| د. عاطف الدرابسة : قلتُ لها .

قلتُ لها :
 
أنثرُ رؤايَ وأفكاري بين الكلماتِ ، كأنَّني أبحثُ عن الخلودِ في لغتي ، أنثرُ مشاعري بين السُّطورِ ، لعلَّي أُشعلُ القناديلَ في خلايا الضَّبابِ ، أُحاولُ أن أقرأَ هذا العالمَ الغريبَ ، أُحاولُ أن ألجمَ توحُّشهُ ، فأجعلُهُ حروفاً على الورقِ ، لأتمكَّنَ من السَّيطرةِ عليه ، أو من إعادةِ تشكيلهِ ، وأنا أُدركُ أنِّي أتعاملُ مع الجحيمِ .
 
لا فرقَ عندي بين هذا العالمِ ، وبين المنازلِ المهجورةِ ، لا فرقَ عندي بين هذا العالمِ ، وبين النَّوافذِ المكسورةِ ، لا فرقَ عندي بين هذا العالمِ ، وبين المنازلِ العاريةِ ، كلُّ الغرفِ منفى ، كلُّ الغرفِ باردةٌ .
 
يا حبيبةُ :
لم أعُدْ مُقتنعاً أنَّ الفصولَ تتجدَّدُ ، وأنَّ الهدوءَ يأتي بعد العاصفةِ ، ألم أقُلْ لكِ ذاتَ يومٍ إنَّ العاصفةَ لا تلدُ إلَّا العاصفةَ .
 
لم أعُدْ مُقتنعاً أنَّ الفجرَ يأتي بعد الظَّلامِ ، فإنَّ الظَّلامَ يا حبيبتي لا يلدُ إلَّا الظَّلامَ .
 
يا حبيبةُ :
تلكَ الأرضُ التي عشقناها معاً ، ومشينَا بين حقولِها معاً ، وارتمينا على أعشابِها معاً ، ما عادتْ مأوىً للسَّنابلِ ، ولا عادت الطُّيورُ تبني أعشاشَها هناك .
 
كم مرَّةٍ قلتُ لكِ : إنَّ هذا الماءَ الذي يلقَحُ الأرضَ ، لم أعُدْ أعرفُ هل هو ماءٌ طاهرٌ ، أم هو ماءٌ خبيثٌ ؟
 
انظُري إلى تلك الأعشابِ التي تُغطِّي وجهَ الأرضِ ، انظُري إلى تلك النَّباتاتِ ، بين الأزهارِ ستجدينَ نبتةَ الحشيشِ (الماريجوانا) .
 
يا حبيبةُ :
لم أعُدْ قادراً أن أضمَّكِ إلى صدري ، أن أدنوَ منكِ أكثرَ ، فلغتي آهلةٌ بالخَرفِ ، والقُبَلُ لم تعُدْ تُقيمُ على الشِّفاهِ ، والجلدِ لم يعُدْ يفيضُ عطراً ، أراني كموقدٍ بلا حطبٍ ، كمدفأةٍ باردةٍ ، كسريرٍ بلا غطاءٍ ، كقصيدةٍ خاليةٍ من علاماتِ الإعرابِ ، وعلاماتِ التَّرقيمِ .
 
يا حبيبةُ :
أحملُ في خيالي ألفَ مدينةٍ ثكلى ، ولا أكسبُ إلَّا الخساراتِ ، أُشاهدُ نفسي أحترقُ كسيجارةِ شيخٍ يموتُ ، لا أجدني إلِّا في قصيدةٍ ملقاةٍ على الرَّصيفِ ، لا أجدني إلِّا في قواربِ الرَّحيلِ الأخيرِ .
 
أستيقظُ كلَّ صباحٍ ، أقرأُ على شاشةِ هاتفي عبارةَ : صباحُ الخيرِ ، وحينما أجلسُ أمامَ نافذتي ، وأُشعلُ سيجارتي ، أرى العالمَ نافذةً تُطلُّ على حديقةٍ بلا أزهارٍ ، وعلى شارعٍ يلتفُّ حولي مثل جسدٍ يموتُ .
 
أبتلعُ دخانَ سجائري ، وتنفصلُ عن جسدي الرُّوحُ ، فأعودُ يا حبيبتي وأنا أنفضُ الغبارَ عن جسدي ، وأرمي نفسي على السَّريرِ ، كأنَّني قيثارةٌ بلا أوتارٍ ، أو كأنَّني ظلُّ صوتٍ يموتُ .
 
د.عاطف الدرابسة
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هند زيتوني :  شيءٌ  من الحب .

اعتراف يشبه القول: إنَّ القلب الذي لا يعرف الحُبّ، هو صندوقٌ خشبي أجوف. يعتريه وجع الفراغ …

| عبد الجبار الجبوري : كلامُ القُبَل .

    أكادُ أسمعُ بحّةَ صوتِها، وهي ترسمُ دائرةً للضوءِ على شفاهِ المَطر،أغارُ من ضحكتِها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *