| طلال حسن : رواية للفتيان / ابني الديسم ميشا / المقطع الاول.

إشارة:
بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “الباندا” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال حسن” ، وبعد أكثر من ثلاثين كتابا أصدرها بجهده الخلاق الفذّ ، ها هو يتحفنا بمخطوطة كتاب جديد هو “رواية للفتيان – ابني الديسم ميشا ” وهو في مجال أدب الطفل الذي يتقلص كتّابه –للأسف- يوما بعد آخر ليبقى طلال حسن حامل رايته ومضيء شعلته في هذه المرحلة المدلهمة التي يُخرّب فيها العقل العراقي. باعتزاز كبير تنشر أسرة موقع الناقد العراقي فصول هذه المخطوطة في حلقات مع التمنيات لمبدعنا الكبير بالصحة الدائمة والإبداع المتجدد.
أُسرة موقع الناقد العراقي

     شخصيات الرواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المبدع الكبير طلال حسن

1 ـ الجدة نافارانا

 

2 ـ اتارتك  ـ زوجها

 

3 ـ ميشا   ـ الديسم ـ الدب

 

4 ـ ترمجان   ـ طفلة

 

5  ـ ماكايت  ـ أبو ترمجان

 

6 ـ أم ترمجان

 

7 ـ ايلاك  ـ رجل

 

8 ـ افوفانغ   ـ صياد شرس

 

     ” 1 “

ـــــــــــــــــــ

   في ساعة متأخرة من الليل ، تناهى إلى الجدة نافارانا ، دمدمة عاصفة من بعيد ـ أم أنّ هذا ما خيل إليها ؟ ـ لكنها حين استيقظت صباحاً ، وأزاحت الستارة عن النافذة الصغيرة للكوخ ، ونظرت عبرها ، رأت السماء صافية زرقاء كماء البحر في الصيف ، والشمس في مشرقها تسطع ضاحكة دافئة .

وعلى الفور ، أعدت شيئاً من الطعام ، وراحت تتناوله على عجل ، وهي تتمتم كما تتمتم دائماً بصوتها الشائخ : هذا يوم وجد للصيد ، فلأذهب وأصد .

وسكتت لحظة ، ثم تابعت متمتمة : صيد السمك طبعاً ، وأترك صيد الفقمات السوداء ، وصيد الدببة ، للرجال الأشداء ، وهم ليسوا قلة في قريتنا .

وتناولت الجدة نافارانا السنارة ، وخرجت من الكوخ ، وأغلقت الباب ، ثم اتجهت إلى منطقة من المناطق المتجلدة من البحر ، لتبحث عن فتحة تنفس ، تستخدمها الفقمات في الدخول إلى أعماق البحر ، والصعود منه ، لتدلي سنارتها منها ، لعلها تصيد سمكة تأكلها على الغداء ، فهي تحب السمك ، ربما أكثر من حبها للحم الفقمات ، الذي يقدمه لها جيرانها الطيبون .

وسارت ببطء على الجليد ، فالشتاء الآن في أوجه ، لكنه لا يخلو من أيام مشمسة ، تطل فيه الشمس على استحياء ، وكأنها تقول : أنا هنا .

وتراءى لها زوجها اتارتك ، وهما في السنة الأولى من زواجهما ، الذي لم يدم طويلاً ، يرتدي ملابسه الجلدية السميكة ، ويشدّ بيده القوية على رمحه ، ويقول لها : نافارانتي ، ستأكلين اليوم لحم دب .

وتقول له فرحة : إنني أحبّ لحم الدب ، يا نسري .

ويفتح اتارتك الباب ، ويقول لها ضاحكاً : سأطير إذن ، وآتيك بلحم الدب .

وطار اتارتك ، طار منها بعيداً جداً ، قتله دب قطبي أبيض ، فالدببة مثل صياديها ، يُقتلون ويَقتلون ، وهكذا بقيت وحيدة ، وأقسمت بينها وبين نفسها ، أن لا تأكل لحم دب ، مهما كانت الظروف .

وهذا اليوم ، توغلت نافارانا كثيراً في البحر المتجلد ، دون أن تعثر على فتحة تنفس واحدة ، لكنها مع ذلك لم تفكر في أن تقفل عائدة إلى البيت ، فقد خرجت بنية أن تصيد لها ولو سمكة واحدة ، ولن تعود من حيث جاءت ، قبل أن تصطاد هذه السمكة .

وتوقفت تسترد أنفاسها ، حين وقع بصرها أخيراً على فتحة تنفس ، ودققت النظر فيها جيداً ،  فرأت رأس فقمة سوداء يبرز منها ، وما إن رأت الفقمة من مكانها ، الجدة نافارانا قادمة ، حتى سحبت رأسها بسرعة ، وغاصت في أعماق البحر . 

وتقدمت الجدة نافارانا من الفتحة ، التي كان ماء البحر يرتج في أسفلها ، وأدلت سنارتها فيها ، وجلست تنتظر ، وخلال انتظارها ، الذي كان يطول أحياناً ، تسوح في أيامها الماضية الثقيلة والطويلة ، وهل أثقل وأطول من أيام الوحدة ؟ آه إنها أطول وأثقل من أيام الشتاء الباردة والعاصفة في أصقاع القطب المتجلدة .

وانتبهت الجدة نافارانا على سنارتها تغمز ، فراحت تسحبها على الفور ، وقبل أن تصل إلى سطح الماء في الفتحة ، عرفت أن صيدها مجرد سمكة صغيرة ، لكن لا بأس إنها سمكة مهما كانت ، وبالفعل كانت سمكة صغيرة ، بل أصغر مما توقعت ، فرفعتها من السنارة ، وألقتها جانباً عل الجليد ، ثم وضعت طعماً جديداً في السنارة ، ودفعتها ثانية عبر فتحة التنفس .

وعادت إلى سياحتها في أيامها الماضية ، أيام مشمسة ، وأيام مثلجة ، وليالٍ عاصفة ، كئيبة ، وما أكثرها ، وأثقلها ، في ليالي الوحدة ، و ..

وشعرت بشيء كأنما يغمز ذراعها ، أهو من الماضي ؟ وغُمز ذراعها ثانية بنفس الطريقة ، وفي الوقت نفسه تناهى إليها ما يشبه الشخير ، يصدر من ورائها ، فاستدارت إلى مصدر الصوت ، وإذا ديسم صغير ، كأنه دمية بلون الثلج ، يحدق فيها ، وكأنما يستغيث بها ، وهزت رأسها تأثراً ، وتمتمت : ماذا يا صغيري ، أين أمك القاسية ؟ لابد أنها تشخر الآن في كهفها الدافىء ، وقد تركتك في هذه المتاهة المتجلدة ، أم أن صياداً حجري القلب ، قتلها من أجل لحمها وفرائها و .. ؟  لابدّ أنك جائع ، صدقني ، يا بنيّ ، لو كان بوسعي أن أرضعك حتى تشبع ، لأرضعتك في الحال .

وتذكرت صيدها ، فمدت يدها المرتعشة ، وأخذت السمكة الصغيرة ، وقدمتها للديسم ، لكنه نظر إليها ، ثمّ هزّ رأسه ، وهو يشخر بصوت كالأنين ، فتمتمت بصوتها الشائخ : ماذا أستطيع أن أفعل ، يا صغيري ، هذا كلّ ما أستطيع أن أقدمه لك .

وغمزت السنارة بقوة هذه المرة ، وسحبتها على الفور بكل ما تملك من قوة ، وقلبها الشائخ يخفق بفرح ، فهذه المرة لن تكون كالمرة السابقة ، وفعلاً حصلت على سمكة ، كانت أكبر مما كانت تتمنى .

وحملت الجدة نافارانا السمكة ، رغم ثقلها بالنسبة لها ، وتركت السمكة الصغيرة في مكانها على الجليد ، وقفلت عائدة إلى الكوخ .

وانتبهت وهي تقترب من القرية ، إلى وقع أقدام خفيفة وراءها ، فاستدارت والسمكة بين يديها ، وإذا الديسم يتوقف على مقربة منها ، فخاطبته متمتمة بصوتها الشائخ المتعب : بنيّ ، أنا لست أمك ، أنا إنسانة ، وأمك دبة مثلك ، اذهب إلى أمك ، قبل أن يخيم الليل ، ستموت من البرد ، إذا بقيت في العراء .

ورغم أن الديسم لم يردّ عليها ، أو يتحرك من مكانه ، إلا أنها استدارت ، وواصلت سيرها البطيء ، حتى وصلت كوخه ، وفتحت الباب ، ودخلت والسمكة بين يديها ، دون أن تلتفت إلى الوراء .

 

     ” 2 “

ـــــــــــــــــــــ

   مع عويل العاصف الثلجية ، التي تهب في الخارج ، خيل  للجدة نافارانا ، أنها تسمع ما يشبه الطرق على باب كوخها ، الذي بدا أنه لن يصمد  .

أهي العاصفة الثلجية ؟

أم أنه حلم ، وما أكثر أحلامها الكابوس .

من يدري ، لكن ما يشبه الطرق مستمر على الباب ، فاعتدلت في فراشها متعبة ، صحيح أن الليل مازال في أوله ، لكن من يأتيها في هذه العاصفة المجنونة ؟

وانتظرت ملياً في فراشها ، لعل الطارق ، إذا كان هناك طارق أصلاً ، ينتابه الملل ، ويصيبه اليأس ، فيكف عن طرق الباب ، ويعود من حيث أتى .

وعلى غير ما تمنت ، استمرّ ما يشبه الطرق على الباب ، فنهضت الجدة نافارانا بصعوبة بالغة ، وهي تدمدم متذمرة ، وفتحت الباب ، وتوقفت مذهولة ، وقد اتسعت عيناها اللتان أذبلتهما السنون العجاف …

إنه الديسم ، الديسم نفسه ، الذي يشبه دمية كبيرة بلون الثلج ، يقف في العاصفة المجنونة ، والثلج المتساقط بكثافة ، يتراكم فوق فرائه الثلج ، ويكاد يغطيه تماماً ، آه يبدو أن لا أحد لك في هذه الليلة القاتلة .

ومدت يديها الشائختين ، وسحبته إليها ، وهي تتمتم بصوت مرتعش : بنيّ ، تعال ادخل إلى الدفء والأمان ، بعيداً عن الليل ، وهذه العاصفة المجنونة .

وأغلقت الباب ، واقتربت به إلى الموقد ، الذي كادت النار فيه أن تنطفىء ، فغذتها من جديد بأخشاب جافة ، وسرعان ما ارتفعت ألسنة اللهب ، وأشاعت الدفء  والشعور بالأمان ، داخل الكوخ الصغير .

ونفضت الجدة نافارانا الثلوج عن فراء الديسم ، وبدا لها فعلاً دمية ثلجية اللون ، فنظرت إليه ملياً ، ثم قالت : والآن وقد دفئت ، وشعرت بالأمان ، لا شك أنك جائع ، ولابد لك من طعام ، يسكت جوعك .

وأطلق الديسم ، الذي يشبه دمية ثلجية اللون ، أصواتٍ أشبه بالشخير ، وكأنه يحاول بها أن يحاكي صوت الجدة نافارانا ، فتساءلت متمتمة : والآن ماذا تأكل ؟

وصمتت لحظة ، ثم تمتمت محذرة ، وهي تلوح بإصبعها : أعرف أنك صغير ، لكن لا تقل ، أريد حليباً ، فليس لدي حليب ..

ومالت عليه ، وتمتمت : صدقني ، يا بنيّ ، لو كان بإمكاني أن أرضعك لأرضعتك في الحال ، فأنا رغم تقدمي في العمر امرأة ، نعم امرأة .

وصمتت لحظة ، وراحت تضحك مما تمتمت به ، ثم تمتمت وكأنها تتمتم لنفسها : آه لو أستطيع أن أرضعه ، إنه ابني ، ابني الصغير ، والمرأة عادة ترضع ابنها ، حين يكون صغيراً .

وراحت الجدة نافارانا تتلفت حولها ، وكأنها تبحث عما يمكن أن تقدمه للديسم ـ الدمية الذي بلون الثلج ، وتراءت لها أمها ، التي رحلت منذ سنين طويلة ، وبدا لها أنها تخاطبها قائلة : بنيتي ، الدببة الصغيرة ، تأكل دهن الحوت المذاب ، وبعض شحوم الفقمات .

وعلى الفور ، وضعت الجدة نافارانا ، الديسم الصغير ، أمام النار المشتعلة في الموقد ، وتمتمت له : ابقَ هنا قرب النار ، وسأعد لك ما تأكله من طعام .

وجلس الديسم ، الذي يشبه دمية ثلجية اللون ، أمام النار المشتعلة في الموقد ، وراحت الجدة نافارانا تذيب له بعض دهن الحوت ، وأحضرت له شيئاً من بقايا شحوم الفقمة ، التي يجيء لها به جيرانها الطيبون .

واقتربت منه ، وسقته دهن الحوت المذاب ، لكنه على ما يبدو لم يشبع به ، فأطعمته بيدها المرتعشة بقايا شحوم الفقمة ، التي حضرتها له حتى نهايتها .

ونهضت الجدة نافارانا ، وغسلت يديه من أثر الدهن والشحوم ، ثم جلست قرب الموقد ، الذي كانت النار ما تزال تشتعل فيه ، فمال اليسم عليها ، ووضع رأسه فوق صدرها ، وراح يشخر محاكياً تمتمتها ، فخفق قلبها بحنان ، وتمتمت بصوت دامع : آه من الأمومة .

وحدقت في الديسم ، الذي يتمدد على صدرها ، وقد أغلق عينيه الطفلتين ، وراحت تتمتم بصوتها الشائخ المرتعش : بنيّ ، أنت ديسم ، وأنت الآن معي ، أصارحك ، كان زوجي اتارتك صياد دبببة ، ولو رأيتك وقتها ، لطلبت منه أن يكف عن صيد الدببة ..

وصمتت لحظة ، ثم واصلت تمتمتها قائلة : لم يدم زواجنا طويلاً ، وقبل أن يكون لي ولد منه ، قتل بين مخالب دب ضخم ، من يدري ، لعل زوجي قتل زوجة هذا الدب ، أو قتل ديسم من دياسمه .. آه .

وانتبهت الجدة نافارانا ، إلى أن الديسم هدأ تماماً فوق صدرها ، وانتظمت أنفاسه ، المسكين ، لقد استغرق في النوم ، آه ما أجمله وهو نائم .

وتلفتت حولها ، وهي تتمتم : أنا أيضاً نعسانة ، وأريد أن أنام ، أين يمكن أن أنيمه ؟ هل أنيمه قرب الموقد ؟ لكن النار ستخمد بعد حين من الزمن ، ويتلاشى الدفء من الكوخ ، وقد يمرض هذا الصغير ..

وصمتت لحظة ، ثم تمتمت : لا مفر ، لن أدعه يبرد ، مادمت موجودة ، وليكن ما يكون .

وأخذت الديسم بين ذراعيها ، ونهضت بهدوء ، ووضعته في فراشها ، ثم تمددت إلى جانبه ، وسحبت الغطاء السميك فوقها وفوق الديسم ، وأغمضت عينيها ، واستسلمت للنوم .

ورغم غطيطه وغطيطها ، راحت الجدة نافارانا تتمتم ، ربما بينها وبين نفسها ، وربما تتمتم وهي مستغرقة في النوم ، وقالت : صغيري ، لقد أنقذتك من الموت في الليل والريح الثلجية ، لكن لك أم ، وسآخذك غداً إلى المكان ، الذي لقيتك فيه ، لعل أمك تبحث عنك هناك ، أو تعرف أنت الطريق إلى أمك ، أو ..

وصمتت الجدة نافارانا ، حين انبثق من العتمة زوجها اتارتك ، وقال لها : نافارنا ، هذا ابنك الذي انتظرته طويلاً ، فلا تفرطي فيه ، وأنت في هذا العمر المتقدم ، تمسكي به ، لا تتركيه ، وربيه ، وسيكن شمعة في كوخك المظلم ، الذي لم تتردد فيه أنفاس طفل من الأطفال حتى الآن .

 

      ” 3 “

ــــــــــــــــــــــ

   عند الضحى ، والشمس تطل شاحبة من أعماق السماء ، طرق باب كوخ الجدة نافارانا ، فتوقفت الجدة نافارانا ، وقد كاد قلبها يتوقف من الخوف ، فهي لا تريد أن يعرف أحد ، أن لديها الآن صغير ، وطرق الباب ثانية ، فتمتمت بصوت خافت ، مطمئن بعض الشيء : هذه الطفلة ، ابنة جارتنا الطيبة ، ترمجان .

فأخذت الديسم ، الذي يشبه دمية بلون الثلج ، ووضعته في فراشها ، وغطته بجلد الدب السميك ، وهي تقول له : لا تخف ، يا بنيّ ، هذه الطفلة ترمجان ، هكذا تسميها أمها ، فهي تحب طائر الترمجان ، ابق هنا ، ريثما أصرفها ، وأبعدها عن الكوخ .

وردّ عليها الديسم بشخير خافت يحاكي صوتها ، فقالت له ، وهي تتجه نحو الباب بأقصى ما تستطيعه من سرعة : اصمت ، يا بنيّ ، لا تتكلم الآن .

وفتحت الجدة نافارانا الباب ، نعم ، إنها الطفلة ترمجان ، بوجهها الجميل الطيب ، وعينيها السوداوين الجميلتين اللتين تشبهان عيني أمها ، تقف على مقربة من  الباب ، وفي يدها طبق فيه قطعة من لحم الفقمة ، وقليلاً من الشحم ، فتمتمت مبتسمة : أهلاً ترمجان ، آه لقد تأخرت عليك ، أنت تعرفين إنني امرأة عجوز .

وقدمت ترمجان طبق اللحم إليها ، وقالت :  تفضلي ، هذه القطعة من لحم الصدر  .

وأخذت الجدة طبق اللحم ، وقالت : ألف شكر لك ، يا عزيزتي ، ولأمك الطيبة .

واقتربت ترمجان منها قليلاً ، وقالت : أمي تسلم عليك ، وتقول إنها ستزورك قريباً .

وخفق قلب الجدة نافارانا ، وسدت فتحة الباب بجسمها النحيل ، فهي تخشى أن تنظر ترمجان إلى الفراش ، وترى الديسم الذي بلون الثلج ، فقالت لها ، وهي تهمّ بغلق الباب : عفواً ، سلمي لي على أمك ، وقولي لها ، إنني مشغولة بعض الشيء هذه الأيام و .. أريد أن تأتيني بشيء من دهن الحوت ، وقليلاً من شحم الفقمة و ..

وسكتت الجدة نافارانا ، وقلبها الشائخ يخفق بشدة ، حين رأت ترمجان تتسع عيناها السوداوان ، وتفغر فاها على سعته مندهشة ، فتمتمت متوجسة بصوتها المرتعش : ما خطبكِ ، يا ترمجان ؟

وأشارت ترمجان بعينيها السوداوين المندهشتين ، ونظرت الجدة نافارانا حيث تشير ، وإذا الديسم الذي يشبة دمية بلون الثلج ، يقف إلى جانبها ، فتمتمت محرجة : ترمجان ، هذا ابني .

وصمتت لحظة ، ثم قالت : إن ما طلبته من دهن الحوت ، وشحم الفقمة ، ليس لي ، بل لابني ، فهو لا يأكل الآن سوى هذا النوع من الطعام .

وتراجعت ترمجان مبتعدة ، وهي تقول : سأجيئك دائما بدهن الحوت ، وشحوم الفقمة ، مادام ابنك الصغير هذا ، يحب أن يأكلها .

ولوحت لها الجدة نافارانا متمتمة : تحياتي لأمك .

وأخبرت ترمجان أمها ، بأنها رأت ديسماً عند الجدة نافارانا ، فهزت الأم رأسها ، وقالت : لقد جنت الجدة نافارانا ، سيكبر هذا الديسم ، ويقتلها .

ولم تكتفِ ترمجان بإخبار أمها ، بما رأته عند الجدة نافارانا  ، بل أخبرت بذلك الكثير من أصدقائها وصديقاتها ، لكن بعضهم لم يصدق ما قالته ، وقالها أحدهم صراحة : ديسم ! لا أصدق هذا .

وقالت طفلة ، وقد فغرت فاها : ديسم ! ديسم حقيقي ؟

فردت عليها ترمجان قائلة : نعم ، ديسم حقيقي ، رأيته بعينيّ يقف إلى جانبها بباب الكوخ .

وقالت طفلة صغيرة : لعله طفلها .

وضحك بعض الأطفال ، لكن ترمجان لم تضحك ، وإنما قالت : لو كان طفلها لكان يشبهها .

وردت الطفلة الصغيرة نفسها : لعله يشبه أباه .

وهنا تقدم طفل ، وقال : الأفضل أن نذهب إلى كوخ نافارانا ، ونتحقق من الأمر .

واعترضته ترمجان ، وقالت : لن تسمح لكم الجدة نافارانا ، برؤية الديسم إلا إذا قدمتم لها شيئاً من دهن الحوت أو شحم الفقمة .

فقال أكثر من طفل : فلنقدم لها ما تريد .

وقبيل المساء ، كان عدد من الأطفال ، وفي يد كل منهم ، طبق فيه شيء من دهن الحوت أو شحم الفقمة ، يقفون مترددين متشوقين ، أمام باب كوخ الجدة نافارانا ، يريدون أن يروا الديسم ، الذي في بياض الثلج .

وطرقت ترمجان الباب ، وما إن فتحت الجدة نافارانا الباب ، ورأت الأطفال تتقدمهم ترمجان ، حتى تمتمت بصوتها الشائخ المرتعش : ترمجان ، أنت عاقلة ، ما كان لك أن تأتي ، ومعك كلّ هؤلاء الأطفال .

فمالت عليها ترمجان ، وقالت : أيتها الجدة ، هؤلاء الأطفال جاءوا بطعام للك وللديسم .

ولاذت الجدة نافارانا بالصمت ، وقد بدا عليها شيء من الرضا ، وتقدم منها العديد من الأطفال ، وقدموا لها ما جاءوا به ، وقال لها أكثر من واحد وواحدة : نرجوكِ ، أيتها الجدة ، أرينا الديسم الأبيض .

ونظرت إليها ترمجان بعينيها السوداوين الجميلتين ، وقالت راجية : أيتها الجدة ، الأطفال يحبونك ، اسمحي لهم برؤية الديسم ، ولو مرة واحدة .

ورفعت الجدة عينيها الشائختين ، وحدقت بهما في الأطفال ملياً ، ثم قالت لهم : اذهبوا إلى النافذة ، سأزيح الستارة عنها ، وأدعكم تنظرون إليه .

ومدت الجدة نافارانا يدها المرتعشة ، وأغلقت الباب ، ثم مضت إلى النافذة ، وأزاحت عنها الستارة ، وإذا الأطفال يتدافعون ، وهم يهتفون : الديسم .. الديسم .

وأشارت الجدة نافارانا إلى الديسم ، وكان يقف إلى جانبها ، كأنه دمية بلون الثلج ، وتمتمت قائلة : هذا ابني ، وهو صديق لكم منذ اليوم ، فارفقوا به .

وظلّ الأطفال يحملقون في الديسم ، الدمية التي بلون الثلج ، عبر نافذة الكوخ الصغيرة ، وحلّ الظلام شيئاً فشيئاً ، وشيئاً فشيئاً انسحب الأطفال ، بعيداً عن النافذة الصغيرة ، وذهب كلّ منهم إلى بيته .

_______________________

نهاية المقطع الاول / يتبع لطفاً

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الاولى .

  شخصيات الرواية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ الملك هايلوم 2 ـ الكاهن 3 ـ كوبابا 4 …

| احمد ابراهيم الدسوقي : من أطلق النبلة على صاحب العفاريت .

   عم كازار رجل مخيف ، إنه ساحر عجوز ، بلا أخلاقيات ولا ضمير ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *