حسن عجمي : من البيوفلسفة إلى البيوديموقراطية

إشارة : يبذل الأستاذ “حسن عجمي” جهدا بارزا في حقل تفتقر إليه الثقافة العراقية كثيرا. في هذه المقالة يطرح مفهومين متفردين هما البيو فلسفة والبيوديموقراطية يثيران تساؤلات خطيرة: هل هما امتداد وتطوير للفلسفة الغربية المادية التي بدأت بإعلان موت الإله في عصر التنوير (الحداثة) وانتهت بإعلان موت الإنسان (ما بعد الحداثة)، هل أن اعتمادهما على الأطروحات الداروينية سيفضي ايضا إلى نظرة عنصرية (عنصرية التسوية التي تساوي الإنسان بالطبيعة) شأنها شأن الأطروحات الأخرى ؟ وغيرها الكثير .. فتحية له .
نشهد في هذه المقالة نمو فلسفات و مفاهيم جديدة منها البيوفلسفة و    البيوديموقراطية التي تعتمد على علم البيولوجيا من أجل طرح مواقفها. تاريخ الوجود تاريخ خلق و حفظ  المعلومات. لكن البيولوجيا تقدّم أفضل نموذج لخلق المعلومات و حفظها. هنا تكمن أهمية دراسة البيوفلسفة كمذهب فكري يسعى إلى وصف و تفسير الحقائق و الظواهر كافة على أنها أنظمة بيولوجية تحفظ المعلومات و تتبادلها.

تاريخ الوجود تاريخ المعلومات

يقدّم المفكر جيمس غليك في كتابه القيّم  ” المعلومات ”  تاريخاً دقيقاً للمعلومات و يوضح الأهمية القصوى التي تتخذها المعلومات اليوم. يقول إن المعلومات لا تسكن في الكتب و الأنترنت فقط  بل هي مبدأ أساسي من مبادىء تكوين الكون. فكل الأشياء في الوجود من حياة و وعي و مجتمع و أنظمة فيزيائية ليست سوى معلومات و انتقال للمعلومات من حدث إلى آخر. و كما أن تاريخ الكون ليس سوى تاريخ المعلومات و ترابطها , كذلك التاريخ البشري ليس سوى تاريخ المعلومات و تطورها. بالنسبة إلى غليك , المعلومات هي المحيط الذي نحيا فيه و بفضله ؛ فمعلومات الإنسان هي التي سمحت له أن يبقى و يستمر و ينجح كجنس حيواني لأن الإنسان يتصرف على ضوء معلوماته , و بذلك بما أن معلوماته صادقة يتمكن من النجاح في البقاء حياً. منذ أن كان الإنسان يحيا في الكهوف و يرسم على جدرانها و إلى يومنا هذا كنا و ما زلنا نعيش في عالمين متوازيين هما عالم المحيط  الحيوي و عالم المحيط  المعلوماتي. و بدأت الثورة المعلوماتية من قبل السومريين الذين صنعوا الكتابة فأصبح من المتاح حفظ المعلومات و نقلها من فرد أو زمن إلى آخر. يعتبر غليك أن اختراع حروف اللغة أدى إلى تطوير الوعي و الفلسفة و العلم لأن الحروف اللغوية وسائل ناجحة في حفظ المعلومات و نقلها. هكذا يستنتج غليك أننا نحن البشر مخلوقات المعلومات. و كل التكنولوجيات اللاحقة ( بالإضافة إلى تكنولوجيا الكتابة ) من تلفون و فاكس و آلات حسابية و أخيراً الكومبيوتر مصنوعة لحفظ  المعلومات و نقلها و تبادلها , و كلها تكنولوجيات مترابطة بحيث تنشأ التكنولوجيات الأحدث من التكنولوجيات الأقدم. من هنا , تاريخ تطور الإنسان هو تاريخ تطور المعلومات و حفظها و نقلها (   James Gleick : The Information. 2011. Pantheon ).

بالإضافة إلى ذلك , يشرح لنا المفكر غليك نشوء نظرية المعلومات كنظرية علمية في القرن العشرين. يُعتبَر عالِم الرياضيات كلود شانون الأب الحقيقي وراء تحويل حقل المعلومات إلى نظرية علمية. يؤكد شانون على أنه من الممكن التعبير عن المعلومات من خلال أعداد ثنائية أي من خلال لغة الرياضيات. و بما أنه من الممكن حساب الأعداد , إذن يصبح من الممكن حساب و قياس المعلومات تماماً كما نحسب و نقيس الأعداد و أية سلسلة عددية. على هذا الأساس , بما أن المعلومات أمست قابلة للحساب و القياس الرياضي , و بما أن الكون كله و ما يتضمن من أنظمة و أجسام و جسيمات فيزيائية قابل للقياس و الحساب الرياضي على ضوء القوانين الفيزيائية المُعبَّر عنها رياضياً , إذن لا يختلف الكون الفيزيائي عن المعلومات. لذا النتيجة الطبيعية هي أن كل الكون ليس سوى معلومات و تبادل للمعلومات. هكذا نظرية المعلومات التي أرساها شانون أدت إلى إعادة كتابة الفلسفة و علم الاقتصاد و البيولوجيا و الفيزياء حيث أصبحت الفلسفة و العلوم تنظر إلى الأشياء و الظواهر كافة على أنها معلومات و تبادل للمعلومات. مثلاً , بعد اكتشاف الجينات و الحمض النووي أمسى علماء البيولوجيا يتحدثون عن انتقال المعلومات من جسد إلى آخر عبر الجينات و كيف تُكتب معلومات الأجساد الحية في شفرات و حروف بيولوجية. من هنا , يستنتج غليك أن الجينات مصنوعة من معلومات. هكذا أصبح الجسد البيولوجي نظاماً معلوماتياً. لكن لم تتوقف الثورة المعلوماتية هنا , بل حوّلت العالم بأسره إلى نظام معلوماتي. فمثلاً , تتضمن نظرية ميكانيكا الكم العلمية أن الوعي بمعلوماته يحدِّد الواقع علماً بأن , بالنسبة إلى ميكانيكا الكم , من غير المحدّد ما إذا كان الجسيم كالألكترون هو فعلاً جسيم أم موجة ؛ فقط  حين ندرك الجسيم يغدو جسيماً أم موجة. من هنا , أصبح علماء الفيزياء يتحدثون عن أن المعلومات هي مصدر كل شيء في الوجود. هكذا أيضاً بات الكون الفيزيائي كائناً بيولوجياً يتكوّن من معلومات و تبادلها  ( المرجع السابق ). على أساس هذه الاعتبارات , من المتوقع نشوء البيوفلسفة كمذهب معتمد على علوم البيولوجيا التي تصف الأنظمة المعلوماتية و العلاقات فيما بينها.

جدل الفلسفة و البيولوجيا

البيوفلسفة هي المذهب الفكري الذي يقدّم الحلول للمشاكل الفلسفية من خلال الاعتماد على البيولوجيا. هكذا تزاوج البيوفلسفة بين الفلسفة و البيولوجيا لتغدو الفلسفة قريبة من العلم من دون أن تصبح علماً صرفاً. عمل العديد من الفلاسفة المعاصرين على بناء هذا النموذج الفكري و سيطرت نظرياتهم على المشهد الثقافي المعاصر. هذا لأن جعل علوم البيولوجيا أساساً للمواقف الفلسفية يؤسس دعماً علمياً قوياً للنظريات الفلسفية ما يضمن أرجحية القبول بالتفكير الفلسفي المطروح. لقد حلم  العديد من الفلاسفة ( كفلاسفة الوضعية المنطقية أمثال الفيلسوف كارناب ) بخلق فلسفة علمية أو بجعل الفلسفة علماً , لكنهم فشلوا لأن نموذجهم العلمي الذي على أساسه بنوا  تصوراتهم الفلسفية كان علم الرياضيات أو علم الفيزياء. لكن العلوم الأخيرة مجردة جداً , و بذلك لا تنجح في التعبير عن مفاهيم اللغة و المعنى و العقل المرتبطة بالإنسان الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته. من هنا , كان الفشل مصير تلك المحاولات الفلسفية. لكن قد ينقلب الفشل إلى نجاح في حال اعتماد الفلسفة على البيولوجيا. هذا لأن البيولوجيا تدرس الجسد الحي الذي لا تحكمه قوانين حتمية و مجردة كتلك التي تحكم عالم الفيزياء و الرياضيات. فلا نستطيع مثلاً التنبؤ بدقة بما سيحصل لهذا الكائن البيولوجي أو ذاك كما لا نستطيع التنبؤ بدقة بما سيفكر العقل. من هنا , البيولوجيا أقرب إلى حقل الفلسفة من علوم الرياضيات و الفيزياء ما قد يضمن نجاح البيوفلسفة حيث تنصهر الفلسفة و البيولوجيا في حقل معرفي واحد.

تنوعت المذاهب ضمن البيوفلسفة و اختلفت , لكنها اتفقت على تقديم فلسفة معتمدة على علم البيولوجيا. فمثلاً , بنى الفيلسوف و المفكر كواين مذهباً مثيراً في المعرفة على ضوء النموذج الدارويني العلمي المسيطر على علوم البيولوجيا المعاصرة. بالنسبة إلى النظرية العلمية الداروينية , تكتسب الكائنات الحية الصفات التي تسمح لها في البقاء و الاستمرار , و ذلك بفضل الصراع الدامي بين الأحياء الذي يحتم بقاء الأفضل و الأقوى من الصفات و الكائنات الحية. على أساس هذا النموذج البيولوجي يبرهن كواين و يفسِّر لماذا المعرفة ممكنة. بالنسبة إليه , البشر الذين نجحوا في الوصول إلى معارف من خلال استخدام الاستقراء تمكنوا في البقاء أحياء , أما الذين فشلوا في الحصول على المعرفة من خلال الاستقراء ففشلوا في الاستمرار في الحياة. من هنا , يستنتج كواين أن الاستقراء كما نستخدمه مصدر موثوق للحصول على المعرفة لأنه لو لم يكن كذلك لِما تمكنا من البقاء أحياء. الاستقراء هو البرهان الذي ينطلق من قضايا جزئية ( كقضية أن هذا الأسد يشكّل خطراً على حياة البشر و قضية أن ذاك الأسد يشكّل خطراً على الحياة ) إلى قضية عامة ( كقضية أن كل أسد يشكّل خطراً على الحياة ). و الاستقراء الذي نعتمده في حياتنا أساسي في الوصول إلى المعرفة لأنه إذا لم يكن كذلك لِما توصلنا إلى معرفة مثلاً أن كل أسد خطر على حياتنا و بذلك لِما كنا لنتجنب الأسود و نبقي على أنفسنا أحياء. بكلامٍ آخر , بالنسبة إلى كواين , المعرفة ممكنة أي من الممكن الحصول عليها لأنه إن لم تكن ممكنة ما كنا لننجح في البقاء علماً بأننا نتصرف على ضوء ما نعتقد و نعرف. فإذا لم نعرف أن كل الأسود خطرة , ما كنا حينها لنحذر منها و نتجنبها و بذلك لكانت قد قتلتنا قبل أن نتمكن من الإنجاب و الاستمرار كجنس بشري. هذا هو التفسير البيولوجي الدارويني لنشوء المعرفة لدينا ؛ فنحن نملك معرفة لأن من دونها لا نتمكن من الاستمرار على قيد الحياة (Quine : Ontological Relativity. 1977. Columbia University Press ).

من جهة أخرى , يقدّم الفيلسوف و المفكر فان فراسن تفسيراً بيولوجياً داروينياً لحقيقة أن النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في تفسير الكون و ظواهره. و هذا اتجاه آخر ضمن البيوفلسفة التي تطرح التفاسير الفلسفية على ضوء علوم البيولوجيا. بالنسبة إلى فان فراسن , تتصارع النظريات العلمية فيما بينها تماماً كما تتصارع الكائنات الحية ما يحتم بقاء الأقوى و الأنجح من تلك النظريات و زوال الضعيف منها. و بما أن فقط النظريات الأقوى أي الأنجح في تفسير العالم و ظواهره هي التي تبقى , إذن من الطبيعي أن تكون النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في تفسير الكون و ظواهره. هكذا يفسِّر فان فراسن نجاح العلم من خلال النموذج البيولوجي الدارويني (  Van Fraassen : The Scientific Image. 1980. Oxford University Press). بالإضافة إلى ذلك , من المتوقع نشوء البيولغة ضمن الاتجاه  البيوفلسفي. تنظر البيولغة إلى اللغة على أنها جسد بيولوجي حي يتشكّل من معلومات و يتبادلها. لقد قدّمت الفيلسوفة و المفكرة ميليكن نموذجاً بيولوجياً في اللغة مفاده أن مبادىء اللغة مبادىء بيولوجية كمبدأ قول الحقيقة ؛ فمن خلال قول الحقيقة يضمن خطابنا أن يتكرر في أفواه الآخرين و بذلك يضمن الخطاب بقاءه تماماً كما يسعى الجسد البيولوجي إلى استمرارية وجوده و بقاء جنسه من خلال توالده. بالنسبة إلى ميليكن , فقط  الأساليب و الأنواع اللغوية المفيدة للمتكلم و المتلقي تستمر في التداول ما يجعل اللغة تتصرف كالأجساد البيولوجية الحية التي تكتسب فقط  الصفات التي تبقيها و تبقي أنواعها حية. فالوظيفة الأساسية للغة هي تحقيق التفاهم و التواصل بين المتكلم و المتلقي من أجل إفادة كل منهما. هكذا تتكرر بعض أساليب التخاطب لأنها تؤدي إلى استجابات مفيدة لتحقيق أهداف المتكلم و المتلقي معاً ( Ruth Millikan : Language : A Biological Model. 2005. Oxford University Press ). و بما أن تاريخ الوجود و ما يحتوي من كون فيزيائي و ظواهر مجردة كاللغة ليس سوى تاريخ بيولوجي للمعلومات , إذن من الطبيعي أيضاً أن ننظر إلى الديموقراطية على أنها نظام بيولوجي معلوماتي.

جدل الديموقراطية و المعلومات

من منطلق النموذج البيوفلسفي , من الممكن صياغة فلسفة البيوديموقراطية التي تعتبر أن النظام الديموقراطي يتصف بصفات الكائن الحي ما يضمن له البقاء و الاستمرار تماماً كما يضمن هذا الجنس الحيواني أو ذاك بقاءه. تعلّمنا نظرية دارون أن الجسد الحي ينتقي الصفات الأفضل للبقاء , و ذلك من خلال صراع الصفات و القدرات المختلفة فيما بينها. بالنسبة إلى نظرية دارون , الصراع يحكم عالم الأحياء , لذا من الطبيعي أن تنتصر الصفات و القدرات الأقوى فتبقى. بكلامٍ آخر , بما أن الكائنات الحية و ما تتضمن من صفات و قدرات هي في صراع دامٍ فيما بينها , إذن من المتوقع أن تنتصر الكائنات و الصفات و القدرات الأقوى و الأفضل في التأقلم مع المتغيرات ما يحتم حقيقة أن الطبيعة تنتقي الصفات الأفضل لهذا الكائن الحي أو ذاك لضمان استمراريته. و بما أن الديموقراطية كائن حي , إذن من الطبيعي أن تتحكم فيها الصراعات بين أجزائها المختلفة كجماعاتها و مؤسساتها المتنوعة ما يؤدي إلى انتقاء و بقاء الاتجاهات و الميول الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية الأقوى و الأفضل لبقائها و استمرارية مجتمعها. هكذا تضمن الديموقراطية حرية الصراع السلمي و التنافس بين أجزائها و تضمن بذلك أيضاً انتصار الأفضل من بين أجزائها المتصارعة ما يؤدي إلى استمرارية نجاحها كنظام اجتماعي و اقتصادي و سياسي. على هذا الأساس , حقيقة أن الديموقراطية هي جسد حي يتصف بمعظم صفات و قدرات الأحياء تفسِّر لماذا نجحت الديموقراطية في البقاء و الاستمرار ؛ فهي كالكائنات الحية كافة تجدد و تطوّر قدراتها الأنجح في التكيف و الاستمرار و تكتسب فقط  الصفات الأفضل للبقاء , و ذلك من جراء الصراع الدائر بين صفاتها المختلفة الذي يحتم انتصار الأفضل و الأقوى. و من منظور البيوفلسفة أيضاً , كل الأنظمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية هي بمثابة كائنات حية تنافس بعضها البعض. لكن الديموقراطية نظام يتصف بصفات الجسد الحي أكثر من الأنظمة الأخرى , و لذا ضمنت الديموقراطية نجاحها و بقاءها و ازدهارها بينما الأنظمة الأخرى المنافسة لها ضمنت فشلها و زوالها. فمثلاً , النظام الديكتاتوري يرفض وجود أي منافسة بين أجزاء مجتمعه المسيطر عليه على نقيض من الديموقراطية , و لذا تتصف الديكتاتورية بأنها أقل حية من الديموقراطية. ففي النظام الديكتاتوري قد توجد منافسة بين أعضاء الحزب الحاكم لكن من الممنوع وجود أية منافسة بين الأفراد أو الجماعات خارج الحزب الحاكم , و بذلك تفتقر الديكتاتورية إلى عنصر هام جداً من عناصر الكائن الحي ألا و هو عنصر الصراع أو التنافس الذي يحتم انتصار الأفضل للمجتمع و للبشرية.

لكن , ما هو الجسد الحي ؟ كما هو معروف علمياً يتكوّن الجسد من خلايا , و الخلايا تتكوّن على ضوء الجينات المسؤولية عن تحديد صفات الكائنات الحية بفضل كونها تورِّث الأبناء صفات الآباء و الأجداد. لكن كل “جين” مجموعة معلومات على أساسها يتشكّل الجسد الحي و ينمو و يتصرف. من هنا , يتكوّن الجسد الحي من مجموعات هائلة من المعلومات ؛ فمن دون هذه المعلومات المتوارثة لا تولد الأجساد الحية و لا تتطور. و بما أن , من منطلق البيوفلسفة , النظام الديموقراطي نظام حي كالأجساد الحية تماماً , و بما أن الجسد الحي مجموعة معلومات مترابطة و متفاعلة, إذن النظام الديموقراطي مجموعة معلومات متواصلة و متشابكة. على هذا الأساس , تعتبر البيوديموقراطية كفرع من فروع البيوفلسفة أنه من الممكن تعريف الديموقراطية من خلال المعلومات و انتقالها و تبادلها , و بذلك تتحرر البيوديموقراطية من التعاريف التقليدية للنظام الديموقراطي. فبينما تقول الفلسفة التقليدية إن الديموقراطية هي النظام الذي يحترم مبادىء الحرية و المساواة و العدالة للجميع و يعتمد على فصل السلطات و محدودية حكم الحاكم إلخ , تؤكد البيوديموقراطية على أن النظام الديموقراطي هو النظام القادر على إنتاج المعلومات و تبادلها بشكل حر و بلا  قيود. و بينما تعتبر الفلسفة التقليدية أن الديموقراطية تضمن تبادل المعلومات , تصر البيوديموقراطية على أن الديموقراطية هي بذاتها ليست سوى عملية تبادل المعلومات بلا قيد و شرط بالإضافة إلى كون الديموقراطية هي عملية إنتاج للمعلومات و حفاظ عليها. هنا أصبحت الديموقراطية جسداً حياً بكل معنى الكلمة ؛ فالديموقراطية مجرد صياغة للمعلومات و تبادلها الدائم بلا قيد أو شرط تماماً كما أن الجسد الحي مجرد مجموعة معلومات مترابطة و متفاعلة. من وجهة نظر البيوديموقراطية , كلما كان النظام منتجاً لمعلومات أكثر و قادراً على تبادل المعلومات بشكل أكبر , كلما كان النظام أكثر ديموقراطية. و دليل مباشر على ذلك هو : إذا كانت المعلومات في نظام ما مقيدة و خاضعة للرقابة أو من غير  المسموح تبادلها , حينها تتقيد حرية التفكير و التصرف على ضوئها و بذلك يخسر الفرد حرية التفكير و التصرف ما يضمن زوال الديموقراطية أو عدم نشوئها أصلاً. من هنا , الديموقراطية هي مجموعة عمليات صياغة المعلومات و تبادلها بلا قيود و شروط.

أما مبادىء حرية الفعل و التصرف و مبادىء المساواة و العدالة بأشكالها كافة بالإضافة إلى مبدأ فصل السلطات و مبدأ محدودية الحكم و السلطة إلخ فليست سوى آليات من أجل تمكين النظام الديموقراطي كي ينتج المعلومات و يتبادلها بحرية. فمثلاً, إذا كانت السلطة في الحكم غير محدودة العُمر و القوى و لم يجرِ تبادل للسلطة بين فرقاء مختلفين , حينها سيحتكر مَن في السلطة إنتاج المعلومات و يمنع الآخرين من إنتاجها و معرفتها و تبادلها. بذلك محدودية السلطة ضرورية كآلية من أجل صياغة المعلومات و تبادلها. بالإضافة إلى ذلك , بما أن الديموقراطية هي عملية إنتاج المعلومات و تبادلها بلا قيد و شرط , و بما أن العلم هو مصدر المعلومات , إذن من الطبيعي أن تنمو العلوم ضمن النظام الديموقراطي و تزدهر. هكذا تفسِّر البيوديموقراطية لماذا تنشأ العلوم و تتطور في ظل الديموقراطية. هذا يدعم مصداقية البيوديموقراطية التي تقول إن الديموقراطية هي مجموعة عمليات صياغة المعلومات و تبادلها. فمثلاً , نما العلم و ازدهر في الغرب الحديث و المعاصر مع نشوء الأنظمة الديموقراطية و ازدهارها. أما الأنظمة الديكتاتورية فإما لم تتمكن من إنتاج علوم فقلدت علوم الديموقراطيات و إما حاربت العلم و إنتاجه , و خير مثل على ذلك أنظمتنا العربية الديكتاتورية التي لم تسمح بنمو العلم بل التي قاتلت العلم و العلماء. و هذا متوقع لأن الديكتاتورية تعتمد على أيديولوجيا عقائدية محدَّدة و بذلك ترفض أي فكر أو أي إنتاج لأفكار خارج أيديولوجيتها.

بما أن التاريخ يرينا أن العلم ينمو و يزدهر ضمن الديموقراطيات فقط , إذن أفضل تفسير لهذه الحقيقة هو أن الديموقراطية منتجة للعلم و العلماء. و السبب وراء ذلك هو أن الديموقراطية هي عملية صياغة المعلومات و تبادلها تماماً كما تؤكد البيوديموقراطية. هذا يفسِّر بدوره لماذا يحارب الطاغية العلم و إنتاجه و بدلاً من تطوير العلم يسعى إلى تطوير التخلف. فبما أن الديموقراطية هي خلق للمعلومات و تبادلها بلا قيد و شرط , إذن من المتوقع أن يحارب الطغاة المعلومات و العلوم المنتجة لها فيغدو المجتمع ضمن النظام الديكتاتوري رافضاً للعلم و المنطق تماماً كما حدث في عالمنا العربي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.