|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي حتى الآن؟ كيف يكون أحمد هو الذي أسهم في تحويل كفاح من الالتزام الديني إلى الحزب الشيوعي وكسبه إلى تنظيم الشبيبة الشيوعية .. وفي بيت سلام ، وفي السنة الأولى من دراسة سلام وأحمد في إعدادية الزراعة وسلام يقول إنّه لم يعرف بأنّ أحمد كان منتمياً للحزب الشيوعي إلا في عام 1973 وقت قيام الجبهة الوطنية؟؟ كان سلام يعرف أن أحمد شيوعي منظم وهو في الصف الأول من إعدادية الزراعة!! 

وقد حصل ما توقعه كفاح ، فبعد أشهر قليلة جاء الخبر اليقين إلى سلام وهو أنّ أحمد قد وقّع هو وزوجته مادة البراءة (200) بعد أن زارهم رجال الأمن في بيتهم بوساطة من قريب حزبي (بعثي) له. كان وقع الخبر على سلام – كما يقول – صاعقاً لأنه كان يعتقد أنّ أحمد مؤمن حقيقي بفكره وأنّه اخفى انتماءه في أحلك الظروف (كيف أخفى أحمد انتماءه وكان يناقش اباه جهارا عن الإلحاد والماركسية وستالين ويقنع كفاح بالماركسية ويكسبه إلى الشبيبة الشيوعية؟! هل نسيانات سلام هذه سببها أنّه وضع أحمد كـ”مثل أعلى”؟). لا يعلم سلام بأنّ أجهزة المخابرات تسير على قاعدة في علم النفس بأن الفرد كلما كان متعصباً لفكرة ما كلما كان معنى ذلك أنّه يقاوم عكسها ويكبته ويصرف طاقة نفسية كبيرة في عملية الكبت هذه ، فيكون انهيار الكثير منهم في الواقع في مرحلة الانتظار قبل وقت الانهيار الفعلي وعلى اساس مبدأ “أن انتظار الموت أسوأ من الموت نفسه”. ووسط سخط سلام العارم على أحمد قرّر الذهاب إلى بغداد مع صديق له لمقابلته. كان سلام يغلي غضباً. ومن بيت أهل زوجة أحمد قرروا الخروج لشرب الخمرة. وخلال هذه الجلسة انفجر سلام في حديث طويل عن خيانة أحمد له كصديق وإنّه أوهمه طوالَ علاقتهما بشخصية المناضل المخلص بصمته الأسمنتي ونظراته المتأملة. ولا أستطيع الجزم بأن هاتين الصفتين: الصمت الإسمنتي والنظرات المتأملة هي جزء من صفات المناضل المخلص. فقد تحصل حتى لدى المضطربين نفسيا. ولم أستطع – اعتماداً على القدر من الحوادث التي قصّها سلام عن سيرة أحمد – بأنه يتمتع بأي صفة من صفات المناضل المخلص.. فالحوادث البارزة تذكرنا قسراً بحادثة العرض الجنسي والتبصصات التحرشية في السوق وعذاباته بعد موت أبيه والرحلة المجنونة وعمله في اللجنة المحلية ودورة بلغاريا الحزبية وغيرها من الأمور العديدة. على العكس من ذلك فإن سلام بالاعتقالات والمطاردات المتكررة حتى وهو خارج التنظيم الحزبي الفعلي هو الذي يمكن لنا أن نطلق عليه وصف المناضل الشيوعي المخلص مقارنة بأحمد. هل كان سلام يقوم من حيث لا يدري بعملية “إسقاط” لاشعورية لتصوّراته عن المناضل المخلص على أحمد؟ وهل قام – من حيث لا يدري أيضاً /لاشعوريا- بتوسيع عملية الإسقاط هذه لتشمل “آثامه” هو أيضا حيث اعتبر توقيع أحمد لمادة البراءة المميتة واعترافاته “وقعة غبراء” كما يصفها وهو نفسه كان قد صدّق اعترافات مسؤوله الحزبي ووقع صك البراءة والفارق أن أحمد وقعها في البيت وهو متزوج وسلام في أقبية الأمن وهو فرد بلا مسؤوليات عائلية مباشرة هذه المسؤوليات والارتباطات ستجعله يتخذ موقفا مغايرا لما يريده أحد رفاقه في بيروت في القسم المقبل؟ ولولا عملية الإسقاط هذه ومحاولة بناء صورة “المناضل” الأنموذجية العصيّة على سلام لما كان انفعاله مفرطا في تلك الجلسة يبكي (هل كان سلام يبكي ذاته المنجرحة؟!) ويصرخ ويلوم ويشكو إلى أن سقط في عدم السكر. والخمرة كمُذيب للأنا الأعلى/الضمير تساعد كثيرا في إرخاء القيود المنطقية وتفجير الصراعات الذاتية المكبوتة.    

# بعد جلسة الحساب تلك لم يلتق سلام بأحمد سوى مرةٍ واحدةٍ حين زار أحمد مدينتهما الديوانية. تسكعا في أرجائها أكثر من أربع ساعات استعادا فيها تفاصيل ذكريات تلك الأيام المضيئة التي اندثرت مقارنة بعتمة تلك السنة 1980 التي سماها سلام بحق “بوابة ليل العراق الطويل” الذي لم ينتهِ حتى اليوم. كان سلام في تلك المدة يواصل الصلة برفاق أحمد المتخفين في بغداد ويوفّر لهم ما يستطيع من مساعدة برغم أن هذا التصرّف قد يودي به إلى التهلكة بسبب توقيعه مادة البراءة المميتة. ومن بين المساعدات التي كان يقوم بها هي نقل جريدة “طريق الشعب” جريدة الحزب الشيوعي ، إليهم ، والتي تحوّلت إلى جريدة سرّية صغيرة الحجم. كان أحمد يتهرّب من اي ذكرى عن عملهما السياسي السابق إلى أن وصلا باب بيته.. حينها دسّ سلام في كفّ أحمد جريدة طريق الشعب ملفوفة كحجم طرف الإصبع وحين فضّها أحمد اصفر وجهه وكاد ينهار. وسلام نفسه يتساءل كم كان قاسيا وجلفاً على أحمد. وفعلا .. لا يمكن تفسير هذا التصرف سوى أنّه تصرّف “سادي” لأن سلام نفسه ذكر لنا قبل صفحات أن المادة (200) التي وقعها أحمد تنص على معاقبة من ينتمي لأي تنظيم سياسي غير حزب البعث العربي الاشتراكي بالإعدام. ولو كان هناك مراقب محايد يرقب المشهد لتوقّع أنّ سلام هو من رجال الأمن الذين ينصبون مصيدة لتوريط أحمد وإنهائه.

ومن المنطلق نفسه قد يندهش القارىء لسلوك سلام العام في علاقته بتنظيم الحزب. فما كان يقوم به من مساعدة للرفاق الشيوعيين المختفين من ملاحقات السلطة التصفوية الدموية وإيصال جريدة الحزب السرّية “طريق الشعب” إليهم وإيواء وإخفاء أحدهم.. هذه كلها تصرفات توصله إلى الإعدام حسب المادة التي وقعها حين صادق على اعترافات مسؤوله خلال اعتقاله الأول. كيف سيبرر تصرفاته تلك؟ بل كيف سيبرّرها للقرّاء: شخص لا علاقة له بالتنظيم يقوم بمهمات خطيرة قد لا يقوم بها الكثيرون من المنتمين أنفسهم. في هذا الدور إحساس بالبطولة و – ضمنا – بالدور الأبوي. وهي محاولة لغسل مشاعر الذنب والانكسار التي لحقت بالذات الفردية في تجربة الانهيار الأول. ولعلّ “آنا فرويد” قد تحدثت بصورة مستفيضة عن هذه الظاهرة كأوالية دفاعية نفسية في كتابها “الأنا وأواليات الدفاع”. وسلوك سلام المفرط هذا ينطوي تحت خيمة سلسلة سلوكياته تجاه أحمد وبضمنها جلسة المحاسبة.

وكل هذه الذكريات استعادها سلام وهو ينطلق فجرا نحو مرآب السيارات أو خلال انتظاره لانطلاق السيارة أو جلوسه في المقعد الأمامي في طريقه للوصول إلى صديقه الحبيب “أحمد” بعد أكثر من 27 عاماً من الفراق. وهي رحلة “جنونية” ثانية أو عاشرة من رحلات سلام الكثيرة (سندباد المهمات) كما سنرى. وقد حاولت نظم سلسلة الذكريات هذه برغم الوقفات “الاعتراضية” الكثيرة كي يسهل على السادة القراء ملاحقتها بعد أن قرأوها متناثرة كسلسلة من “الاستعادات / الفلاشباكات” تقع كوقفات استرجاع ذاكراتي أو حوار داخلي بين مشاهد التعامل مع العالم الخارجي.

الآن ينطلق سلام إلى بغداد. وإذا كان قد قدّم لنا لقطات سريعة عبر مقارناته بين وضع سابق طغياني قامع دموي وحاضر فاقه قسوة ودموية ووحشية تسيّدت فيها قوى الاحتلال القذرة ذات الخبرة العريضة في تنظيم “فرق الموت” لقطع الرؤوس وتصنيع الاقتتالات الداخلية عبر حركات “معارضة” مسلّحة تجعل المواطنين يلجأون إلى قوى المحتل والسلطة للاحتماء بها (في السفادور كانت فرق الموت تقطع رؤوس المواطنين بالمناشير.. في إحدى الحوادث قطعوا رؤوس القساوسة المعارضين ووضعوها بين أيديهم وهم جالسون إلى مائدة الطعام) وفوق ذلك كانت الميليشيات المسلحة تعيث فسادا في الأرض.. نقل سلام تعليقات عسكريي السيطرات حول رحلته الخطيرة ونقمة سائق التاكسي الذي أوصله إلى المرآب. لكن التصوير/الشهادة المهمة من سلام وهو كما قلت لا ينطبق عليه وصف السارد أو الروائي بقدر ما ينطبق عليه وصف “الشاهد الحكّاء”.. ففي كل أعماله كان سلام هو “بطله” إذا جاز التعبير حتى وهو مهزوم محطم.. و”البطل” في العمل الفني هو الذي تلتم عنده عُقد الأحداث ولا تتحرك حلّاً أو تعقيداً إلّا انطلاقاً منه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. وسلام هو “عقدة” حكاية شعبه.. وسندباد رحلاته المهولة ورمز “حالته” الصدوق الحي النابض. مسيرة سلام هي مسيرة جيل أو جيلين من أجيال شعبه كانت الأكثر تعبيرا عن خلاصة مسيرته لتاريخية وتحولاتها والشاهد على أحداث خمسة عقود لم يستطع أي حكّاء آخر بلوغ مقدرته الفذّة في الحفاظ على صندوق ذاكرتها الأسود. ومن المؤسف كما سأتوقف عند ذلك قريبا أنّ أغلب النقّاد قد توقفوا عند الجانب الجنسي من “اعترافاته” في حين أن “أدب الاعترافات الأكبر” المتفرد الذي قدّمه سلام كان في جوانب أخرى أخطر وأكثر حسماً.

في تصويره لحال سائق السيارة التي أقلته إلى بغداد وسط المخاطر وتوقعات الموت والركاب الثلاثة الذي احتلوا الكرسي الخلفي العريض شهادة تفوق ما يمكن أن يطرحه أي “مؤرّخ”. فالمؤرّخ يوصف بأنه “موضوعي” وأمين كلّما كان بارد المشاعر وقام بتحييد عواطفه الشخصية. وفي هذا مقاربة لخدعة “الناقد الموضوعي” بمعنى الناقد الحديدي الذي يتناول العمل الفني وكأنه “يؤرّخ”. وهذا ما لم أستطع القيام به بل لا يستطيع القيام به أي ناقد إلا بحدود ضئيلة. الناقد يكون ذاتياً كاملا عند خط البداية ثم – ومع سيره مع النص وتحليله – يحاول أن يمتلك زمام الموضوعية. وسلام كان “يؤرخ” ما يشاهده من أحوال شعبه ولكن من “قلبه”.. نعم.. ومن أعماق “قلبه”.. ولهذا تأتي الشهادة حيّة حقيقية ومشهديّة بعين سينمائية لا بعين فوتوغرافية كما يحصل لدى المؤرخ. ويكفي أن ننقل ما سطّره سلام عن حال ركاب العربة العراقيين وهي تنطلق نحو بغداد “التي لم يعد يعرفها محبّوها” في رحلة الموت ومخاوفهم المرعبة من المرور بـ”مثلث الموت”:

“أدخلَ مفتاح التشغيل وأداره فتعالى صوت المحرك لكنه لم يتحرك. بل لهج  في ترديد دعاء طويل:

– اللهم احفظنا من كل مكروه  

 اللهم أعمي عنا عيون الأشرار

سلام ابراهيم

اللهم!.

فتصاعدتْ أصوات من خلف ظهري تردد أدعية، وآيات قرآنية، حملقتُ في وجه السائق كان يتوسل متهدج النبرة يكاد ينشج، وشفتاه ترتجفان بمفردات الدعاء التي يلفظها ببطء شديد. التفت ُإلى الحوض الخلفي، فهالتني الوجوه، زادت شحوباً على شحوبها. تردد آيات من القرآن، حتى الشاب الذي بدا متماسكاً أصابهُ الجو بالعدوى، فراح هو الآخر يردّد أدعية بقسمات ضارعة مستسلمة، وكأننا مقبلون على الموت. غمرني لغط (لاحظ مفردة “لغط” هنا) الأدعية والآيات فأخذني بعيداً إلى محطات رعب عمري الضاجة بالقمع والتهديد بالموت في كل الأمكنة التي سبقت وصولي إلى الدنمارك فلم أرَ رعباً كالرعبِ المرتسم على وجوه الركاب الأربعة. رعبٌ أملس مطلق لم أشعر به لا في نفسي وأنا تحت القصف في جبهة الحرب مع إيران، ولا في وجوه زملائي الجنود رغم أنه يخطف منا في الشهر واحدا أو اثنين في أوقات هدوء الجبهة، ولا في وجوه الثوار في الجبل حينما نُحاصَر ويكون الموت على بعد أمتار، ولا حتى في سراديب الأمن العامة والاستخبارات العسكرية التي حللت في ظلمتها وعفنها ورعبها مرات. كنت لا أعرف ما يجري بالضبط، ولم أستوعب بَعْدُ الهول الذي يعيشون به والذي بدا محفوراً في أرواحهم.. هاهو يتجلى في أصواتهم وهم يتضّرعون إلى الخالق وقديسيهم من أئمة الشيعة، مستنجدين بمن لم يستطيعوا النجاة بأنفسهم يوم الطف في العاشر من عاشوراء، يستنجدونَ بوجوهٍ مشلولةٍ، مرتجفةِ الشفاه والسيارة لم تتحرك بعد. قلت مع نفسي:

– إنهم في لحظة رعبٍ فاقت لحظة رعب العراقي أيام الدكتاتور.

وتساءلتُ بصمتٍ:

– أية فظائع وأهوال جرت تحت أنظارهم منذ الاحتلال؟!.  

ـ أية؟!..

أستمر لغط الأدعية والتمتمة والتضرع دقائقَ خمساً، إلى أن قطعها السائق بالقول وهو يضغط على دواسة البنزين:

– رددوا الشهادة!.

نطقوها بوضوح وبصوت عالٍ، ومع آخر فقرة أردف:

– الله كريم. الأعمار بيد الله!.

قلت مع نفسي:

– يبدو أنه الموت إذن!.

تحرّكت السيارة وَعَبرتْ الباب الواسع وأخذت الطريق المعبّد القديم المتوجه نحو الحلة، والسائق يبرر الأمر قائلا:

– ندخل الطريق السريع قرب الحلة أسلم!.

فاستفهمتُ فرد:

– طريق الدغارة ملغوم لو سلابه لو مليشيات!.

قلت مع نفسي:

– لا طريق آمن إذن!.

وهذا ما بددَّ شيئاَ من غرابة خوفهم الأملس من موت يلوح في الطرق والمدن والقرى المنتشرة على الطريق- ص 43 و44 و45″

كانت هذه مشاعر عيّنة من العراقيين المرعوبين المحاصرين بالموت والخراب مع كل خطوة. وهي من سمات “الحالة العراقية”. يقول صموئيل نوح كريمر وهو من أشهر وأكثر الباحثين تعمّقاً في التراث السومري أنّ أكبر قدر من المراثي عُثر عليه في أرض سومر وخصوصا مراثي المدن التي يتحسّر كاتبها “الشاعر المجهول” – وملحمة جلجامش كتبها شاعر مجهول وهل ستجد البشر بعد مئات السنين لوحا إلكترونيا لشاعر مجهول هو سلام إبراهيم؟؟ – على مدينته التي تمّ حرقها وسلبت بيوتها ومتاجرها ونُثرت جثث سكانها في الطرقات.. بعد خمسة آلاف سنة سيواجه سلام وركاب السيارة مشهدا مروّعاً صار يوميا في العراق آنذاك: عراقيون تم قطع رؤوسهم على الشارع العام وقرب معسكرات القوات الأمريكية وقاطعي الرؤوس الملثمون يتنقلون بكل حرّية تذكرك بسطوة فرق الموت في تجارب الولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية (وليس اللاتينية فاللاتينيون هم الذين ذبحوا سكان القارة الأصليين!). يقول سلام الشاهد:

” السيارةُ ضَجّتْ بالأدعيةِ من جديد. السائقُ أطفأ المسجل الذي لم أنتبه له طوالَ الطريقِ. كان يردّد مراثٍ حسينية بصوتٍ عذبٍ مصحوبٍ بإيقاعِ ضربِ الصدور.

 ورددَ:

– الله الساتر!.

سألتهُ:

– شكو؟!.

– راح نوصل اللطيفية!.

تأملتُ وجوههم؛ السائق والمرأة وزوجها والشاب، كانتْ شاحبةً تبسمل وتردد بلغطٍ مبهمٍ ما يقيها الشر القادم. وجوهٌ لها نفس إيقاعِ رعبكَ حينما سقطتْ الورقة السرية من كفك المفتوح المرتخي، احتجتُ مخاضَ عمرٍ شرسٍ كي أفهم؛ أن ذلك ليسَ جبناً، بل تشبث غريزي بالحياةِ. السيارات تسير بسرعةٍ جنونيةٍ في كلا الاتجاهين. لاحتْ أمامنا سيارات متوقفة، فأبطأ السائق من سرعتهِ، وراح يستعيذ بالله متضرعاً، كي لا تكون الزحمة نقطةَ تفتيش طيارة، من التي تقيمها مليشيات متشددة تتنكر بزي جيش أو شرطة تقوم بخطفِ وقتلِ من تنتقيه من الركابِ، أشتدّ رعب الركاب حينما ظهرتْ جثثِ رجالٍ حزّتْ أعناقهم مرميةً على جانبِ الطريقِ جوارَ سيارتين كبيرتين متوقفتين، وجمهرة من النساءِ يلتففنَ بعباءاتٍ سود ينخرطنَ بعويلٍ هستيري وإلى جانبهنَ وقفَ بقيةَ الركابِ من الرجالِ ممن لم يذبحوا. أجهشتْ الأمُ بينما ردد الرجال:

– لا حول ولا قوة إلا بالله، لا الله إلا الله.. لا الله إلا الله.

ضغطَ السائقُ على دواسةِ البنزين قائلاً:

– الله سِتَرْنْا لوْ واصْلِينْ قَبِلْ رُبِعْ ساعة چانْ رِحْنا!.  

وأشارَ بيدهِ نحو سيارةِ حمولة من نوع Toyto، مكتظة عربتها الخلفيةِ برجالٍ ملثمينَ تنهب الطريق الزراعي في اتجاه البساتين الكثيفة مثيرةً عاصفةً من الغبارِ مردفاً:

– شُوفُوهْمْ ذبْحْوا الناسْ وشْرْدَوا!. لا الله إلا الله- ص 61 و62 و63″

قتلت فرق الموت الأمريكية في بلدان أمريكا اللاتينية وأغلبها أنظمة ماركسية: 200 ألف في غواتيمالا، 75 ألف (و8آلاف مختفٍ) في السلفادور، 3 آلاف قتيل و60 ألف معتقل في شيلي، وقبلها مليون مواطن شيوعي أو مناصر للحزب الشيوعي في أندونيسيا، 200 ألف في تيمور الشرقية ، 3 ملايين ونصف في فيتنام ، 600 ألف في لاوس، مليونان في كمبوديا ، نصف إلى 3 مليون في بنغلاديش بإشراف كيسنجر، وووووووووووو.. وكل ذلك لم يردع قيادة الحزب الشيوعي العراقي من التعاون مع المحتل وحتى الدخول في مجلس الحكم!!

لكن كيف كانت مشاعر سلام وسط موجات الرعب الخانقة التي تجتاح ركاب السيارة والسائق في فضاء السيارة الصغير ؟

يكرّر سلام أنّه لم يكن مكترثاً ولم يشعر بالرعب مثل الباقين ، وأنّه كان ينظر إلى بساتين النخيل على جانبي الطريق والشمس الساطعة بذهبها المنهمر (ص 62):

“لا أدعي الشجاعة ولكن لم أكن خائفاً. وبتعبيرٍ أدقَ كنتُ فارغ الإحساس كأنني أشاهد فلماً في التلفاز”.

ولعل الوصف الأخير: “فراغ الإحساس والفرجة كمراقب محايد” هو الذي سيمسك به المحلل النفسي حين يقرأ عمل سلام هذا ويجعله متسقاً مع مشاعره وسط بياض الهم والقلق والاكتئاب في غرفته في الدنمارك. فهي تتفق مع واحدة من أهم سمات “الناجين” النفسية: التبلّد العاطقي واللااكتراث النفسي في أعتى مواقف التهديد وأبشع مشاهد الموت ، وهذه السمة على مستوى اللاشعور تساوي نسبيا القيام بالفعل نفسه. وهذه ملاحظة خطيرة جدا يكون لها عادة تاثير مدمّر في التحكّم وبصورة مستترة بسلوك وتوجهات الناجي الاجتماعية والنفسية وحتى الاختيارات الجمالية. يتساءل سلام:

“-هل كنتُ غير مصدقٍ ما رأيتُ من مشاهد ذبحٍ؟!. أم جلّدني المخاض لكثرةِ ما رأيتُ وحملتُ من قتلى في جبهات الحرب؟!. 

-هل مات حسّي بحيث بتُ عاجزاً عن مشاركةٍ الناس فواجعهم إذ لم يرفَّ لي جفنٌ لعويلِ النساءِ جوار الجثث، ونحيب الأم وتضرع الركاب في السيارة.. هل؟!. أم أن عالمك يا “أحمد” فصلني عن المحيط والناس وأحالني إلى كائنٍ يخرج من زمن مضى؟! لا أدري، ما كان يهمني في تلك اللحظات أكثر من أي شيء آخر هو الوصول إليك، والذي كنتُ واثقاً منهُ، بالرغم من كل ما يجري!.- ص 63″

وقبيل وصول سلام إلى بغداد إنسحب إلى ذاته قليلاً ليرى طيف صديقه أحمد مانحا إياه أبعاداً أسطورية محلقاً فوق الحقول والبساتين الراكضة خلف نافذة السيارة ، مغسولا بضوء الشمس الاصفر اللاهث (ص 63).. وهذا التصعيد في الصورة الشخصية هو استمرار لموقف نفسي داخلي عميق كانت مقدمّاته في العلاقة المتينة بينه وبين أحمد التي بدأت بخلاف لعرض مُهين أعقبه علاقة غير متوازنة نفسيا من ناحية “أمثلة” سلام لصديقه والصعود به إلى مرتبة “المناضل المخلص الحرّ” بلا أدنى مبرّرات داعمة في عملية نفسية داخلية يُسقط فيها سلام موقفه في الحاجة إلى صياغة الذات في صورة الأنموذج الأبوي المقتدر الذي انجرح في تجربة الاعتقال والانهيار الأولى..

 

يتبع لطفاً

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : النقيض المعلن في تعويذة السفر للكاتبة جنان النعيمي (*).

(تعويذة السفر عبر عينيك) عنوان مثير يمكن تأويله بحسب الهدف المراد من التعويذة، وحسب نوع …

| حمود ولد سليمان ” غيم الصحراء ” : الشاعر بدي *في سيرة التبدد علي ضفتين يأكل فولا  وتمرا ويعاقر القصيد .

لهذا النخيل صفات المحب علي الشرفات التي لم تعد تتذكر صوتي لهذا النخيل صفاتي صفات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *