،  فهو لا ينام إلا على الوسادة خاصته، وكانت له عادات فيها شئ من الغرابة، ففي المرة الأولى التي عرفت فيها حميد على شجاع وذهبنا إلى شقتي، عند الصباح لم يلقي التحية الصباحية ردا على تحية شجاع، وعندما عاتبته في عصر نفس اليوم قال – هي قضيه الزاميه، لم أتكلم خوفا إن تطير من ذهني فكرة كنت أسرع لكتابتها عندما حياني، وهناك الكثير من الحوادث التي كان يقوم بها حميد، لم تكن قد استوطنت مجتمعنا، فمنهم من نفر منها ومنهم من تقبلها برحابة صدر، لم يكن حميد شخصية عادية، فقد كان يمتلك أحلاما اكبر من طاقة الساحة الثقافية آنذاك، كانت له رؤيا خاصة في كل الإعمال الثقافية، لهذا عندما اخرج مسرحية هملت لشكسبير، وضع رؤاه في التأليف الذي عدل فيه وفي النهج الإخراجي، مما رفع وزنه في نظر المجددين، ووقع عرضة لنقد المتشددين، لم يكن يمل أو يتعب من العمل، فقد كنا نسهر الليالي مع طلبته المخلصين، من اجل إخراج العمل حتى الصباح، يغير ويعدل ويناقش ويشتغل مع الطلبة و عمال الديكور، وعندما كنا ننتهي في ساعة متأخرة، كنا نذهب مع الطلبة لأقرب مطعم، كانت لحظات يختلط فيها الحماس وروح الشباب نحو التغيير والمغامرة، كان بعض الأحيان إثناء النقاش أو الحديث يتوقف ويرفع ذراعه ويفرك السبابة بالإصبع الوسط ويقول ” هي” وإما يعود للحديث أو ينهض ويقول ” وجدتها ” ثم يبدأ يشرح ما وصل إليه إثناء السير، كان خليط من النرجسية والثورية والتحدي، كان يبني أحلامه خارج اطر الواقع، والمجتمع والعالم المحيط به، وضعهُ الواقع الذي كنا نعيش فيه ضمن القفص الكبير الذي كنا سجناء في داخله، وكنا نناضل في كيفية الخروج، لكن حميد لم يكن يعترف انه معنا في داخل القفص، كان يتصرف ويفكر وكأنه خارج المعادلة، وهذا الهوس في التغيير وبناء الحلم على أنقاض الواقع المتهرئ، أنتج جيل من المبدعين، أثروا الساحة الثقافية والفنية العراقية والعربية، أذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، فاضل خليل وصلاح القصب وفاضل السوداني وسامي علي والمرحوم كاظم ألخالدي …..الخ، والقائمة تطول، ويمكننا أن نؤشر أن بدايات مسرح الصورة الذي أبدع فيه وفي تطويره الفنان الرائع صلاح القصب، نجد بداياته في مسرحية هاملت، والإخوة كرامازوف التي لم يحالفها الحظ للظهور بسبب الحرب الإيرانية العراقية، وقد قامت جريدة الزمان الغراء بنشر الملحق الذي أعددناه عن حميد محمد جواد، وإذ ننشر المقالات التي كتبت عن مسرحية ( هملت ) التي ظهرت عام 1968، عندما كنت رئيسا لتحرير مجلة الفنون المعاصرة، وما كتب عن المبدع حميد، لأننا نحمل كما من الحب لأولئك المبدعين الذين قدموا كل ما يستطيعون، وحملوا لواء التجديد والحداثة، من اجل فكر وثقافة وتقدم حضارة بلدهم  والإنسانية جمعاء، ولكن التخلف والجهل وعدم الاستقرار، الذي أودى بمشاريع النهضة العربية أودى بمشاريعهم، ووفاء لتلك الأيام النادرة نعيد تذكرهم .
ملاحظة: غادر حميد محمد جواد العراق بعد أن فشل زواجه، وكذلك بعد أن فشل في تقديم مسرحيته الثانية بعد مسرحية هملت التي أثارت الكثير من الآراء النقدية والتعليقات، مسرحية (الأخوة كرامازوف)، إذ بدأت الحرب الإيرانية العراقية، ولضخامة الديكور الذي وضع في حدائق الكلية، من أجل أن تقدم المسرحية في الهواء الطلق، صدرت الأوامر بإزالة الديكور خوفا من أن تظنه الطائرات الإيرانية موقعاً عسكريا فتقصفه، وقد يكون صحيحاً ولكن في اعتقادي إن هناك أيدي خفية وراء تدمير مشروعه، استغلت حالة الحرب لتمرر ما تريد، فالحداثة ليست مسالة سهلة التقبل، وتحتاج إلى نضال دؤوب لترسيخها، وفي أوضاع مقلقة مثل أوضاع العراق، ضاعت عشرات المشاريع الحداثوية، كل هذه الأوضاع والخيبات جعلته يهاجر إلى فرنسا ويعيش في عزلة تامة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.