| عبد الرضا حمد جاسم : الراحل الدكتور علي الوردي في الميزان/ رسالة خاصة (1) .

مقدمة: استاذي الكريم الدكتور المجتهد الأستاذ علي الوردي المحترم. 

تحية طيبة: كتابات منتقديك ومنهم أنا كانت تشكيكاً وتقريعاً وتجريحا وكتابات محبيك ومنهم أنا أيضاً كانت إنصافاً وتقديساً وتبجيلا. والطرفين إلا ما ندر لم ينصفوك وهذا ليس بغريب على الطبيعة البشرية وانت سيد العارفين كما يُقال.

……………… 

رسالة بالبريد المضمون الى طيب الذكر الراحل الباقي الدكتور علي الوردي له الذكر العطر والرحمة. 

تحية طيبة واحترام واعتزاز…قد يستغرب البعض او يسألك لماذا هذه الرسالة الأن وكيف تجرأ مرسلها؟  

اُجيبهم عنك بالقول: انك تركتَ الكثير من المفيد وغير المفيد ومن الصحيح ومن الخطأ ومن الاجتهاد ومن النقل وكتبتَ و قلتَ ان انقدوني لتنقذوني والخطأ هو طريق الصواب ، فَنَقَدَكَ في حياتك الكثيرون في تلك الظروف الصعبة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وفي وقت الضجيج الذي اثارته كتاباتك فهاجت الأوضاع عند البعض فساندوك وعند البعض الآخر فهاجموك وكانت لك ردود سريعة وواسعة تفوقت فيها على الجميع لأنك بسكوتك عن البعض رفعت مستوى ضجيجك الذي سانده الكثيرون وتمكنت من امتصاص غضب البعض منهم وعندما اهملت الرد على ما صدر من بعض البعض وعندما راوغت وهربت من البعض واستثمرت انفعال البعض وصادقت البعض منهم في مجتمع يُفسر النقد قِتال لابد فيه من منتصر ومهزوم أي قاتل ومقتول وهذا حال النقد لليوم حيث يصفون الناقد ب(المتحامل).  

وكان خطأ من هاجموك وهَّيجوا عليك انهم لم يستخدموا الميزان في حسابهم معك او انتقادهم لك ولكتاباتك او هجومهم عليك كما أتصور وقد أكون على خطأ. أي لم يوفي البعض الكيل فبخسوا بعض اشيائك الصحيحات في تلك المرحلة وذاك الحال. 

كان الغالب من الردود عليك خارج تحديد الخطأ أو تأشير الكم الكبير من غير الصحيح الذي ضجت به صفحات كتبك/ منشوراتك وهذا ما أضر بجيلنا واللاحق الذي ابتلى بك وبهم بلاءً كبيرا لأنهم هاجموا توجهك وتركوا “”دسائسك””/ أخطائك و”استعجالاتك” وحالتك النفسية…فلم يسلطوا عليها الضوء/ الأضواء فانشغلوا بالنحو والشعر والادب العربي ومقتل عثمان وفتنة علي وعناوين كتبك مثل”” وعاظ السلاطين”” وحسبوا انك تهاجم وعاظ السلاطين ووضعوا انفسهم مدافعين عن وعاظ السلاطين وانت اكثر من مدح وعظَّم شأن الوعاظ… عنوان كتابك  “”مهزلة العقل البشري”” وانت أكبر من هاجم العقل في جيل كان واغلبه اليوم لا يميز بين العقل و العلم. وكتابك الملفت في عنوانه” خوارق اللاشعور” وغيرها. 

 كان هم منتقديك كما يبدو أنفسهم وجيلهم ففقدوا إسنادنا في حينها وحتى الان وللمستقبل فاندثرت ردودهم “البليغة الحادة” ونصعت منشوراتك المثخنة بالأغلاط والأخطاء حيث تصرفوا وكأنهم يكتبون لأنفسهم أي لتفريغ خزين أغلبهم ضدك وضد ما قرأوه لك في زمن قَلَّ فيه النقل من الكتاب/ الكتابة وكَثُرَ فيه النقل الفموي/ السمعي. بعضهم كَّفرك دون ان يقرأ لك بدقة والآخر ساندك ونشر ما سمع دون أن يقرأ لك أيضاً والبعض الاخر اطنب في مدحك وهو لا يعرف حتى اسمك الثلاثي وهذا جاري لليوم وسأُخبرك بالتفصيل في رسالة قادمة.  

وكان صوت المجموعة الثانية هو الأقوى الأعلى بإسناد من المجموعة الثالثة. وانت باقي في موقعك، موقع من اجتهد وكابد فانعكس عليهم “مُكَّفريك” وعلينا فتاهت كتاباتهم ولم يأخذ بها الكثير ممن قرأ لك والدليل ما نعيشه اليوم حيث ان ما نشروه اندثر ولا أحد يقلبه أو يعود اليه وما نشرته أنت يتحرك على علاته بين الأجيال ويعاد نشره ويعود اليه الأغلب. واعتقد أنك تشعر بذلك اليوم حتى بعد وفاتك بأكثر من ربع قرن حيث الكثير من القراء والكتاب لا يزالون يرددون بشكل غريب/ ومثير ومضحك احياناً للكثير مما ورد في كتبكَ ومنشوراتك حتى غير الملائم منها وغير الدقيق وغير الصحيح وحتى تلك التي تراجعتَ عنها او تلك التي ضحكتَ بها على الكثيرين ويفبركون القصص والروايات التي لا يستطيعون اسنادها او دعمها…سأتطرق لبعضها مع ذكر أسماء مطلقيها ودرجاتهم العلمية من محبيك إن تمكنت من ذلك وأتمنى ان اُوفق كما أتمنى ان حصل ذلك ان لا تندهش أو تنزعج او تزعل منها عندما تقرأها في القادمات فهي من محبين لك حاولوا انصافك فأصابوا واخطأوا كما أنت. 

اليوم أيها الأستاذ الجليل الطيب سأُشير الى واحدة من تلك الأحمال التي وضعها على كاهليك محبيك وهي عن الديمقراطية والسبب كما تعلم انه في يوم 10.10.2021 القادم أي بعد (26) عام و (3) أشهر تقريباً على انتقالك للحياة الأخرة ستجري للمرة الخامسة انتخابات البرلمان العراقي الذي يُسمى اليوم كما كان عندما أصدرت كتابك وعاظ السلاطين (مجلس النواب). 

 استاذي الفاضل: 

في وعاظ السلاطين الذي صَدَرَ عام 1954 أي قبل حوالي(67) عام كتبتَ التالي: [لو كنت من ارباب العمائم لأفتيت باعتبار التصويت واجبا دينيا ولجعلة التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر…إنني اعرض هذا الرأي على رجال الدين واتحداهم ان يقبلوه او يحققوه] انتهى 

 وقد قبلوا التحدي بعد نصف قرن أي في عام(2005) وحققوه وظهر فيه انت المهزوم وهم الغالبون فهم أكدوا انهم “”أحباب الله”” واحباب الله هم الغالبون.  

الغريب ان أ. د سليم الوردي له الرحمة والذكر العطر وهو كما يبدو من اقاربك ودارسيك ومحبيك كتب في ص 338 من كتاب: [علي الوردي و المشروع العراقي] تأليف نخبة من الكتاب و المختصين الصادر عام 2010 أي بعد وفاتك ب(15) عام كتب التالي: [ والحقيقة انني لم اجد تجاوبا مع أفكار الوردي الا مرة واحدة ومؤخراً في عشية انتخابات كانون الثاني 2005، يقول الوردي في كتاب وعاظ السلاطين الصادر عام 1954 ( لو كنتُ من أرباب العمائم لأفتيت في اعتبار التصويت واجباً دينياً و لجعلت التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر…أنني اعرض هذا الرأي على رجال الدين واتحداهم ان يقبلوه او يحققوه)…خيل لي وانا اقرأ هذا النص في عشية الانتخابات ان روح الدكتور الوردي ترفرف على المشهد السياسي وهي سعيدة لقبول ارباب العمائم تحديه ولو بعد نصف قرن] انتهى 

الحقيقة استاذي الكريم استغربتُ مثل هذا القول وبخصوص هذا المقطع بالذات وفي مثل حال العراق وقتها واليوم واستغربت انشراح الأستاذ سليم الوردي له الرحمة لطرحك غير المناسب ذلك الانشراح وتلك الفرحة التي جاءت عام(2005) وكتمها حتى أعلنها عام (2010) أي بعد ما جرى وحصل عام (2006 ـ 2007) وما بعدها.  

يوم تَذَّكُرْ أ. د. سليم الوردي لقولك يدفعني للقول/ يجعلني أقول بثقة ان أرباب العمائم اليوم يقولون للوردي الاول ومحبيه التالي: 

[تركنا اقتراحك وتحَّديك نصف قرن ولم تفكر به ولم تعتذر عنه ولم تسحب تحديك الذي ينم عن عدم فهم بالمجتمع العراقي من شخص قيل عنه ويُقال وسيُقال انه عالم اجتماع شغل الدنيا ورمى حجراً في بركة العقول والنفوس التي اغلبها كان راكداً رغم الحراك العنيف سياسياً على السطح وفي بعض الأعماق التي كان السابقون منهم ربما يعرفون غاطسها واحتمالات نتائجها. 

هذا التحدي كان يمكن ان يصدر من شخص ليس من هذا المجتمع بل من عالَمْ/ عالِمْ اخر بعيد عن المجتمع العراقي وعن علم الاجتماع…هذا التحدي الذي يؤكد عدم فهم الراحل الوردي لتجاهلنا له وتحديه لنا وخوفنا من توابع الإفتاء بخصوصه وقتها… لكن اليوم وبعد الإلحاح “افتينا به” لنبين للدكتور علي الوردي اننا أكثر معرفةً بمجتمعنا منه. حيث كانت نتائج فتاوينا تلك التي لم يعرفها الوردي الأول مع الأسف ولمسها الوردي الثاني ولم يتعظ منها ويرد اقتراح الوردي الأول اليه… تَذَّكر طرح الوردي الأول من قبل الوردي الثاني في عام(2005) يمكن ان يكون فيه قبول مع فرحة الانتخابات الأولى لكن نشره بعد ما تبين سوء ذلك هو المثير للاستغراب. 

الوردي الأول له الرحمة أطلق تحديه ربما بروح صافية في دعمه لمثل هذه الممارسات وتشجيعها لكنه اخذ الجانب الطيب/ الجيد من التحدي ونسيَّ ان ارباب العمائم سيفتون بما يؤمنون به وهو يعرف بدقة انهم في خصام تام حد التقاتل مع بعضهم وحتى تكفير بعضهم وهم كلٌ يفتي/ يبكي على هواه/ليلاه وهذا خلل في فهم المجتمع، والوردي حذر ويحذر من وعاظ السلاطين وحبائلهم كما فَهِمَ محبي الوردي فكيف يقترح ويتحدى؟؟ 

الوردي الثاني ايضاً طرح ما طرح بنفس سوء فهم الوردي الاول حيث كان المهم عنده ان الفتاوى التقت مع تحدي الوردي الأول دون النظر لنتائجها حيث المفروض انها تفرض على الوردي الثاني لوم الوردي الأول على طرحه ذاك وتحديه او عدم التذكير به. واليوم الجميع عتب ويعتب على أرباب العمائم وذَّمهم ويذمهم وكفَّرهم ويكفرهم على تدخلهم في الانتخابات. وهذه انتكاسة علمية للوردي الأول يجب ان تدفع محبيه بالكف عن تصديع الأجيال بقولهم ان الوردي دعا الى الديمقراطية. ف”الديمقراطية” التي تناسب وقتها كانت قائمة بهذا الشكل او ذاك وكانت يمكن ان تتطور بدعوة الوردي تلك او بدونها. وان تترك دعوة الوردي لتموت في وقتها. 

والغريب هو تأكيد السيد إبراهيم الحريري في ص50 من نفس الكتاب على نفس الموضوع حيث ذَّكَرَ بديمقراطية الراحل الوردي التي وردت في ص415 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 أي آخر صفحة وآخر خمسة أسطر من الكتاب وتحت عنوان الخلاصة: [إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي اخر باستثناء لبنان وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق ان يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار فهل من يسمع؟!] انتهى 

 وختمها بالتالي: [لقد صدق الوردي فأن ما قاله قبل نصف قرن تقريباً ينطبق اليوم بشكل او بأخر على ما يمر به العراق اليوم وهو يقف في مفترق الطريق وليس امامه سوى ممارسة الديمقراطية] انتهى. 

والعجيب ان محبي الراحل الوردي يكررون بمناسبة وبدونها ان الراحل الوردي قال عن الديمقراطية وهذا ما سيستمر كثيراً ولن تتخلص منها الأجيال القادمة والأستاذ سليم الوردي وقع في نفس المطب الذي وقع فيه الاستاذ الدكتور علي الوردي الذي اختار لبنان التي حضر انطلاق ديمقراطيتها قبل دراسته علم الاجتماع حيث يمكن ان تكون تجربة تعامل معها بسطحية وبذلك تكون مقبولة في حينها لكن طرحها في كتاب أصدره عام (1965) أي بعد نيله لشهادة الدكتوراه في علم الاجتماع ب(15) عام وتدريسه علم الاجتماع كل تلك الفترة ونشره (6) كتب حول المجتمع في غالبها ووضع اقتراحه في كتاب عنوانه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) فهي دليل على ان الراحل الوردي لا يدقق ولا يحلل اجتماعياً وحتى بعد ان عاش الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975ولم يعتذر الراحل الوردي عن طرحه ذاك او يتركه محبيه ولا يرددوه. 

تعال اليوم يا سيدي الأستاذ علي الوردي لتشاهد/لتعرف حجم الانشقاق في لبنان ولتتعرف على ما جرى وحصل للشعب والمجتمع العراقي نتيجة تطبيق وصيتك حول الديمقراطية اللبنانية على المجتمع العرقي وقد صفق لها محبيك كثيراً من يومها لليوم حيث كل من قام منهم قال: الوردي دعا للديمقراطية بدون ان يقف ويحلل نموذجك هذا ويتفضل عليك بأن يعتبره اجتهاداً منك في وقته لم تحسن تحليله والدعوة اليه ليريحوك مما ترتب ويترتب على دعوتك تلك… هم لا يعلمون انهم بترديد ذلك يُثقلون عليك. 

فيا سيدي الصابر الدكتور علي الوردي الذي اتعبك ناقديك ومحبيك في حياتك…اليوم كَفَّ حالُك ناقديك وما تشعر به من تعب وتئن تحت ثقله اليوم يأتيك من بعض محبيك…اُنبئك يا سيدي وربما انت تعلم إن حال العراق اليوم لا يسر إلا أعداء العراق فقد صار العراق اسماً فقط فلا بلد ولا مجتمع تاريخه تبعثر وسُرِق وحاضره يرثى له ومستقبله غير معلوم حيث لا ملامح له ولا اسس بعد ان قَبِلِ ارباب العمائم تحديك الذي لا يسقط بالتقادم كما يبدو ذلك الذي أطلقته قبل (56) عام ويفتخر به محبيك. 

سأواصل التخفيف عن كاهلك أيها الانسان المجتهد الطيب وهذا ليس حباً لك وبك فقط انما لترتاح الأجيال من عدم دقة ما ينشره عنك محبيك وهم يتصورون انهم يوفوك حقك. وستكون لي عودة متكررة لكتاب: [علي الوردي والمشروع العراقي] تأليف نخبة من الكتاب والمختصين/إعداد د. علي ثويني و مازن لطيف/اصدار دار السجاد عام 2010 وأود أن اُعلمك استاذي الفاضل ان الديمقراطية التي افتى لها ارباب العمائم بكل أنواعها واشكالها واشاراتها وساندها غيرهم غيبت أحد المساهمين في إعداد هذا الكتاب وهو السيد (مازن لطيف) الذي أتمنى لها الحرية و العودة الى ذويه ومحبيه سالماً. 

 

يتبع لطفاً 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : عبد الرزاق قرنح والتباس الهوية .

التباس الهُويّة يلاحق الفائز بجائزة نوبل في حقل الأدب لهذا العام 2021، ما بين أصل …

| بلقيس خالد : الحارث المحاسبي .

من أولاد المترفين في البصرة في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة هو أبو عبدالله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *