حيدر علي سلامة : إشكالية علمنة اللسان الثقافي العراقي. قراءات في المشروع الثقافي للعلاّمة الوردي(القسم الثاني والأخير)

اللغة: من تعقيد الخطابة إلى تيسير الكتابة
تمثل الكتابة في المفهوم الوردي، علم الحياة اليومية في جميع اشكالياتها المعرفية والثقافية، وهذا ما سيقودنا الى تحليل إشكالية تبسيط الكتابة الذي سيؤدي بنا بالضرورة الى إعادة النظر في ممارسات استعمالات اللغة بعدما تكون قد تخلصت من جميع تركاتها الفائضة ومرادفاتها الزائدة. وكما ذكرنا سابقا، ان العلاّمة كان يحاول ان يعيد تشكيل العلاقة الابستمولوجية بين اللغة والكتابة، لان كل منهما مسؤول عن تشكيل  قواعدنا الذهنية وأطرنا المنطقية ومقولاتنا الثقافية وطرق تواصلنا ومعرفتنا بالعالم والأشياء. فإذا كانت مصادر طبيعة لغتنا مضطربة ومشوشة سوف يؤدي ذلك الى اضطراب كلامنا وبالتالي إلى اضطراب أذهاننا، وهذا يعني اننا سنبقى نتحرك في حلقة مفرغة من التداول الكلامي المنمّط والمتكرر بطريقة بيداغوجية وتقليدية. من هنا جاءت دعوة الوردي الى تيسير الكتابة من اجل جعلها شكل من اشكال التواصل الثقافي في الوجود اليومي، وليست متحف للأفكار القديمة المخزونة في موروثنا الثقافي فحسب، لان اي تغيير حاصل  في اشكال الكتابة يوازيه بالضرورة تغيير في اشكال الكلام وبالتالي تحول في طرق ممارسات التفكير، فالكتابة مرتبطة الى حد كبير مع أنماط التفكير، فلا يمكن إن تحدث ثورة في التفكير، ما لم يسبقها ثورة في تاريخ الكتابة وأشكالها التقليدية، يقول الوردي: ((كنت قد دعوت في مقالاتي السابقة الى تيسير لغة الكتابة والى تجريدها من الزخرفة والحذلقة اللتين اتصف بها الادب العربي القديم. فنحن الان نكتب للجمهور، لا للطبقة الخاصة. والحياة الجديدة تقضي علينا ان نغير من اسلوب لغتنا كما غيرنا من اسلوب مساكننا وملابسنا وغيرها. وهنا يأتي الدكتور محي الدين فيقول بان هذه الدعوة ليست جديدة، فقد جاء البلاغيون قبل الف سنة. وهو يعتبر ذلك من ابجديات علم البلاغة. ولكنني في زعمه جاهل بهذا الفن حتى صرت اخبط فيه خبط عشواء والقي الكلام فيه جزافا. لست اريد ان أتباهى بنفسي فادعي المعرفة التامة بجميع ما جاء في علم البلاغة، وفي العلوم اللغوية الاخرى، من قواعد عظيمة. ولكن الذي اعرفه ان كثيرا من اخواننا الادباء يستهجنون اللغة الواضحة المبسطة ويعدونها من طراز اللغة العامية المبتذلة. وهؤلاء منتشرون بيننا يصدعون رؤوسنا كل يوم بشتائمهم. كتب احد هؤلاء في جريدة الحرية قبل ايام كلمة يعرض فيها بكاتب هذه السطور ويشتمه لانه يدعو الي تيسير اللغة وتبسيطها. قال: “ان الدكتور علي الوردي بإصراره على الدعوة الى الاساليب المبسطة انما يدافع عن نفسه ويحمي بذلك اسلوبه العاطل عن الجمال والفن… نتيجة عجز وضحولة في التفكير”.وكتب مرة اخرى متسائلا: فهل يبقى الدكتور الوردي مصرا على رأيه الذي اصبح مضحكا يثير التندر والفكاهة في كل مكان …حتى اصبح يستحق الرأفة كما جاء في مقال الدكتورعبد الرزاق محي الدين…اما اذا كان محصول الدكتور علي الوردي في فهم اللغة العربية لا يرقى الى أكثر من مستوى ما يدعو اليه فله عذره الواضح على ان لا يذيعه وينشره بين المثقفين الذين يقدرون جمال التعبير في ادبنا الحديث….وهو الفارق بين طبقة ألاميين والمثقفين. والغريب ان الكاتب هذا يقول عني اني لا اتحرج من المناداة علنا باتخاذ العامية لغة الكتابة. ولما سألته كيف جاز له ان ينسب لي رأيا لم اقل به، اجاب: بأني مادمت ادعو الى تبسيط اللغة فمعنى ذلك اني ادعو الى اللغة العامية. لم اجد في جواب هذا الرجل غير السكوت. وقد كتب الله علينا ان نعيش بين أناس لا يختلفون عن هذا الرجل كثيرا، ولابد لنا من السكوت عندما ينطقون أو لا ينطقون))(19).
هكذا كان الوردي يواجه طغيان النماذج والبردايمات الثقافية التقليدية، تلك النماذج التي لم تمد جسور التواصل الثقافي والنقدي مع طبيعة الاشكالية التي تناولها بالتحليل، وكأنها اشكالية منفصلة عن وجودهم اليومي، فلا يوجهون ادنى اهتمام لدراسة وتحليل مجمل طروحاته النقدية والثقافية التي بشّر بها العلاّمة آنذاك، لأنهم بكل بساطة غير معنيين بحياة الناس وصيرورة بؤسهم الاجتماعي وطغيان أنظمتهم الاستبدادية، وكأن الوردي تناول  اشكاليات تخص زمن اخر غير زمننا. في الواقع، ان العلاّمة، من خلال ذلك النص وغيره، رسم لنا المشهد الثقافي والأكاديمي الذي عاصره، وهذا في حد ذاته يقدم وثيقة تاريخية تعكس لنا تاريخ الخواء الثقافي في ثقافتنا المتمركزة حول لوغوسها السلطوي ومتنها الأيديولوجي المنشغل في صناعة المحسنات اللفظية والمترادفات اللغوية المنفصلة عن الثقافات المحلية والشعبية. فأي خطيئة تلك التي اقترفها الوردي عندما دعا الى تغيير مسار اللغة من هيمنة الموروث المؤدلج الى السياقات الثقافية؟ وهل كان أولئك الذين تصدوا الى دعوته على استعداد لتقبل ولفهم آراءه ؟ ولو كانوا كذلك، لماذا نجدهم دوما يواجهون طروحاته الثقافية بتلك الطريقة البيداغوجية والمتكلفة والمتعالية؟ ثم عن أي جمالية لغوية يتحدثون، والناس من حولهم متكدسون أكوام،  كأكوام النفايات والمزابل، في بيوت ما انزل الله بها من سلطان؟

اللغة: من المعاني الخالدة الي الثقافة الراكدة

يتبين مما سبق، ان اللغة في ثقافتنا بقي مهيمن عليها ما يعرف “بازدواجية اللغة”، حيث إن اللغة هنا مسبوقة بالمعاني الميتافيزيقية التي لها وجود سابق على الإنسان ووجوده اليومي، اي أنها أشبه بنظرية المعاني الصورية أو المثالية عند أفلاطون التي شكلت رؤية كلاسيكية للثقافة وللإنسان، وذلك لأنها بقيت بعيدة عن منطق استعمالات اللغة في الحياة اليومية وعلاقة الذهن بالنحو والكلام، وبالتالي علاقة اللغة بعمليات التواصل والاتصال الثقافي. والسؤال الذي نود طرحه هنا، هل أمكن للفلسفة الغربية ولفلسفات اللغة المعاصرة ان تنقل اللغة من الحقل الميتافيزيقي إلى حقول الخطاب والممارسة الخطابية واستعمالات اللغة…الخ، دون ان تعيد النظر في المفاهيم الأفلاطونية واليونانية في فلسفة اللغة ونظريات النقد الأدبي؟
عند تتبعنا لحركة تفكيك مركزية اللغة حول لوغوسها الفلسفي، بدأ من أفلاطون، نلحظ ظهور مدارس فلسفية عديدة، اتسمت بتحررها من هيمنة النماذج المثالية المتعالية، ربما أهم تلك الفلسفات هي السوفسطائية والابيقورية والايديونية والشكية، تلك المدارس الفلسفية التي رفضت الإيمان بنماذج أو مثل متعالية “للمعاني اللغوية” الراسخة أو الأبدية، وأكدت في الوقت ذاته على نسبية اللغة وتاريخية الخطاب في الممارسة اليومية وفي الحياة الأخلاقية والذهنية. وهناك من الفلاسفة من سار على نفس هذا الاتجاه، ومنهم الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي لا يؤمن ((بوجود قواعد نحو كلية أو بأشكال متعالية، لكن فقط بوجود لغات محلية متموضعة في مناخاتها وأطرها الاجتماعية المختلفة))(20). ويقاربه في هذه الرؤية الفيلسوف الانكليزي جون لوك، وينطبق الشيء نفسه على بقية الفلاسفة الانكليز الذين حاولوا تأسيس فلسفة لغة بلا زوائد لغوية وإحالات افتراضية وعلاقات ميتافيزيقية، وقد توج هذا الاتجاه في ابستمولوجيا الفلسفات الوضعية والمنطقية، حيث شددت جميع تلك المدارس الفلسفية على أهمية العلاقات المنطقية بين الكلمات والسياق والمنطق والاستعمال اللغوي لها، لان استعمال الكلمات هو الذي يحدد نوع المعرفة الثقافية للمتلقي، وبالتالي يترتب على استعمال الكلمات الواضح والخالي من الشوائب معرفة مريحة ليست قلقة أو مربكة. لانه كثيرا ما ينتج الإرباك الذهني بسبب استعمال كلمة واحدة تعني اشياء مختلفة(21).
ومن المؤكد ان الثورات اللغوية لم تنحسر في مجالات الفلسفة فحسب بل ان الأمر تجاوز ذلك بكثير ليمتد إلى حقول العلوم الاجتماعية والنفسية بل حتى الإعلامية. والملاحظ ان اغلب تلك الحقول المعرفية اشتغلت على طبيعة اللغة المحكية اي اللغة التي تؤسس لعلاقات اتصالية وتواصلية من خلال أنظمة العلامات والشيفرات الثقافية في المؤسسة الاجتماعية، وهذا يعني ان صور العلاقة بين الكلمات والأشياء؛ والعلاقة بين الأشياء والقواعد النحوية والذهنية تتغير تبعا للسياقات والأطر الاجتماعية السائدة. لان كل نظام نحوي هو نظرية لغوية تشير إلى ما هو واقعي ومؤكد(22)، اي بلغة الوردي لغة ما هو كائن وليس ما ينبغي ان يكون.
ولنتأمل كيف يترجم العلاّمة، كل ما سبق ذكره، بأسلوبه النقدي وبلاغته اليومية ومنهجه الابستمولوجي التشخيصي لعلاقة الكلمات والأشياء والإنسان وعالم الخطابات الثقافية السابقة واللاحقة، وهو الذي كان يعمل ضد أكثر من نموذج معرفي يحاول ان يعرقل مسيرته الثقافية، فمن نموذج علماء الاجتماع مرورا بنموذج الأدباء والكتاب والى نموذج السياسة ووعاظها …الخ. يقول الوردي: ((ينتقد الدكتور محي الدين دعوتي الى تبسيط اللغة بحجة انها دعوة قديمة مضى عليها الف سنة. ولست ادري ماذا يقول عن هؤلاء الذين لا يزالون يدعون الى اللغة المعقدة والاسلوب الرنان بالرغم من وجود تلك الدعوة الالفية؟ اما كان الاجدر به ان ينتقدهم بدلا من ان ينتقدني، وان يرشدهم الى كنوز البلاغة القديمة بدلا من ارشادي؟ لعله يقول انهم قليلون بالنسبة الى غيرهم من الادباء. وهذه مسألة فيها نظر. والذي الاحظه فيهم انهم قليلون وكثيرون في آن واحد. فنحن نستطيع ان نعدهم قليلين اذا اخذنا بنظر الاعتبار ما يخرج الى الاسواق من نتاج اقلامهم. والواقع انهم من اقل الناس انتاجا. والسبب في ذلك راجع الى نفرة القارئ منهم ومن تحذلقهم اللفظي الذي لا يحوى من المعنى الا قليلا. انما هم في عين الوقت كثيرون، اذ هم منتشرون في كل مكان، ولهم الصوت المعلى في كل مجلس يرتادونه. ويصح القول انهم يتكلمون كثيرا وينتجون قليلا وها هم اولاء قد ملأوا الدنيا شغبا؛ وصخبا؛ وجعلوا من انفسهم نقادا يصولون بشتائمهم في كل ميدان، ويهاجمون بها كل من يكرهونه أو يحسدونه))(23).
اما في باب المواعظ البلاغية، فيواصل العلاّمة نقده للأشكال التقليدية في اللغة والبلاغة التي عملت على تنميط الفكر واللسان، فيقول: ((لست انكر ما جاء في كتاب البلاغة القديمة من دعوة الى تبسيط الاسلوب وتوضيح المعنى. ولكني اعتبر هذه الكتب مثل كتب المواعظ الدينية، اذ هي مملوءة بالتعاليم والارشادات الفخمة، والناس يقرأونها أو يستمعون اليها صباح مساء دون ان يتاثروا بها في حياتهم العملية. الناس في حقيقة امرهم لا يتأثرون بما هو مسطور في الكتب القديمة. انما هم يتاثرون بالقدوة التي يرونها في محيطهم الاجتماعي. فاذا وجدوا اديبا ينبغ من بينهم فيحصل على المنزلة العالية، حاولوا ان يقلّدوه بالرغم من جميع التعاليم التي سطرّها القدماء. وهذه حقيقة اجتماعية لا اظن الدكتور ينكر صحتها. وهي تعلل ذلك الانهماك العجيب في الصناعة اللفظية التي طغت على الادب العربي خلال القرون البائدة. الم يكن من الادباء من قرأ علم البلاغة حينذاك؟ الظاهر انهم قرأوه ثم أولوه كما يشاون. ومثلهم في ذلك كمثل ارباب العمائم الذين يؤولون القرأن كما يشتهون ويفسرونه كما توحى به تقاليدهم وعقائدهم الموروثة. ان كتب البلاغة القديمة لم تنفع الناس بالامس، وهي كذلك لا تنفعهم اليوم، والادب العربي الحديث لم يتطور من جراء التعاليم المحفوظة في تلك الكتب. انما هو يجري في الطريق الذي يمهده اولئك الاعلام من المجددين، اذ هم يخرقون بضرباتهم المبدعة حجب التقاليد، حتى اذا نجحوا سار الناس ورائهم من حيث يريدون أو لا يريدون))(24).
مما ذكر أعلاه، يتضح إن الوردي كان يسعى إلى تأسيس “مشروع لغوي” يهدف إلى إعادة بناء وتشكيل اللسان الثقافي العراقي الذي قضى الشطر الكبير من حياته يتعامل مع لغته بطريقة مربكة ومضطربة نتيجة لمجمل التراكمات الأيديولوجية والازدواجية السياسية التي تعمل على تشكيل وإدارة الخرائط اللغوية والذهنية في كل حقبة تاريخية. الأمر الذي أدى إلى حدوث فجوات ثقافية كبيرة بين كل من المتكلم ولغته والأشياء الخارجية، حيث تبدو اللغة بالنسبة للسامع وللمتلقي مجموعة من الأصوات والفونيمات المضطربة التي تخيف الإنسان أكثر مما تشعره بالأمان، لان جميع تلك التشكيلات اللغوية والتعابير الكلامية واللهجات اليومية تحولت الى انساق ثقافية مطلقة وقيم أخلاقية وتعاليم روحية بل حتى إلى أهازيج سياسية.
فليس من المستغرب بعد كل ذلك ان يواجه الوردي الأنساق اللغوية الأيديولوجية بالنقد والتحليل من اجل إحداث تغيير جذري في البنية الثقافية السائدة، فهو لم يعلن ثورته المعرفية على قداسة اللغة العربية المتربعة في أحضان السلطة، الا لأنه كان يعمل على إعادة توجيه الأنظار لذلك الواقع الآسن ولتلك الألسنة التي طوقتها سلطة اللغة ولغة السلطة من كل صوب وحدب، ولأنه يؤمن ان اللغة لا تولد في بطون الكتب ولا في قصائد الشعراء ولا في تقنيات البلاغة والبيان. لذا كان يدعو الى ما يعرف بتغيير سياسات تدريس اللغة وكتابتها ونشرها، لان ذلك يجسر الفجوة بين طبقة المثقفين المتعاليين وطبقة المحرومين المعدمين الذين يحتاجون الى التحاور والتواصل معهم بواسطة كلمات واضحة ولغة معبرة عن آلامهم ومشاكلهم، بعدما ابتلعتهم لغة السياسة الغامضة والمربكة. من هنا جاءت دعوة الوردي الى تبسيط اللغة، فيقول: ((يتهمني الدكتور محي الدين باني ادعو الى استعمال اللغة العامية في الكتابة. ولكنه يقدم اتهامه بكلمة “لعل” لكي لا يقال عنه انه يلقي الكلام جزافا. فهو يقول عني: “لعل الدكتور يريد بالتيسير والتسهيل: التسهل والترخص، والبلوغ بالكلام حد العامية حتى يعود في متناول من لم يحسن الفصحى في قليل أو كثير”. اني ارضى ان يسوق مثل هذه التهمة رجل من طراز ذلك الكاتب الشاتم الذي اشرت الى بعض شتائمه انفا. ولكني لا ارضى بأن يأتي بها اديب كبير من طراز الدكتور محي الدين. ارجو من الدكتوران يخبرني متى سمع مني أو قرأ لي قولا ادعو به الى اللغة العامية أو الى لغة قريبة منها. ان الذي ادعو اليه في الحقيقة هوان نجرد لغتنا من الكلمات الغامضة والمترادفات التي لا فائدة منها. وهذا هو ما اسير عليه في جميع كتاباتي ومحاضراتي قدر الامكان. اني لا احب ان يحمل القارى مع كل كتاب يقرأه قاموسا أو معجما يرجع اليه في كل جملة لكي يفهم ما خرج من بطن الكاتب فيها. فوقت القارئ اليوم اضيق من ان يبذره في ذلك. وان نحن اصررنا على التعالي عليه بأسلوبنا اضطر الى تركنا والى البصاق علينا. ويجب ان لا ننسى ان هناك فرقا كبيرا بين اللغة المبسطة واللغة العامية من الناحية الاجتماعية. فاللغة العامية لا يفهمها جميع الناطقون بها. اما اللغة الفصيحة المبسطة فهي التي يفهمها جميع العرب في كل اقطارهم….الذي نرجوه من ادبائنا ان يدركوا ما عليهم من واجب تجاه هذا الوضع الغريب. إن عليهم ان يبسطوا لغتهم المعقدة لكي يجعلوها في متناول ابناء العروبة في كل مكان))(25).
ويواصل الوردي التأسيس لرؤيته البراكسيسية في اللغة التي تتحول معه الى ممارسة ثقافية وممارسة لغوية، لاسيما عندما ينتقد الدكتور محي الدين في موضوعة البيان: ((يؤكد الدكتور محي الدين ان كتاباتي حافلة بأنواع البيان المختلفة من حيث لا ادري. ففي رأيه ان جهلي بعلم البيان جعلني اقع في مصيدته من حيث اظن اني متحرر منها. وهو يزعم ان كل الفرق بيني وبين عارفي فن البيان هو انهم يتبعونه في التعبير عن بينة ومعرفة، اما انا فاسير فيه “عليك يا الله!” اذا صح ما قاله الدكتور عني فأني افتخر به. فخير لي ان اكتب عن سليقة من ان اكتب عن تصنع وتكلف. واذا جاز للدكتور ان يذمني بهذا فالأولى به ان يذم عرب الجاهلية اذ هم لم يتعلموا قواعد النحو، وكانوا مع ذلك من اصح الناس اعرابا. الادب انبثاق من اعماق النفس. ولو انه قام على اساس القواعد المحفوظة لصار علماء البيان والبلاغة من اعظم الادباء. ومن الممكن القول بان التزام القيود في الأدب مضر، اذ هو يربك القريحة ويعرقل تيارها الفياض))(26).
ويصف الوردي علم المعاني في هذا النص: ((ويقول الدكتور محي الدين: “ان الدكتور الوردي اذ ينكر اثر علم المعاني كمن ينكر اثر الهندسة في البناء، فيدعو الى الاستغناء عن فن الهندسة بدعوى ان الانسان حفر كهوفه قبل ان يعرف هذا العلم، وان النحل يبني خلاياه بمحض الفطرة.” اود إن اسأل الدكتور هنا فأقول: أكان ادباء العالم الكبار مطلّعين على علم المعاني حين انتجوا تلك الروائع الادبية الكبرى.؟ اذا كان اثر علم المعاني في الادب كأثر الهندسة في البناء، كما يقول الدكتور، فلننبذ كل ما انتجه الادباء العظام الذين لم يدرسوا علم المعاني. ذلك ان ادبهم لم يقم على اساس صحيح من الهندسة الفنية، بل كانوا يجرون فيه على سليقتهم اسفي عليهم! لا اعتقد ان هناك في اللغات الحية علما يسمى علم المعاني. انما هم يدرسون بدلا عنه معاني الحياة المحدقة بهم فيستخرجون منها روائع الأدب، كل على قدر فهمه وعبقريته… يقول الدكتور محي الدين: “فليس الاستهانة بأمر علم المعاني الا استهانة بالضوابط الذهنية لدى الانسان. فهل يرضى الدكتور لنفسه ان يدعو الى نبذ دراسة الضوابط الذهنية لدى ناقدي الاثار التعبيرية؟”. ان رأي الدكتور هذا يشبه رأي اصحاب المنطق القديم الذين كانوا يعتقدون بأن قواعد المنطق هي التي تعصم الذهن من الخطا. ثم ظلوا يتجادلون ويتخاصمون الاف السنين، دون ان يسلم بعضهم بصحة ما يراه البعض الاخر. فأين ذهبت الضوابط الذهنية اذن؟! ليس هناك ضوابط ذهنية عامة يتفق عليها الناس جميعا. ولو كان في علم المعاني مثل هذه الضوابط لاستراح العرب منذ زمان بعيد ولما ظلوا يخبطون في تقدير الادب خبط عشواء. ولو كان شعراءنا القدامى يلتزمون هذه الضوابط لما قلبوا معاني الحياة ذلك القلب العجيب فجعلوا الظالم عادلا والدنيء كريما والفتاة غلاما!))(27).
ويختتم العلاّمة نقده بقطيعة ابستمولوجية مع صور الأدب والادباء التي تنتجها علوم اللغة والبيان والبلاغة القديمة، قائلا: ((يعتقد الدكتور محي الدين أن علوم البيان والمعاني والبلاغة ضرورية لطلاب الأدب. وانا اعتقد بأن العلوم الاجتماعية والنفسية اجدى لهم من هاتيك العلوم العتيقة التي تقيد العقول وتسد عليها منافذ الابداع. أن الاديب يكتب للناس لا لنفسه، ومن الضروري له اذن أن يفهم طبيعة هؤلاء الناس الذين يكتب لهم. اما اذا بقى في برجه العاجي يدرس القواعد التي جاء بها الاسلاف قبل الف سنة، فسوف لا يجد له بين الناس سوقا، وسيبقى يشتم الناس على نفرتهم من “الأدب الرفيع”. يمكن تشبيه الاديب القواعدي بذلك العابد الذي يوسوس في صلاته. فهو ينهمك بكلمات الصلاة وكيف يخرج الحروف من مخارجها، فينسى ربه الذي يصلي له. ولو انه اطلق نفسه على سجيتها لكان اقرب إلى الله وأزكى صلاة))(28).

 اللغة: من أحلام الأنبياء إلى مزارات الأولياء

بعدما استعرضنا مسيرة اللغة والخطاب في الممارسة الاجتماعية كما رآها الوردي، نتوقف ألان في قراءة اللغة بوصفها خطاب مقدس؛ سحري وديني تتحكم في صيرورته طاقة المتخيل والعنف الميثولوجي بشكل كبير، لدرجة انه لا يمكن ان نفهم الذهنية التقليدية السائدة ومعرفة نظامها المعرفي والقيمي دون إجراء عملية تحليل انتروبولوجي للغة اليومية وتاريخ ارتباطاتها وتداخلاتها السياسية والأيديولوجية الى جانب الميثولوجية. وهذا بطبيعة الحال سيقودنا الى وصف طبيعة “الكلام اليومي” في حضرة “النص المقدس” وسيطرة اللغة المتخيلة واللسان القدسي، الذي ترتبط به جميع الممارسات الدينية والشعائر اللاهوتية المتداخلة ضمن نسق التقليد اليومي. جميع تلك الثيمات الثقافية اشتغل على تحليلها العلاّمة في كتابيه (الأحلام بين العلم والعقيدة) و (وعاظ السلاطين)، حيث نلحظ انهماكا في تحليل   الأماكن المقدسة وجينالوجيا اللغة وانتروبولوجيا الممارسة اللسانية لسرديات الأنبياء والأولياء التي في مجمل بنيتها تغلف الكلام اليومي بحكاياتها واستشرافها لمستقبل  وكينونة العامة التي يرتبط وجودها بسلسلة كبيرة من الطقوس والميثولوجيات وبسياسيات الأمكنة الملهوتة والتوزيع الجغرافي لأضرحة الأولياء والأنبياء. تعكس جميع تلك الصور طبيعة العلاقات البنيوية والتاريخية بين كل من النص المقدس والتقليد وممارسات اللغة، فلا يمكن أن نفهم صيرورة التقليد بمعزل عن معرفة وظيفة اللغة التي تعكس طبيعة عمل الخطاب الميثولوجي والديني، وكأن اللغة هنا تتحول الى نوع من أنواع السحر الذي يرتبط بسلسلة لامتناهية من الرجال المقدسين الذين يمثلون النموذج والبردايم الثقافي المهيمن على أنظمة التقليد وأشكال الحكي اليومي، فتغدو اللغة نظام ايقوني تتمحور عليه الشيفرات الثقافية المقدسة التي تعيد تشكيل المقولات الذهنية في يوميات الثقافة الشعبية.
شغلت الظاهرة الدينية حيز كبير لدى الوردي، بوصفها ظاهرة اجتماعية ولغوية تتحرك ضمن “منطقة الشعور المهيمِن على مناطق اللاشعور العامي”، كما هو الحال عليه في حكايات الأحلام ذات الصلة المباشرة بمتخيل الأنبياء والأولياء الراقدين تحت وسادة طبقة الفقراء. بمعنى آخر ان العلاّمة يقف موقف المؤسس لخطاب العلوم الإنسانية التي لطالما عمل على الارتقاء بها من دائرة التشكيلات الأيديولوجية الى ابستمولوجيا العلوم الاجتماعية وخطاب العلوم الإنسانية، ومؤلفاته خير شاهد على ذلك، حيث توفرت صفحاتها على لغة رمزية تدعونا الى إعادة قراءتها من خلال تحليل وظائفها وأنظمتها العلائقية وممارساتها الميثيثة. خذ مثلا كتابه (الأحلام بين العلم والعقيدة)، فعلى الرغم من انه كتاب اشتغل في حقل الأحلام من اجل الارتقاء بها نحو العلوم الوضعية والطبيعية والتحليلية، الا انه كان مرتبط بشكل أو بأخر بأنظمة الخطاب السياسي والثقافي، اللذان ينتجان الأطر الاجتماعية للمعرفة اليومية، بمعنى انه عمل يستوجب منا تحليل سياسات اللسان واستعمالات اللغة المنحدرة من الماضي السحيق ذي العبق الأيديولوجي، هنا ((حيث لابد من أن تكون الكلمات اكبر بكثير من مجرد أدوات عقلانية. يتضح ذلك اذا علمنا أن المعتقدات الراسخة تنتج بالضرورة من استعمالات اللغة التقليدية أو السائدة، التي عادة ما تكون ذات صلة متينة مع الأيديولوجية، فتعمل على تنميط عملية تفكير الناس ومشاعرهم وطرق حكمهم على وظائف الأشياء. على هذا النحو، تميل اللغة السحرية الشفاهية إلى أن تبرهن على مصداقيتها بصورة تلقائية: فطبيعة أحكامنا على الأشياء تتشكل وفق ما نكون عليه وما نعتقد به، والى اي حد نكون فيه تابعين إلى تلك اللغة))(29).
تتمثل بنية كل من “اللغة الوعظية” كما تبدو في كتاب الوردي (وعاظ السلاطين)، و”لغة الاحلام المقدسة” المشار اليها في كتابه (الاحلام بين العلم والعقيدة)، بوصفها نظام وخطاب ثقافي ولغوي يتصل بسلسة طويلة من الشعائر الدينية والاعتقادات الميثية بما هو مفارق للذاكرة ومستبطَن في اللسان. فمن المعروف أن ((لغة الشعائر والطقوس الدينية تتسم بكونها لغة التداول اليومي، لذلك فهي تحتوي في كثير من الاحيان على كلمات وممارسات هي من الصعوبة في مكان أن يفهمها كل من المتكلم والسامع. زد على ذلك، أن لهجة الشعائر والطقوس الدينية هي تدول آلي للحقيقة بسبب بنيتها الشكلية أو الرسمية، من ناحية ومن ناحية اخرى، هي كلام يصادر المعنى من افعال الاعتراض والتناقض، فهو بذلك يشتمل على  معان دوغمائية مقدسة تحجب كل إمكانيات الاختلاف. وهنا تكمن بكل تأكيد صفتها الارغامية))(30).
من هنا نتساءل، هل كان الوردي يحاول ان يقوض من سلطة التقليد من خلال نقد وتحليل شيفرات الأحلام اليومية؟ ام انه كان يحلل الأحلام كونها أصبحت غير علمية أو خارج منطقة الخطاب الابستمولوجي؟ وهل كان العلاّمة في هذين الكتابين السابقين، متواصل مع الاشكاليات الثقافية التي طرحها في مؤلفاته الأخرى لاسيما تلك المتعلقة باللغة وارتباطاتها التاريخية والسياسية والأيديولوجية؟ وهل كان يهتم فقط بحكايات وسرديات الأحلام، ام في علاقتها بالعمليات الذهنية والقيم والعادات والتقاليد اليومية؟
في الحقيقة ان مؤلفاته (الاحلام بين العلم والعقيدة) و (وعاظ السلاطين) و (خوارق اللاشعور) وضعت سلطة التقليد وهيمنة اللغة على المحك الثقافي والنقدي، لأن الوردي منذ البدء يعلن تصديه لكثير من الظواهر الاجتماعية التي عُدت مقدسة لمجرد أنها سليلة لغة مقدسة، حتى أصبح ((من الممكن القول أن التقليد هو نظام يتموضع في قلب الذاكرة الجماعية))(31).
هكذا يصف الوردي العلاقات البنيوية والتاريخية بين كل من تاريخ الأحلام المقدس وعلاقته بالثقافة السائدة؛ بين وظيفة الاحلام ووظيفة اللغة؛ بين اللغة وبين الكلام واللسان الثقافي؛ بين الذاكرة الجماعية والهيمنة السياسية. كل تلك العلاقات تعكس بطبيعة الحال أكثر من اشكالية، لانها لم تخضع بعد للتحليل وإعادة القراءة وبالتالي لم يتشكل عليها تراكم من التحليلات المنهجية والابستمولوجية، لاسيما وان الموضوع يتعلق بإشكالية هامة في الثقافة العراقية، الا وهي اشكالية المقدس وعلاقته بالدنيوي، هذه العلاقة التي بقيت محكومة بانساق من الرموز المتعالية عن الاحالة الى ما هو واقعي أو فيزيقي، وهذه هي كبرى الاشكاليات في لغة ومنطق صيرورة المقدس، التي اهم ما يميزها انها تشتغل في فضاءات الرموز الشكلية التي تنمط طبيعة الكلام الديني. حيث ((أن الاعتياد على طقس شعائري، يعني في وجه ما، الممارسة والاعتقادات ضمن نظام رمزي خال من الاحالة نحو الالتزام بذلك الطقس او عدمه بين الفاعلين الاجتماعيين. فهم لديهم من الأسباب العملية الكافية ما تدفع بهم نحو تلك الممارسة…. ان تداول الكلمة ضمن نسقها الشعائري يعني بالضرورة تداول رموز فارغة غير متناسقة، وهذا ما سيجردنا من اي كلمة قد تمثل ما هو حقيقي غير زائف… فمشكلة الرموز غير الواقعية أو المجردة هي مشكلة ترتبط بعلاقة تلك الرموز مع الحياة الاجتماعية))(32).
نجح الوردي في تشكيل ورشة عمل تحليلية ضمن منهجه واختصاصه الاجتماعي، تهدف إلى تحليل ذلك النسق اللاهوتي والديني المقدس ذو اللغة الشكلية المجردة المتعالية، والبحث في علاقتها مع الاشكال اليومية لاستعمالات اللغة. ومن الملاحظ ان العلاّمة لم يتجاوز الإشكالية السياسية في كلا المؤلفين ألسابقي الذكر، حيث تبرز تلك الإشكالية في كتاب الأحلام، الذي يناقش إشكالية اللغة الشكلية للمقدس المرتبطة بالأضرحة الوهمية والأحلام الرمزية لا تشير الى ما هو واقعي أو حقيقي، يتأتى من ذلك رأي الوردي من ان استمرار هيمنة  تلك اللغة في المجتمع له اثر بالغ في استمرار مسلسل التخلف الثقافي وغياب النقد الابستمولوجي للمؤسسات الاجتماعية، وهذا ما اشار اليه حينما قال: ((قد يسألني سائل: ما هي الصلة التي تربط  كتابي هذا، وهو يبحث في الاحلام، بموضوع الشرف والشرفاء من اهل البيت؟ الحقيقة التي يجدر بالقارئ ان يعرفها قبل ان يبدأ بقراءة كتابي هذا هي اني لم اكتب فيه عن الاحلام على منوال ما كتب عنها علماء النفس. واعترف باني لست من المختصين في موضوع الاحلام من الناحية النفسية. ان اختصاصي، كما يعرف القارئ، هو علم الاجتماع. ولكني وجدت ان الاحلام تمس موضوع اختصاصي من طريق غير مباشر. وهذا امر قد لا يهتم له علماء الاجتماع في البلاد المتمدنة، اذ هم لا يرون للاحلام صلة وثيقة بالمواضيع الاجتماعية في بلادهم. اما في بلادنا، فالأمر يجري على النقيض من ذلك. استطيع ان اقول بأننا من أكثر الامم تأثرا بالاحلام من الناحية الاجتماعية. فكثير من عقائدنا وعاداتنا نشأت فينا ونمت من جراء ما نسبغ على احلامنا من صبغة قدسية. وبعض رجال الدين عندنا يعتقدون بأن الاحلام  تنطق احيانا بالوحي الذي لا يجوز الشك فيه. وقد جرى العوام وراء رجال الدين في هذا الشأن الى درجة كان لها اثر اجتماعي بالغ في السوء. وتتركز هذه العقيدة فيهم حين يرون في احلامهم النبي أو احد الائمة يقول لهم شيئا أو يأمرهم بشئ. وهم عند ذلك يؤمنون بان رؤياهم كانت صادقة ولهذا نراهم يندفعون في تحقيق ما قال النبي أو الامام لهم في النوم كأنه قال لهم ذلك اثناء اليقظة. من الاحاديث التي تروى في هذا الشأن ما نقله اهل السنة في صحاحهم عن النبي انه قال: “من رأني فقد رأى، فان الشيطان لا يتكونني”.. وكذلك روي الشيعة عن ائمتهم انهم قالوا: “من رآنا فقد رآنا حقا فأن الشيطان لا يتمثل بنا”))(33).
اما الجانب السياسي فهو لم ينفصل عن الجانب المقدس في الاحلام، وهذا ما سعى الوردي إلى إبرازه وتعريته من خلال سرديات التاريخ الإسلامي: ((ويأتي ابن حجر في كتاب “الصواعق المحرقة” بأحلام “مقدسة” تدل على ان السلطان مهما كان عاتيا سفاكا فان الله قد يغفر له ظلمه بشفاعة النبي أو اهل بيته. فتيمورلنك مثلا، الذي اعترف ابن حجر بأنه كان اظلم خلق الله، رؤى في النوم وهو مغفور له لأنه كان يحب ذرية النبي. ويحدثنا ابن حجر كذلك ان احد اليمانيين ذهب الى مكة للحج مع عياله، فقسى عليه في الطريق جلاوزة “الشريف” الذي كان يحكم الحجاز آنذاك. واخذ اليماني يدعو الله على الشريف، ولكن النبي ظهر له في النوم وقال له: “اما رأيت في الظلمة من هو اظلم من ولدي هذا؟!” فاستيقظ اليمامي مرعوبا وتاب الى الله من ان يتعرض لأحد من ذرية النبي الذين اوجب الله احترامهم على العباد))(34).
اما عن الأضرحة الوهمية ذات الإحالات الميتافيزيقية المقدسة، كقداسة اللغة المنحدرة منها، فيقول الوردي: ((اود ان لا تفوتني الفرصة هنا لأشير الى ظاهرة اجتماعية معروفة لدى المسلمين منذ زمان قديم، ولها صلة كبيرة في الاحلام. هي ظاهرة القبور الوهمية التي يزورها الناس يتبركون بها وينذرون لها النذور بينما هي في حقيقة امرها لاسند لها من التاريخ. فقد يرى احد الناس في منامه ما يدل على وجود قبر لبعض الاولياء أو ابناء الائمة في موضع معين. فيستيقظ الرجل من النوم فرحا ويعلن امر القبر الى الناس فيصدقونه وينهالون على القبر يتبركون به. ويجني الرجل من ذلك نذورا كثيرة ومنزلة اجتماعية سامية.. يحدثنا الاستاذ جعفر الخليلي في احد كتبه عن قصة رجل اسمه “مزعل الفحام” وكان هذا الرجل فقيرا كل الفقر يكدح طيلة العام في عمله دون ان يجد فيه نفعا. وتفتق ذهنه اخيرا عن حيلة يدرأ بها العوز عن نفسه وعن عائلته البائسة، فأعلن ذات يوم بأن “الخضر” ظهر له في النوم واخبره بوجود قبر لبعض الاولياء في بيته اي في بيت مزعل الفحام! وشاع خبر الحلم بين الناس، وفرح به سكان القرية التي يقع فيها بيت مزعل الفحام حيث ادركوا بأن قريتهم ستصبح مزارا مقدسا. وقد اصبحت القرية بالفعل مزارا كبيرا يحج اليه الناس من كل صوب واضحى مزعل الفحام شيخا محترما تجبى له الاموال. ان هذه القصة قد تكون خيالية ولكن لها شبها كبيرا بما يحدث بين الناس أحيانا من حوادث واقعية في هذا الشأن))(35).
بهذه الطريقة تتشكل اللغة وتتشكل معها مفاهيمنا ومقولاتنا الذهنية، فما بالك بكلامنا الذي اصبح مؤسطرا من بدايته حتى نهايته. ان الوردي كان يشتغل في منطقة الاحلام والمقدس باعتبارهما مظاهر لتجليات اللغة الشكلية التي تجرد الحقائق والأشياء عن صفتها الواقعية، لتغدو بذلك خيالات مجردة ولغة ميتافيزيقية تسيطر على الاشياء وجميع الممارسات الاجتماعية الثقافية. ومثلما رأيناه سابقا، ناقدا ومقوضا لتلك اللغة المكتوبة بطريقة شكلية ومعقدة تنأى بنفسها بعيدا عن حياة العوام ووجودهم اليومي المنغمس بالهموم والمآسي الأزلية، نجده هنا مرة اخرى يحاول ان يخرجنا من كهف أفلاطون الشكلي الذي سيطر على آليات الذهن وعمليات الكتابة التي أنتجت لغة ملغومة بالمترادفات البلاغية والمحن اللفظية. حيث يعود العلاّمة الى معالجة أمراض اللغة والكلام في سياقات النص المقدس وسيطرة الميث اللاهوتي والديني ليخطوا بذلك اشواطا كبيرة في منطق القطائع الابستمولوجية فمن المهزلة إلى الأسطورة، التي لاحظنا فيها كيف تمت القطيعة الابستمولوجية مع اللوغوس المتمركز حول الكتابة الميتافيزيقية وبلاغتها السلطوية ضمن التشكيلات الأيديولوجية، يتنتقل الوردي بين “زقاق الكلام” و”مَحلة الحكي” و”مقاهي اللسان اليومي” التي تسيطر عليها المركزية “الثيوشكلية” اي تلك اللغة المنحدرة من جينالوجيا الأشكال المقدسة للأحلام والرؤى والأضرحة الوهمية…الخ، والتي تحولت الى مؤسسات رمزية تعمل على إعادة إنتاج الكلام والجسد الإنساني بطريقة ملهوتة.

لغة الجسد وجسد اللغة: من الأفواه القديمة الى الآذان الجديدة

ضمن سعيه الدائم لتخليص الذهن الإنساني من تابوهات الفكر الثيولوجي والعقائد الدوغمائية التي تسيطر على الجسد واللسان، حاول الوردي استنطاق الطبيعة الإنسانية وعلاقتها بالجسد وغرائزه، هذه العلاقة التي لطالما كانت محكومة بقضبان الساسة ومن لف حولهم من وعاظ السلاطين وما شابه، فبقيت مغلفة بهالات مقدسة من ممارسات لغوية وعظية ولغة تبخيسية تحط من قيمة الجسد وطبيعته المنفتحة نحو الآخر ونحو الأنوثة المحتجبة والمحجبة. وذلك لان الجسد في الخطاب الوعظي يحيل إلى مجموعة من المواعظ والحكم الشكلية التي لا تختلف بشيء عن اللغة الشكلية والرمزية بمعنى ان اللغة الشكلية أو القدسية تتحول من سياق الى اخر فمن سياقات الكُتاب والكتابة الأيديولوجية الملتوية والمقعرة الى كتابات الخطاب الفلسفي الذي لا يختلف هو الآخر بشيء من حيث اللغة المعقدة والتشكيلات الأيديولوجية المسيطرة التي تسبق كل نص فلسفي وحتى خطاب الأحلام الذي حوّل الكلام الى سلسلة من الارتباطات الميتافورية والرمزية التي لا تنطق الا في حضرة المقدس وأضرحة الأولياء الوهمية.

الجسد وتكنولوجيا السيطرة الوعظية

يمثل الجسد من الناحية الثقافية، ذلك الرمز المخيف الذي يقلق ويهدد مضاجع الخطاب الديني بكافة أشكاله وصوره المختلفة، لذا كرس الموروث الديني الكلاسيكي الشطر الأكبر من أدبياته التاريخية لمراقبة حركات وآليات متع الجسد، وذلك من خلال تحول تلك الادبيات إلى سياق ثقافي يمثل سلطة من القيم والعادات الاجتماعية والأنظمة الوعظية التي تحولت بدورها الى قنوات من التواصل والاتصال بين الجسد الاجتماعي وسياسات التسلط الأيديولوجي. بمعنى اننا نتعامل هنا مع ابنية ثقافية وسساتيم اجتماعية تحاول ان تعيد انتاج الجسد لجعله مطواعا لإرادة الحاكم، فتغدو الثقافة السائدة ثقافة متسلطة من خلال مخيالها ورموزها الشكلية، لانه ((لا يمكن تحليل تقنيات الجسد بمعزل عن تحليل مواز للأنظمة الرمزية التي تشكلها))(36).
يقول الوردي:((ان القدماء كانوا يتصورون بأن الانسان حر عاقل مختار. فهو في رأيهم يسير في الطريق الذي يختاره في ضوء المنطق والتفكير المجرد. ولهذا اكثروا من الوعظ اعتقادا منهم بأنهم يستطيعون بذلك على تغيير سلوك الانسان وتحسين اخلاقه. دأبوا على هذا مئات السنين. والناس اثناء ذلك منهمكون في اعمالهم التي اعتادوا عليها لا يتأثرون بالموعظة الا حين تلقى عليهم. فنراهم يتباكون في مجلس الوعظ -ثم يخرجون منه كما دخلوا فيه لئاما. لقد جرى مفكرونا اليوم على اسلوب اسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم ثقافة حديثة أو قديمة. كلهم تقريبا يحاولون ان يغيروا بالكلام طبيعة الانسان. وكثيرا ما نراهم يطالبون الناس بمواعظهم ان يغيروا من نفوسهم اشياء لا يمكن تغييرها. فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد ادى هذا بالناس الى ان يعتادوا سماع المواعظ من غير ان يعيروا لها اذنا صاغية. وانتشرت في الآونة الاخيرة عادة سيئة بين ابناء الجيل اذ نراهم يضحكون على ذقن كل واعظ. فأصبح الواعظون في واد وابناء الجيل الجديد في واد آخر))(37).
ويقول في موضع اخر:((يكون الوعظ ذا ضرر بليغ في تكوين الشخصية البشرية اذا كان ينشد اهدافا معاكسة لقيم العرف الاجتماعي. فإذا ذهب الانسان الى المسجد، أو الى المدرسة، واخذ يسمع وعظا افلاطونيا يحضه على ترك الدنيا، مثلا، ادى ذلك الى تكوين ازمة نفسية فيه. فهو يحب الدنيا من اعماق قلبه ويود الاغتراف من مناهلها بكلتا يديه. وهذا دأب كل انسان في الغالب. فالدنيا، وما فيها من ملذات ومغريات ومطامع، تفسد على الانسان صلاته وتخرب بصره. ولا يستثنى من ذلك الا الشاذ النادر. والشاذ لا يقاس عليه كما يقول المناطقة. والانسان حين يسمع الواعظ يعظه بترك هذه الدنيا الخلابة، يمسي حائرا. فضميره يأمره بإطاعة الواعظ من ناحية ونفسه تجذبه من الناحية الثانية نحو الدنيا جذبا لا خلاص منه. فهو اذن واقع بين حجري الرحى، لا يستطيع ان يترك الدنيا ولا يستطيع ان يترك الجنة التي وعد بها المتقون))(38).
اما عن طبيعة التناقضات التي تحكم العقلية الوعظية فيقول الوردي: ((ان المفكرين العرب قد حلقوا في سماء الوعظ كثيرا، فلم يقربوا اسلوب وعظهم من اسلوب الواقع الذي يعيش الناس فيه. وبهذا اصبحت هناك فجوة واسعة بين واقعية الحياة ومثالية الفكر عندهم. وكثيرا ما نجد واعظا يعظ في مجتمع عشائري اذ يحض الناس على التقوى والعدل والانسانية، ثم نجده بعد ساعة يحرض احد الناس على قتل اخته لسوء سمعتها، أو يذم اخر لأنه في زعمه “مخنث” لا يرد الصفعة بعشرة امثالها. اعرف شخصا من اولي التدين والتهجد حيث يقضي أكثر اوقاته بالتسبيح وقراءة كتب الحديث وسماع المواعظ. ولكنه كان في نفس الوقت عشائريا في قيمه الاجتماعية. وقد رأيته ذات يوم يذكر لي اعماله في الدفاع عن ابناء عشيرته على سبيل الفخار والمباهاة. واخذ يحدثني كيف اخرجهم ذات يوم من موقف الشرطة بتوسطاته وكيف اخفى سرقاتهم عنده وجعل المسروقين يفدون اليه متوسلين خانعين يرجونه ان يرد المسروقات اليهم، وهو يتغطرس عليهم ويتعجرف ويذكرهم بفخار الاباء والاجداد. وقد شاهدت في مجلس من المجالس احد ابناء العشائر وهو يردد احاديث النبي في شان العدالة والرحمة في الناس ويرفع صوته بها. ثم علمت اخيرا انه من اولي الغضب الشديد اذ هو لا يبالي اثناء غضبه ان يقتل الناس الذين منع النبي من قتلهم. رأيت في هذا الرجل مثلا رائعا لازدواج الشخصية. فكان عقله الظاهر عند الوعظ مفعما بحب النبي وبترديد احاديثه، اما عقله الباطن فكان بدويا لا يفهم من الاسلام الا شهادة “لااله الاالله”.. والركوع والسجود. لا ريب انه استطاع بهذا الازدواج ان ينقذ نفسه من وبال الصراع النفسي))(39).
من اللافت ان الخطاب الثقافي للوردي كان حافل بالشواهد الإسلامية والأدبيات الكلاسيكية الدينية من أحاديث نبوية وروايات إسلامية، الى جانب شواهد المجالس العشائرية وأحاديث العامة في الشوارع والطرقات…الخ. فنراه يعود بين الحين والاخر الى التذكير بتلك المنابع الرئيسية التي شكلت المقولات الذهنية للإنسان العراقي. فهل كان ذلك للتكرار فحسب، ام للإمتاع في تذكر تلك القصص والسرديات الماضوية؟ هل كان الوردي يبحث في شكل تلك القصص بذاتها، ام انه كان يحفر عن شئ ما يقبع خلفها؟ ولماذا نلحظ ذلك الترابط والتلازم المنطقي بين تلك القصص والمرويات الاسلامية وبين وجود الجماعات البسيطة والمعدمة، ولماذا لم ترتبط مع الجماعات المترفة؟ هل كانت بحوث العلاّمة لا تخدم الطبقات المترفة، ام انه لم يجد في حياة تلك الطبقات ما يؤسس عليه أبحاثه الثقافية والاجتماعية؟
حرص الوردي على تتبع تاريخ انبثاق الخطاب الثقافي واستعمالاته، اضافة إلى رصد قنواته الاتصالية والتواصلية في شبكات المجتمع ذات الابنية اللغوية والشكلية التي تؤطر كينونة الأفراد، وتعيد انتاجهم بواسطة الكلام وانظمة الحكي القديمة. كل تلك الممارسات تبدو بوضوح –حسب العلاّمة- في لغة الشعائر الدينية الشكلية؛ ولهجة الشارع المحلية؛ ولغة البيوت والعشائر العراقية وتقنيات العراك اليومي، فمن خلال وصف تلك المواقع الثقافية، يمكن فقط تتبع صيرورة اللغة وتحولاتها وانحرافاتها في الخطاب الذي يعتبر مركز الممارسات الاجتماعية. وذلك لان كون كل من(( الدين والممارسات السحرية واللهجات المحلية التي تعمل في وجه ما على عزل المجتمعات والأفراد، هي محرمات شفاهية، جعلها تمثل مصادر طبيعية لحفظ ديمومة الجوانب المقدسة في اللغة))(40). لذا اهتم الوردي في تحليل مواقع الجسد المسكوت عنها، حيث يمثل الجسد هنا مظهر من مظاهر الكلمة الخالقة والمعيدة في الخطاب الوعظي الذي هو بالضرورة مظهر من مظاهر استعمالات اللغة المقدسة والتعبيرات الروحية التي تحاول ان تسيطر بطريقة شكلية على اندفاعات الجسد الحيوية وغرائزه الطبيعية. فما يسعى اليه الواعظ الديني بالتحديد هو خلق أجساد بلا ذوات وذوات بلا طبيعة.
هكذا تبدو سرديات التاريخ الإسلامي عند الوردي هي المدخل الرئيسي لدراسة مجمل اشكال وصور الحياة لاجتماعية السوية والغير سوية؛ الصحية والمرضية، لان تلك السرديات هي التي من شكل اطرنا الذهنية ومقولاتنا التقليدية حول الواقع والعالم والأشياء، حيث يقول:((ولا ريب ان عدد الواعظين اخذ يزداد في ظل الدولة العباسية وينمو نموا فظيعا. وكان كل وزير أو امير يخصص جزءاً كبيرا من الاموال التي ينهبها لبناء المساجد والتكايا وللترفيه عن المرتزقة الذين يأوون اليها من طلاب الفقه والعبادة..وكان الواعظ يعطى على مقدار ما يتحذلق به من جيد اللفظ وبلاغة الاسلوب. واذا اشتهر احد الواعظين ببلاغة وعظه، جاء الخليفة هو واهل بيته ووزرائه وحاشيته يستمعون اليه، ويبدون بين يديه من مظاهر التوقير والاحترام ما يشجّع غيره على اتباع طريقه. يحدثنا الرحالة الاندلسي ابن جبير الذي زار بغداد في القرن السادس الهجري عن مجالس الوعظ هذه فيأتي في وصفها بالعجب العجاب. يأتي ابن جبير اولا على وصف اخلاق البغداديين فيصفها بالسوء، ويعتبرهم من العن خلق الله، ثم يأتي بعد ذلك على وصف وعاظهم فيمجد طريقتهم ويبدي اعجابه بها. وهو يقول في ذلك ما نصه :”ولا جرم ان لهم في طريقة الوعظ والتذكير، ومداومة التنبيه والتبصير، والمثابرة على الانذار المخوّف والتحذير، مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تعالى ما يحط كثيرا من اوزارهم ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع القارعة الصماء أن تحل بديارهم. لكنهم معهم يضربون في حديد بارد، ويرومون تفجير الجلامد…”. ثم يصف ابن جبير خطبة من خطب الواعظ المشهور جمال الدين بن علي الجوزي وقد حضرها بنفسه وينعتها بمنظومة الدرر ويقول:” انه اتى… برقائق عن الوعظ وآيات بيّنات من الذكر طارت، لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الانفس احتراقا، الى ان علا الضجيج وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح،  وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح. كل يأتي ناصيته بيده فيجزها، ويسمع على رأسه داعيا له. ومنهم من يغشى عليه فيرفع بالأذرع اليه. فشاهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكّرها هول يوم القيامة. فلو لم نركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة رابحة والوجهة المفلحة الناجحة…”. يبدو من كلام ابن جبير هذا ان البكاء عند سماع الوعظ اصبح في نظر البغداديين غاية لذاته. فهم لا يبالون ان يفعلوا ما يشاؤون في السوق فينقصون الكيل ويستغلون الغريب كما قال ابن جبير. ولكنهم في مجلس الوعظ يبكون ويشهقون ثم يغمى عليهم ويذوبون شوقا الى الله وخشية منه.ثم وصف ابن جبير مجلسا اخر من مجالس الواعظ ابن الجوزي اذ حضره الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم. ويقول في تأثير الموعظة على الناس ما يلي: “…فأرسلت وابلها العيون، وابدت النفوس سر شوقها المكنون. وتطارح الناس عليه، بذنوبهم معترفين، وبالتوبة معلنين، وطاشت الالباب والعقول، وكثر الوله والذهول، وصارت النفوس لا تملك تحصيلا ولا تميز معقولا، ولا تجد للصبر سبيلا”. ولست اشك  في ان  الخليفة بكى مع الناس بكاءاً مرا، وربما اغمى عليه من خشية الله كما اغمي من قبل على جده هارون الرشيد. ولعل الناس كانوا في ذلك الحين لا يبالون ان ينهب الخليفة من اموالهم ما يشاء ما دام يغمى عليه من خشية الله ويبني المساجد ويغدق النعم على الواعظين. لقد استراح الناس حقا حين اتخذو هذه العادة. انهم كانوا يعانون من قبل داء الصراع النفسي، كما ذكرنا، وكانت الثورات تتوالى فيهم جيلا بعد جيل. اما بعد اتخاذهم طريق الازدواج فقد هان الأمر عليهم، اذ صار لهم قلبان: يسمعون الموعظة باحدهما، ويسمعون رنين النهود والنقود بالاخر. فليس هناك اذن صراع نفسي ولا قلق اجتماعي …ولا هم يحزنون))(41).
ويواصل الوردي نقد العقلية الوعظية قائلا: ((يحكى ان نظام الملك وزير السلجوقيين في العراق كان ينفق اموالا طائلة على المساجد والمدارس والتكايا. فعاتبه سيده ملك شاه على ذلك. فأجابه نظام الملك بالجواب التالي:”…انت مشتغل بلذاتك ومنهمك في شهواتك واكثر ما يصعد الى الله تعالى معاصيك دون طاعاتك وجيوشك الذين تعدهم للنوائب…مستغرقون في المعاصي والخمور والملاهي والمزمار والطنبور. وانا اقمت لك جيشا يسمى “جيش الليل”…اذا نامت جيوشك ليلا قامت جيوش الليل على اقدامهم صفوفا بين يدي ربهم فأرسلوا دموعهم واطلقوا السنتهم ومدوا الى الله اكفهم للدعاء لك ولجيوشك. فأنت وجيوشك، في خفارتهم تعيشون، وبدعائهم تبيتون. وببركاتهم تمطرون وترزقون”. فقبل الملك شاه من وزيره هذا الجواب المفحم وسكت. يتضح من هذا الجواب ان مشكلة الدين عند الناس اصبحت هينة للغاية. فالفرد يجوز له ان يعمل ما يشاء وينهب من يشاء. ولكي يرضى عنه الله تعالى يجب ان يعطي جزءاً مما ينهب الى العّباد والزهاد والوعاظ لينوبوا عنه امام الله يستغفرون له. ومن الممكن القول بأنه كلما كان الظلم الاجتماعي اشد كان بناء المساجد وتشجيع الوعظ اكثر. فإذا بنى الظالم الغاصب مسجدا بنى الله له في الجنة قصرا فخما، واذا هو اغدق النعم على الوعاظ اعطاه الله من الحور العين والولدان المخلدين، ما يعوّض له عما فقده في هذه الدنيا الفانية من الجواري والغلمان -ومن يقرض الله قرضا حسنا يضاعفه له وهوعلى كل شئ قدير. سار الناس في هذا السبيل المزدوج، وهم لا يزالون يسيرون فيه حتى يومنا هذا. وربما جاز ان نقول ان هذا الازدواج يشتد في المراكز الدينية أكثر من غيرها ففي المجتمع الذي يكثر فيه الواعظون والفقهاء يكون الناس فيه اولى وجهين. فهم في اعمالهم يشبهون سائر الناس. ولكنهم يمتازون في انهم يتواعظون ويتفيقهون ويتصافعون بالويل والثبور أكثر من غيرهم…لقد صار الوعظ مهنة تدر على صاحبها الاموال، وتمنحه مركزا اجتماعيا لا بأس به. واخذ يحترف مهنة الوعظ كل من فشل في الحصول على مهنة اخرى. انها مهنة سهلة على اي حال. فهي لا تحتاج الا الى حفظ بعض الآيات والاحاديث ثم ارتداء الالبسة الفضفاضة التي تملأ النظر وتخلبه. ويستحسن في الواعظ ان يكون ذا لحية كبيرة كثة وعمامة قوراء. ثم يأخذ بعد ذلك بإعلان الويل والثبور على الناس، فيبكي ويستبكي -ويخرج الناس من عنده وهم واثقون بان الله قد رضى عنهم وبنى لهم القصور الباذخة في جنة الفردوس. ويأتي المترفون والاغنياء، والحكام فيغدقون على  هذا الواعظ المؤمن ما يجعله مثلهم مترفا سعيدا. انه يصلي بالأجرة ويصوم بالأجرة ويحج بالأجرة، وهو يريد من  الناس جميعا ان يصوموا ويصلوا ويحجوا مثله- ناسيا ان الفقر والكفاح في سبيل الرزق قد اعمى الناس عن كل شئ سوى لقمة الزقوم! قلت لاحد العمال ذات يوم، وكان الفصل صيفا شديد الحرارة: لماذا لا تصوم أيها الزنديق ..فأجابني بحرقة: ان الصوم يا مولانا قد فرض على اهل السراديب وحدهم!…عند هذا شعرت بأني ظلمت الرجل…الواقع ان الوعاظ والطغاة من نوع واحد. هؤلاء يظلمون الناس بأعمالهم، وأولئك يظلمون بأقوالهم. فلو ان الواعظين كرسوا خطبهم الرنانة على توالي العصور في مكافحة الطغاة واظهار عيوبهم لصار البشر على غير ما هم عليه الان))(42).
بهذه الطريقة تتم حماية اللغة والحفاظ على استمرارية الخطاب من خلال هيمنة المقدس على السنة العوام، وسيطرة ثقافة الوعظ الديني، الذي هو في النهاية الأداة التي تخدم المؤسسة السلطوية الحاكمة، من خلال نصوصهم المقدسة وخطبهم الروحية التي تمثل وظائف اللغة الشكلية المقدسة التي شطرت العالم الى نصفين: نصف مفارق ومتعال يمثل عالم الملفوظ المقدس المسيطَر عليه من قبل الطبقات الدوغمائية؛ وعالم الوجود الجسدي الإنساني المراقَب والمعاقَب، فكلا العالمين متناقضين من حيث البنية المنطقية والمفاهيمية، ويبدو هذا التناقض على أشده لدى الطبقات المحرومة التي دفعت ثمن ذلك الانشطار الأزلي بسيطرة لغة المحرمات والتابوهات الميثية على أذهانهم وأجسادهم.
في جدل ازدواج الخطابات الثقافية وازدواج الشخصية

تعد اشكالية ازوداجية الشخصية العراقية وعلاقتها الثقافية والتاريخية مع الانماط الثقافية لجدل البداوة والحضارة، واحدة من اهم الاشكاليات الثقافية التي طرحها الوردي، والتي تضعنا امام تركة ومخلفات الخطابات الثقافية المضطربة والمتصارعة بل والمتناقضة فيما بينها من حيث استعمالات اللغة وانتاج المفاهيم والكلمات والكلام معا، لانه من الصعوبة بمكان ان نبدأ في تحليل الشخصية العراقية دون ان نفكك لاوعيها الثقافي السابق عليها. يصف الوردي تاريخ ازدواجية تشكيل الخطابات الثقافية التي شكلت بدورها ازدواجية اللسان الثقافي العراقي المنشطر بين عوالم مثالية ميتافيزيقية وعوالم دنيوية، فيقول: (( ان هذه الظاهرة موجودة في كل نفس بشرية، ولكنها في النفس العراقية أقوى وأوضح لان قيم البداوة والزراعة قد ازدوجتا في العراق مند أقدم العصور ولا تزال تصطرع في انفسنا حتى اليوم. هذا ولقد ازداد هذا الازدواج وتأسس تأسيسا اجتماعيا في العهد العباسي عندما اصبحت بغداد عاصمة الامبراطورية الاسلامية. فلقد نشأت في العراق آنذاك اغلب العلوم الاسلامية وترجم المنطق اليوناني. ولو رجعنا نحو أولئك المفكرين الذين ساهموا في هذه الحركة العلمية الجبارة لوجدنا جلهم من ابناء الطبقة المغلوبة، اذ كانو حضرا في الغالب ولم يكن فيهم من ابناء البداوة الا قليلا. ومعنى ذلك ان تفكيرنا قد اصطبغ منذ ذلك الحين بصبغة المثالية الزاهدة الخاضعة. اما اعمالنا فبقيت تحت تأثير القيم البدوية لانها كانت القيم السائدة فعلا في الطبقات العليا. وبهذا اصبحنا نعيش في عالمين متناقضين عالم الفكر المثالي من ناحية وعالم الفعل الواقعي من ناحية اخرى. فأصبح احدنا يجادل على اساس المنطق الارسطوطاليسي والمثالية الدينية بينما هو في الواقع من ابناء هذه الدنيا غضوبا حقودا… ومن غرائب الصدف ان المجتمع العراقي كان في صدر الاسلام موطنا لعدد كبير من اقطاب التفكير الديني واعلام المنطق والفلسفة ففيه عاش كثير من صحابة الرسول، وفيه نشأت فرقة المعتزلة وفيه ظهر كثير من اقطاب التصوف وائمة الاسلام. فهؤلاء الاعلام الاخيار طبعوا التفكير العراقي بالنمط المثالي وجعلوا الشعائر السائدة في العراق تنشد احترام الواجب وتمجد الاخلاق الفاضلة. ولذا اصبح الفرد العراقي متعودا ان يخطب ويكتب في حدود ما يستوجبه الدين أو يقتضيه المنطق من افكار سامية وبراهين دامغة؛ ولكنه مع ذلك لم يستطع ان يغير من طراز حياته اليومية شيئا، ولذلك صار متقمصا شخصيتين أو ذاتين مختلفتين: ذاتا يفكر بها وذاتا أخرى يعمل بها. وما ابعد مابين هاتين الذاتين))(43).
أن ابرز ما يمكن ملاحظته في النص اعلاه، هو وجود حالة فصامية بين عالمين: العالم المثالي أو الميتافيزيقي والعالم الفيزيقي الواقعي، وما بين تلك المنطقتين تتكون ازدواجية  الشخصية وتتشكل مفاهيمها التي تصطبغ بطابع ذلك التناقض الثقافي وهذا بدوره يضعنا في بداية التحليل اللغوي لإشكالية الازدواج المحكومة بحتمية اللاشعور اللغوي والزمن  الثقافي. على اثر ذلك، هل أصبحت لغتنا وذاكرتنا جزء من ذلك الانشطار الثقافي والمعرفي، طالما اصطبغت شخصيتنا بهما؟ وهل تعرضت كلماتنا ومفاهيمنا لذلك الانشطار ايضا فيما بينهما؟ وكيف كان يتكلم المجتمع في ظل تلك الأنظمة المعرفية المنشطرة؟ كيف كان يعيد وضع كلماته في جمل وعبارات دالة، وكيف هي العلاقة الابستمولوجية بين الكلمات والمعاني؛ وبين الكلمات والاشياء؛ وبين صيرورة الكلام وصيرورة الذهن والنظام الرمزي؟ وهل هناك نظام يمنح المتكلم حق الاختيار للكلمات في ظل ازمنة الازدواج الثقافي؟
ان الغاية الابستمولوجية من طرح تلك الاسئلة هي البحث في جينالوجيا ما يعرف “بنظام السيمانتيك” (semantic)، اي ذلك النظام الذي يبحث في العلاقات المنطقية والثقافية بين الكلمات والمعاني وعلاقتهما مع المتكلم، وجينالوجيا نظام السينتاكس (syntax)، اي النظام المسؤول عن تنظيم الكلمات مع بعض من اجل تكوين جمل وتعابير المتكلم. فهل كانت جميع الكلمات والتعابير اللغوية في زمن الانشطار والازدواج الثقافي تخضع لكل من النظامين السابقي الذكر؟ وهل كانا يعملان بطريقة صحيحة ام بطريقة مضطربة ومشوشة؟
يمثل وصف الوردي لحالة الاضطراب الثقافي والفكري التي جاءت كنتيجة طبيعية لنشأة علوم الكلام والفلسفة والمنطق والمذاهب الاسلامية والصوفية في العراق في مرحلة صدر الاسلام، عنصرا اساسيا في بحث مسألة ازدواجية الشخصية العراقية، وكأنه يشير هنا الى قضية تبدو على جانب كبير من الخطورة، الا وهي الارهاصات الثقافية لمراحل ازدواج اللسان والمفردات اللغوية، الواقعة جميعها تحت هيمنة نماذج ثقافية متباينة فيما بينها من حيث البنية والتشكيل المنطقي، وهذا ما بدا واضحا من خلال سمة الجدل المترسخة في صلب الشخصية العراقية لاسيما وهي في اطوار التحول الثقافي والحضاري. جميع تلك الانقسامات، شكلت الكلام العراقي ولسانه واستعمالاته للغته، بمعنى ان ازدواجية الشخصية التي ذكرها الوردي ليست منفصلة عن السياقات الفلسفية والمنطقية والدينية التي تحولت الى أيديولوجيات سياسية تعمل على إنتاج الكلام واللسان الثقافي.
نصل من كل ذلك إلى ان عملية الكلام تعرضت الى حالة من الانزياح والاضطراب الذهني، الأمر الذي جعل منها عملية تسودها حالة من الفوضى واضطراب المعاني والشواش المعرفي، وذلك لان ((اضطراب الكلام الشفاهي يؤثر بالضرورة على مقدرة النطق او الفهم للكلمات بوصفها كل حامل لمعنى ما))(44)، وهذا ما سيؤثر بدوره على عملية تنظيم الكلمات في عبارات واضحة، اي على النظام السينتاكسي الذي إن اصابه عطب،  اثرّ على كل من ((قدرة الذات على الربط بين الكلمات في عبارات؛ وقدرتها على فهم العلاقات المتداخلة بين تلك الجمل))(45). وهذه الاضطرابات الابستمولوجية لابد من أن تترك اثارها على طبيعة تشكيل المعاني لاسيما وان الاضطراب في النظام السيمانتيكي قد((ينتج اضطرابا مماثلا على كل من عمليات الذهن في التنسيق بين المعاني المفردة ؛وفي استنباط العلاقات فيما بينها من اجل تأسيس كل مترابط؛ وايضا على الاستعداد الذهني في استقبال المدركات الخارجية وذلك من خلال اضعاف القدرة على تحليل الكلام الى معان محددة))(46).
كل ذلك دعا الوردي الى وصف وتحليل النماذج والبردايمات الثقافية التي تعمل بدورها على سن شرائع الكلام وتدوين الكتب في الاذهان، فالصراع ما بين غلبة نموذج ثقافي على نموذج اخر، حيث يحاول كل نموذج فرض انماطه وعاداته وتقاليده وقوانينه الكلامية الخاص، التي تستوجب بالضرورة استعدادات ذهنية مختلفة متكيفة مع كل مرحلة جديدة من الابنية اللغوية في مكوناتها الثقافية والأيديولوجية، وهذا هو بالضبط ما اشار اليه، حيث يقول:((ولو درسنا المجتمع العراقي في العهد العثماني الذي نأى بعبئه اهل العراق عدة قرون لوجدنا من صور التصادم الحضاري ونزاع القيم شيئا عجبا. فقد كانت الحكومة المركزية آنذاك ضعيفة كل الضعف سيما في العهد الاخير منه، فهي كانت لا تستطيع ان تحمي مظلوما أو تردع ظالما وكان دأبها جباية الضرائب وانمائها على حساب الضعيف والمسكين. وقد ادت هذه الحالة الى انتشار الاساليب العشائرية في سبيل حماية الارواح وضبط الامن. ومما يؤثر عن ذلك العهد المتأخر ان كثيرا من المدن العراقية حاولت ان تنظم نفسها على اساس عشائري فتنتخب شيوخا لها وتطالب بالثائر…وما الى ذلك من اساليب عشائرية. وقد دعى هذا الوضع الى انتشار القيم البدوية في المجتمع العراقي بشكل فظيع، فأصبح الفرد العراقي شديد التمجيد للقوة كثير التباهي بها متعصبا لمدينته أو محلته كما يتعصب البدوي لقبيلته في الصحراء. ويقال ان كثيرا من رؤساء المدن كانوا يحاولون ان يكونوا لصوصا يسطون على الدور ليلا أو قتلة سفاكين ذلك لكي يقال عنهم “انهم رجال ليل” فيجلبوا لأنفسهم بذلك المكانة اللائقة في المجتمع واني اعرف شخصيا رئيسا من رؤساء العهد القديم كان غنيا وافر الغنى ومع ذلك كان يتنكر ليلا فيذهب الى السطو واعمال البطولة الليلية، وبدا كأن الناس يحترمونه ويخافونه))(47).
يبرز من النص السابق عملية تحول خطاب الازدواجية من فترة تاريخية الى فترة اخرى، حيث يتضح كيف شكل النموذج الثقافي العثماني مرحلة ثقافية جديدة سياسيا وإداريا وبيروقراطيا، افرز ممارسات لغوية جديدة تتمثل في ولادة الخطاب العشائري الذي تتحول فيه البلاغة من النسق الميتافيزيقي الى الوعظ الديني والخطب العشائرية التي تمهد لتغلغل وانتشار البداوة وقيمها وتقاليدها الثقافية. ومن جانب اخر، انتج ذلك النموذج ما يعرف بخطاب القوة وتمجيد التمركزات الاثنية العشائرية والمناطقية والمحلية، وهي في مجملها اثريات من القيم البدوية بحسب رؤية العلاّمة.
من هنا جاءت اركيولوجيا الوردي التحليلية لتحولات الخطابات الثقافية والسياسية غير منفصلة عن جدلية صراع البداوة والحضارة وازدواجية الشخصية العراقية، بمعنى ان ازدواجية الشخصية هنا هي ليست مفهوم نظري أو ميتافيزيقي وإنما هي نتيجة لمجمل السياقات اللغوية والثقافية وتحولاتها السياسية، وهذا واضح من خلال نقده للمراحل الثقافية والمنطقية والفلسفية المتمثلة في سيطرة اللوغوس الارسطوافلاطوني. وقد برع الوردي في تشخيصه لمنطق التحولات الثقافية المتداخل مع تصنيفات اللغة المكتوبة والمحكية والنخبوية والشعبية، فهي تمثل تاريخ الممارسات الاجتماعية للخطاب المرتبط بأنظمة السلطة والمعرفة وأنظمة التجريد الذهني المتمركزة حول سلطة اللغة المقدسة، حيث يقول: ((فلقد ابتلينا، في العراق وفي كثير من البلاد العربية الاخرى، بهذا الفرق الكبير بين اللغة الدارجة واللغة الفصحى: بين لغة الاعمال اليومية ولغة الكتابة والخطابة. وهذا عامل لا يمكن اغفاله في بحث الشخصية العراقية وكيف نشأت ظاهرة الازدواج فيها. فلقد اجمع كثير من العلماء بان اللغة لها اثر كبير في التفكير. ولقد ذهب بعضهم بأن التكلم والتفكير شيء واحد، حيث ان التفكير حسب قولهم، ما هو الا لغة صامتة. ولقد اجريت بعض التجارب على حنجرة الانسان عند تفكيره فوجد انها تهتز كأنها تنطق مما يدل على وجود علاقة وثقى بين التفكير واللغة ونحن قد تعودنا ان نتكلم بلغتين: وكأننا بذلك نفكر على اسلوبين مختلفين. فنحن في حياتنا الاعتيادية نتكلم باللغة العامية الدارجة، ولكننا لا نكاد ان نواجه حفلا أو ان نكتب مقالا حتى نبدأ بالتحذلق باللغة الفصحى. وبهذا فنحن نتقمص شخصيتين ونفكر على نمطين. لقد اصبحت هذه عادة مألوفة لدينا بحيث لا نشعر بما نأتي به من التناقض فيها. اللغة الفصحى لغة البرج االعاجي- لغة رفع الفاعل ونصب المفعول به وجر المضاف اليه. وهذه امور لا تمس الحياة العملية مساسا كبيرا. ان حياة الواقع، التي يحياها عامة الناس ويعانون فيها ما يعانون من مشاكل وادواء، لا تنتفع من كون الفاعل مرفوعا او المفعول به منصوبا. انها تتطلب لغة علمية بسيطة، تؤدي المعنى من غير التباس او غموض. ان اللغة الفصحى نشأت في محيط البداوة الذي تسود فيه قيم الحرب والحماسة، ثم ترعرعت من بعد ذلك في قصور الامراء والمترفين. فهي لغة حماسة اولا، ولغة بطر وقلة اشغال ثانيا. لقد رعى اللغة الفصحى واكتشف قواعدها العويصة اناس كانوا يريدون ان يتقربوا الى الامراء والملوك بمثل ما كان يتقرب به المغنون وبائعو الجواري. فلم يكن الامير يهتم باللغة الفصحى في ادارة اعماله؛ انما كان يتفرغ لها، بعد ان ينتهي من ظلم الناس او العدل بينهم، كما كان يتفرغ لقصيدة رنانة في المديح او اغنية مثيرة في الغزل. ولهذا السبب كان الادب والشعر وغيرهما من افانين اللغة الفصحى لا يهتم بها عادة عامة الناس. فهي كانت محصورة بين جدران بعض القصور الباذخة المملوءة بالجواري. هذا كانت اللغة تنمو اذا شجعها الامراء وتنافسوا في تحبيذها، وتخمد اذا التهى الامراء عنها بملاه اخرى))(48).
احتوى النص الوردي أعلاه، على خطورة ابستمولوجية كبيرة، تحمل بين طياتها نداء عاجل إلى جميع كتابنا ومثقفينا ومختصي العلوم الاجتماعية والإنسانية، لتوجيه أنظارهم إلى تلك الإشكاليات، كي لا تتأسس من جديد أيديولوجيا التشكيلات الشمولية بين أحضان اللغة المقدسة.

في جدلية حفريات اللغة المهملة لازدواجية الشخصية العراقية

رأينا مما ذكر سابقا، كيف جمع الوردي بين نظرياته في ازدواجية الشخصية العراقية وصراع البداوة والحضارة وبين اشكال الخطابات الثقافية المزدوجة والمتمثلة في الأنظمة الثقافية والعلاماتية؛ والحقب السياسية والايديولوجية؛ والاصول المنطقية والفلسفية وسرديات الثقافة العربية الاسلامية…الخ. يعني ذلك أن طبيعة وبنية تلك النظريات الوردية تكاد أن تكون ميتافورية، اي مرتبطة بأنظمة لغوية شاملة، تتحول بين الخطابات الثقافية، المتشكلة: لغويا وبلاغيا -كما مر بنا سابقا- في مؤلفيه (أسطورة الأدب الرفيع) و(وعاظ السلاطين)، وسيكولوجيا وابستمولوجيا في مؤلفيه (الأحلام بين العلم والعقيدة) و(خوارق اللاشعور)، وفلسفيا ومنطقيا واجتماعيا في مؤلفيه (منطق ابن خلدون) و(مهزلة العقل البشري).
كان الوردي مبتكر خطاب العلوم الاجتماعية بطريقة جديدة، وذلك حينما فصله فصلا ابستمولوجيا عن جميع تشكيلاته الأيديولوجية السابقة، ليتجه بذلك الخطاب نحو وجهة ثقافية لطالما أقصيت عن مجالات العلوم الاجتماعية. ومن هنا يمكننا أن نؤرخ لولادة حقيقية لعلم الاجتماع، ذلك العلم الذي سيولد من رحم وقاع السفلة والمهمشين، بعدما كان طفل مدلل ترعاه امومة التشكيلات الأيديولوجية السابقة. يصف الوردي وظيفة علم الاجتماع الجديدة: ((الواقع ان علم الاجتماع هو بطبيعته “متواضع” يستمد أكثر معلوماته من السوقة ومن السفلة والمجرمين والغوغاء. فهؤلاء بمنابزاتهم ومفاخراتهم، وبتعاونهم وتنازعهم، يمثلون القيم الاجتماعية السائدة اصدق تمثيل. وهم بهذا المعنى افضل من المتعلمين. فالمتعلم يميل عادة الى التحذلق والى التظاهر بخلاف ما يضمر. اما العامي فهو في الغالب غير قادر على اخفاء ما في اعماق نفسه من عقد وقيم. فهي تظهر عليه حين يتنازع أو يتشاتم وحين يتعاون أو يتفاخر))(49).
وقل نفس الشيء فيما يتعلق بولادة اللغة، فهي عند الوردي تولد من جديد في الازقة والاماكن السفلية والمنسية في قاع المجتمع، لتشكل بدورها السنتنا وانظمة الحكي اليومي التي تعلمنا التحدث بأبجديات اللغة، يقول العلاّمة:((..ان الازقة تربي الطفل وتعده لكي يكون “شقيا” مغوارا يعتدي على غيره ولا يستطيع احد ان يعتدي عليه. وامه تحرضه ان يكون مثل ابيه “اذا مشى هز الارض بأقدامه”))(50). هنا يتضح كيف ان الخطاب يمتزج بالسلطة ليحرض على انتاج القوة من خلال سياسيات التلاسن اللغوي التي يكتسبها الطفل عن العائلة والشارع، وجميع ذلك في النهاية، يمثل ابسط الممارسات الأيديولوجية التي تخدم الخطاب الشمولي السائد، وفي هذا المختبر القيمي تتشكل أخلاقيات وقيم الأزقة التي اهم ما يميزها بحسب رؤية الوردي:((الشجاعة في المعارك…القدرة على النهب والاغتصاب…المصارعة البدنية…القدرة على خداع الغير والكيد به…الضحك على الغير والاستهزاء به …اللواط))(51). هكذا يشخص العلاّمة حركة الخطاب وتمفصلاته بين قنوات المجتمع خاصة في المناطق التي عزلت بالإهمال والنسيان كالزقاق والمحلة…الخ، والتي تمثل تفرعات الخطاب وبدايات اللسان اللغوي. فلنتأمل كيف هي بداياتنا! فجميعها يحض على الانحراف ليس في استعمال اللغة فحسب بل في ممارسة القيم والرموز الأخلاقية، التي هي في النهاية هي مؤسسة من الألعاب اللغوية.
ويأتي الوردي بعد ذلك، على ذكر جانب خطير ومهم في تشكيل ازدواجية الشخصية وازدواجية لغتها، وهو المتعلق بتكنولوجيات السيطرة على الجسد والتحكم في سياسات انتاج الألم والأمراض لدى الطبقات المحرومة، حيث حرصت جميع الأنظمة السياسية المتعاقبة في العراق على الاستمرار في إنتاج وجوه شاحبة واجساد مريضة معتلّة، فالجسد العراقي لم يكتشف بعد، وذلك لانه ابتلعته وصنفّته وادلجته تكنولوجيات الصحة الحيوية التي هي مؤدلجة بالضرورة، فأبستمولوجيا المؤسسات الصحية في خدمة السلطة الشمولية، يقول الوردي:((كانت الاوبئة في العهد العثماني تجتاح العراق حينا بعد حين. وكثيرا ما كانت تتوالى عليه بمعدل مرة واحدة كل عشر سنوات. ولكنها كانت اشد وطأة في المدن منها في الريف، وفي الريف اشد وطاة منها في البادية. وكلما كانت المدن اكبر واشد ازدحاما بالسكان كان تأثير الوباء فيها افظع….ذكر غروفز ان عدد الموتى اخذ يتزايد يوما بعد يوم حتى بلغ تسعة الاف في اليوم الواحد. ويقول: “ان الموت قد اصبح الان مألوفا بحيث ان الناس صاروا يدفنون اقرب الناس اليهم من دون اكتراث يعتد به، كما لو كانوا يقومون بعمل اعتيادي”، وعندما كان غروفز يتجول في الطرقات لم يصادف في طريقه اي انسان، عدا الذين كانوا يحملون الجثث والاشخاص المصابين بالطاعون الوبيل. وكانت صرر الملابس من مخلفات الموتي، ملاقاة بالقرب من كثير من الابواب. وبدلا من ان تدفن الجثث حسب مراسيم الدفن المعتادة صارت تلقي على ظهور الحمير والبغال ثم تؤخذ لتدفن في حفرة من الحفر…وكان اشد المناظر ايلاما وازعاجا وجود المئات من الاطفال الصغار في الطرقات، والكثيرون  منهم لا يزيد عمرهم على عشرة ايام وهم يتصارخون، فيختلط صراخهم بزمجرة الكلاب التي كانت تنهش جثث الموتى))(52). يا لها من تراجيديا تدمي القلوب، فلنتخيل طبيعة اللغة التي تتوسدها اجساد الموتى وجثث الاطفال، اية اصوات لغوية اختزنتها وورثتها حناجرنا والسنتنا، وماذا يبقى من عملياتنا الذهنية؟ نحمد الله اذا خرجنا من تلك الكوارث بأزدواجية الشخصية فحسب!
ويستمر مسلسل الرعب والموت في تاريخ العراق، فالكوارث الطبيعية لها حصة من التدمير:((وجاء بعد ذلك الفيضان، واندفع الماء بكل قوته في داخل المدينة. وما حلّت الليلة الثانية من الفيضان حتى كان القسم الاسفل من المدينة كله تحت الماء، فسقطت على ما يقال سبعة الاف دار مرة واحدة، حيث دفنت المرضى والاموات والاصحاء في رمس مشترك.وقد بلغت صعوبة الحصول على المؤون اشدها في هذه المرحلة. فصار الاشخاص المحترمون جدا، من الذين بقوا على قيد الحياة، يدورون على الابواب ليستدجوا شيئا من ابسط الضروريات اللازمة للعيش…الواقع ان هذا الوباء الذي اجتاح بغداد قد اجتاح أكثر المدن العراقية. ويمكن القول انه كان اشد فتكا وضراوة من جميع الاوبئة التي حلت بالعراق من قبل ومن بعد. وهو على اي حال قد يعطينا نموذجا نستطيع ان نتبين به كيف كانت الاوبئة تساعد على نمو بعض مظاهر الازدواج في شخصية اهل المدن. ففي الوقت الذي كان فيه اهل المدن يعتادون منذ طفولتهم على حب الغلبة والفخار بالعصبية والثأر والاعتداء، كما رأينا، كانت الاوبئة تجتاحهم بين كل حين واخر فتبعث فيهم نزعة مناقضة لما اعتادوا عليه، وهي نزعة الحزن والخنوع والشكوى من الزمان. ومن هنا جاز لنا القول بأن الشخصية في المدن صارت ذات طابعين مختلفين: احدهما يميل نحو التألم والخنوع والشكوى، والاخر يميل نحو التحدى والمغالبة))(53).
أن تراجيديا الامراض والاوبئة التي فتكت بالجسد العراقي وبلسانه الثقافي لم تتوقف عند هذا الحد فحسب، لان هنالك عوامل ابدية في جغرافية وسياسات العراق ساهمت بشكل كبير على استيطان تاريخ الأمراض في معدة وثقافة الذاكرة العراقية، وهي بحسب الوردي: ((اولا: كثرة الاهوار والمستتقعات في العراق. وقد ادى ذلك الى انتشار مرضي الملاريا والبلهارزيا بين السكان بنطاق واسع، مما اضعف صحتهم وقلل من مناعتهم تجاه الاوبئة. ثانيا: توالي المجاعات. فقد ذكر التاريخ عن وقوع مجاعات عديدة في العراق من جراء التخريب الذي حدث على انظمة الري فيه وتتابع الحروب والفتن. وقد دلت بعض القرائن على ان الاوبئة كثيرا ما كانت تأتي عقب المجاعات.ثالثا: العادات السيئة التي اعتاد عليها اهل العراق في طريقة تناول طعامهم وفي قلة التنويع فيه…وهذا من شأنه اضعاف المناعة فيهم تجاه الاوبئة.رابعا: قلة العناية بالنظافة والغسل، وانتشار عادة التمخط والبصاق والتغوط في الطرقات. وقد اعتاد الناس في المقاهي وغيرها ان يشربوا من وعاء مشترك، واحدا بعد الاخر، من غير اعتناء بغسله أو تعقيمه. فيؤدي ذلك الى سهولة انتقال العدوى بينهم. خامسا: حوض الكر، وهو حوض صغير من الماء اعتاد الكثيرون من اهل المدن ان يبنوه في بيوتهم ليغسلوا فيه اوانيهم وينظفوا ابدانهم. وهو قد يكون في الغالب حائل اللون متعفنا ومملوءا بالجراثيم المرضية. وكان من اهم العوامل في نقل الامراض والاوبئة. سادسا: تلوث مياه الشرب، فقد كان السقائون يأتون بالماء من الشواطئ أو السواقي القريبة. وقد يصادف ان يكون هناك بعض النسوة يغسلن الملابس وخرق الاطفال، فتختلط اقذارها بالماء الذي يملأ السقائون به قربهم…سابعا: طول الصيف وارتفاع حرارته في العراق. والحر كما لا يخفى يساعد على سرعة التعفن ونمو الجراثيم المرضية. وهو كذلك يدفع الناس الى السباحة في شواطئ الانهار، وهذه الشواطئ كثيرا ما تكون ملوثة بالغائظ وشتى الاقذار. ثامنا:تسميد مزارع الخضر بالغائظ واقذار المدينة. وقد اعتاد الناس ان يأكلوا الخضر دون ان يغسلوها غسلا جيدا، فيأكلون معها كثيرا من جراثيم الامراض وبيوض الديدان))(54).
ولم يفت العلاّمة الاشارة الى طبيعة الخطاب السياسي وعلاقته بالمجتمع إبان الحقبة العثمانية، حيث يقول:((علاقة الحاكم بالمحكوم:كانت الحكومة العثمانية تحرص كل الحرص على ان تحافظ على “هيبتها” في اعين الناس. فهي لا تبالي ما يفعل الناس بأنفسهم ما داموا يحترمونها ويبدون مظاهر التزلف امامها. وقد صار ذلك من التقاليد الاجتماعية في المدن العراقية. وكان الموظفون، وهم الذين اطلق عليهم  في القرن التاسع عشر اسم “الافندية” يتمسكون بمظاهر “الهيبة” في مختلف حركاتهم وسكناتهم. فكانوا لا يخالطون العامة، واذا تحدثوا اليهم اتخذوا تجاههم موقف الكبرياء والاستعلاء. وكانت لهم نواديهم ومجالسهم الخاصة بهم، ولهم ادابهم ولهجتهم وملابسهم التي يتميزون بها عن سواد الناس))(55).
اما عن طبيعة الواقع الجنسي في الثقافة العراقية واثره في تكوين السلوك الازدواجي اللغوي والاجتماعي، فقد وصف الوردي، بشئ من الاسهاب والتفصيل، تلك العلاقة التي بقيت تابو لعهود طويلة من تاريخ الكبت السياسي واللاهوتي، الأمر الذي جعلها تتحول من شكل الى اخر ومن ممارسة الى ممارسة لتفصح عن طبيعتها، فيقول :((الواقع ان عادة اللواط كانت منتشرة في المدن العراقية في العهد العثماني انتشارا واسعا ويمكن ان نعزو ذلك الى عوامل عديدة اهمها ما يلي:اولا- التربية الزقاقية: فقد رأينا كيف كان الاطفال في الازقة يعدون اللواط من مظاهر الغلبة، وكانوا يفاخرون به، ويطلقون عليه اسم كسر “العين”. فالفاعل يشعر كأنه قد غلب المفعول به، وكسر عينه. فهو يعيره بذلك دائما…ثانيا- شدة الحجاب: فقد ثبت علميا انه كلما اشتد الحجاب في المجتمع ازدادت نسبة انتشار اللواط بين افراده. وهذا امر طبيعي. فالإنسان ميال بطبعه الى معاشرة الجنس الاخر والى التمتع بصحبته، فإذا وجد الجنس الاخر قد فصل عنه لسبب من الاسباب، اخذ يحاول التعويض عنه بمعاشرة من يشبهه من ابناء جنسه. وهذا هو الذي جعل بعض الرجال في المجتمعات التي يشيع فيها الحجاب الشديد يميلون الى معاشرة الغلام الامرد، اذ هو يشبه الانثى))(56).
ان الغاية الرئيسية التي دعتنا الى ذلك الاستعراض المفاهيمي والتاريخي، هي لبيان ولوصف قنوات الرعب الخطابية والتواصلية التي تشكلّت في ظل هيمنتها وسلطتها ممارساتنا اللغوية وعاداتنا اللسانية وأمراضنا الاجتماعية، وكان أهم تلك الأمراض والتي ابدع في تشريحها ووصفها الوردي هي ازدواجية الشخصية العراقية؛ وجدل البداوة والحضارة. وكما قلنا سابقا، ان المشروع الثقافي الوردي يبدأ من نقد اللغة المكتوبة؛ واللغة المسموعة؛ واللغة المقموعة، حيث تمثلت الاولى من خلال الثورة الابستمولوجية للعلاّمة ضد الطرق البيداغوجية في كتابة النص الثقافي، وذلك في مؤلفاته (اسطورة الادب الرفيع)، (شخصية الفرد العراقي)، اما اللغة المسموعة، فهي وكما مر بنا سابقا، بدت بشكل جلي في أكثر من مؤلف للوردي، اهمها (وعاظ السلاطين)،(الاحلام بين العلم والعقيدة)، (خوارق اللاشعور) و شيء من كتاب (مهزلة العقل البشري)، اما اللغة المقموعة والموجوعة، فهي تكاد تشغل مؤلفه الرائع (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي). ان ذلك التصنيف بالطبع، ليس دوغمائي وقطعي لكنه مبدئي واولي، لان العلاّمة تعامل مع الاشكاليات حسب طبيعة تداخلها الابستمولوجي والثقافي مع موضوعات كتبه المختلفة، فتبدو الاشكالية الرئيسية هنا متمثلة في طبيعة “النص الثقافي” مع “الواقع الايديولوجي” والسلطوي الذي بدوره يعيد انتاج آليات الكلام وانماط التخاطب واللسان، وهذا هو ما تختص به النظرية الاجتماعية المعاصرة التي ((تعنى بالمجتمع بوصفه نص أو مجموعة من العلاقات والأشكال الدالة والممارسات؛ وتحلل الذوات المنتجة للمعنى الخاص بتجاربهم الماضية وصيرورتهم في الحاضر. وتبحث أيضا في النصوص الراهنة –سواء كانت مكتوبة؛ منطوقة أو كانت بردايمات ونماذج متكثرة– التي تتشكل دلاليا بواسطة الشروط الاجتماعية والتاريخية الخاصة بعملية استقبالها وانتاجها))(57).
ان النظرية الاجتماعية عند الوردي تكاد ان تكون متقاربة مع النظرية الأدبية للنص، وبالتالي تشكل اللغة، في كلا العمليتين، عنصر مهم في تحليلهما وتأويلهما معا، لانها مرتبطة بالنسق الأيديولوجي، لان ((التبعية للتشكيلات الأيديولوجية والقيمية في المجتمع بوصفه نص، تمثل كل معقد من الافكار التي تخص اللغة المكتوبة والتي يمكن ان نطلق عليها بالسياقية))(58). فأذا اردنا إعادة اكتشاف النص الوردي، يتطلب منا ذلك، أن نغامر في إخراج ذلك النص من أطره التقليدية ليكون بذلك، معاصر لواقعنا واشكالاياتنا، خاصة وان نصوص الوردي مكتوبة بطريقة ادبية وجمالية تمتزج بها لغة الحياة اليومية التي تعج بصخب المقاهي وزحمة الاسواق وصراخ الازقة. فكيف تم اقصاء عنصر مهم من نصوص العلاّمة، الا وهو اللغة واشكاليات تداخلاتها التاريخية بين النص والزمن والواقع الثقافي، ولماذا بقيت اغلب القراءات تقليدية في الاختيار والمنهج والطرح والتحليل؟ لقد نبهّنا العلاّمة وبطريقة بارعة في التحليل عبر مؤلفاته، الى ذلك التساؤل الإشكالي عن طبيعة العلاقات التي تربط بين ممارسة النص محليا وبين التشكيلات الأيديولوجية والقيمية الخاصة بسلطة اللغة؟ وعلّمنا أيضا، كيف يمكن ان ننظر إلى السرديات بوصفها إيقونات كلامية للوقائع أو لأبنية الأفعال، وان ننظر للحكي اليومي بوصفه حكي ايقوني(59).
لقد حاولنا تقديم قراءة للنص الوردي، إيمانا وعرفانا بكل ما قدمه العلاّمة الراحل للعلوم الإنسانية وللثقافة العراقية، من خرق ثقافي ونقد جينالوجي لتابوهات الشخصية العراقية وادعاءاتها الميتافيزيقية والشعاراتية بعصمتها من الخلل والزلل الخلقي والاجتماعي. ان محاولتنا هي ابسط ما يمكن ان نقدمه لذلك الشموخ الثقافي والإنساني الذي لا تزال صورته حاضرة في أذهاننا وأوجاعنا وتقلباتنا التاريخية والسياسية.

هوامش :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=1373651- انظر،
2- د.محمد سبيلا، د.عبد السلام بنعبد العالي: الفلسفة الحديثة؛ نصوص مختارة،افريقيا الشرق-المغرب، ط1،2001 ، ص40-41
3- جورج كانغيلام: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها، ترجمة، د.محمد بن ساسي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان،ط1،2007،ص313
4- د.علي الوردي: منطق ابن خلدون،دار كوفان-لندن،ط2،1994،ص17
5- المصدر نفسه،ص18
6- د.علي الوردي: مهزلة العقل البشري،دار كوفان-لندن،ط2،1994،ص153
7- المصدر نفسه،ص155
8- المصدر نفسه،ص166-168
9- د.الوردي: منطق ابن خلدون،ص32
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=13736510-
11- باليبار وبيار ماشري: الابستمولوجيا،ترجمة، محمد محجوب،مجلة عيون المقالات،المغرب،العدد12،1989،ص33
12- المصدر نفسه،ص39
13- د.علي الوردي: خوارق اللاشعور،دار الوراق للنشر-لندن،ط2،1994،ص78-79
14- المصدر نفسه،ص77
15- د.علي الوردي:اسطورة الأدب الرفيع،منشورات سعيد بن جبير،قم المقدسة،ط1،2000،ص50
16- المصدر نفسه،ص51-52
http://alnaked-aliraqi.net/article/8085.php(*) ينظر للباحث،
17- د.الوردي: اسطورة الأدب الرفيع،ص43-44
18- المصدر نفسه،ص44
19- المصدر نفسه،ص57
20-Andrea Nye: Philosophy of language, the big questions, Blackwell, oxford-London, 1998, p.3.
21-See, E.R. Emmet: Learning to Philosophize, Penguin books, London, 1968, p.22.
22-See, Peter Berger, Thomas Luckmann: The social Construction of Reality, Penguin books, London, 1967, p.55.
23- د.الوردي: أسطورة الأدب الرفيع، ص58
24- المصدر نفسه،ص58-59
25- المصدر نفسه،ص59-60
26- المصدر نفسه،ص64
27- المصدر نفسه،ص65
28- المصدر نفسه،ص67
29-Paul Goodman: Speaking and language: Defence of Poetry, Vintage books, New York, 1971, p.26.
30- Anthony Giddens: In Defence of Sociology, Polity Press, London, 1996, p.17.
31- Ibid, p.16.
32- Mary Douglas: Natural Symbols, Penguin books, London, 1973, p.21.
33-د.علي الوردي: الاحلام بين العلم والعقيدة،دار كوفان-لندن،ط2،1994،ص7-8
34- المصدر نفسه،ص11
35- المصدر نفسه،ص13
36- Mary Douglas: the same source,p.93.
37-د.علي الوردي:وعاظ السلاطين،دار كوفان-لندن،ط2،1995،ص6-7
38- المصدر نفسه،ص15
39- المصدر نفسه،ص20-21
40- George Steiner: After Babel;Aspects of Language & translation, Oxford university press,London,1992,p.183.
41-د.الوردي: وعاظ السلاطين،ص43-45
42- المصدر نفسه،ص45-48
43-د.علي الوردي:شخصية الفرد العراقي،دار ليلى-لندن،ط2،2001،ص52-53
44- Gustaf Stern: Meaning and Change of Meaning, Indiana University Press,USA,1931,p.100.
45- Ibid, p.100.
46- Ibid,p.100.
47-د.الوردي:شخصية الفرد العراقي،ص55-56
48-المصدر نفسه،ص70-72
49-د.علي الوردي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي،مطبعة العاني-بغداد،ط1،1965،ص6
50- المصدر نفسه،ص296
51- المصدر نفسه،ص298-299
52- المصدر نفسه،ص302-303
53- المصدر نفسه،ص303-304
54- المصدر نفسه،ص305-306
55- المصدر نفسه،ص311-312
56- المصدر نفسه،ص322-323
57- Michael Silverstein,Greg Urban: Natural Histories of Discourse, the university of Chicago press,USA,1996,p.203.
58- Ibid, p.204.
59- See, Ibid, p.203, p.111.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *