| رحمن خضير عباس : حكايات عن الفاو .

   حينما نزلتُ من السيارة الخشبية الغاطسة في حفرة الطين، أحسستُ بأني أتدحرج في هوّة داكنة، وناعمة الملمس، إنه الطين الذي غطست فيه دون أن أعي بأن حذائي قد انغمس فيه حتى فقد بريقه، فقد حاولت قبل السفر تلميعه، وحرصتُ أن أرتدي بدلتي الزرقاء الوحيدة بربطة عنق مخططة، مع أن منطق السفر يَفترض أن أتخلى عن الأناقة وأرتدي ما يلائم وسائل النقل.

قبل أيام قدمتُ على إجازة من مدير ثانويتنا محمد زكي، ورغم أنه كان رافضا لذلك، ولكنه وافق على مضض ليومين فقط، لذلك فينبغي أن استخدم عطلة نهاية الأسبوع، ليكون الوقت أطول.  لكنّ المطر النادر في هذه المدينة كان لي بالمرصاد، البدلة الزرقاء تحوّلت إلى ألوان باهتة من الطين الذي جعلني أغرق في خيبة غير محسوبة.

لم أكن المسافر الوحيد في ذلك الصباح ،حيث انهمر المطر بغزارة من بداية الأسبوع، فأغرق أغلب شوارع  الفاو، والأحواز المحيطة بها ، حتى جعل السبخة مجرد مستنقعات داكنة. ولكنّ إصرارا غبيا جعلني أتشبث بفكرة السفر.

كان أغلب سواق السيارات قد أحجموا عن الذهاب إلى البصرة ، لكن سائقا متهوّرا من البصرة قرر العودة إلى مدينته رغم صعوبة ذلك، فصعدنا في سيارته الخشبية  التي سلكت الطريق الترابي الوحيد الذي يربطُ بين الفاو والبصرة، فبعد أن انطلقت السيارة بصعوبة لعدة كيلومترات خارج المدينة، انغرزت عجلاتها في مستنقع طيني، وكأننا ننغمر في جُبٍّ مبتل،  أغلب المسافرين تسللوا بصمت، ليعودوا إلى الفاو مشيا على أقدامهم، فتبعتهم متثاقلا،  ،وبعد مسيرة مضنية، أطلت عليّ لافتة  على حافة الدرب:

( الفاو ترحب بكم)،فغرقت في ضحك متواصل، حاولتُ كتمانه بصعوبة، وذلك لأن أحسستُ بأن اللافتة تسخر مني ومن إصراري على سفرٍ متعجل لا لزوم له.

  عُينت في الفاو عام ١٩٧٢ كمدرس في التعليم الثانوي، وقد تم تكليفي لتدريس السنة السادسة في التعليم الثانوي، أعني البكالوريا، للفرعين العلمي والأدبي. وكان التحدي الكبير أن بعض الطلبة يتساوون معي في العمر إن لم يكن أصغر مني بعامين أو ثلاثة، كما أن هناك كثيرا من الطلبة والطالبات ذوي الخلفيات الاجتماعية والدينية المختلفة. من خلال الأسماء المختلفة، وجدتُ تشكيلة غريبة من عراق مزدحم بالإثنيات، مسيحيين وصابئة ومسلمين، أسماء تحاكي دول الحدود من إيرانية وخليجية ( جرجيس وهرمز واسكندر وماري وغُلام وفرهاد وفهد) ،بحيث يصعب عليّ أحيانا لفظ الاسم بشكل صحيح، مما يثير بعض الهمسات والتعليقات من قبل طلبة لا همّ لهم سوى اصطياد هفَوات مدرس جديد.

   التحدي الآخر هو أن تكون لي شخصية تستطيع السيطرة على هذا النسيج غير المتجانس ، لاسيما وإن الطلبة كانوا متأثرين بأستاذهم الذي سبقني وهو الشاعر والأديب مجيد الموسوي، وكانوا يحملون عنه أجمل الذكريات، لذلك أدركت السر وراء ترويضهم، وكان ذلك عن طريق إشغالهم بالأدب والفن والشعر، كما ينبغي أن اتظاهر بأتي انتمي إلى نفس الأسلوب التدريسي والذهني لسلفي، مع أني لم ألتق به أبدا، ومع الوقت استطعت أن أكسر حواجز التوجس، وشعرت بأنهم أحبوني أيضا  أن أغرقتهم بقراءة  عيون الشعر الحديث للسياب وسعدي يوسف. في ذلك الوقت كانت حافظتي الشعرية في حدّتها، حتى أنني قد حفظت عن ظهر قلب جميع أبيات المومس العمياء وغريب على الخليج وغيرها، وكان الطلبة يفغرون أفواههم طربا لقصائد ابن قرية جيكور التي لا تبعد عن الفاو كثيرا.  

      الواقع السياسي يعيش حالة من الهدوء النسبي آنذاك، لذلك ظهر نوع من الصراع الناعم بين الطلبة اليساريين والبعثيين، وأعني أنه لا يخرج عن الجدل وتبادل الأدلة، وقد انعكس ذلك في دروس الإنشاء، بحيث أشعر بالحرج وانا استمع إلى الحوارات، دون أن أبدي موقفي الحقيقي. في ذلك الوقت كان الوضع السياسي يشهد نوعا من الرخاء، وذلك من حسن حظنا، فلو تأخرنا لكان مجرد التصدي لمثل هذه المواضيع سيجعلنا في خبر كان.

في أحد الأيام بينما أدرّسُ طلبتي مادة ( المطالعة) وكان الموضوع قصة عن الأدب الروسي المُترجَم، فطلبت من إحدى الطالبات أن تقرأ مقاطع من القصة، فوصلتْ إلى هذه الجملة:

 “إنْ كان هذا صحيح يا فيوتوشكا فَلْيَكُنْ ”

 ولكن الطالبة قرأت الجملة بالشكل الآتي: يابيوتوشكا فْليكِنْ، وكانت تعتقد أن فليكن هو أب لبيوتوشكا ،وحينما صححتُ لها القراءة انفجر جميع الطلبة والطالبات بالضحك، وأطلقوا عليها اسم ( إفليكن)

      السفرة النهرية التي نظمتها ثانوية الفاو نحو (خور العمية) كانت ذات نكهة متميّزة، فلأول مرة نُبحر في الخليج عبر شط العرب، وكان الطلبة مزيجا من تلميذات وتلاميذ يشكلون نبض تلك المرحلة التي تميزت بأنها متقدمة على زمنها، حيث لا قيود دينية أو مذهبية أو عرقية بين التلاميذ الذي انصهروا في مزاج السفر.

   نبدأ من ميناء الفاو حيث الصيادون وعمال النفط والمتبضعون، وحيث النخل يحف بالنهر وكأنه يحتمي به، سارت باخرتنا  وسط أهازيج الطلبة وأغانيهم التي تحاكي رقصات الخشّابة والهيوة، وكانت فرصة لنا أن نشهد عن كثب عظمة شط العرب الذي تنتهي رحلته وهو يصارع موج البحر ،بينما تبدو سفن الصيادين وبواخر النفط العملاقة في مشهد بانورامي هائل، تقف خشوعا أمام جماليته.

     حينما تخرجتُ من جامعة بغداد، اخترتُ محافظة البصرة بدلا من الناصرية، غير أنّ مديرية التربية عينتني في الفاو، والتي تعتبر في أقصى مدن العراق الجنوبية، وحالما حللنا بها، حتى توّفر لنا بيتٌ للإيجار، يقع على حافة شارع الميناء، الذي يبدأ من الكمالية وينتهي في السوق ،ورغم أن البيت لا يمتلك وسائل الرفاهية ،ولكنها يشكّل مأوي لنا، نحن القادمين من مدن مختلفة.

 تحتوي الدارعلى باحة صغيرة وعدد من الغرف، لذلك تكوّمنا فيها، فكانت تتسع لنا ولمشاغباتنا وضحكنا وطرائفنا، حتى سُميت من قِبَل أهل الفاو ببيت المدرسين، والذي لا يبعد عن ثانويتنا الا قليلا، وكنّا نتناوب على الطبخ وغسل المواعين، وبمرور الوقت أصبح بيتنا يستقطب الكثير من الأصدقاء من أبناء المدينة، ولاسيما الذين يعملون في التعليم.

في جانب البيت، يقع دكان أبو طعمة الذي يزودنا بما نحتاج حتى راس الشهر، وغير بعيد عنه خياط آسيوي، قد يكون هنديا، دخلت إليه مرّة لتعديل بنطلوني، وجلست على المصطبة الخشبية، بعد أن وضعتُ الكتاب الذي أحمله تحتي، فانتفض الهندي غاضبا، وقال لي:  يجب أن تحترم الكتاب، ولا تضعه تحتك.

 أدركتُ بأن هذا الرجل الأمي أفضل مني، وتعلمتُ من تلك اللحظة كيفية تقديس وسائل المعرفة، ولا أضع الكتاب الا في المكان الذي يستحقّه.

 

 

 

كان أستاذ حميد مجيد من أهالي الرميثة، يشاركنا البيت، وكنّا نسميه العم حميد رغم إنه في عمرنا، وذلك لحرصه على أن يتم كل شيء على ما يرام، وخاصة الاقتصاد والصرف، لذلك كان لديه سلطة النفقات اليومية ، وقد منحناه سلطة دكتاتورية مطلقة، فهو الآمر الناهي في الدار ،ويوجه أوامره وكأننا أبناءه. وقد تآمرنا عليه عدة مرات عن طريق مقالب في التحايل على حصته في الطعام .ولكننا وجدنا أن طاعته تنسجم ومصلحة دارنا التي تقتضي الطبخ اليومي وعمل الشاي للضيوف والتنظيف. 

 

  حصل أستاذ حميد على محاضرات إضافية، سبعة دراهم للمحاضرة، وقد تأنّق ولبس ربطته الجديدة، كما أنه تسامح معنا في الصرف الزائد ذلك اليوم.

 

انتظرنا عودته من المدرسة المسائية بفارغ صبر، وما أن عاد إلى البيت، وأغلق الباب خلفه حتى بدأ يرقص فرحا. وهو يصيح:

 

 “وِلْكُمْ بس گلكلت مالات المدير، وحصّلت على سبعة دراهم ”

 

ويعني بأن المحاضرة كانت سهلة ولم تحتج إلى جهد كبير، فغرقنا في ضحك متواصل على تشبيهه للمحاضرة، ومع مرور الوقت ، أصبحت كلمة … بديلا عن المحاضرة، فبمجرد أن يخرج أحدنا من الدار إلى المدرسة، وهو يحمل حقيبته حتى نبادره ضاحكين:

 ها أستاذ ،كم …. عندك اليوم؟

أو يعود أحدنا متعبا من المدرسة، فيقول اليوم تعبت لأن عندي خمس … !

 

محمد زكي مدرس إنگليزي من القرنة – وهو ليس محمد زكي المدير الذي ينحدر من الفاو- كان معنا في تلك الدار لفترة ليست بالطويلة، وهو وسيم الطلعة وذكي الملامح، ويجيد أكثر من لغة أجنبية، ولم يكتف بذلك بل حاول أن يثبت لنا بأنه قادر على حل الرموز، والتي يصنع منها عبارات كاملة المعنى، مما جعلنا نفسر كيف أن علماء الآثار فكّوا رموز اللغات القديمة، وقد أثار إعجابنا وكأنه يمارس السحر، كان متدينا بدون تعصب ،فقد انسجم معنا وأبرز الكثير من الخصال النبيلة، كما كان يتمتع بحس النكتة والدعابة.

كل أسبوع يذهب لزيارة عائلته في القرنة، وكان طريق القرنة مزدان بباعة البطيخ. فقلنا له:

أستاذ محمد. إجلب لنا بطيخا معك حينما تسافر. فرد بنبرة ، افتعل بها الجد.

إذا ما كو بطيخ ، هل أجيبلكم حصران؟

 خالد سيد زيارة كان من الكوادر التدريسية المرموقة في ثانوية الفاو ، واستطاع أن يترك بصماته على جيل الطلبة في ذلك الوقت. كان سريع البديهة، لبقاً، سريع النكتة.

يروي عن نفسه حينما كان تلميذا في جامعة البصرة قائلا:

” كنت أهوى فتاة جميلة من زميلاتي، ولكنّ حبي من طرف واحد، فهي لا تبادلني نفس المشاعر، وكلما هممتُ بمصارحتها بحبي، أجدني مترددا، وفي يوم من الأيام ،ارتديت بدلة جديدة، وقررت أن اصارحها بحبي، وكان جميع زملائي يعلمون ذلك ، ولكن يا لهول المفاجأة، فقد وجدتها تتأبط ذراع خطيبها النقيب الطيار. فركض جميع زملائي إلي وحملوني على أكتافهم إلى نادي الجامعة وهم يهتفون:

ثلث نجمات ويحارب بطيارة

اشتعل موتاك يا خالد بن زيارة “.

موسى عمران من أهالي الحمزة، كان سلس الحديث، نقضي الوقت مع حكاياته الجميلة. لكنّ مشكلته أنه يعيد نفس الحكاية بشكل مختلف ، وحينما نحتج عليه، يجابهنا بقوله:  ما قيمةُ السالفة إذا أعيدت بنفس الطريقة ” وهو إقرار ضمني بأنه يقوم بتأليف حكاياته التي نقضي بها أجمل الأوقات.

 ولا تنتهي حكايات أستاذ موسى ومقالبه ولاسيما حينما نكون في دارنا.

    مرة شكا لي عن تلميذ مشاغب اسمه عيسى ، وأردف قائلا: بودي أن لا أطلق عليه هذا الاسم الجميل، بل أحاول تحقيره واسميه(عويسه) وحينما قلتُ له: ما الذي يمنعك من ذلك؟

 قال: أخشى أن الطلبة يسمونني ( مويسه)

الأستاذ   عودة سلطان، كان مديرا لمتوسطة جنين، وكان يزورنا يوميا إلى الدار،  وكان يطمح أن يكون بديلا لمحمد زكي المدير،  ثمة منافسة خفية بينهما. وفي النهاية استطاع الفوز بإدارة المدرسة، في ذلك الوقت كنّا نتألم بشكل خفي لهذا العداء الذي لا لزوم له،لاسيما بين أبناء المدينة ، ولكنّ عودة سلطان لطيف المعشر، كان يتحفنا بنكت عن مفارقات عديدة لمشاكل الطلبة تجعلنا نضحك حتى الدموع .

نادي المعلمين هو رئة المدينة ، يطل على شط العرب. حيث زوارق الصيادين، والنخل المدلهم في الضفة الأخرى التي تسمع منها آذان الإيرانيين.  الحديقة مزدانة بالشجر والزهور، والطاولات تغرق في رطوبة ثقيلة، بينما النخل على ضفتي النهر، يرسم لوحة من الخضرة، يأتي مرزوگ إلى باب النادي بعد يوم عمل ثقيل ، نتعاطف معه ونشتري له ما يحشو رأسه في تلك الليلة. لذلك فقد تعرف علينا، وكان يبتسم حينما يرانا معا. أمّا نادي عمال النفط ،فيقعُ في منتصف شارع الميناء، ويقدم أحدث الأفلام السينمائية مجانا، ولكن بدون ترجمة، لأن أغلب عمال النفط يتقنون الإنجليزية، كما يقيم هذا النادي لعبة الدمبلة كل أسبوع، مما يتيح للكثيرين نوعا من العلاقات التنافسية الحميمة.

في هذه المدينة لم يكن ثمة تجانس من الناحية الاقتصادية للسكان، وهذا ما انعكس في المدرسة، فهناك طلبة من أبناء موظفي النفط، ويبدو عليهم الثراء، وهناك أبناء عمال النفط الذين يشكلون الطبقة الوسطى، يُضاف إلى ذلك طبقة الفلاحين والكسبة أوعمال الميناء، مما خلق نوعا من الاصطفاف الطبقي، فطلبتنا يمتلكون وعيا استثنائيا، من خلال الفروقات المعيشية الحادة، وهذا انعكس على اعتناق الكثير منهم للفكر اليساري، أو حزب السلطة لمن يبحث عن المال والجاه. 

   سوق الفاو يختلف عن أسواق المدن العراقية الأخرى،فتجد فيه سلعا إيرانية وخليجية، بفعل التنقل بين الحدود النهرية بواسطة الزوارق الصغيرة.فتجد السجائر الأجنبية المهربة ،إضافة إلى بقية السلع.  وفي نفس الوقت يحتوي هذا السوق على مطاعم متميّزة، تقدم أجمل الأكلات، ومنها مطعم أبو محمود شاكر المطوري ومطعم الكرناوي إضافة إلى مطاعم الباچة.

خرج جماعة من نادي المعلمين، ومروا الى المطاعم فوجدوها قد نفد منها الطعام، ولم يبق سوى مطعم الباچة. وحينما استفسروا منه عن وجود الأكل. أجابهم بأن كل شيء موجود ، ولكن للأسف فقد نفد الخبز، فأجابه أحدهم:

” لعد سووينا تشريب” !

( الطرفة هنا أن التشريب هو عبارة عن خبز مقطع ومتشرب بالمرق، فكيف يعمل تشريب وهو يقول لهم لايوجد لدينا خبز !)

أما بنگلة الفاو، فهي ثريٌة بجميع الأسماك، فنجد مزيجا من السمك النهري من الگطان والشانگ والشبوط والصبور، وإذا كان هذا السمك مألوفا لدينا ، فإن السمك البحري قد أدهشنا بلذّته وطريقة عرضه وأساليب طبخه لدى أهل الفاو، مثل الكوسج والهامور والخباط، إضافة إلى سلة الفواكه البحرية ومنها الروبيان والإخطبوط وأنواع المحار، أتذكر أستاذ نجم من مدينة أبو الخصيب، والذي يعمد إلى أكل الروبيان نيئا أثناء تنظيفه، مما يجعلنا أن نشكوه لعميد البيت أستاذ حميد، والذي يعاقبه بتقليص الروبيان في حصته الغذائية.

  وقد أثار دهشتنا طريقة تحضير الخباط الذي يُدفن في الرمل قبل طهيه، والزبيدي بشكله الجميل والذي يشتهر الفاويون في طبخه.

       ميناء الفاو فضاء مفتوح نحو الأفق، لا تنقطع الحركة فيه، حيث تستقر السفن على أرصفته، فمنه تنطلق نحو الخليج، حيث التبادل التجاري، ولذلك فقد اكتسبت هذه المدينة أهمية جغرافية، لتتربع على عرشي النهر والخليج، وكأنها عروسة البحر.

  كان الصيادون الفاويون يعيشون في خضمّ البحر، وكأنهم يلعبون معه لعبة شد الحبل، فحالما يعودون محملين بالسمك والمحار وعناكب البحر حتى تتبسم المدينة لهم وتعانقهم بمحبة، ولكنهم حينما يأتون بخفي حنين، فلا أحد يفرح بمجيئهم.

   شط العرب ليس مجرد نهر يمرّ على الفاو، بل مشروع حياة، فهو يتغلغل في أرضها من خلال الأحواز التي تبدأ دون أن تنتهي،فالجداول الصغيرة التي تسقي غابات النخل والتربة العطشى، أحواز كثيرة الأسماء، وقد أحصاها الأستاذ صلاح عمران بأنها أكثر من أربعين حوزا ومنها ( الماجدية وأبو الزيط وحوز الكوت والشنانية وعلي شير والأعمى وميرزا وحوز حنيز والحجية وغيرها من الأحواز )وبعد أن يُشبع الشطُّ تلك الأدغال المزدانة بالنخل والعشب والخضروات، يشعر بأن مهمته قد انتهت فيتدحرج في تلك الكتلة الخليجية المالحة ويذوب فيها.

  لقد أحببت الفاو، رغم أني غادرتها منذ خمسين عاما، ولكنها لم تغادر ذاكرتي.

“فالمدن كالنساء، مهما هجرتهن فسيبقى عطرهن في الذاكرة”

 

  • رحمن خضير عباس روائي عراقي مقيم في كندا
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالله نوري الياس : (ذاكرة الطين) .

فصل في ترتيب الخلق  خلق على معلقة الارض ذاكرة تملأ الطوفان  بالعشب والمياه  الغبشة تبحث …

| فهيم عيسى السليم : لسان العراق-اللغة العراقية المحكية لغة الشاعرة فدعة – الحلقة الثامنة عشرة.

  أضفت هذا المبحث في هذا الكتاب كونه واحداً من المصادر القليلة المتوفرة عن اللغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *