| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق اشتغالها اختلافا بيناً بين النصوص الروائية التقليدية والنصوص الروائية الحديثة فالأخيرة قائمة على التجريب والتجاوز لما هو مألوف ..

ان النص الروائي ينبغي الا ينظر اليه على انه بنية مغلقة على ذاتها بل للقارئ نصيب في تفعيله  وملء فراغاته ، مثلما تنص عليه نظريات القراءة الحديثة عند الكثير من النقاد امثال ايزو ، وجاك دريدا ورولان بارت  وآخرون والتي تشترك جميعها في اعطاء سلطة كبيرة للقارئ، وان اختلفت طرائق التعامل مع النص .

يقدم لنا الروائي تحسين علي كريدي في روايته الجديدة “أوراق لخريف أحمر”

 والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق (2021) رؤية سردية محملة بالكثير من الدلالات   استطاع الكاتب في توثيق بعض الأحداث التي شهدها العراق وبعض ما شهدته سوريا  بعد 2003

استثمر كريدي كل طاقاته الابداعية وتجربته الروائية ليجعل منها نصا مميزاً من خلال توظيف ، القضايا الفنية من حيث الشخصيات ، السرد ، الحوار، المكان ، الزمان ، اللغة.

تبدأ الرواية  بالسرد بصيغة المتكلم يستخدم الكاتب تقنية القطع السينمائي ، وكأنه يحمل كاميرا يتنقل بها عبر الشخصية المحورية ورحلة حياته    نلاحظ نموا أو تطورا” دراميا للحدث ، عبر تقنية سردية  في عالم  روايته بين تقديم وتأخير، حيث تأتي اغلب الاحداث على لسان الشخصية المحورية(حسن) بواقع الصوت الواحد وبعضها على لسان آخرين حسب ما تقتضي متطلبات الخطاب السردي،
 “بعد أسبوع من مواراة جسد والدي الثرى، تفرق عني معظم المعزين”، ” انت اليوم، الذكر الوحيد المتبقي الذي يحمل اسم اسرتنا، ولا سامح الله وحدث لك مكروه، فسيندثر ذكر العائلة، الى الابد”.
يرتكز الحدث على والد حسن وكيف خسر ثروته بسبب الحرب، وخيانة العامل المصري الذي ائتمنه ، الذي خاض غمار حرب السنوات الثمان مع ايران ليخرج في النهاية مصاب بالعجز والإحباط “لربما نجا والدي من تلك التجربة المريرة، وما تلتها من معارك أخرى شارك فيها، ولكنها خلفت بداخله رهاب الموت قتلا. ولكي يتغلب على ذلك الرهاب، لجأ الى التدخين ومعاقرة الخمر ولازمته تلك الخصلة، الى آخر يوم من عمره”.ص29

يستخدم الروائي تقنية الاسترجاع “ Flash Back “ في هذا السرد الطويل وتنهال علـى (حسن) صور في الماضي ، وهو بذلك يختصر كثيرا من الحوار الذي يجلو هــذا الموقف ويوضح أبعاده ، إذ يلجأ كريدي إلى هذه التقنية كثيرا من فصول الرواية التي جاءت وفق تسلسل رقمي .

الرواية تحفل ببطل واحد ( شخصية محورية) يبدأ بالعودة الى الماضي ليعرفنا (حسن) ، كيف وصل به الحال الى ما وصل اليه، وكيف تحول الشاب الجامعي الهادئ الى شخص انتقاميا يثأر لما خسره من افراد عائلته من قبل الجماعات الارهابية .

السرد والحوار يرتبط عنصرا السرد والحوار ارتباطا” عضويا” بالبناء العام للرواية ؛ لأنهما يعدان مـن أهم العناصر الفنية في العملي الروائية . ولعل من أهم وظائف السرد والحوار هي عن مستوى الشخصية وتحديد طبيعتها . (1) ويتميز الحوار بأنه يهتم بمناقشة القضايا الفكرية وتبادل الرأي والأفكار ، فالحوار هو وسيلتنا للكشف عن فكر الشخصية وتحديد طبيعتها وهويتها ، ويكشف عن عواملها الفكريـة والنفسية ، والحوار يتيح لنا تقديم معرفة مباشرة عن الشخصية .  (2)وهويتها ص31:

 

حاولت جاهداً إقناعه بالإقلاع عن شرب الخمر، لكنه رفض بتعنت

قائلا :

  • هل تظنني أرتكب فعلا محرماً، لأن أشرب الخمر ؟
  • لست أظن، بل أنا متيقن.
  • اذهب وسـل أي مرجع دين، وقل له: (إن كانت حياة شخص ما، تتوقف على شرب الخمر! فهل يجوز له شربه؟)، وانتظر ماذا سيكون رده لك.
  • ولكنك لن تموت إذا ما تركت الشرب!
  • من يقول ذلك؟
  • أنا!
  • وهل أنت طبيب!؟وحتى الطبيب لا يشخص المرض، إلا بعد أن يسأل المريض عما يؤلمه! وأنا أعلم الناس مرضي، أنا لا أشرب لأجل المتعة، بل لعلاج روحي.
  • والغناء، هل هو علاج أيضاً؟
  • وهل ياس خضر يغني؟ أتحدى أي شخص يستطيع أن يرقص أو يصفق أو ينتشي من الفرح ، عندما يستمع الى أغاني ياس خضر، انها تبكي النفس ، على خلاف العديد من الاغاني الدينية التي تؤدى ، ويرقص الشباب على انغامها.)

 فالسرد والوصف عمليتان متماثلتان بمعنى انهما يظهران بواسطة مقطع مـن الكلمـات(التتابع الزمني للخطاب ) ، لكن موضوع كل منهما مختلف ؛ فالوصف يمثل موضوعـات متزامنة ومتجاورة في المكان ، بينما السرد يفيد التتابع الزمني للحوادث .(3)

(حيّنا آمناً قياساً الى غيره من مناطق العاصمة، فالناس هنا خليط من جميع أطياف المجتمع العراقي، ونزعة التعايش السلمي في السلوك واضحة المعالم. عندما كانت امي تطبخ في محرم قدراً كبيراً من (الهريسة)، تأتي(ام عمر) لمساعدتها في تقليبها طلباً للثواب، أما أنا وألادهم، فنقوم بتوزيع صحون الهريسة على الجيران) ص60

يبين لنا من خلال سرده حالة التعايش السلمي بين جميع اطياف المجتمع

إن استخدام الوصف يمكن أن يؤدي إلى خلق ايقاع للسرد فهو عندما يلفت النظر إلـي مياه البحر: ( تحركت بنا الباخرة وهي تشق مياه البحر التي تعكس زرقة السماء الصافية وكأنها مرآة ، فتعود في النفس هدوءاً متناغماً مع حركة الباخرة  الذي يشبه هدهدة أم لطفلها  ليغفو .كنت اشعر بالنعاس ، الا اني غالبته للاستمتاع بمنظر البحر الخلاب وطيور النورس البيضاء التي اخذت تلاحقنا ، لان بعض المسافرين كانوا يرمون اليها فتات الخبز) ص 106

يحدث استرخاء وترويحاً عن النفس بعد مرور الحدث ، أو لعله يثير توتـراً عندما يقطع السرد في لحظة حرجة ،  وقد وظف كريدي هذه التقنية فيما يخدم الفكرة التي يصر إلى بيانها ، اذ كـان يقطـع الحوار الطويل بحكاية مـن حكايـاته .

اتبع كريدي عدة انواع من السرد ، السرد التابـع أي السرد الذي يقوم فيه الراوي بذكر أحداث حصلت قبل زمن السرد ، بأن  أحداثـاً ماضية بعد وقوعها وهو السرد التقليدي بصيغة الماضي ص21 :

حكى لي والدي قائلاً: (لن تعرف معنى حقيقياً للإذلال؛ إلا عندما تساق إلى الجيش، فحتى كلمة يساق لا تنطبق على البشر، بل على الماشية، نعم يا ولدي، تدخل الجيش فتنسى إنساناً في يوم ما، وتتعرض لشتى أنواع الإهانات والضرب، وهذا يجري وفق نظام صارم من مخلفات ضباط الاستعمار البريطاني، الذين أسسوا الجيش العراقي، والذي تخلوا عنه هم لاحقاً، بينما  بقيت الأنظمة المتعاقبة على العراق متشبثة به. خدمت في صنف المخابرة، طيلة السنوات الست الأولى من الحرب مع إيران، في مدينة تكريت، على البدالة العسكرية. فكنت أنعم بالأمان وراحة البال، بعيداً عن الحرب وأهوالها؛ وكـل ذلـك يفضل الرشوة التي كنت أمنحها لأمر الوحدة، ليبقيني فيها.)

وبعد ذلك يعود الى نوع اخر من السرد وهو السـرد الآني وهو سرد في صيغة الحاضر :  ص30:

(برحيل والدي فقط، أدركت المعنى الحقيقي للشعور بالوحدة، على الرغم من أني لم أكن أجتمع به الا لماماً . بدأت أفتقده، وأفتقد تلك الأصوات التي كانت تصدر عنه كصوت وقع قدميه على البلاط، أو نوبات السعال التي تنتابه، أو الصرير الذي يخلفه إغلاق باب، تلك الأصـوات اللجوجـة الـتي كانت  تتناهى اليَّ، بلا أدنى اكتراث أو مبالاة مني، حالها حال أصوات الباعة المتجولين، التي كنت أعتبرها أحياناً مدعاة للإزعاج ادركت الان فقط ، أنها كانت رسائل تنبض بالحياة وتذكرني بأني لست وحيداً )

الروائي يخصص مكانا واسعا ” للمونولوج الباطني” يعبر عن الحالة النفسية للشخصية  او يستخدم الوصف  ليؤكد المظهر الخارجي للشخصية  وعلى الاماكن الذي يمر بها 4ولذلك يلجأ الكاتب إلى استخدام المونولوج الداخلي الذي يذهب إلى أبعد من ذلك التعبـير عن أعماق الكائن وعن الكيفية التي يظهر بها الواقع لشعوره . فالمونولوج تعـبر بواسطته الشخصية عن أكثر مقاصدها صميميه وأقربها إلى اللاشعور 5 يلجأ كريدي إلى استخدام المونولوج الداخلي لكي يكشف عن خبايا النفس ويزيـد الأمر وضوحا بعيدا عن الحوار  ص18:

( اجتاحت تفكيري كشريط سينمائي درامي فتذكرت قولا مأثوراً للمؤرخ هيرودوت” في اوقات السلام ، الابناء يدفنون آبائهم .. في الحرب ، الاباء هم الذين يدفنون ابنائهم ” فأي وصف يا ترى أطلقه على وضعي وما مررت به ؟ أنا الذي دفن جميع افراد أسرته” او في نصه من خلال تساؤلاتها الباطنية ص 64:

( أي لعنة هذه التي جعلت الاحداث تعصف من حولنا؟ وأي بؤس هذا الذي نعيشه عندما تسلب من تلك المساحة الرمادية المحايدة التي كنا نلوذ بها ؟ فنرغم على الانزياح لخيارين لا ثالث لهما؟)

 

يعد المكان عنصرا أساسيا في الرواية العربية ،  لأنه العمود الفقري الذي يربط أجزاء الرواية بعضها ببعض من شخصيات وأحداث وسرد وحوار ، أي انه الاطار العام والوعـاء الكبير الذي يشد كافة أجزاء العمل ، وبمعنى آخر فإنه المسرح الذي تتحرك عليه كافة أجزاء العمل الروائي فالمكان من العناصر المهمة في البناء الروائي ، وقد يتسع المكان الذي تنمو فيه الشخوص  وتتحرك ويتعدى البيت الى مكان  اوسع كما في تحرك الاشخاص في مساحات واسعة في  اثناء الهجرة  في الغابات الواسعة. وقد تضيق أكثر لتصل إلى غرفة في فندق حيث ضيق المكان ومحدوديته  هو الذي يكسب الصراع الدرامي حدته:

( في الغرفة تركتها تدخل الحمام قبلي مع صغيرها، وارتميت على السرير المزدوج الوثير لأريح جسدي المتعب من مارثون المشي وركوب الحافلات. رحت احلق في فضاءات أحلامي المستثارة، وأمانيي المستعرة الى الحدود القصوى؛ فجذبت الوسادة واحتضنتها، وتخيلتها تشاطرني السرير، غارقين  معاً في لجة الحب، وأطفئ جذوة روحي المخبوءة تحت رماد تسعة أعوام، نعم، تسعة أعوام لم يطلق بركاني حممه، سوى في أحلامي …) ص147

يسعى كريدي من نشر اسماء الامكنة في الرواية لعله يسعى من وراء ذلك للتأكيد اهمية المكان وسيادته  في العمل الروائي  مثل :

 بغداد ، شارع فلسطين ، حي جميلة ، الشورجة،   دمشق ، السيدة زينب ، باب توما ،النشابية، الغوطة، دوما، الاسكندرونة،  اسطنبول ،مطار اتاتورك ،أزمير،  آق سراي ،نهر الدانوب، نهر سافا، جزيرة منتليني اليونانية، اثينا ، سالونيك، لاريسا، افزونوي، مقدونيا، سوبوتيستا ، كلبيا.

استخدم كريدي لغة النثر اليومي لإقناع المتلقي بالواقع الدرامي مستخدما بعض اللهجات العامية والعربية حسب تنقل الشخصية المحورية واختلاطه مع شخوص عربية:

(يا هلي صار البيت خالي، بس صوركم ظلت گبالي)/( لسه بكير على التسكيرة)/(يفاش)/ اتركني لحالي دخيل ألاّ.. يلي فيني مكفيني)/(البورگ)

كذلك وظف التناص كما في قول المؤرخ الاغريقي هيرودوت(في وقت السلام الابناء يدفنون آباءهم ، في الحرب الآباء هم الذين يدفنون ابناءهم)/ (أنا لا أضحي بحياتي في سبيل مبادئي، فقد أكون على خطأ) الفيلسوف البريطاني برتراند راسل/ رواية الفرسان الثلاثة (الكسندر دوماس) / قوله تعالى( ولكم في القصاص يا أولي الالباب)/ قصة فلم (آخر رجال الموهكانز) / (للبيع ، حذاء طفل ، لم يلبس) قصة قصيرة جدا لهمنغواي/ (المصابيح الزرق) رواية حنا مينا/ (بطل من هذا الزمان) ميخائيل ليرمنتوف.

وكذلك وظف التناص الشعري كما في البيت الشعري لهند التي تزوجها الحجاج بن يوسف الثقفي غصباً عندما انشدت:

(فان ولدت فحلا فلله درها     وان ولدت بغلا فقد جاء به البغل)

المصادر

  • د. ابراهيم السعافين، تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام، دار الرشيد، بغداد ، 1980، ص 159.
  • رولان بورونوف، عالم الرواية ، ت. نهاد التكرلي، دار الشؤون الثقافية،ط1 ،بغداد،1991 .
  • المصدر السابق ص 89
  • رولان بورونوف، نفس المصدر السابق
  •  نفس المصدر
  • كريدي، تحسين علي، أوراق لخريف أحمرط1،منشورات اتحاد الادباء، بغداد،2021 .

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

| جمعة عبدالله : حكايات النصوص الشعرية في كتاب “من جنى الذائقة” للكاتب لطيف عبد سالم .

الاصدار من أتحاد الأدباء والكتاب في ميسان  الكتاب ( من جنى الذائقة / حكايات من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *