| غانم عمران المعموري : تماهي الذّات والاندماج مع الآخر  في قصيدة “مانعٌ لشهيّةِ الحرب” للشاعر حيدر عبد الأمير نايف العيساوي.

عندما  يختلط الألم القابع في النفس الإنسانية مع صدق المشاعر والأحاسيس في ظلِ مجتمعٍ يصحو على صوتِ النحيبِ والبكاءِ وتطرب مسامعه نيران الرصاص العشوائي من سلاحٍ مُنفلتٍ, وتعْشو عينيه صور الاغتيالات والقتل ويكون الموت أغنية الصباح حينها تولد الكلمات ” مانعٌ لشهيّةِ الحرب ”  دون حجاب بين ذّاتٍ تُعاني الاجهاض وصرخة تَدوي في السماءِ مُحَمَّلة بالآهاتِ والأحزان وتأزم وصراع نفسي, تلك العنونة جاءت لتُمثّل المُحرّك الأساسي لأبعاد النّص الفكرية لكونه علامة سيميولوجية ذّات وهجّ بصري حسيّ لما يتضمنه من دلالاتٍ فنّيةٍ وجماليةٍ وباعثٍ للدّهشة والغرابة ويجعل القارئ يتفاعل مع النّص ويثير في نفسة رغبة الفضول من خلال الإثارة والمجاز والدلالات ليتمكن من خلال درايته واطلاعه تحديد تيمات النّص وما يتضمنه من صور شعريّة وغيرها من مكامن وجواهر يستخلصها, فالعنوان ” إعلان عن طبيعة النّص وهو إعلان عن القصد الذّي انبثق عنه فإما واصفاً بشكل محايد أو حاجبا لشيء خفي أو كاشفاً غير آبه بما سيأتي, لأن العنوان يظهر معنى النّص ومعنى الأشياء المحيطة به, فهو من حبكته يلخّص معنى المكتوب بين دفتين ومن جهة ثانية يكون بارقة تحيل على خارج النّص “1.

مانعٌ لشهيّة الحرب عنوان غرائبي انزياحي مُحمَّلٌ بالدلالاتِ, فالشاعر يُريد ما وراء المعنى أي معنى المعنى من خلال تلك العنونة فقد ربط بين الصوري والحسيّ بأسلوب فني ابداعي ليقتحم النص بأسلوب النداء ” أيُّها ” المكوّنة من أيّ وها : التَّنْبِيِه الوَصْليَّة وَيَتْبَعُها الْمُنَادى ال…” المتلصّصُ ” حتى تمكن الشاعر ببراعة من نقل الخطّاب المباشر من الذّات الشاعرة وأبعادها الفكرية وما تتضمنه من مضامينٍ فلسفيةٍ ثقافيةٍ إلى المتكلم متقمصاً بدهاءٍ وقدرةٍ ابداعية شخصية مأساوية تُمثّل صفة عامة في المجتمعِ العراقي والعربي وليست صفة خاصة وبذلك انتقلت الصورة الشعرية من خطّاب الذّات المتفردة إلى الذّات الجمعية كما في نصه:

أيُّها المتلصّصُ من ثقبِ الذاكرةِ على الحربِ وهي تسّتحمُ   بدمائنا الشاحبة

توقف  

أنا الأرملةُ التي ستفقدك شهيّة الموت

اغمض ناظريك

فأنت لا تُراق أحلامُك ولا تُبترُ ساقُك  …

 

رسم لنا الشاعر بكلماتٍ نابعةٍ من القلب أبرز المشاكل والمآسي الّتي تلحق بالمرأةِ الأرملةِ وذلك من خلال تسليط الضوء على تيماتِ  الحروب الّتي أوقدها المستفيدين من تُجارِ المعارك بصفقاتٍ لبيعِ السلاح للطرفين والمؤونة والعتاد والتي لم يكتوِ بلهيبها إلا النّساء فالرّجالِ صرعى الحرب..

 ينتظر  كل طرف منهم النصر على الطرف الآخر ولا ينظر  هل تلتحف الأرملة في فراشِها النصر؟ ! وما بال اليتيم اذا جاعَ أو تشرّد هل يُقدم له النصر لقمة خُبز يَسدُ بها رَمَقه ! ..

واذا حَزن أو تذكر أبيه مَن يَمسح على رأسِه ! النصر أم يكتفي النصر بشعاراتٍ مُزيفة للحرية والديمقراطية أم يقضي أيامه بمضاجعةِ الدنانير والنّساء ويترك الأرامل  بين أنين واشتياق حتى ينبت في شَفتيّها شارب الرجال و تخشى حتى النظر إلى المرآةِ خوفاً من اتهامها بالزنى ..

لكل شيء ثمن فإن ثمن النصر الذي يُنادون به هو أسراب من الأيتام دون مُعيّل  .. كما أن الشاعر يُخاطب المسؤولين عن الحروب على لسان الأرملة الّتي فقدت كل شيء  كما في نصه:

ولا تتطاير حروفُ آخر مكتوبٍ (لأمِ أولادك ) لترافقَ الشظايا إلى عوالمِ الطيش

ولا تقف مثلي على شبابيك دوائر المحاربين والتقاعد

وهي تزدريني كأيةِ نملةٍ عابرةٍ

وتشتهيني في بورصاتِ اللحمِ وأسهمِ المعقبون كسلعةٍ فاخرة !

 

تمكن النّاص من التقاط وتصوير معاناة المرأة الأرملة ومناقشة قضاياها العالقة بتكثيف وإيجاز شديدين والغوص في أعماقِ النفس البشرية لإخراج كل ما تضج بها قريحتها من آلام وأحزان و مضايقات عديدة ومن خلال تدفق الصور الشعرية السرّدية استطاع الشاعر الخروج من دائرة المألوف –  الشعر الذّي يتغنى بالمرأة وينسج لها نُظماً  وفق معايير جسدية أنثوية وطيب عطرها و حلاوة كلامها وغير ذلك من الصفاتِ الشهوانيةِ – إلى غير المألوف و بأبعادٍ نفسيةٍ اجتماعيةٍ نابعة من رحمِ المجتمع والواقع التي تعيش فيه المرأة الأرملة وما تعانيه من ضغوطاتٍ نتيجة بقائها دون مُعيّل..

يا داعيةَ الحرب

إن آخرَ حفنةِ ( واهليّة ) نفدت على آخرِ جنازةٍ زارت بيتَنا بعدَ أن نفد

كيسُها المفتوحُ من قبلِ أجدادنا منذ أبجدية حربنا الأولى

فلا داعي للحثِ على مواصلة القتال

ابحث عن هدنةٍ مؤقتة

فلتكن مدتها كمدةِ الزواجِ المؤقتِ الذي يعرضه عليَّ الكثيرون من

أقرانك !

اعرفُ أن الحربَ زادُك الهانئ

لكن من أجل ربيعِ أجسادنا ومدنِ رغيفنا

فلتتبع حميةٌ صارمة !

تتجسد في هذه الصور الشعرية أعلى درجات الظلم الاجتماعي الّذي يُلاحق المرأة الأرملة ببلاغةٍ عاليةٍ,  أوجزت لنا وجعاً إنسانياً كبيراً من خلال رؤية الشاعر النابعة من الواقع المأساوي الذي يبصره حيث ” إنَّ الأدب تعبير عن رؤية الأديب لواقعه وأنَّ الأديب بعمله الأدبي يعيد تشكيل الواقع, ويختار منه ما يتلاءم مع رغبته في الكشف عن هذه الرؤية وأنَّ هذه الرؤية تكشف عن إدراك الأديب لعلاقات الواقع كما تتضمن تخيله للصورة التي ينبغي أن تسود هذه العلاقات في المستقبل, وأنَّ رؤية الأديب كلما كانت أكثر عمقاً وحساسية وذكاء كلما كانت أقدر على كشف القوى التي تعوق حركة الواقع للإنسان إنسانيته “2.

استطاع الشاعر من خلال التماهي والاندماج والالتحام مع الآخر ( صوت الأرملة ) أن يُبين لنا حالة الانكسار النفسي  والضعف والوهن من خلال الأفعال والمفردات  ( لا تُراق أحلامُك ولا تُبترُ ساقُك, لا تتطاير حروف آخر مكتوب, لاتقف مثلي على شبابيك …, تزدريني كأيةِ نملةٍ عابرة, تشتهيني… كسلعةٍ فاخرة) وهذه الصور الّتي جاءت بأسلوب درامي تعبيراً عن الرؤية الشعرية للنّص عن طريق الهدم والبناء وفتح فضاءات دلالية عبر استثمار المجاز اللغوي بصور شعرية انسيابية سرّدية درامية تستمد جمالياتها من خلال الخيال الخصب والموهبة الجيّاشة والتجربة الثقافية والفكر والابداع  للتعبير عن أقصى حالات الانكسار والحزن والألم الذي يُلازم الأرملة حيث أن الطابع الدرامي يتحقق في قصيدة النثر من خلال جوانب تتعلق بالإنسان والواقع اليومي الملازم له والصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية والتأزم النفسي وتناقضات الحياة والظروف المُحيطة به ( فالإنسان والصراع في كل تجربة من تجاربه يخوض معركة مع نفسه أحياناً أي مع الذّات وأحياناً أخرى مع الآخر )3.

تمكن الشاعر بأسلوب فني ابداعي انزياحي عن طريق كسر الأطر الضيقة والخروج عن المألوف في القول من خلق صورة شعريّة تتسم بجمالية من خلال ربط عنونة القصيدة بنهايتها لتُشَّكل لنا عند دمجها ومضة شعريّة هادفة تصيب الهدف بتكثيف وإيجاز شديد  ( مانع لشهيّةِ الحرب؛ فلتتبع حميةً صارمة ) علماً  أن تلك القصيدة قد فازت في مسابقة ميشانيون لقصيدة النثر لعام 2021 .

مانع لشهيّةِ الحرب

أيُّها المتلصّصُ من ثقبِ الذاكرةِ على الحربِ وهي تسّتحمُ   بدمائنا الشاحبة

توقف                                                                         

أنا الأرملةُ التي ستفقدك شهيّة الموت

اغمض ناظريك

فأنت لا تُراق أحلامُك ولا تُبترُ ساقُك 

ولا تتطاير حروفُ آخر مكتوبٍ ( لأمِ أولادك ) لترافقَ الشظايا إلى عوالمِ الطيش

ولاتقف مثلي على شبابيك دوائر المحاربين والتقاعد

وهي  تزدريني كأيةِ نملةٍ

وتشتهيني في بورصاتِ اللحمِ وأسهمِ المعقبين

كسلعةٍ فاخرة !

توقف

وخاطب الناس على قدرِ بطونهم !

يا داعيةَ الحرب

إن آخرَ حفنةِ ( واهليّة ) نفدت على آخرِ جنازةٍ زارت بيتَنا بعدَ أن نفد

كيسُها المفتوحُ من قبلِ أجدادنا منذ أبجدية حربنا الأولى

فلا داعي للحثِ على مواصلة القتال

ابحث عن هدنةٍ مؤقتة

فلتكن مدتها كمدةِ الزواجِ المؤقتِ الذي يعرضه عليَّ الكثيرون من

أقرانك !

اعرفُ أن الحربَ زادُك الهانئ

لكن من أجل ربيعِ أجسادنا ومدنِ رغيفنا

فلتتبع حميةٌ صارمة !

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *