| طلال حسن : رواية للفتيان / ابني الديسم ميشا / المقطع الثاني.

    ” 4 ”

ـــــــــــــــــــــ

   جلست الجدة نافارانا ، والديسم الذي يشبه دمية بلون الثلج ، جنباً إلى جنب أمام الموقد ، والنار تطقطق وكأنها تتحدث إليهما بصوت هامس : تسامرا ، ودعاني أتسامر معكما ، وأقدم لكما الدفء والأمان .

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

وراحا يتسامران ، الجدة نافارانا تتمتمت له : بنيّ ..

والديسم الذي يشبه دمية بلون الثلج ، يحاكي تمتمتها بأصوات دافئة تشبه الشخير ، كما لو أنه طفل حقيقي يردّ على مناغاة أمه الحنون .

وصمتت الجدة نافارانا ، وراحت تحدق في الديسم ، ابنها الدمية الذي بلون الثلج ، ثمّ انتبهت ، وتمتمت بصوتها الشائخ : بنيّ ، حين تزوجت ، كنت آمل أن يكون لي طفل ذكر ، إنني أحب البنات ، لكني أردت أن يكون طفلي الأول ذكراً ، وقلت لزوجي مرة ، لو جاءنا طفل سأسميه ميشا ..

وصمتت لحظة ، وقد دمعت عيناها ، ثمّ تابعت تتمتم : وبعد سنين طويلة ، وصبر طويل ، جئت أنت ، أنت ابني ، هذا ما قاله لي زوجي اتارتك حين جاءني في المنام ، فأنت ميشا .. نعم أنت ابني .. ميشا .

وتسلل النعاس إلى الديسم ميشا ، الذي يشبه دمية بلون الثلج ، وسرعان ما أغفى أمام نار الموقد ، فحملته الجدة نافارانا ، ووضعته في الفراش ، فهو لم يعد فراشها وحدها منذ أن جاء ميشا ، وإنما صار فراشهما معاً ، ينامان فيه جنباً إلى جنب .  

وراحت الجدة نافارانا ، تتأمله بعينيها الشائختين المحبتين ، وتناجيه في داخلها ، لأنها تريد أن يرتاح في نومه ، ولا تزعجه تمتمتها المرتعشة ، وكان يرد عليها ـ هكذا يخيل إليها ـ بغطيطه العذب .

وكما يمرّ السحاب ، في السماء الشاسعة ، تمرّ الأيام والسنون ، يمرّ الشتاء ، ويأتي الربيع ، فالصيف ، ثم الخريف ، وخلال مرور هذه الأيام ، وكما تكبر أشجار الغابة ، يكبر الأطفال ، وابنها الديسم ميشا ، الذي يشبه دمية بلون الثلج ، يكبر أيضاً بين الأطفال .

في البداية ، لم يكتفِ الأطفال ، بمشاهدة الديسم ميشا عبر النافذة ، وإنما طالبوها ، بواسطة الطفلة ترمجان ، التي تحظى بمكانة كبيرة عندها ، أن تخرج به من الكوخ ، ليكون قريباً منهم .

وهذا ما فعلته متوجسة ، وعلى مضض ، فراحت تخرج به أمام الكوخ ، وتبقيه على مقربة منها ، فيتجمع  الأطفال حوله ، يتأملونه مندهشين ، ويتحدثون إليه ، بل راح بعضهم ، وخاصة الفتيات الصغيرات ، يرقصن أمامه ، وهذا ما أفرح الديسم ميشا ، وأدخل الفرح على قلب الجدة نافارانا نفسها .

ويوماً بعد يوم ، راح الديسم ميشا ، يشارك الأطفال لهوهم ، بل وحتى رقصاتهم الطفولية ، وهو يصدر أصوت الفرح ، فيمسك أيديهم ، أو يلمس ظهورهم ، وحتى وجوههم المتوردة ، ولكي لا يؤذيهم ، وكما أوصته الجدة نافارانا ، كان يخفي مخالبه الحادة داخل كفيه وقدميه ، ولا يخرجها أبداً .

لكن الديسم ميشا ، وإن التزم بتوصيات الجدة نافارانا ، حول عدم إبراز مخالبه الحادة الجارحة ، إلا أنه حين يستغرق في اللعب مع الأطفال ، كان ينسى أنه دب ، وأن حجمه وقوته بدأت تزداد ، فيدفع الأطفال دون عمد ، ويتسبب في سقوطهم بعضهم على الأرض ، فكانت الجدة نافارانا تسرع إليهم ، وتأخذهم إلى صدرها ، وتمسح دموع من يبكي منهم .

وبين حين وآخر ، صارت بعض الأمهات ، تمنع صغارهن من اللعب مع ميشا ، وقالت لها أكثر من واحدة من الأمهات : أيتها الجدة نافارانا ، إن ديسمكِ ميشا لم يعد ديسماً ، لقد كبر ، وصار دباً فتياً وقوياً ، ونخشى على أطفالنا منه .

لكن الجدة نافارانا كانت ترد متمتمة : ابني ميشا لا يؤذي أحداً ، ثم أنا أتواجد معهم  دائماً ، وأنتم تعرفون أن أثناء اللعب يسقط بعض الأطفال ، هذا يحدث دائماً ، والأطفال يحبون ميشا ، وميشا يحبهم جميعاً .

والواقع أن الديسم ميشا لم يعد ديسماً ، لقد بدأ يكبر ، وحتى الجدة بدأت بينها وبين نفسها تعترف بذلك ، ومع حبّ ميشا للطعام ، وإفراطه في تناوله ، ازداد حجمه  ، حتى بدأ يزاحم الجدة نافارانا في الفراش ، مما اضطرها أن تعدّ له فراشاً خاصاً به ، خشية أن يسحقها يوماً ، وهو يتقلب في الفراش .

وبدأ ميشا ينام في فراشه الخاص ، لكنه أحياناً ، ولسبب ما ، ينهض في منتصف الليل ، وعيناه مغمضتان تقريباً ، ويندس إلى جانب الجدة نافارانا ، ويستغرق في نوم عميق ، فتمد يديها الشائختين الحانيتين ، وتحضنه ، وتستغرق في النوم هي الأخرى .

وراح الأطفال ، رغم حبهم لميشا ، يبتعدون عنه الواحد بعد الآخر ، لكن الطفلة ترمجان ، ظلت على تواصلها معه ، وكلما جاءت إلى كوخ الجدة نافارانا ، ومعها اللحم ودهن الحوت وشحم الفقمة ، تلهو معه داخل الكوخ ، أو في محيطه ، دون أن يغيبا عن أنظار الجدة .

وذات يوم ، حوالي العصر ، والشمس معلقة شاحبة في الأفق ، وكانت ترمجان منهمكة باللعب أمام الكوخ ، والجدة نافارانا جالسة عند الباب ، أقبل الصياد افوفانغ ، يسحب زلاجته يحمل فيها دباً فتياً قتيلاً ، وتوقف على مقربة من ترمجان وميشا ، وحدق في ميشا بعيني صياد حاقد ، وقال : هيْ .. أيها الدب .

وتحاملت الجدة نافارانا على نفسها ، ونهضت بصعوبة بالغة ، وقد تملكها الغضب ، وتمتمت بصوت مرتعش : افوفانغ ، ابتعد عن ميشا ، إنه ابني .

لم يلتفت افوفانغ إليها ، وظلت عيناه القاسيتان مثبتتين على ميشا ، وقال : ما تسمينه ميشا دب ، وهو يكبر ، ولو مسّ شعرة أحد من أبناء القرية ، فسأقتله .

وصاحت الجدة نافارانا متمتمة : أيها القاتل ، لا تقرب كوخي ، ولا تقرب ميشا ، ابتعد .. ابتعد .

وسحب الصياد افوفانغ زلاجته ، وفيها الدب الفتي القتيل ، ومضى مبتعداً ، دون أن يلتفت إليها ، والتفتت الجدة نافارانا إلى الطفلة ترمجان ، وخاطبتها متمتمة : بنيتي ، الوقت متأخر ، اذهبي إلى البيت .

وابتعدت ترمجان حزينة ، وقد إغرورقت عيناها بالدموع ،  فأخذت الجدة نافارانا ميشا ، الذي لم يعد ديسماً ، ودخلت به الكوخ ، وأغلقت الباب ، وهي تتمتم : بنيّ ميشا ، الصياد افوفانغ مجرم قاتل ، إذا اقترب منك يوماً ، فتذكر أنك دب .

 

        ” 5 ”

ــــــــــــــــــــــــ

   ذات يوم شتائي شديد البرودة ، تجمد فيه كلّ شيء في محيط المنطقة ، بما في ذلك أجزاء كبيرة من ماء البحر ، راح ميشا يدور متذمراً داخل الكوخ ، كما يدور دبّ كبير ، حُشر مكرهاً في القفص .

وحدقت الجدة نافارانا فيه ملياً ، ثم تمتمت بصوتها الشائخ : ميشا ، أراك متضايقاً ، ما خطبك ؟

ووقف ميشا ، وأشار بخطمه إلى النافذة ، ثم اقترب منها ، وأزاح الستارة عنها ، وإذا الشمس مشرقة ، وتبدو دافئة ، مبتسمة ، وكأنها تقول لمن ينظر إليها : اخرج من بيتك ، وتعال إليّ .

فابتسمت  الجدة نافارانا ، وتمتمت بصوتها الشائخ قائلة : آه فهمت ، تريد أن تخرج من الكوخ ، وتلهو تحت أشعة الشمس ، هذا حقك ، يا ميشا .

وارتدت معطفها السميك ، المصنوع من جلد الدب الأبيض ، وتناولت سنارة السمك ، رغم أن لديها الكثير من لحم الفقمة وشحمها ، وكذلك الكثير من دهن الحوت ، وقالت لميشا : هيا يا بنيّ ، فلنذهب ، ونصطاد السمك من فتحات التنفس ، فالبحر متجمد الآن .  

وخرجا من الكوخ ، وانطلقا نحو فتحات التنفس ، بعد أن أغلقت الجدة نافارانا الباب ، وسارا جنباً إلى جنب على الأرض المتجلدة ، واضطر ميشا للسير ببطء ، مجارياً يذلك سير الجدة البطيء ، متمتعاّ بالهواء الطلق رغم برودته ، وفرحاً بالشمس المشرقة .

ومالت الجدة نافارانا على ميشا ، وخاطبته متمتمة بصوتها الشائخ : بنيّ ، جئت بالسنارة لنصطاد السمك ، من إحدى فتحات التنفس ..

وصمتت لحظة ، لتلتقط فيها أنفاسها ، ثمّ قالت متمتمة : أنت تحب السمك ، وأنا أيضاً أحبه .

والتفت ميشا إليها ، وهمهم محاكياً تمتمتها ، فضحكت الجدة نافارانا ، وتمتمت بصوتها الشائخ : كلا ، لن أسمح لك بالنزول إلى البحر ، عبر فتحات التنفس ، وصيد السمك ، فهي ضيقة جداً بالنسبة إلى جسمك .

وصمتت لحظات طويلة ، تعكرت خلالها ملامحها الشائخة ، ثم رمقت ميشا بنظرة سريعة ، وتمتمت بصوت مرتعش : ميشا ، رأيت حوالي الفجر ، حلماً غريباً لم أرتح له ، إنني لا أكاد أذكره الآن ، إلا أنه حلم غريب صادم ، أتمنى أن لا أراه ثانية .

وحام ميشا حولها مهمهماً ، كأنما يريد أن يخفف عنها ، ويقول لها ، لا عليكِ ، إن هو إلا حلم ، وتوقف أكثر من مرة ، متلفتاً حوله باهتمام ، ومتشمماً ما لا تعرف عنه الجدة أي شيء ، ثم يعود إلى الحوم حولها ، لعلها تنسى الحلم الذي رأته في منامها حوالي الفجر .

وكلما أوغلا في السير ، على البحر المتجلد ، راح ميشا يركض مسافات متزايدة أمامها ، وهو يتشمم ، ماذا يتشمم  هذا الميشا الذي لم يعد ديسماً ؟

وتضحك الجدة نافارانا فرحة ، وتتمتم له بصوتها الشائخ : ما الأمر ، يا ميشا ؟ ربما أنت نفسك لا تعرف ما تريده الآن ، هل تبحث عن عروسة بيضاء كبياضك ، الذي يشبه بياض الثلج ؟ تمهل ، يا بنيّ ، إنني لا أريد أن أفقدك بهذه السرعة .

وتوقفت الجدة نافارانا تلتقط أنفاسها ، إذ رأت فتحة تنفس على الجليد ، لم يجمد حولها الماء تماماً ، فتمتمت مخاطبة ميشا : بنيّ ، يبدو أنه كانت هنا فقمة ، من يدري ، ربما غاصت إلى أعماق البحر ، أو هي الآن تضطجع في مكان قريب ، تحت أشعة الشمس الدافئة .

وتقدمت من الفتحة ، وهي تلهث تعباً ، وألقت السنارة في ماء البحر ، الذي يرتج أسفل الحفرة ، وراقبت الطعم ، وهو يغوص ، ويختفي في عتمة الأعماق ، ثم جلست على الجليد تنتظر ، وميشا يحوم حولها ، وينظر إلى البعيد ، ويتشمم الهواء .

وأغمضت الجدة نافارا عينيها الشائختين الناعستين ، وسرعان ما استغرقت في نوم عميق ، لكنها على ما يبدو ، لم تكن مرتاحة في نومها ، ومن يدري لعل صور الماضي الحزينة تهاجمها الآن ، أو أن هواجسها ومخاوفها ، ربما على ميشا نفسه ، هي وراء كل ذلك ، آه ويقال مع ذلك ،  إن النوم وجد للراحة .

وفزّت الجدة نافارانا على شدة هزّت يدها ، لعلها السنارة ، هذا ما فكرت فيه ، لابدّ أن سمكة كبيرة قد علقت بها ، وتحاول الخلاص من أسرها القاتل .

ونظرت إلى خيط السنارة ، وهمت أن تسحبه ، وتسحب ما علق به ، وهو سمكة كبيرة على ما يبدو ، لكنها رأته ساكناً ، مرتخياً ، لا حياة فيه ، يا للعجب ، أهو حلم ، ما أكثر أحلامها هذه الأيام .

واهتزت يدها ثانية ، وعرفت هذه المرة أن الغمز لم يأتِ من خيط السنارة ، وأتتها همهمة فرح وشخير من ورائها ، إنه ميشا ، والتفتت نحو مصدر الصوت ، وهي تتمتم : ما الأمر ، يا ميشا ؟ يبدو ..

وصمتت مصدومة مذهولة ، وقد اتسعت عيناها الشائختان ، نعم إنه ميشا ، ولكن إلى جانبه ، على الجليد ، كانت فقمة فتية مدماة ، فرفعت عينيها إلى ميشا ، وتمتمت بصوتها الذي ازداد ارتعاشاً : ميشا !

وتلفتت الجدة نافارانا حولها ، ثمّ حدقت في الفقمة الملقاة قريباً منها ، ، ترى من أين جاء بالفقمة ، هذا الميشا المجنون ، أيعقل أنه صادها ، عندما كانت مستغرقة في النوم ؟ لماذا لا ، ميشا لم يعد ديسماً ، إنه دبّ فتي ، قوي جداً ، وحدقت في ميشا ، والآن يا ميشا ، كيف سنحمل هذه الفقمة إلى البيت ؟

واعترى الذهول كلّ من رأى الجدة نافارانا ، وهي تسير حاملة سنارتها ، وإلى جانبها يسير ميشا ، الذي لم يعد ديسماً ، وقد أطبق بأسنانه القوية على فقمة مدماة ، وهو يسحبها ببطء وراء الجدة .

ومن بين الجموع اندفعت ترمجان ، وهي تصيح ، وقد اعتراها الذهول والعجب ، وصاحت : أيتها الجدة ..

لم تتوقف الجدة ، كما لم يتوقف ميشا ، وردت عليها متمتمة : نعم بنيي .

وواصلت ترمجان صياحها المذهول قائلة : هذه الفقمة السوداء .. من ..

وقاطعها الجدة متمتمة ، دون أن تتوقف : تعالي عصراً ، سأعطيك ألذ جزء منها ، قطعة من الصدر ..

وواصلت ترمجان سيرها إلى جانب الجدة ، وهي تتساءل : هذه الفقمة ، كيف اصطدتها ؟

وتوقفت ترمجان مندهشة وفرحة ، حين ردت عليها الجدة نافارانا متمتمة بصوتها الشائخ : أنا لم اصطد هذه الفقمة ، وإنما اصطادها ابني .. ميشا .

 

     ” 6 ”

ــــــــــــــــــ

   امتنعت الجدة نافارانا ، في اليوم التالي ، عن الخروج ، إلى الغابة أو منطقة فتحات التنفس ، وقررت البقاء في الكوخ ، رغم ثورة ميشا ، الذي راح يدور في الكوخ ، كما لو كان دباً بالغاً ، مسجوناً في قفص .

وحاولت أن تشغله عن التفكير في الخروج ، واللهو في الغابة ، أو تصيد فقمة من الفقمات ، فقدمت له الطعام ، وجبة بعد وجبة ، حتى عافه تماماً ، ورفض أن يتناول قطعة واحدة من لحم الفقمة ، أو السمك ، رغم نهمه وشراهته ، وحبه الشديد لهذا النوع من اللحم .

وجلست الجدة نافارانا أمام الموقد ، وغذت النار بقطع من الخشب ، حتى أشاعت الدفء في الكوخ ، وحاولت أن تغريه بالجلوس إلى جانبها ، وتبادل الحديث معها ، أو تمسيد فروته البيضاء الناعمة ، وهذا ما يرتاح إليه منها ، لكن دون جدوى ، وظل يدور في الكوخ ، وكأنه يريد أن يحطمه ، كما لو كان قفصاً .

وقبيل منتصف النهار ، والنار تطقطق في الموقد ، وميشا يدور ويدمدم متذمراً ، طرق الباب ، فاندفع ميشا إليه ، وكأنه يريد أن يفتحه للطارق مهما كان ، وهو يدمدم ويشخر ، وعرفت الجدة نافارانا فوراً ، أن الطارق هي الطفلة ، التي لم تعد طفلة تماماً ، ترمجان ، آه لماذا يكبر الأطفال بهذه السرعة ، ويتركون طفولتهم في الماضي من الأيام ؟

وطرق الباب ثانية ، فتمتمت الجدة بصوت مرتفع بعض الشيء : ترمجان ، لا أستطيع أن أفتح الباب لك ، فالجو بارد ، وأريد أن يبقى ميشا اليوم في الكوخ ، سأفتح لك النافذة ، تعالي من هناك .

وجاءها صوت ترمجان ، التي لم تعد الطفلة الصغيرة ترمجان ، من الخارج قائلة : سأذهب إلى النافذة في الحال ، أيتها الجدة ، افتحيها لي .

ومشت الجدة نافارانا بأسرع ما تستطيع ، كما لو كانت سلحفاة عجوزاً ، وأزاحت الستارة عن النافذة ، ورأت ترمجان تطل عليها بوجهها الطفولي الجميل ، فخاطبتها متمتمة بصوتها الشائخ : أهلاً ترمجان .

وابتسمت ترمجان لها ابتسامة واسعة ، وقالت بصوت ضاحك : جئت أطمئن عليك ، أيتها الجدة ، وأطمئن على صياد الفقمات ، ميشو البطل .

وما إن سمع ميشو ، ترمجان تنطق اسمه ، حتى ترك الباب ، وأسرع يزاحم الجدة نافارانا على النافذة ، ويهمهم لترمجان ، ترى ماذا كان يقول لها ؟ وضحكت ترمجان له ، وهذا خير رد على همهمته .

وضحكت الجدة نافارانا بدورها ، وتمتمت بصوتها الشائخ المرتعش : هذا ما يمنعني اليوم ، من الخروج مع ميشا ، رغم أن الجو مشمس ، ودافىء بعض الشيء ، فأنا أخشى أن ينطلق ، على الرغم مني ، لصيد الفقمات وغير الفقمات ، وهذا يشكل خطراً عليه .

ولوحت ترمجان لميشا ، وقالت : ميشا ، حبيبي ، ليتني أستطيع الآن أن ألعب معك .

وجنّ جنون ميشا ، وراح يتواثب كأنه يريد أن يلحق بترمجان عبر النافذة ، وحاولت الجدة نافارانا ، أن تمسكه وتهدئه ، متمتمة بصوتها الشائخ المرتعش : غدا نخرج ، يا ميشا ، وربما نأخذ معنا ترمجان ، لصيد السمك من فتحات التنفس .

والتمعت عينا ترمجان ، وقالت متحمسة : نعم أيتها الجدة ، خذيني معكما ، وسألعب مع ميشا ، ولا أدعه يبتعد عنك ، لأي سبب من الأسباب .

ولاذت الجدة بالصمت لحظة ، ثم تمتمت بصوتها الشائخ المرتعش : سآخذك معنا ، يا ترمجان ، لكن بشرط أن توافق أمكِ على ذلك .

وتراجعت ترمجان عن النافذة ، وقد غمرها الفرح والحماس ، ومضت مبتعدة ، وهي تقول للجدة نافارانا : سأتوسل إلى أمي ، وستوافق ، إنها تحبكِ .

ثمّ لوحت لميشا ثانية ، وأسرعت نحو البيت ، وهي تهتف بفرح : إلى اللقاء ، يا ميسشا ، إلى اللقاء .

وتراجع ميشا عن النافذة ، حين اختفت ترمجان ، وقد غمره الحزن والإحباط ، ودار قليلاً في الكوخ كالتائه ، ثم انكفأ على فراشه ، وخيم عليه الصمت .

واستدارت الجدة نافارانا ، بعد أن سحبت الستارة على النافذة ، ونظرت إلى ميشا بعينيها الشائختين ، وانتابها الحزن عليه ، فاتجهت بخطواتها الثقيلة البطيئة نحوه ، وجلست إلى جانبه متأوهة .    

لم يلتفت ميشا إليها ، فمدت يدها المرتعشة إليه ، وراحت تربت على كتفه ،  وتمسد فراءه الأبيض الناعم ، وتتمتم  بصوتها الشائخ المرتعش : ميشا ..

لكن ميشا لم يردّ عليها ، وبقي منكفئاً على الفراش ، فواصلت الجدة نافارانا متمتمة : بني ميشا ، أصغي إليّ ، أنا أمك .. نافارانا ..

ومرة ثانية ، لم يردّ ميشا عليها ، فتمتمت الجدة نافارانا بصوت تزايد ارتعاشه : ردّ عليّ ، فأنت ابني ، وأنا أمك ، لقد انتظرتك ، لو تعلم ، سنين طويلة ، مثقلة بالوحدة والصبر ، بعد رحيل زوجي الطيب ..افوفانغ .

وصمتت الجدة نافارانا ، لعل ميشا يتحرك قليلاً ، ويردّ عليها ، ولو بكلمة واحدة ، لكن دون جدوى ، فقد بقي منكفئاً على الفراش ، وقد لفه الصمت ، فتمتمت له بصوتها الشائخ المرتعش : ليس لي غيرك في هذا العالم البارد الموحش ، يا ميشا ، نعم ، كان لي زوجي الطيب اتارتك ، لكنه مضى ، وتركني وحدي ، وهناك الجيران ، وهم طيبون ، لا يتأخرون عن مساعدتي ، والوقوف إلى جانبي في المحن ، إلا أنهم في بيوتهم الدافئة بالأولاد والأزواج والأجداد والجدات ، وأنا في كوخي البارد وحيدة ، حتى جئت أنت ،  أنت ابني .. يا ميشا .

وهنا ، وبهدوء شديد ، التفت ميشا إليها ، واحتضنها بجسمه الدافىء الثقيل ، حتى كاد يكتم أنفاسها ، لكنها لم تدفعه عنها ، وتمتمت بصوتها الشائخ المرتعش : غداً ، إذا أشرقت الشمس ، سأخرج بك من الكوخ ، ونأخذ معنا ترمجان ، ونذهب لصيد السمك من فتحات التنفس ، على أن لا تتركنا ، وتركض وراء الفقمات .

 

     ” 7 ”

ـــــــــــــــــــ

   حتى قبل أن تشرق الشمس ، وتطل على العالم ، أفاق ميشا وعيناه تلمعان ، وعلى أصوات همهمته ، وحركته المنفعلة داخل الكوخ ، بين الباب والنافذة المسدلة الستارة ، أفاقت الجدة نافارانا .

وحدقت الجدة نافارانا في ميشا ، وهو يتحرك مستثاراً دون أن يقرّ له قرار فتمتمت بصوتها الشائخ الناعس كأنما تحدث نفسها :  لا فائدة..

فاعتدلت في فراشها ، وآثار النعاس ما زال في عينيها الشائختين ، وخاطبت ميشا متمتمة بصوتها الشائخ : بنيّ ميشا ، الوقت مبكر ، والشمس لم تشرق بعد ، إنها مازالت نائمة في فراشها الدافىء .

واقترب ميشا منها ، ودفعها برفق بخطمه ، وهو يهمهم محاكياً تمتمتها المرتعشة ، وكأنه يحضها على النهوض ، والخروج به من الكوخ .

وتحاملت الجدة نافارانا على نفسها ، ونهضت بصعوبة بالغة ، وبدل أن تفتح باب الكوخ ، وتأخذه إلى الخارج ، راحت تعدّ طعام الإفطار ، واقترب منها ميشا ليستعجلها ، لكنه توقف منصتاً ، حين طرق باب الكوخ .

والتفتت الجدة نافارانا إلى الباب ، وقالت بصوتها الشائخ المرتعش : هذه ترمجان .

وتركت ما كانت تعده من طعام ، واتجهت إلى الباب ، وهي تتمتم ، سأفتح لها الباب .

والتمعت عينا ميشا ، وبدأ يتململ متشوقاً ، وفتحت الجدة نافارانا الباب ، ومدت يدها المرتعشة بسرعة ، وسحبت ترمجان إلى الداخل ، وأغلقت الباب ، وهي تتمتم بصوتها الشائخ : ادخلي يا ترمجان ، قبل أن ينطلق ميشا إلى الخارج ، دون أن يأكل طعامه .

واقتربت ترمجان من ميشا ، وراحت تمسد فراءه الأبيض الناعم ، وهي تقول له : هيا يا ميشا ، أكمل تناول طعامك ، حتى نخرج معاً من الكوخ .

ولعل ميشا أدرك ما تريده ترمجان منه ، فأشرق وجهه فرحاً ، ثمّ أسرع إلى طعامه ، وراح يلتهمه بسرعة ، حتى أتى عليه تماماً .

وحين رأت الجدة نافارانا ، ابنها ميشا يأكل فرحاً ، أكلت هي بضغة لقمات ، وما إن انتهى ميشا من تناول طعامه ، حتى نهضت ، وتمتمت بصوتها المرتعش : هيا .. حان الوقت .. فلنذهب .. ونصطاد السمك .

وعلى الفور ، خرجوا من الكوخ ثلاثتهم ، الجدة نافارانا وترمجان ومعهما .. ميشا ، وراحوا يسيرون معاً ، الجدة نافارانا تسير ببطئها المعهود في الخلف ، وترمجان وميشا يسيران أمامها يداً بيد ، وهما يتبادلان الحديث ، كلّ بطريقته ، التي تعود عليها .

وحين وصلوا المنطقة المتجمدة من البحر ، وتوغلوا فيها ، راحت الجدة وتلمجان ، تبحثان عن فتحة من فتحات التنفس ، ليتوقفوا عندها ، وتبدأ الجدة نافارانا ، بإلقاء سنارة الصيد في الماء ، لعلها تصطاد ولو سمكة واحدة ، مهما كان حجمها .

ومرّ بهم ثلاثة صيادين شباباً ، من أهالي قريتهم نفسها ، كانوا في طريقهم إلى صيد الفقمات ، فخاطبوا الجدة  نافارانا قائلين : طاب صباحك ، أيتها الجدة .

فتوقفت الجدة نافارانا لاهثة ، وردت عليهم بصوتها الشائخ المرتعش : أهلاّ أبنائي ، يا للشباب ، ما أحلاه ، يبدو أنكم خرجتم لصيد الفقمات .

وضحك الصيادون الثلاثة ، وقال واحد منهم : أعيرينا دبك البطل ميشا ، فلا أحد في قريتنا يصيد الفقمات مثل .. ميشا البطل .

وابتسمت الجدة نافارانا ، وردت بتمتمتها الشائخة المرتعشة : ميشا مازال ديسماً صغيراً ، يا بنيّ ، دعك من جسمه الضخم ، إنه الطعام الذي أحشوه به ، اذهبوا إلى فقماتكم ، رافقتكم السلامة .

ومضى الصيادون الشباب الثلاثة في طريقهم ، وهم يتبادلون الحديث ويتضاحكون ، وواصلت الجدة نافارانا طريقها ، ومعها ترمجان وميشا ، وسرعان ما جاءها صوت ترمجان المميز : أيتها الجدة ..

وتوقفت الجدة نافارانا لاهثة ، وردت متمتمة بصوتها الشائخ : نعم يا ترمجان ..

فواصلت ترمجان قائلة : تلك فتحة تنفس ، أيتها الجدة ، فلنذهب إليها ، ونصطد السمك .

ونظرت الجدة نافارانا حيث تنظر ترمجان ، لكنها لم ترَ شيئاً ، فخاطبت ترمجان بتمتمتها الشائخة قائلة : ترمجان ، أنا لا أرى فتحة التنفس هذه ، قوديني إليها .

وقادت ترمجان الجدة نافارانا إلى فتحة التنفس ، ثم قالت : أيتها الجدة ، ها هي ذي أمامكِ .

وتوقفت الجدة نافارانا عند فتحة التنفس ، وألقت السنارة فيها ، فغاصت في أعماق مياه البحر ، حتى اختفت تماماً ، ثم جلست على الجليد ، وتمتمت بصوتها الشائخ : سأجلس هنا ، لعلي أصطاد شيئاً من السمك ، فلا تبتعدي عني أنت وابني ميشا .

فردت تلمجان تطمئنها : اطمئني ، أيتها الجدة ، سألعب مع ميشا هنا ، ولن أدعه يغيب عني .

وخلال دقائق معدودات ، غابت الجدة نافارانا في سبات عميق ، وفي الأثناء ، كان ميشا يسير كالمسرنم ، يتبع رائحة ربما لا وجود لها إلا في دواخله ، وتبعته ترمجان ، وهي تقول محذرة : ميشا ، ابقَ معي هنا ، ستقلق الجدة نافارانا كثيراً إذا ابتعدت .

لكن ميشا لم ينصت إليها ، بل وزاد من سرعة سيره ، وهو يتأثر الرائحة ، التي لا يشمها أحد غيره ، وهرولت ترمجان في أثره ، حتى حاذته ، ومدت يديها إليه ، وأمسكت به ، محاولة أن توقفه ، وهي تقول لاهثة : ميشا ، نحن نبتعد ، توقف ، ولنعد إلى الجدة .

لكن ميشا انتفض بقوة ، فسقطت ترمجان على الجليد متألمة ، بينما ظلّ ميشا يركض مبتعداً ، وتحاملت ترمجان على نفسها ، ونهضت واقفة ، وحاولت اللحاق به ، لكن دون جدوى . 

وتوقفت ترمجان ، فقد غاب ميشا تماماً ، وقفلت عائدة إلى الجدة نافارانا ، وكانت مستغرقة في نوم عميق ، فانحنت علها ، وقالت : أيتها الجدة ..

وفتحت الجدة عينيها ، وتمتمت متوجسة : ما الأمر ؟

فقالت تلمجان : اختفى ميشا .

ونهضت الجدة نافارانا معولة : يا ويلي ..

ودمدمت العاصفة من بعيد ، فقالت تلرمجان : لنعد إلى القرية ، ستهب العاصفة .

وانكفأت الجدة نافارانا على الجليد ، وهي تتمتم باكية : لن أتحرك من هنا ، إذا لم يعد ابني .. ميشا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد رمضان الجبور : أدب الأطفال ورواية “عبدُه والبحر”  للقاصة دينا بدر علاء الدين .

قد لا نبالغ إذا جزمنا أن الرواية أو القصة من أبرز الأنواع الأدبية المقدمة للطفل …

| طلال حسن : رواية للفتيان “الملكة كوبابا” / الحلقة الثالثة .

     ” 12 ” ـــــــــــــــــــــ    منذ العصر ، انصرفت كوبابا إلى تنظيف غرفتها ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *