حسين سرمك حسن : محمود عبد الوهاب ، “دروكوكو” الموت الجميل

في قصة ” دروكوكو ” – مجلة ( فنارات ) ، العددان الأول والثاني ، 2003 – يستهل القاص ” محمود عبد الوهاب ” أحداثها بالقول ( تباطأت عند المدخل ، استوقفني الجو الذي أمامي . لم يكن هذا ما توقعته . رؤوس تكاد تتلامس ، وأيدٍ تتشابك في توتر ، ثم تسترخي على مساند المقاعد ، وأصوات صاخبة تتقاطع لترجيء نقاشها بمزحة أو لمسة ضاغطة على الكف . تتراجع الرؤوس بابتسامة لتقترب من جديد في سورة من نقاشات حادة ، غاضبة وعنيفة ، لكنها متسامحة ، نقية وصافية مثل الدموع ) . الراوي – والقصة تُحكى بضمير المتكلم – يعبّر عن دهشته لأن ما يراه يخالف توقعاته السبقية تماما . ففي هذا المكان – وهو كافتيريا مسرح جلس ينتظر فيها بدء عرض مونودراما – فوجيء بحركة حياة صاخبة وضاجة . وقد احتل الأماكن فيها شباب وشابات في أعمار متقاربة يصفهم بالقول إنهم مشدودون إلى حلم مشترك يومض من بعيد ، يقتربون منه لكنه سرعان ما ينفرط على موائدهم . وسرّ الدهشة والمنظر المخالف هذا، يعود إلي أنّ الراوي، الذي سيدهشنا بدروه بهذا التبرير، قد جاء إلي هذه المدينة التي يجلس في كافتيريا مسرحها الآن، ليكسر حلقات الرتابة التي كانت تشدّه في مدينته التي لم تعد تلـبـي كـل رغباته: “لقد أخذت مدننا الصغيرة تنأي عن حاجاتنا، نحن الذين نفترض أنفسنا كتّاباً، غالباً ما كانت مدينتي تضيق عليّ كما لو أنني، أنا الرجل، أرتدي ثياب طفل. ماذا تفعل في هذه الحالة؟ تبدأ بفكّ أزرار قميصك وتضطجع قليلاً لتستريح، هذا ما كنت أفعله”.
وفكّ الأزرار تعبيراً عن محاولة التخلّص من الاختناق النفسي والحياة الراكدة في المدينة الأصلية، يقوم به الراوي، وهو كاتب قصصي، في هذه المدينة التي يزورها بين حين وآخر.
إنّـه ينتقـل من مدينته الصغيرة حيث السأم والمراوحة الوجودية التي تجعل الإنسان يتآكل، جسدياً وروحياً، ويعلو طموحاته الصدأ، إلي هذه المدينة الكبيرة حيث الفضاء الواسع والانفتاح المكاني والتنوّع الأخّاذ المحفّز لإمكانات الفرد المعطّلة والمجدّد لطاقاته.
وحـاجـات الراوي لهذا التغيير مضاعفة، فهو من ناحية كائن بشري يصيبه التكرار والرتابة بالملل والضجر، ومن ناحية ثانية فهو كاتب تتطلب ممارسته الإبداعيّة وطبيعته الشخصية “فك أزرار” النفس المحاصرة، والبحث عن سبل الاسترخاء لتخفيف التوتّر والبحث عن عوالم جديدة. إلاّ أنّ مفارقة مربكة نتلمسها من خلال الصياغات اللغوية التي يشكّلها الراوي لوصف انفعالاته في خضم عملية التغيير هذه من جانب، وتجاه المتغيرات التي واجهته خلالها من جانب آخر. فهذه الصياغات متضادة، وإسقاطية ومفتوحة للتأويل المعاكس لما يريده الراوي أصلاً.
فهو، الذي يبغي البدء بجولة لا نهاية لها في المدينة الجديدة كما يقول متخلّصاً من ثقل وطأة النظام الحياتي في مدينته القديمة، يعلن عن دهشته وعدم تكيّفه مع الجوّ الضاج بالنقاشات والحركة البشرية في الكافتيريا، وكأنّه يفضل الانتقال من عزلة إلي عزلة، ومن حصار إلي آخر.
ولعلّ ميله هذا يتضح من خلال أنموذج المقارنة “المكاني الذي تناول الغداء فيه قبل مجيئه إلي الكافتيريا وهو مطعم بحجم مكعب النرد، أبيض صقيل وعاجي، جلس في ركن منه يتأمل الشكل الذي ظهرت فيه قصّته المنشورة والمساحة التي شغلتها بين صفحات المجلة التي تصدر في هذه المدينة، مسترجعاً مرارة الساعات وحلاوتها التي قضاها في كتابتها.
وحين يصف النقاشات الحادّة والعنيفة التي كانت تدور في الكافتيريا فإنه يقول إنّها متسامحة ونقية كالدموع، والاستعانة بمفردة مثل “الدموع” لوصف صفاء المتحاورين رغم خلافهم الشديد، لا يتيح لك تأويلاً تامّ الدّقة، ولا يؤسّس استجابة نفسيّة مكافئة لدي المتلقي، لأنّ معاني الحزن والأسي المرتبطة بالدموع عادةً (وهي معانٍ سلبية) لا تعزّز الوجه (الإيجابي) للنقاشات العنيفة الغاضبة.
إننا ننتقل من التوصيف العنيف الدقيق إلي إيحاءات تلامس حدود دائرة ذلك التوصيف أو تدخل في إطارها.

الحلم المشترك
وحين يتحدث الراوي عن الشباب والشابات الذين يتجادلون في الكافتيريا فإنه يمنح نفسه قدرةً مطلقةً في تحديد حلمهم المشترك الذي “يومض من بعيد، يقتربون منه، لكنه سرعان ما ينفرط علي موائدهم”، هاجس مُجهض أسقطه الراوي علي الآخرين، يتّسق في مراميه وعوامله الحاكمة العميقة مع المحفزات التي جعلته ينتقي مفردة “الدموع” في جملته السابقة.
وتظهر الربكة “اللاّ شعورية”من خلال البناء اللّغوي لهذه الجملة التي تصوّر الحلم كمبتغي بعيد يسعي إليه الشباب والشابات، لكنّ الراوي يجعله، وبصورة مفاجئة، قريباً جداً، لكن مهمشّاً منفرطاً علي الموائد.
ولا نستطيع الآن، تحديد السبب الذي دفع بالراوي إلي أن يجعل من الحلم المشترك أمنية مُحبطة عزيزة المنال.
هذا الأمر المشوّش نسبيّاً، والذي يمرّر أمام عين القارئ الذي لا يستطيع التقاطه بصورة مباشرة بسبب “الغشاوة” الجمالية التي يضربها القاص علي بصره من ناحية وأسلوبه الهادئ الذي يتجنب “الأفعال” والمفردات الحادّة الصادمة من ناحية أخري، يتكرّر مرّة أخري حين يصف الراوي/ القاص حالة الضيق التي يعاني منها في مدينته القديمة فيشبّه نفسه بـ”رجلٍ، ارتدي ثياب طفل”، وهنا تضاف لمسة تلطيف وتخفيف إلي الضيق الذي أراد الراوي تصويره خانقاً وشديد الوطأة، لأنّ المظهر النهائي هنا هو أقرب إلي تشكيل: كاريكاتيري لتجسيد المعاناة منه إلي تشخيص قاتم وموجع لها.
إنّه تضادّ بين واقع الرجل الخانق وبين الترميز للقبضة الخانقة بألبسة الطفولة التي تكون عادة ناعمة ملوّنة أخاذة وتثير البهجة والارتياح، ولا يمكن فهم سرّ هذا التضاد إلاّ إذا اعتبرناه مظهراً لتضاد وجداني أعمق تتصارع فيه دوافع الموت والحياة، فهو في الوقت الذي يقرّ فيه باختناقه وموته البطيء، فإنّ قوي الحياة البهيّة الضاغطة تنسرب من خلال الوصف تحت أردية الطفولة الحيوية المثيرة، لكنها خلجات أو اختلاجات في أسوأ الأحوال حيث تعود حفزات الواقع لتتسيّد المشهد وتكتم أنفاس المُتخَيل والمُرتجي، وينكشف هذا الاختلال في الحلّ الذي يقترحه للخلاص حين يقول: “ماذا تفعل في هذه الحالة؟ تبدأ بفكّ أزرار قميصك وتضطجع قليلاً لتستريح”، فينسي فكّ وثاق الأردية الطفلية لأنها أصلاً، وكما قلنا، حفزة مُستحبة انسربت تحت غطاء الوصف الاكتئابي الذي أراده الراوي لحاله المتعب فلطفته من دون أن “يقصد”.إنّه يدرك أنّ محنته تتمثل في (قميص) الواقع الرجولي الذي يحياه والذي لا يلبّي احتياجاته فيضاعف، وهنا نقطة حسّاسة كبري، إفرازات التثبت الطفلي ومضاعفاته المعوّقة المعبّر عنها بالملابس الطفلية التي تكّتف جسد الراشد الرجل الذي يحاول الراوي فكّ أزرار قميصه في مخادعة ذات تسلّمه إلي تناقض جديد. فطلباً للخلاص يحاول أن يريح نفسه مـن القيـود المحاصـرة ليضطجع قليلاً ويستريح، وهو حلّ سكوني ذو طابع مستكين لا يعكس الانتقالة الحركية التي يعلنها الآن: “هذا ما كنت أفعله، أهيّئ حقيبتي، قطعة فوق قطعة، أُحكم إغلاقها، أتناول الحقيبة من علي الأرض، ثم أجدني في فضاء واسع خارج البيت”.
إنّ هذا الاستعراض لأفعاله وهو يعدُّ حقيبته ويحكم إغلاقها، ثم “يتناولها من علي الأرض” يشبه شخصاً ما يتحدث عن فعل طال انتظاره وهو يصرّ علي أسنانه علي الرغم من بساطة ذلك الفعل لإضفاء صفة الحزم والصرامة علي القرار وكونه نهائياً.
إنّ الراوي قد عاد عملياً إلي السبيل المباشر لاقتلاع ذاته من أرض واقعه اللزجة، تلك الذات الشقية – كما يقول – التي ينفصل عنها في المدينة الكبيرة: “أتقمص في المدينة الكبيرة شخصاً آخر انسلّ من كتاب روائي: خاويّ الجسم، خدّاه خاسفان، يرمق بعينيه الغرابيتين النهار الشتوي الرمادي، شاعراً بنشوة الانفصال عن ذاته الشقية… في تلك اللحظة أبدأ بكسر حلقات الرتابة… وأبدأ بجولة لا نهاية لها أبداً”.

رمز أمومي
في المدينة/ الأم، يعاني الراوي من الضيق والاختناق، ومن الرواية، التي هي رمز أمومي أيضاً، ينسلّ ككائن ذاوٍ شبه شبحي، وفي الحالتين يحاول الخلاص من قبضة الموت و”العودة” إلي الحياة من خلال الانتقال إلي المدينة الكبيرة التي يجلس الآن في كافتيريا مسرحها وحيداً ومنعزلاً عن الآخرين “كما لو كان منفرداً”.
كانت الكافتيريا تكتظ في كلّ لحظة، ولم يكن علي مقربة من مائدته سوي ثلاث شابات، تكاد تلامس الأولي كتفه: شابة في عُزلة ممّا حولها، تبدو في بنطالها الجينـز الأبيض وقميصها الرجالي ذي المربّعات وخفيها المزركشين كما لو أنها تتحرك في مرآة من ماء، والفتاتان بجوارها، البدينة وذات النظارات، تثغوان بلا انقطـاع.
ومع الفتيات الثلاث يضعنا القاص أمام قصّة جديدة لكنها موازية لقصّة الراوي الأصلية، قصّة “ثانوية” تنمو في أحشاء القصّة/ الأم، تترعرع في رحمها وتتغدي من حبل همّها السرّي، فمن مكانه يلمح الراوي عنوان قصّته علـي صفحـات المجلة التي نشرتها الشابة علي المائدة، إذن فهي تقرأ قصّته، وهذا أمر مشترك بينه وبينها، فماذا يكتب قاصّ بجسم خاوٍ وخدّين خاسفين، وعينين رمادّيتين ويسيطر عليه الضيق ويتآكل وجوده شيئاً فشيئاً في المدينة الخانقة؟
إنّ الخيط الأسود الخفي الذي يمتد من لا شعور الراوي، عبر نتاجه، إلي المتلقية الشابّة هو الذي يجمع بينهما. ويبدو ميلها إليه شديداً إلي الحدّ الذي تخبر الشابتين الأخريين بأنّ الكاتب الراوي – كاتب هذه القصّة التي بين يديها – هو في مكتبه الآن:
“- ولماذا هو في مكتبه الآن؟
أجابت الشابة بصوت خفيض وواثق:
– لو لم يفعل ذلك، فكيف يكون كاتباً؟”.
إنّها، وبحكم تعلّقها بالراوي وقصّته، تمنح نفسها قدرة خارقة علي معرفة ما يقوم به الراوي في اللحظة الراهنة، وهذه القدرة تقوم في الواقع علي أساس افتراض هشّ: “إن لم يكن في مكتبته، فكيف يكون كاتباً؟” علي الرغم من أنّها تعلن لصديقتيها بأنّها “تراه، كأنّه أمامها”. ولكن المفارقة الجارحة التي ستصدم الراوي قطعاً، وستصدمها بشدّة لو علمت ذلك، تتمثل في أنّ الراوي/ الكاتب، يجلس علي مقربة منها، فبالنسبة للراوي تمثل هذه المفارقة صدمة باهظة تزيد من آلامه، ففي الوقت الذي ينبغي أن يكون منشغلاً فيه بإبداعه في مشغـله القصصـي/ مكتبته، كما تري الشابة، نجده قد جاء للخلاص من مدينة تأكل أرواح أبنائها المبدعين، تاركاً مكتبته لتجديد قواه المُستهلكة.
أمّا بالنسبة للشابة فإنها ستصدم أيضاً وبشدّة حين تعلم أنّ هذا الرجل الذي يجلس وحيداً ومنتحياً “وكأنه منبوذ” لم يعد قادراً علي “اللّعب” الخلاّق علي الخيط الأسود، خيط المثكل، أي أنّه غير منشغل، الآن، وكما تراه عن بعد حسب تجليات الرغبة، بالالتفاف علي المصير القاتم المرسوم، رثاءً وإنكاراً ودفاعاً، من خلال “وصفاته” العلاجية التي تتجسّد في قصصه التي تضع القرّاء، ومنهم هذه الشابة، في موضع المتحكّم بالمصير الشخصي وطريق الفناء الذي لا مفرّ منه أبداً.
وهذه “الوصفات” العلاجية التي يخلطها المبدع في مشغله/ مختبره بإمكانها أن توقعنا في شراك خديعة جمالية تجعلنا نتغنّي بالمصير المحتّم من دون أن يجتاح أرواحنا الرعب:
“أطبقت الشابة جفنيها مثل دمية من قطن، وردّدت مقطعاً كانت تستظهره:
وكما يوجد في لبّ ثمار الليمون الصفراء
العصير الحمضي
كذلك يقبع الموت في نخاعك…”.
وهنا لا يظهر ارتباك الراوي الذي ينقل لنا هذا المقطع من غير أن ينتبه إلي متناقضاته العميقة، ولا غيبوبة الشابة التي تردّده منتشيةً من دون أن تمسك بسرّ الخديعة الجمالية حسب، بل ارتباك “محمود عبد الوهاب” ومكره في الوقت نفسه، فالعصير الحمضي الذي يتشكّل بهدوء وببطء في لبّ ثمرة الليمون الصفراء هو مكّون طبيعي، بل هو المكّون الأساسي لها، هو علامة نضجها واكتمال نموّها ودليل منفعتها، والأهم من كلّ ذلك انسجامه مع سيرورتها ودورة حياتها.
أمّا الموت الذي يقبع في نخاعنا فإنه بإمكانه أن يخطف ثمرة أعمارنا في أيّ لحظة، وهو ليس مكوناً طبيعيّاً لحياتنا، بل هو عدوّها، والدليل القاطع علي هشاشتها، إنّه يستطيع إيقاف نموّها وتحطيم دورتها في أيّ وقت يشاء.
إنّه لا ينسجم مطلقاً مع سيرورتها، بل هو القاتل الموقوت القابع في أحشائها، ولكن حين يتكفّل الشعر بجعل سموم الموت عصيراً حمضياً “موجوداً” في نخاع وجودنا الذي يصبح ثمرة ليمون صفراء تثير الأسي في نفوسنا ونحن ننتظر مصيرها الفاجع. وكنتيجة لهذا المكر العظيم، والغيبوبة المحبّبة الناجمة عن الخديعة الجمالية التي صارت ضرورة لتخفيف وقع سياط قلق الموت الشرسة، يصبح لزاماً علي الشابة أن تمضي باللعبة حتي النهاية:
“قالت البدينة:
– لم أفهم شيئاً.
– إنّه المصير، هل سمعت بهمنغواي؟
– أتذكّر أني قرأت بعض أشعاره.
– همنغواي ليس شاعراً يا غبيّة. إنّه كاتب ومغامر وصيّاد ومتنقّل دائم.
= ماذا يعني؟
– يعني أنّه مختلف.
– كيف؟
– حتي نهايته لم تكن مثل نهاياتنا.
– ماذا تقصدين؟
– إننّا نموت مثل ما تتحطّم الأشياء القديمة، لكن نهاية همنغواي تختلف. تناول عشاءه مع زوجته، وأنشد مع زوجته ماري أغنيتها المحببة “توتي مي تشياما نوبيوندا” في الصباح حدّق من خلال ماسورة بندقيته، إلي وجه الموت، ودوّت طلقة…”وقفة: يقول “هوتشنر” مؤلف كتاب “بابا همنغواي”: “… تناول همنغواي عشاءً طيباً في أول ليلة له في المنـزل – بعد مغادرته مستشفي الأمراض النفسية من دون علاج كافٍ بالصدمات الكهربائية – بل إنّه اشترك مع “ماري” في إنشاد إحدي أغانيهما المفضلة وهي “توتي مي تشيامانوبيدندا” ثم حدث في صباح اليوم التالي – كما قالت ماري – أن دوت إحدي الطلقات في المنـزل. وهرعت “ماري” إلي الطابق الأرضي. وقالت إنّ إرنست كان ينظف إحدي البنادق حين انطلقت بالصدفة وقتلته. ولم أستطع أن ألوم “ماري” لإخفائها حقيقة الأمر.. وهل يعيد الصدق شيئاً؟ أو يخفف من العذاب؟
ووجدت نفسي أتذكر سؤالاً من بين التحقيقات الصحفية التي تمّت بين إرنست وصحفي ألماني منذ سنوات. وكان قد سأله: “يا هر همنمغواي، هل تستطيع أن تلخّص شعورك تجاه الموت؟”
أجاب إرنست: “أجل، إنه عاهرة أخري ليس غير” (ص: 380 – 381).].
لحظات النهاية المأساوية في حياة همنغواي جاءت ختاماً لسلسلة عذابات واندحارات مريرة. سلسلة مليئة بالأوهام الاضطهادية والتصدّع العقلي والعجز الجنسي والشعور بالذنب وغيرها من علامات وأعراض الاضطراب النفسي الشديد، كل ذلك جعل همنغواي صاحب المقولة الشهيرة “الإنسان لم يخلق للهزيمة. قد يتحطم الإنسان ولكنه لا يُهزم”، جعله يتحطم ثم يُهزم. وإذا كنّا نموت مثل ما تتحطم الأشياء القديمة كما تقول الشابة، فإنّ نهاية همنغواي لم تكن مختلفة كما تعتقد، بل كانت أسوأ من تحطّم الأشياء القديمة. لقد عبث به المثكل في حياته وفي مماته، وتحوّل في أيامه الأخيرة إلي لعبة بيد الأطباء تثير الأسي والأسف.

لماذا فعل همنغواي هذا؟
لقد سحقته أوهام مرضية غريبة تثير السخرية والغرابة والتعاطف المرير في آن واحد.
علي سبيل المثال، كان قلقاً من مطاردة البوليس الفدرالي للقبض عليه بتهمة إغواء الفتيات القصّر وإن زوجته ماري تساعدهم في هذا الموضوع!! وهو وهم لا أساس له من الصحّة.
فما الذي فعله محمود عبد الوهّاب في تعامله مع موضوعة الموت هذه؟ ما الذي يحققه الإبداع القصصي هنا في تحصين ذواتنا ونحن نراجع النهاية المدّمرة لهمنغواي؟ تلك النهاية التي سترسّخ في أعماقنا الشعور بالهشاشة والقابلية علي الانجراح؟
إنّه يتوقع أن نسأل السؤال نفسه الذي طرحته الفتاة البدينة:
– لماذا فعل همنغواي هذا؟
وهو السؤال الذي لن يسمعه لأنّ الإجابة عليه تتطلب تفسيراً، والمبدع الحق لا يفسّر بل يصف ويصوّر ويثير التساؤلات في النفس البشرية بدلاً من أن يقدّم أجوبة شافية كافية إذا كانت هناك ثمة أجوبة فعلاً، ولن تسمع الشابّة، بدورها، سؤال زميلتها، مثلما “لم تسمع ماري الدويّ، كانت منشغلة بتهيئة الغرفة للصباح الجديد، رفعت ستارة النافذة، نقلت أصيص الزهور. كان الهواء مثل موجة علي شاطئ رملي فسيح، والغرفة تتسع وتزداد بياضاً كأنها قطعة من جليد جبلي.
– أين قرأت هذا؟
– لم أقرأه.. تنتقل ماري الآن بحجمها الضئيل أمام عيني. أكاد أسمع حسيس خفيّها”.
ومثلما كانت الشابة تري الراوي/ الكاتب و(كأنه أمامها) وهو في مكتبته، فهي تري الآن مشهداً عن بعد كبير زماناً ومكاناً، تشكّله وفق رغباتها بصورة مغايرة تماماً لما جري من وقائع أصلاً. وهو مشهد زاخر بالحياة والتفاؤل. في الوقت الذي يجتث الموت بمنجله الباشط وجود كاتب مبدع مثل همنغواي، تتظافر جهود الطبيعة مع جهود ماري لرسم لوحة رائعة مفعمة بالأمل والنماء والتجدّد.
إنّ الشابة “تري” الراوي/الكاتب يعمل في مكتبته، منشغلاً بإبداعه، و”تري” ماري زوجة همنغواي في غرفتها منشغلة بالصباح الأبيض المتألق، تراهما في خيالاتها، مسقطة رغباتها المرتجاة علي ما هو واقع فعلاً.
وهذه الخيالات هي تمظهرات دفاعية ضدّ عصير الموت العلقم القابع في نخاعنا. فالإنسان ليس حيواناً ناطقاً واجتماعياً حسب، بل هو حيوان ذو خيال، وهذا الخيال لا يميز الإنسان عن الحيوان فقط، بل يميّز بني الإنسان أحدهم عن الآخر. وهو ما شكّل فرقاً بين الشابة وزميلتها.
“تململت البدينة:
– أوه… أنت دروكوكو يا عزيزتي.
– ماذا.. درو… ماذا تعنين؟
– يعني.. أنك تحلمين.
تدخلت ذات النظارة:
– لم أسمع بهذه الكلمة.
– إنّها كلمة أفريقية.
كوّرت البدينة شفتيها وأخذت تنطقها بعويل أفريقي انطلقت، من بين فكّيها الفاغرين الفيلة والنمور والجنادب وعيون البوم المرصديّة في دوي لم تسمعه أيّ منهن”.
… لقد التقط الراوي/ الكاتب، وهو المبتلي بـ”لعنة” الخيال أيضاً، دوي الحيوانات الذي انطلق من بين فكي البدينة، دويّ يكفي لتشويش مسري خيالاته التي رحلت مع الشابة الحالمة، ويعيده إلي واقع مضاد يوقظ في أذهاننا حقيقة مؤلمة مفادها أن خيالنا هو سلاح ذو حدّين، فهو في الوقت الذي يمنحنا منفذاً صحيّاً لإشباع دوافعنا المُحبطة والتخلص وقتياً من عجلة الواقع القاسية التي تطحن آمالنا ورغباتنا، فإنّه قد يأخذنا معه أحيانـاً، بصورة دائمية فنتصدّع عقلياً ولا نعود قادرين علي العودة إلي أرض الواقع من الآفاق المحلقة، أو بصورة متكّررة ليشكل آلية دفاع تحذيرية تجعلنا نسير كالحالمين المغيّبين في زحام الحياة الصاخب ولا نصحو إلاّ علي صدمات ضغوطها، وتكون تلك الصحوة، علي الأغلب، بعد فوات الأوان، وبعد سلسلة من “الحلول” الالتفافية والتعطليلية التي تجعل الخسارة النهائية تفوق تحملنا وقد تحطمنا. وفي أبسط الحالات فإنّها قد تجعلنا من نوع “الدركوكو”.
“قالت البدينة:
– أنت تحلمين يا تينة.
– تينة!
– نعم، أنت هشّة مثلها.
– كيف؟
– تحلمين مثل صيّاد أفريقي يحمل عدّته في الصباح ليصطاد سرباً من البجع المائي رآه في حلمه أمس.
– ما هذا؟ إنّك تؤذيني بكلامك..”-لاحظ ان همنغواي كان صيادا في افريقيا ولهذا وقفة اخري –
وفعلاً، فإنّ العودة إلي الواقع مؤذية، وبشكل خاص بالنسبة للشابّة التي تحيا في عزلة ويحاصرها ملل لا يطاق، وتمثل أحلام اليقظة بلسماً يجعل الحياة محتملة وتستحق أن تُعاش. فمؤذٍ بالنسبة لها أن لا يكون الكاتب المفضل لديها والذي تراه وكأنه أمامها، في مكتبه، وأنّه يجلس مثلها منـزوياً هارباً من الملل والسأم، ومؤذٍ أيضاً أن تكون ماري قد سمعت دوي لإطلاقه وشاهدت زوجها همنغواي وقد تفجّر رأسه وهو يتخبط بدمائه فارّاً من موته إلي موته، ولكن ما هو أشدّ أذيً وأفدح ضرراً، سيتحقق حين تعرف هذه الشابّة أنّ الموت الذي يقبع في نخاع وجودها لن يتيح لحياتها أن تنضج كثمرة الليمون الصفراء، وإنّ هذا الأمر لن يقنع أحداً إلاّ إذا كان من نمط “الدروكوكو”، هذا النمط الذي يتجسد هنا بالمبدع محمود عبد الوهاب وبراوي قصته/الكاتب والشابة المحلّقة.
عندما دخل الراوي كافتيريا المسرح وانتحي مائدة منعزلة طلب من النادل فنجان قهوة، ولكنه نسيه تماماً بعدما بدأ بالانتباه إلي حديث الشابة مع زميلتها، كان مستمتعاً وهو يري الشابة تقرأ قصته وأخذ “يتابع حركتها مثل ملاح يتابع حركة زورقه”، غاب عمّا حوله من زحام يكرهه ولم يعد يجتر تداعيات الرتابة والضجر، رحل مع حديث الشابة عنه ككاتب وعن نهاية همنغواي المختلفة واحتفاء ماري بالطبيعة وسمع دويّ الفيلة والنمور والجنادب.. ولم يعد لتذكير النادل بالقهوة ولم يشعر بالأصوات الضاجة والنقاشات الحادة العنيفة إلاّ عندما خرجت الفتيات الثلاث تتقدمهن الشابة وهي تؤرجح المجلة في توتر، حول سبابتها…
ببساطة لقد حلّق مع تداعيات الشابة كـ: “دروكوكو” ربطته الكثير من الوشائج النفسية بها. ووفق هذا التوصيف، فعل فعله العلاجي في نفوسنا، كقرّاء نراوغ شبح المثكل، “دروكوكو” محمود عبد الوهاب الجميل .. استاذ القصة القصيرة المكثفة الانيقة المحكمة الرشيقة الذي احتفي هذه الايام ولاول مرة بعيد ميلاده الثامن والسبعين بعيدا عنه في غربة لا ينفع معها الا دروكوكو الموت.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: نصيف الناصري… وظيفة السرديات الشِعرية!!

* نصيف الناصري، الولد المرتبك دوماً، الحاس الى حد الهلع بالخوف من مجهولات كانت ترافق …

تَجلّيَّاتُ المرأةِ في شعْر إياد خزعل
د. وليد العرفي

تشغلُ المرأةُ حيزاً مُهماً من اشتغال الشاعر الفنيّ بالمرأة بوصفها مقولةً من مقولات نصه الشعري …

روايات مترجمة: 2 ــ بلاد الثلوج (من الأدب الياباني)
ياسوناري كاواباتا
ترجمة: لطفية الدليمي
قراءة: ناطق خلوصي

كانت رواية ” بلاد الثلوج ” في طبعتها الأولى قد صدرت عام 1952أما طبعتها المترجمة …

تعليق واحد

  1. الرحمة والغفران للقاص الكبير محمود عبد الوهاب واتذكر جيدا يوم خرجنا الى ضفاف شط العرب والتقطت له هذه الصورة التي قال لي انهم يريدونها لمجلة الاقلام في حينها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *