| مهدي شاكر العبيدي : توفيق الحكيم .

أوستن / تكساس

إذا جاز لنا موافقة البعض وإقرارهم على رأيهم بكون جائزة نوبل هي المحك الذي يستدل منه على نبوغ الأديب ورجحانه وأصالته ومداه من الابتكار والاختراع والنضج ، فضلاً عن احتواء نتاجه الأدبي جملة ، واحتفاله بخلاصة المثل الأخلاقية والمبادئ الإنسانية ، من دعاوة إلى الإخاء والتسامح والمحبة بين البشر ، مما اشترط وفاقه أن تمنح تلك الجائزة للأديب اللامع الموفي بهذه المطالب والغايات عبر كتاباته المتنوعة والموزعة في فنون وقوالب شتى ، حسبما ورد في وصية ذلك العالم الذي حز في نفسه على ما يقال  أن يُساء استعمال نتاج عبقريته وعلمه ، ويُسخـر في ما لا يعود على البشر بطائل أو فائدة ، فلا أجدى في تجنيبه الندامة وهو في غيبته الأبدية عن هذا العالم ، من تخصيص جوائز تقديرية من الأرباح الهائلة الناجمة عن مصانعه ومواريثه عامة ، يكافأ بها أولئك المشتغلون بالسياسة والفكر والأدب   والعلم من جميع الأجناس والأمم ، ويكون لها النصيب الأوفى من الرجحان والتمييز والفرادة والجدة والحيوية والإخلاص وتجاوز العقبات العارضة فيما نهدوا له من غرض ، وترسموه من نهج ، على أندادهم وأقرانهم الجارينَ معهم في نفس الشوط والمضمار ، نقول إذا صح التسليم بهذه الوجهة في تقويم الأديب وتحديد حجمه والنطق بالشهادة الحقة حول نبوغه وتمثيله الخصائص القومية في تمثيل تراث أمته وتخطيها إلى آفاق أرحب وأشمل ، فليس لنا إلا أن نقول بأسفٍ ومرارةٍ أن لجنة نوبل أخطأتْ الأديب العربي الكبير توفيق الحكيم غير مرة ، وكان الأحق بها من كثيرين ظفروا بها من أبناء الشعوب الأخرى ، لا بُد أن اللجنة أخذتْ بنظر الاعتبار طبيعة العلائق والارتباطات الظاهرة والخفية بين حكومة السويد والحكومات القائمة في بلدان تلك الشعوب وما يخضع له رجالها بحكم العادة ويسيرون بوحيه من تيارات وأهواء في عالم السياسة ، وبذلك تجري الأمور عند النظر والتمييز بين المرشحينَ على قاعدة هي غير التجرد والقصد والنزاهة والعدل .

 

والآن وقد رحل الأديب الجهير عن عالمنا ، نحسب أن كل ما يُحبر من دراساتٍ وبحوث حول نتاجه الوفير والمتعدد النواحي والأغراض والأشكال الفنية والأنواع الأدبية من مقالة ورواية سردية وأخرى تمثيلية واعترافات ومذكرات ، لا يضيف جديداً إلى ما يسطره الكاتبون فيها من اجتهادات وآراء ونظرات ، إلى ما كتب نظيرها في عمقه وسداده ونفاذه ، إبان حياته من لدن الدارسينَ والمستقرينَ ، ووقف الأديب الراحل بنفسه على سموق مكانته ورفعة قدره وعلو منزلته وشأنه في أنظار قرائه في حواضر العرب وأمصارهم كافة ، بله في جهات وأنحاء خارج الوطن العربي الكبير ، ولعله بذلك أحد النابهينَ القلائل الذين غادروا الدنيا ولا ثمة شعور بالغبن والإجحاف مستولٍ عليهم ، أو أن كتاباتهم وإبداعاتهم لمْ تلق عناية وتسترعِ التفاتاً ، حتى لو ضمن الدارسون والنقاد فصولهم عنها من المؤاخذات والأحكام ما يباين نزوعه ويبعد عن موقفه الفلسفي من الكون والطبيعة والمجتمع بمسافة .

وكذا فقد طالعتنا بعض الجرائد المصرية بمقالاتٍ لرعيلٍ من الأدباء لو كرسوها لمجرد النعي وإظهار الأسف ولفت النظر إلى الفراغ الكبير الذي تركه في الساحة الأدبية لكان الأمر هيناً أو مقبولاً ، وإلا من قبيل المكرور المعاد بل الممل أن يعرفنا كتاب متمرسون عبر مقالاتهم السريعة هذه المرة أن الحكيم رائد الأدب الروائي في الأدب العربي الحديث برائعته (عودة الروح) لأنـه جانب فيها الأخطاء الفنية التي وقع فيها سابقوه أمثال هيكل في قصة (زينب) ، وأنـه أحدث في الجو الأدبي في الثلاثينيات حدثاً لا أخطر ولا أشد دوياً بمسرحيته (أهل الكهف) ، إذ لم يكن للعرب سابقة في التأليف في هذا المنحى المستوفي للشروط والعناصر الفنية ، وأن أخِذ عليها أنـها تصلح للقراءة والتأمل أكثر من صلاحيتها للتمثيل على خشبة المسرح ، كل هذا وشبهه من الأقوال أرسل من قبل وضجتْ به المحافل والمواسم الأدبية وبلغ سمع المؤلف نفسه .

 

إنما الحري بالذكر والمعاودة الإشادة بالإخلاص الفائق الذي انطوتْ عليه نفسه حيال الأدب وتقدير خطورته في حياة المجتمعات ، وزهِدَ جراء ذلك بالتحصيل المدرسي العالي ولم يتهافتْ وراء الألقاب الفضفاضة ، وخلاصتها كما قال أحد الشعراء ساخراً ذات يوم :ـ ” ان الفتى قارئ سطرا ” ، وغير شاعر بالحزن بالمرة أن خيبَ ظن أفراد العائلة جملة في ما عقدوه عليه من رجاء ، حين خصص جُل أوقاته إبان سني بعثته إلى باريس لزيارة المتاحف ودور الأوبرا والمكتبات العظيمة ومسارح التمثيل ، ملفياً في هذه الأماكن وحدها ما جاء يلتمسه من ثقافة حقيقية تلائم مشربه ومزاجه وفيها غـُنية عن المعارف والعلوم الرسمية التي تقف جدواها عند حد سلكه في عداد الوجهاء والمتصدرينَ وذوي المراتب العالية والكلمة المسموعة في زحام مجتمعهم ، أما أن تعني الحياة عندهم تقلباً بين السعادة والحزن ، والفرح والألم ، أو انـها مقاساة وتعرض لتجارب متنوعة ومواجهة لحوادث جمة ، قد نضحك عبرها وفي غمرتها أصدق الضحك وأصفاه وأفعمه بالحبور والطلاقة ، أو نبكي منها بأغزر الدمع وأمره وأشفاه ، فذاك ما لا عهد به لمَنْ فارقوا المزاج الفني وعدموه في مجمل سيرتهم وتكيفهم وأحوال مجتمعهم وبيئتهم واستجاباتهم إزاء مواضعاتها .

 

فلا مراء أن انحسر نصح توفيق الحكيم وتوجيهه لفتى من الفتيان قصده بنفسه أو كتب له مستفسراً عن السبل التي يسلكها ليغدو أديباً ، نقول انحصر ذانك النصح والتوجيه في نطاق الأدب ولواحقه من موهبة وفكر ولم يخرجا عنه إلى الإيصاء بالقراءة وتفحص الأدبيات المأثورة ولا بأس معها بالانتظام بالدرس الأكاديمي أن كان ذلك في وسعه ، ففيه بعض العون والمحفز على أقل تقدير ، إنـما تطلبه أن يلقي على نفسه صباح مساء سؤالاً مفاده لو حيل بينه وبين المراس الأدبي وتذوق الروائع الفنية  وقـُسِر على تطليق الكتابة قسراً أيجد ذلك أمراً سهلاً بوسعه تحمله والصبر عليه ، وأن بوسعه العيش بدونه حتى يعتاد هذا النمط من الحياة وينسى محاولاته الأدبية نسياناً ، وعليه أن يكون صادقاً أميناً مع نفسه وضميره عند الإجابة على السؤال ذاك ، فأن كان الرد وفق المنطق الأول فله أن يعفي نفسه من كل مشقة وجهد في هذا السبيل ويؤثر لها من الحياة المريحة غير حياة الأدب التي لا يضيف إليها جديداً هو العادم الموهبة ، وأن كان الرد المتوقع أيضاً تبعاً للأمر الثاني فليثق بنفسه ويزدد بها إيماناً وأنـها على حظٍ من الكفاية والاستعداد والموهبة ، ما عليه إلا أن يتعهدها بالمراس والدربة والإقبال على القراءة الجادة المتفهمة .

 

هذه الخصلة وحدها أعني الإخلاص مع النفس والوعي الناضج الصحيح بمعنى أن يصير المرء أديباً ، وما يُتأمل منه من إسهامٍ فاعل في تجديد الحياة وإغناء العقول وصقل الأفهام وترهيف الأذواق تمثل قوام ما يميز الحكيم ويتفرد به بين الأدباء ، وما عليك بدعوى الفن للفن وأسطورة البرج العاجي ونفض اليد من حاضر الناس ومستقبلهم ، مما نسجه حول نفسه وأشاعه عنها هو الذي نقد الوضع السياسي والاجتماعي القائم بمصر عام 1938م ، وندد بسوء فهم الناس عامتهم وخاصتهم للنظام البرلماني وجهلهم بالأهداف النبيلة التي يمكن تحقيقها في ظله لو اتبعوا القواعد المعهودة في البلاد والبالغة حداً من التطور ، وتشربَتْ أفهام الناس هناك ومداركهم بمعاني التسامح والاحترام المتبادل ، وكان يومها مديراً للتحقيقات بوزارة المعارف وعلى رأسها أديب كبير أيضاً قسرته الظروف والضرورات على توجيه العقوبة لصنوه جراء تلك المقالات والمحاورات التي خص بها الصحف فخصم منه مرتب أسبوعين ، موائماً بين ما يدين به أو طالب به في طور من حياته من حرية الكلام ، وبين ما يتسم به المسؤول الأعلى منه والأرفع درجة من ضيق الأفق ، فصانه مما هو أنكى وأبلغ في القدح والزراية ، وهذا الوزير الممتحن بهذه الحراجة هو الدكتور محمد حسين هيكل كما لا يخفى على المحيطين بملابسات التاريخ المصري الحديث .

 

وسبق للكاتب قبل اطلاعه بمحاوراته عن (شجرة الحكم) أن نشر بمجلة (الرسالة) المحتجبة اعترافاته ومذكراته عن إقامته في الريف المصري بصفة وكيل نيابة ، وجهر عبرها بما يغلب هناك من جهل وتأخـر وإهمال وجريمة وحتى انعدام الوعي لدى السكان بضرورة التغيير والإصلاح ، وجمعها من بعد عام 1937م ، وضمنها كتاباً بعنوان (يوميات نائب في الأرياف) ، مثلت نموذجاً لأرشق وجوه البيان وأدل صور التعبير على الطواعية والترسل والانسياق بوحي العواطف القوية والمشاعر الحادة مما يختلج به وجدان الكاتب حين يبلغ الأسى والسخط منه مبلغهما جراء ما يعانيه أبناء جلدته من شقاء ونكد ، هذا إلى أنـه جسد فيها أيضاً شواهد دالة على أخلاق الناس وطبائعهم ورسم صوراً حقيقية لنزواتهم وأهوائهم مقرناً بها بعض تأملاته وانطباعاته المدققة في حياة الناس منذ وجدوا على هذه الأرض .

 

دونك هذه الصورة النابضة العجيبة التي يرسمها لعبد المقصود أفندي رئيس القسم الجنائي ” فهو المنوط بإرسال كشوف القضايا في مواعيدها إلى النائب العام ووزارة الحقانية ، هذا الرجل لا أرى له عملاً عندي غير التنقل بين الحجرات حاملاً في يده ورقة يأمر هنا وينهي هناك ، حتى عملية التنفيذ التي هي من نصيبه قد ألقى بعبئها على غيره من مرؤوسيه واكتفى بمهمة الصياح في الكتبة والحجاب ، وهو أول مَنْ ينصرف من الموظفين واضعاً على طرف أنفه عويناته الذهبية ، يرسل من خلالها نظرات صريحة إلى المجتمعينَ في أروقة دار النيابة من وكلاء المحامينَ وأرباب القضايا ، كأن يستحثهم على الوقوف له ولا حديث عنده إلا ذكر علاقاته وصلاته بكبار الموظفين ، يقول ذلك في زهو وانتفاخ ولطالما طلبْتُ إليه حساباً عن عمله فيجيبني دائماً :ـ أنا والله لا أميل إلى الأبهة ولا إلى الفخفخة ، تراني سألته في ذلك لمْ يحدث قط ، يُخيل إلي أن من الناس مَنْ يلقي الكلمة يدفع بها عن نفسه فإذا فيها من الاتهام الصارخ ، ولعل كلاً منـا يحمل في طيات كلامه دليل إجرامه كما يحمل المريض في دمه جراثيم دائه “.

 

لا تعجبَن فقد شهدَتْ تلك الآونة بداية إقبال المثقف العربي على مباحث علم النفس الحديث مما ينتهي عنده العلماء الأوربيون من استقراءاتهم واستنتاجاتهم عن الدوافع والحوافز ذات ألثر البالغ في النفس البشرية ، مجاوزاً في إلمامه بهذه المحصلة ما حفل به تراثه الثقافي من تفسيرات وأحكام ونعوت عن السلائق والعادات المذمومة والحسنة مما يحوم حوله الخلق والمزاج والجبلة بحسب التسمية القديمة .

 

ونقول أعقم الأدب العربي أن ينجبَ كاتباً يمكن ترشيحه لنيل هذه الجائزة التي صار فشلنا في حيازتها يشكل في حسبان البعض مثل النقص ، أو انـه دلالة على اتسام الملكات الفنية عندنا بالمحدودية والتوقف في مجال الابتداع والابتكار والاستنباط عند جانب معين لا يستبان منه غير المألوف السطحي من الأفكار والمعاني ، المرهون بزمنه ومناسبته ، لا يرقى في قيمته إلى مرتبة الشمول والامتداد على حدود الزمان والمكان ، كأن نتجهز لمباراة أدباء العالم ، ونتحداهم بعينات من آثار يوسف إدريس ، ونجيب محفوظ [1] ، والطيب صالح ؛ غير مكترثين البتة بالرأي الداعي لترشيح ميخائيل نعيمة بوصفه صاحب موقف فلسفي متكامل لم يحد عنه منذ سنوات طوال لا مناص لك من احترامه على فرط مخالفتك له ، لأن زمننا لا يفيد في حسم مشكلاته وفل الصراعات القائمة بين دوله وناسه معاً نسك أو تصوف ، وغير ملتفتينَ مطلقاً للنزو المحموم صوب هذه الجائزة التي يعتور نفوس بعض الأدباء ممنْ يحوجهم زمن طويل حتى يعترف الناس لهم بأنـهم يحتذون التقاليد العريقة التي ينطبع بها الأدب العربي ويجري عليها .

 

ونرد عليك انـه كان الأحق بها من بين الجميع ، سواء أمنحْتْ تثميناً لأثر واحد من آثاره العديدة وتقديراً لما زخر به من مضامين وقيم إنسانية وفنية ، أو نظر إلى مجمل عطائه الفكري وموقفه الثابت من قضايا عصره ، والرؤية الفلسفية التي يدين بها حيال مشكلات الوجود ، بضرورة التعادل بين طرفي كل شيءٍ أو ظاهرة ، تجنيباً للمجتمع الإنساني من أي اختلال أو صدع ، وإقامة للتوازن المطلوب والتلاقي جهد الإمكان بين مختلف الأضداد والنقائض ، بين قوة القلب وقوة العقل ، التكفير والإيمان ، المحبة والكراهية ، التجاذب والتنافر ، الشكل والمضمون ، وحتى الشبع والجوع ، والبارد والحار ؛ ليصار إلى الوسط الذهبي الذي يتوسط المتطرفات فيكون هو الفضيلة والحكمة [2] .

 

وإذا كانت الشهرة مما يؤخذ في الحسبان وينزل عليه عند التقويم ، وهي متأتية بطبيعة الحال من تداول القراء في مختلف بقاع المسكونة لأعماله الإبداعية ، فحسبه أنـه معروف لدى الانكليز والروس والفرنسيين والأسبان والألمان وغيرهم ، فقد ترجم بعضها إلى لغاتهم ، دون أن يكون له دخل في ذلك ، أو انـه سعى وراءه سعياً بعقد الأواصر بينه وبين الأدباء المشهورينَ هناك ، إنـما كان الأمر نتاج الإعجاب المجرد والإقرار له انـه جدد في الأدب العربي وأحدث فيه أمراً بدعاً عبر كتابته الروائية والتمثيلية ، ولعله بذ  بذلك معاصريه من أعلام الأدب المصري ممن غلب على آثارهم طابع البحث والنقد والمراجعة والتحليل على الوضع والابتداع والاستمداد من الوجدان بمكوناته من ألوان الحس والشعور ، كما نوه بهذه الملحوظة الأستاذ عبد المجيد لطفي في مقالته عنه بصفحة (أدب وثقافة) من جريدة (العراق) المحتجبة ، الصادر في يوم 24/8/1987م ، هذا إلى أنـه حذا حذوهم في فن المقالة الأدبية التي يحمل الكاتب على مراسها قليل من التأثر والإحساس بالقرف والنفور من حال في الواقع الأدبي أو معاملات الناس أو الأحوال المعيشية ، فيملي رأيه و يبوح بعاطفته من غير أن يشفع ذلك بالنقل عن مرجع أو مصدر ، إذ لا يندرج هذا اللون الأدبي في سياق البحث المستقصي والدراسة المضنية المحوجة لإثبات صحة أحكامها ونتائجها إلى الأسانيد والدلائل القوية .

 

ومن روائعه في هذا الباب كتاباه (فن الأدب) ، و (أدب الحياة) ، تناول فيهما معالجة مختلف الشؤون الفكرية والأدبية والقضايا الباقية في حياة النوع الإنساني كقضية الحرية والالتزام والإلهام والإرادة والضرورة والخير ، معتمداً في صياغتها أسلوباً جامعاً بين الرصانة والسلاسة والأسر ، يذكرنا بالتعبير الوقور الغالب على رسائله إلى صديقه الفرنسي أندريه في رسائل (زهرة العمر) ، ولا عليك بما وسم هذه المقالات ودمغها أحمد عباس صالح ذات يوم بالسرعة والهلهلة وضعف النسيج ، غداة أتخذ موقفاً سياسياً مجافياً لصالح العرب كما يخال ، بينا احتفى قبلها ـ أي أحمد عباس صالح نفسه ـ بمناسبة تخص مسار حياة الحكيم الشخصية والأدبية فأضفى عليه من النعوت والأوصاف ما لم يترك بعده قولاً لقائل من قبيل التجدد المستمر ومواكبة الزمن وتبني التقدمية والاشتراكية ، وعلى موافقة المنصف لأحمد عباس صالح في إدانة الحكيم على موقفه السياسي المعروف ، له أن يتشدد في لومه على تناسيه وتجاهله ما أسبغه قبلاً على الحكيم وبيانه الكتابي من تلك الأوصاف المتغرضة التي لا تستوي هي والعقل والمنطق ، لك أن تصمه بأي عيب أو ذام ، لكن ليس لك أنـه عاش على هامش الحركات الوطنية ، وأن تزري بمحصلته اللغوية وتمرسه بفن التعبير .

 

وحسبه من التواصل المستمر مع الأجيال ومعطيات الزمن المتطور العجول ، واسترشاده بوجهته التعادلية بين القيم المتعارضة ، أن يزجي نصحه إلى الأجيال الأدبية الشابة : ” لكل جيل أسلوبه الخاص ، وشبابنا العربي على حقٍّ إذا رفض أن يقلد أسلوب جيل سابق ، ومضى يبحث عن أسلوبه هو ، إنـهم يريدون اختصار الطريق والاقتصار على الحاضر ، وفصل الماضي الثقافي وتركه من الحساب ، لو أنـهم اطلعوا على الأساليب القديمة ، وعاشوا قليلاً مع نثر الجاحظ ، والطبري ، وابن سينا ، وابن خلدون ، ثم خرجوا من الرحلة في القديم والحديث إلى أسلوبهم وأسلوب عصرهم لما كان هناك اعتراض ، ما من تجديد جدي إلا بعد معرفة القديم” .

 

وبعد فقد صار توفيق الحكيم اليوم تاريخاً ، ومهما حفلتْ حياته الطويلة بالمفارقات ، أكان ذلك في مساره الأدبي أم موقفه السياسي وهو في عمر متقدم ، فلنكل إلى الزمن أن يقول كلمته بحقـه ، فسيان غلونا في ذمه أو أسرفنا في تمجيد ذكراه والتعريف بأفضاله وصنائعه في الحقل الأدبي ودنيا الإبداع ، وحسبه أنـه عالق بالذاكرة في الحالتينِ .

 

 

[1] ـ حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب بعد بضع سنوات من وفاة توفيق الحكيم .

[2] – عن مقالة الدكتور زكي نجيب محمود :ـ (تعادلية الحكيم) ، بتصرف ، مجلة الهلال شباط 1968م .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : عبد الرزاق قرنح والتباس الهوية .

التباس الهُويّة يلاحق الفائز بجائزة نوبل في حقل الأدب لهذا العام 2021، ما بين أصل …

| بلقيس خالد : الحارث المحاسبي .

من أولاد المترفين في البصرة في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة هو أبو عبدالله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *