| حوار مع الشاعر والمترجم السوري محمد عُضيمة: أدار الحوار  الشاعر العراقي عباس محمد عمارة .

المقدمة :

الشاعر والمترجم محمد عُضيمة ظاهرة فريدة لن تكرر في تاريخ الشعرية العربية.فهو حلقة وصل ما بين الأدب الياباني والأدب العربي وله الفضل في الترجمة من اللغة اليابانية إلى اللغة العربية. وهو المرجع الأول عربيا لكل من أراد الأطلاع على الهايكو الياباني مترجما إلى اللغة العربية . سبقت ترجمات محمد عُضيمة للهايكو الياباني ترجمات لكتاب وشعراء عن اللغات الإنكليزية والفرنسية إلا أنه كان حدا فاصلا بين مرحلتين. كانت له الريادة بترجمة أول كتاب في الهايكو  عن الأصل الياباني إلى اللغة العربية وهو ” كتاب الهايكو الياباني” عام 2010 بالتعاون مع المستعرب الياباني كوتا ـ كاريا. عُضيمة يكتب ويترجم الهايكو الياباني ويقتنص الفرح والسعادة في مشروعه ” ديوان الشعر العربي الجديد” من ركام وانقاض الحزن واليأس الذي أصاب الشعر العربي الحديث. كان لنا هذا الحوار معه للحديث عن تجربته الإبداعية الغنية عن التعريف :

 

 

س١-أين سنجدك؟  إذا ما حاولنا البحث عنك بين مقولة رينيه ديكارت :”انا افكر اذن انا موجود” و هايكو ماتسوو باشو الشهير والذي قمت بترجمته :

يا للبركة العتيقة!

يقفز ضفدع

“يتردد” صوت الماء.

 

ج1 ــ سؤال جميل، كدت أقول سؤال وسيم، فهو يستدعي فورا المقارنة بين الحياة، الوجود، بالفكر وحسب وبين الحياة والوجود بالحواس الخمس. من المعروف أن أكثر فلاسفة الغرب، ونحن العرب جزء منه/هم، يميلون إلى الحذر من الاحتكام إلى الحواس فيما يتعلق بفهم العالم بحجة أنها متقلبة، متغيرة غير ثابتة، ويقدمون عليها العقل أو التفكير. والمعروف أكثر من هذا كله مقولة تشويش الحواس عند الشاعر رامبو من أجل الكتابة الشعرية، التي يمكن صياغتها بـشيء من التصرف: أنا أشوّش الحواس إذن أنا شاعر وموجود.

لستُ ضد أنا أفكر إذن أنا موجود، لكن سأكون موجودا أكثر، أو سأشعر بوجودي أكثر، وأنا أشمّ أو أسمع أو ألمس أو أرى أو أتذوق، أي وأنا أستند إلى إحدى الحواس الخمس في الطريق إلى فهم العالم والكون. لحظة باشو هنا مرئية ومسموعة ببساطة للكائن، أي كائن: المشهد واضح ولا يحتاج إلى تأويل، إنساني في علاقته مع الطبيعة وأشيائها. أستطيع التفاهم مع هذا الكلام وهذا المشهد، وأستطيع تذوقه فأشعر بوجودي كجزء من الطبيعة والكون والحياة أكثر من شعوري بوجودي وأنا أفكر. فعل “أفكر” هنا، وغير هنا، غامض غير واضح، نخبوي قد لا يخص إلا الفلاسفة وأتباعهم. ولعل ديكارت كان يقصد ذلك فقط، والله أعلم.

 

***

 

س٢-متى أتسعت الرؤية  فضاقت العبارة عند محمد عُضيمة ؟

 

ج2 ــ هذه العبارة النفرية، نسبة إلى النفري، غامضة جدا وتحتاج إلى تفكيك. أولا، لا نعرف كيف كتبها النفري بالتاء المربوطة، رؤية، أم بالألف الطويلة، رؤيا؟ في الحالة الأولى سنكون أمام رؤية بصرية، مشهدية، وسنسأل النفري عن هذا المنظر الطبيعي الجميل، المدهش، الذي أخذ بتلابيبه ودفعه إلى الصمت تقريبا، لأننا سنكون في قلب الحديث عن بنية الهايكو، وسيكون النفري أبو هذه البنية. لكن يبدو لي أن الأمر مستبعدٌ جدا نظرا إلى السياق الذي وردت فيه العبارة، سياق الكتاب الصوفي الرؤيوي. ومن الأرجح أنه كتبها بالألف الطويلة لتعني ماتعنيه في القواميس اللغوية والصوفية.

لكن حتى في هذه الحالة، أي الحالة الثانية، ماذا يعني، أو سيعني، اتساع الرؤيا، وما هي الرؤيا المقصودة في الأساس؟. لنقل الرؤيا القلبية، وهو الأرجح كما يعلمنا التصوف، لكن ما معنى الرؤية القلبية؟ أهي الحدس ومشتقاته، أهي الوحي وتشعباته، أهي الإلهام في اليقظة والمنام، أهي التجربة والسلوك، أهي الحكمة وإيثار قلة الكلام والإيجاز، ومتى كانت ضيقة كي تتسع فيضيق الكلام، هل في مرحلة تحصيل المعارف والتجارب أم بعدها بقليل أو كثير، أهي هذا كله دفعة واحدة؟ لفظة رؤيا في هذا السياق، أو في غيره، ليست قابلة للتحديد، فكيف إذا أضيفت إلى صفة الاتساع.

ثم ما معنى ضيق العبارة وكيف تضيق الكلمات؟ هل يقصد المجاز ومشتقاته، حيث يقل الكلام باتساع المعارف، أم أن الكلام لم يعد قادرا على التعبير عن رؤى الرائي، على استيعاب مضامين ما يراه القلب، وهذا هو الأقرب إلى المنطق الصوفي. بعبارة أخرى، كلما اقترب المتصوف من حالة الكشف، أي اتساع الرؤيا، وجد نفسه عاجزا عن الكلام، أو وجد الكلام عاجزا عن التعبير. الضيق هنا هو العجز وليس الإيجاز كما أرى. ينبغي الاقرار بأن عبارة النفري من بين أجمل الصياغات في اللغة العربية ظاهريا وأكثرها إغراء فانتشارا، لكن من بين أكثرها التباسا وتعرضا لسوء الفهم.

على الصعيد الشخصي كنت وما زلت أتبرم بالصيغ الطويلة وأرتاح للصياغات والعبارات الموجزة، كنت أتبرم بالقصيدة الطويلة وأرتاح لبيت أو بيتين فيها لا أكثر، وتجذر عندي الأمر حين بدأت علاقتي باليابان والثقافة اليابانية وتحديدا بالأشكال الشعرية والطقوس الفنية الأخرى: تغيرت عندي زاوية الرؤية والفهم قليلا حين اتسع مجال الاطلاع قليلا.

 

***

س٣-هل بدأ  “أثر الضفدع” تحريك بركة الشعر العربي الساكن منذ إصدارك “كتاب الهايكو الياباني” عام 2010؟

 

ج3 ــ منذ البداية لم يكن عندي أوهام كبيرة فيما يتعلق باستقبال العربي للهايكو. ولم أكن أنتظر أي ردود فعل إيجابية، أو حتى سلبية، على أول مختارات شعرية مترجمة عن اليابانية مباشرة، تتناول فن الهايكو بشكل متسلسل من القرن الخامس عشر حتى اليوم. ففهم الهايكو وتذوقه ليس سهلاً على غير اليابانيين، عربا أو غير عرب، لأن مرجعيته المعرفية والجمالية بعيدة جدا من مرجعيات الشعرية العربية والغربية، اليهودية والمسيحية والاسلامية. وبالتالي فالكتابة عنه أو حوله أو تقديمه في الصحافة الثقافية لن تكون مضمونة العواقب. وهذا ما ألححت عليه في مقدمة الكتاب.

لكن بالمقابل، كنت أتوقع انتشار موجة من النصوص القصيرة إلى حد التسونامي تحت يافطة الهايكو، وهذا أمر لم ولن يزعجني مهما كان مستوى النصوص. ففي صيغة الهايكو القصيرة إغراء لا حدود له للانزلاق والتجريب. لمَ لا، والناس قد تعبت من الشعر القديم والحديث، أو لنقل بشكل أدق هناك من يبحث عن شكل جديد من الشعر ويريد الخوض فيه، فأين المشكلة بالنسبة إلى حماة الديار الشعرية. لقد فتحت صيغة الهايكو الموجزة والبسيطة الباب واسعا أمام ألاف ممن يريدون التعبير عن أحوالهم، ممن يريدون الانضمام إلى قائمة المبدعين في فن من الفنون، دونما إلغاء لأي شكل شعري آخر، فأين المشكلة بالنسبة إلى حماة العقائد الشعرية الموزونة وغير الموزونة. الهايكو، أو ما يكتب تحت هذه اليافطة، هو مجرد تنويع بسيط على الأشكال الشعرية الموجودة، هو رئة جديدة للتنفس بهدوء وسلام.

 

***

 

س٤-تحاول إقتناص السعادة والفرح وكأنك تسير على ثلاثة أسطر هايكو. وهي  التأليف والترجمة وديوان الشعر العربي الجديد؟

 

ج4 ــ على فكرة، من بين أهم قواعد الهايكو التلقيدية أن يكتب على سطر واحد، لأنه مكوّن من 17 صوتا متماسكة متناغمة عروضيا مع الكلمات الفصلية، لذلك يشكل هذا السطر كلّاً متكاملا متناغما. وهذا غير ممكن في اللغة العربية، أو في غيرها من اللغات الأجنبية التي يرتكز فيها الشعر، كي يكون شعرا، على مفهوم تعدد الأبيات. صحيح أنه لدينا في العربية مفهوم البيت الواحد، لكنه يقوم على شطرين مفصولين عروضيا عن بعضهما حتى ولو كتبا على سطر واحد. لذلك نكتب الهايكو المترجم على ثلاثة أسطر كي نوحي أنه شعر. وقلما تقع على مطبوعة هايكو يابانية بثلاثة أسطر، لأن ذلك سيؤثر على هذا الكل/الواحد المنسجم المتكامل. وإن وجدت فهي بتأثير من الشعر الياباني الحديث، أو من قبيل تحدي التقاليد، والأمر نادر جدا.

أنجزت ديوان الشعر العربي الجديد بأجزائه السبعة حتى الآن وأنا أعمل في الترجمة أو في الكتابة الشعرية. أعمل باستمرار على أكثر من مشروع في وقت واحد، أتعب من جهة فأنتقل إلى جهة أخرى. لا أعمل قطعا على كتاب واحد بشكل دائم وحتى النهاية، فأي نص يحتاج إلى استراحة من صاحبه، إلى ترك مسافة زمنية بينك وبينه بحيث إذا عدت إليه تعود وكأنك بدأته للتو. حتى هذا الحوار، والإجابة على هذه الأسئلة لم أنجزهما دفعة واحدة وبيوم واحد، لذلك قلت لك، أخي عباس، أحتاج إلى وقت. أضجر بسرعة من السير على طريق واحد، كما أضجر من المعلقات والقصائد الطويلة. لا يمكن أن تكتب الشعر طوال اليوم، ولا يمكن أن تقرأ وتختار المقاطع طوال اليوم، كما لا يمكن أن تترجم طوال اليوم. لكل حالة من هذه الحالات طقسها الخاص بها: في كتابة الشعر أتقمص الطفل قدر الامكان، وفي القراءة والاختيار أتقمص شخصية الحلاق البهلول ، أما في الترجمة فأتحول إلى مدير للحوار بين لغتين، واحدة ترسل والأخرى تستقبل. وعندما أتعب من هذه الطرق كلها، أتحول إلى طباخ. فأنا أجيد الطبخ وغسل الصحون وتنظيف البيت وتعليق الغسيل على المنشر، وأجيد المشاوير الصباحية وإلقاء التحية بفرح على العابرين.

 

***

 

س٥-ذهابك إلى اليابان لتدريس اللغة العربية جاء  بناء على نصيحة صديقك الشاعر الكبير أدونيس ثم العودة إلى دمشق والذهاب ثانية والاستقرار في اليابان. متى اكتشفت الهايكو  وهل يعد هذا التحول انقلابا على قصيدة النثر في أرقى نماذجها أدونيس مثلا؟ 

 

ج5 ــ يعود ذلك إلى ثمانينات القرن الماضي عندما كنت في باريس أتابع دراساتي العليا، وفي الوقت نفسه أتعاون مع الناشر والشاعر الفرنسي الصديق جيرار فيستير، بترجمة مختارات من الشعر العربي إلى اللغة الفرنسية. كانت داره ومازالت تهتم بآداب الشرق ومن بينها الهايكو. يومها تعرفت لأول مرة على هذا الفن عند باشو، وبوسون، وغيرهما. لم أفهم شيئا، ولم أستطع تذوق ما أقرأ على أنه شعر. شيء جديد تماما. ولم أجهد نفسي كي أفهم. كنت مأخوذا بالنص الصوفي وبالشعر الحديث وبالحياة الباريسية.  لكن أذكر أن ما ساعدني على الاقتراب من الهايكو وعالمه هي نصوص الشاعر الفرنسي يوجين غلفيك. كان جيرار فيستير قد نشر له عملا أو عملين وحصلت عليهما بحكم علاقتي مع الدار. قصائد قصيرة جدا، ذكية، لقطات غير مألوفة لكنها مفهومة. يومها كنت أتعاون مع جريدة الحياة في لندن أيضا، فاقترحتُ إجراء لقاء مع هذا الشاعر بحكم سهولة الوصول إليه من خلال جيرار. وكان من بين أجمل الحوارات التي أجريتها: متواضع، بسيط واضح في كلامه، هادئ، مبتسم، ولم يتردد لحظة واحدة بالاعتراف أنه ليس متأثراً بالهايكو فقط، بل هو نتاج الهايكو كتابة وسلوكا.

ثم جاءت التجربة اليابانية بتأثيراتها وكان ما كان مما يعرفه الجميع: فكان مشروع “ديوان الشعر العربي الجديد”، بمقدماته وأجزائه السبعة (صدر الجزء الأول سنة 1999)، حيث رحت أقتطع من القصائد التي أقرأها ما يشبه ضربات الهايكو وأضمّنها في جزء خاص بهذا البلد أو ذاك، مذيلة باسم كاتبها، محترساً من تسميتها “قصائد هايكو” منعا للخلط والتزاما بالدقة والحدود. كان عليّ قراءة آلاف الشعراء، معروفين وغير معروفين، للوصول إلى ما وصلت إليه. وكان عليّ أيضا تحمّل الشتائم “النقدية” من الجميع عند صدور كل جزء. كان الشباب يتعلمون الديمقراطية بهذا المشروع يومذاك. لكن عزائي كانت المتعة الشخصية في انجاز كل جزء بما يتضمنه من نصوص تقوم على البث الايجابي والفرح، وكان عزائي أيضا ثقتي بأن المستقبل هو لهذا النوع من النصوص السريعة، الخاطفة، من دون أن تكون إلغاء أو دعوة لإلغاء أي شكل شعري آخر، ومن دون أن تكون انقلابا على أي شكل شعري. هي أصوات جديد بحناجر جديدة تحتل مكانها فقط، وليس أكثر، على خشبة المسرح. ثم جاءت ترجماتي للهايكو والتانكا عن اليابانية بالتتالي لتعزز هذا المشروع وهذه الأصوات.

 

***

 

س٦-هل لأدونيس رأي خاص بالهايكو  طرحه عليك يوما ما؟

ج6 ــ لا، لم يحدث أن تكلمنا بالموضوع.

 

***

 

س٧-أهتمامك  بالفيلسوف فريدريك نيتشه أثمر إلى ترجمة إحدى مؤلفاته وهي كتاب “ماوراء الخير والشر”  ما أهمية هذه الترجمة وماذا تعني بالنسبة لك؟

 

ج7 ــ حكايتي مع نيتشه بدأت في باريس وبالتحديد مع كتابه “ماوراء الخير والشر”. كنت قد قرأت له أشياء متفرقة بالعربية، لكن يبدو أنها لم تلامس شيئا في داخلي. وذات يوم من أيام التسكع في حي السان ميشيل لفت انتباهي أمام إحدى المكتبات عنوانٌ بالفرنسية( Au-delà du bien et du mal ) . تناولت الكتاب ورحت أتصفحه، فقرة هنا فقرة هناك، فشعرت ببهجة قلما أشعر بها. اشتريت الكتاب ورحت أقرأ به وأنا ماش. البهجة، القوة، السعادة، الحرية، الابتسامة، وأشياء أخرى مشابهة غمرتني دفعة واحدة. ومن يومها صارت كتب نيتشه خير جليس لي في كل مكان. لاشيء ينقذني من الرتابة، من الملل، من السقوط في التشاؤم، من السقوط في الكذب والنفاق والدجل، من الشعور بالعدم، من الشعور بالضعف أو الهزيمة، من الأمراض النفسية كلها، ولاشيء يجعلني أتطابق مع نفسي تماما، وأشعر أنني أنا أنا من لحم ودم وبكامل طاقتي الروحية، كما تفعل نصوص فريدريك نيتشه. كانت ومازالت كالدواء بالنسبة لي.

لذلك كان من الطبيعي أن يرافقني بعض كتبه إلى طوكيو. وهكذا جاءت معي كتب” ماوراء الخير والشر”، و” المعرفة السعيدة”، و”إنساني، مفرط في إنسانيته”. وهي التي اخترت منها مانشر في كتاب يحمل عنوان ماوراء الخير والشر. لم أتوقع يوما أنني سأترجم شيئا لنيتشه. كنت وما زلت أتمتع به في اللغة الفرنسية أكثر، لكن خطر لي ذات يوم اختبار اللغة العربية في نقل واستيعاب هذه المتعة.

قرأت هذه الكتب الثلاثة وغيرها مرارا في قطارات طوكيو ذهابا وإيابا من وإلى أية جهة. كنت أقرأ وأنتصر في سري على ما يحيط بي من الصمت والحياد الطافيين على الوجوه، وعلى غيرها من موجودات القطار. لاشيء يمنح القوة والشعور بالانتصار على المحيط، أي محيط، كالقراءة والكتابة.  كنت أقرأ وأختار الفقرات التي سوف أترجمها، وكنت كذلك أشعر أنني جبل في قطار

 

***

س٨-في نظر الفيلسوف كانط (KANT) يلعب الخيال الدور المهم في تشكيل الجمال، لكن بالنسبة لشاعر الهايكو يشكل الخيال عائقا احيانا عند ارتباطه بالذاكرة  ، كيف يتم تجاوز هذه الإشكالية  تجريبيا عند  كتابة  الهايكو؟

 

ج8 ــ المبالغة في التخييل هي المشكلة. الهايكو الياباني يستخدم الخيال، لكن في حدوده الدنيا. والمشكلة، كما تبدو لي على صعيد اللغة العربية، هي في مقدرة الشاعر، الهايجين، على تحييد، أو تقييد، الخيال والذاكرة الجمعية. ينبغي الاعتراف أن الأمر ليس سهلا، ويحتاج إلى دُرْبةٍ وخبرة طويلتين، إضافة إلى جرأة لاحدود لها. ليس مزحة تجاوز عادات وتقاليد اللغة العربية في كتابة الشعر، لاسيما مع تجذر مقولة “أعذب الشعر أكذبه”، وتفرعاتها، في الوعي الجمعي للناس والشعراء. هذا دون الحديث عن تجذر اللغة القرآنية العالية المجاز في شرايين الجميع.

ولأن ذلك كذلك، أقترح الاستفادة من خبرة شعراء ما قبل الإسلام بالدرجة الأولى، أي خبرة الشعر الموسوم خطأ بالشعر الجاهلي. بعبارة أخرى، أقترح العودة إلى الجذور، جذور اللسان العربي المادية حيث كانت الحواس هي أدوات الشاعر الوحيدة في التعامل مع الكون وموجوداته وحيث كان الخيال في حدوده الدنيا، والطبيعة هي المنبع الوحيد الذي يمتح منه الشاعر مادته. لاشيء في تراثنا يشبه الهايكو وعالمه كالشعر قبل الإسلام، ولا أحد في تراثنا يشبه الهايجين الياباني، قديما وحديثا، كالعربي قبل الإسلام. وهذا ما أشرت إليه في مواضع كثيرة من الكلام على الشعر الجديد.

 

***

 

س٩-بعض الدراسات الأكاديمية العربية ألقت الضوء على هايكو المجاز  كأمتياز خاص بالهايكو العربي وكأنها تحاول جره إلى دائرة البلاغة اللغوية، كيف يوظف إستخدام المجاز في الهايكو بطريقة فنية؟

 

ج9 ــ المجاز مجاز، وهو لعبة اللغة العربية الشعرية بامتياز، هو حمار الشعراء كما وصفته في غير مكان. فأين الجديد في الموضوع، سواء داخل نص طويل أو قصير. ثم إن الكلام حوله أسهل… أعتقد أنه من المبكر جدا تخصيص دراسات حول ما يكتب اليوم تحت يافطة الهايكو. في الأمرِ كثيرٌ من الاستعجال. ليس هناك بعد في اللغة العربية كتلة نصية من هذا النوع تتحمل الإضاءة بهذا الإلحاح. النوع جديد ويحتاج إلى وقت من أجل النضوج واكتساب الخصائص. كثير من النصوص مكتوب بطريقة تقليدية من حيث البنية والرؤيا، وفيها كثير من الذاكرة الجمعية وغياب التجربة الشخصية. كتابة ثلاثة أسطر وتسميتها هايكو ليس أمرا هيّناً. يبدو لي أن المسافة لا تزال طويلة جدا بين اللغة العربية والهايكو. والمشكلة ليست في اللغة نفسها كلغة، لكنها قطعا في تلافيف دماغ الهايجين أو من يريد أن يكون هايجينا.

 

***

 

س١٠-ما هي بنظرك أبرز تقنيات الهايكو المعاصر التي على الهايجن العربي الأخذ بها؟

 

ج١٠ــ لاتوجد تقنيات جاهزة، لكل هايجين تقنيته الخاصة التي وصل/يصل إليها بعد المرور بمختبر التجارب الشخصية. أقترح الاعتماد على التجارب الشخصية الملموسة في كل ما يقال، كما لو كنت تكتب سيرتك الذاتية صادقا وبشكل يومي، تماما كما كان يفعل الشاعر “الجاهلي”. ليس خطأ العودة إلى الأصول ومحاكاة أجدادنا “الجاهليين” رؤية وسلوكا وكتابة يومياتنا الشخصية، لا يوميات الذاكرة الجمعية. بعبارة أخرى، ليس خطأ العودة إلى “الوثنية”/الطبيعة ، هذا إذا استطعنا أو تجرأنا على التفكير بذلك. بهذا المعنى أشرت منذ قليل إلى أن المشكلة موجودة في تلافيف دماغ الهايجين.

 

 

أدار الحوار الشاعر

عباس محمد عمارة

٢٠٢١/٩/٢٨

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بلقيس خالد : الشاعر والروائي هاني أبو مصطفى: طريقتي هي الأوسع .

  التصوف لدى الأديب هاني أبو مصطفى يحتفي بالمختلف والمؤتلف، كما علمته سعة المحبة لدى …

| سماح عادل : النساء والكتابة (22):  إنها لا تكتب من أجل إغواء الرجل أو السيطرة عليه بل ترمي من الكتابة كل شروخ جسدها وتموجاته .

القسم الخاص بالشاعرة والروائية بلقيس خالد تحقيق خاص يمكن تسمية رفض بعض الكاتبات في مجتمعاتنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *