| أحمد إبراهيم الدسوقى : “فتاة فوق طابية” مسرحية قصيرة – لقاء مع نابليون بونابرت / المشهد الثانى.

( يرفع الستار ….

 جاسمين تقف أمام الغرفة الحجرية ، التى بابها خشبى عملاق ، موشى بالزخارف ومشغول بالذهب ، ويحيط بها جنود كثيرين ، يرى الجزع والفزع على وجهها ، لا تعرف ماذا سيكون مصيرها ، يستاذن أحد الجنود ، ويخاطب الجنديان ، حارسى الغرفة بإحترام )

الجندى ( للآخر )

ــ  لقد وجدنا تلك المتسللة سيدى ، إنها مصرية وتهلوس بالكلام ، لعلها جاسوسة من جيش الأتراك ، أو الإنجليز أو المماليك ، أعلم القائد العام بونابرت بالأمر ، لعله يأمر بإستجوابها أو إعدامها

( تستمع جاسمين لحديثه ، فترتعش وتسيل دموعها ، ثم يطرق الجندى الحارس ، الباب العملاق طرقتين ، فيفتح له آخر ويدخل ، ثم يغلق الباب ، وبعد ربع دقيقة ، يخرج ويحادث الجندى )

الجندى الحارس ( فى صرامة )

ــ  القائد العام بونابرت علم بالأمر ، وغضب جدا ويود إستجوابها بنفسه ، ليحدد ماذا يفعل بها ، بعد ذلك ، إن الأمر خطير ، وكل جنود الحراسة الليلية سيعاقبون ، لأن الفتاة الجاسوسة ، تسللت حتى أعلى الطابية ، ووصلت إلى مركز القيادة السرى ، أنتم جميعا مقصرون ، وستتم محاكمتكم ، هيا أدخلوا الفتاة المتسللة أولا ….

( يدفع الجندى جاسمين بعنف ، إلى داخل غرفة القائد ، نابليون بونابرت )

الجندى ( فى غضب وحقد )

ــ  سنحاكم وسنعاقب بسببك كلنا ، سأكون أول من يضربك بالسياط ، على ظهرك العارى ياحلوه ، عندما يأمر القائد بونابرت بذلك ، عله يأمر بإعدامك ، وننتهى من أمرك يالعينة

( تدخل جاسمين الغرفة الحجرية ، والجندى يدفعها بكل غلظة ، وهى ترتعد وتبكى حاملة كلبها

الإضائة خافتة ، يشير لها الجنود بالتوقف ، ثم يغادرون ماعدا جندى واحد ، يقف خلفها مشهرا سلاحه ، فتتوجس منه ، تنظر حولها ، وقد هدأ رعبها قليلا

فتجد منضدة خشبية ، كبيرة جدا وسط الغرفة ، وسط كتل الظلام الباهتة ، عليها ما يشبه الماكيت ، لحركة الجيش الفرنسى ، فى الأراضى المصرية ، يستعمله نابليون ، لمتابعة حروبه مع قواده ، الماكيت بدائى جدا بالمقارنة بزمنها ، عليه قطع خشبية صغيرة ، من السفن والمدافع والأسلحة

يقعون جميعا فوق رقعة ، مرسوم عليها المدن والصحارى ، والبحار المصرية بالحبر الاسود ، وبعضها ملون ، تنظر عند آخر الغرفة ، لتجد مقعد آرابيسك كبير ، حوله عدة مقاعد ، إستولت عليه الحملة ، عند دخولها لمصر ، وبالطبع يجلس نابليون ، على المقعد كالملوك ، وحوله قواده وضيوفه

ترى قناديل النور ، على الجدران خافتة الإضائة ، وسط كتل الظلام الباهتة ، جاسمين  لازالت تتلفت حولها ، ترى شبحا أمامها يتقدم نحوها ، يشير للجندى بيده ، بأن يزيد من ضوء القناديل ، فيتقدم الجندى ويفعل ، فيضاء المكان

ثم فجاة تشهق ماخوذة ، لا تصدق عينيها ، إنه نابليون بونابرت أمامها ، وجها لوجه فى ملابسه العسكرية ، تتجمد أطرافها ، ولا تتفوه بأى شىء )

نابليون بونابرت ( ينظر إليها متفرسا مبتسما )

ــ  كلب أبيض جميل لإمراة أجمل

جاسمين ( تشهق وهى تمسح دموعها )

ــ  إنه أنت نابليون بونابرت

( يندهش بونابرت ، بعد أن تعرفت عليه ، ويرى على وجهه الغضب ، لكنه يعود ليتظاهر بالإبتسام )

نابليون بونابرت ( ينظر اليها متسائلا )

ــ  كيف تعرفت على ، ونحن لم نتقابل من قبل

( يصمت ويدور حولها )

ما إسمك آنستى

جاسمين ( فى خوف )

ــ  آ .. آ .. جاسمين ، إسمى جاسمين

إسم جميل ، شىء جيد ، شىء جيد جدا ، جاسوسة عربية مدربة تدريب عالى ، تدعى جاسمين ، إسم روماتيكى ، هذا إذا كان إسمك الحقيقى ، لندخل فى الموضوع ، لقد أراك أحدا ما ، صورة مرسومة لى ، زيتية مثلا ، لذلك تعرفت على ، قولى لى يا حلوتى ، كيف وصلت إلى طابيتنا السرية ، لا تقولى لى سباحة ، أو طيران مثلا ، فوق طائر ، هل رئيسك تركى عثمانى متكبر ، أم مثلا إنجليزى متغطرس ، أم من المماليك الحمقى الواهمين ، كونى مطيعة ، حتى لا ترين غضب الجمهورية الفرنسية ، فى صورة بطشى

جاسمين ( وقد إرتعدت فرائصها )

ــ  سيدى القائد العظيم ، أنا لست كما تظنون جاسوسة ، من عند جيش معادى لكم ، أنا مجرد أستاذة تاريخ جامعى ، حدث خلل فى زمنها ، وألقى بها فى عالمكم

( يندهش نابليون ، من كلماتها عن الزمن ، ويضحك ماخوذا ، وهى لازالت ترتعش )

نابليون بونابرت ( مكذبا حديثها )

ــ  ما معنى أستاذة جامعية ، وتدرسين التاريخ ، كيف يكون ذلك ، وفى أى مدرسة تدرسين ، هذا إن صدقتك بالفعل

( تنظر جاسمين إلى الجندى ، الذى يقف خلفها ، فتجد وجهه بلا أى تعبير ، فتنزعج وترتعش ، ثم تعود لتحدث نابليون بونابرت )

 جاسمين ( فى إرتعاد )

ــ  سـ .. ساشرح لك ، سيدى القائد العظيم ، أستاذة جامعية ، بمعنى .. بمعنى أنى أدرس فى مدرسة عليا ، يدرس بها الطلاب ، ما بعد الثانوى

نابليون بونابرت ( مندهشا )

ــ  وما هو الثانوى هذا ، مدرسة خاصة

جاسمين ( تشرح له )

ــ  هو مرحلة دراسية ، فالمراحل تبدأ بالتمهيدى ، ثم الإعدادى ثم الثانوى ، بعدها دراسة عليا ، وهى الجامعة

نابليون بونابرت ( مندهشا فى تعجب )

ــ  جيد جدا .. نظام تعليمى مرتب ومنظم ، قولى لى ….

( ينظر لها نظرة ذات مغزى )

هل رئيس تلك الجامعة تلك ، على بك الكبير المملوك المغرور ، الذى يحاربنى ، ونتنافس على الأراضى المصرية ، وهو هارب الآن فى الصعيد

جاسمين ( تلوح بيديها )

ــ  سيدى .. لست أعمل لحساب المماليك ، ولا غيرهم ، أنا من زمن مستقبلى آخر

( يضحك نابليون بونابرت ، ضحكات عالية ، ويمسك بعصا عسكرية قصيرة ، ويضرب بها على يديه ، ويقترب منها أكثر وأكثر ، فترتعب وتتفصد عرقا ، وتتراجع للخلف )

 نابليون بونابرت ( يتحدث )

ــ  إذا لم يكن رئيس الجامعة تلك ، على بك الكبير ، إذن لنقول مثلا ، أنه الأدميرال نلسون الانجليزى ، الذى يطاردنى بأسطوله فى البحار

( يدور حولها منتظرا الإجابة ، وهى ترتعش )

 جاسمين ( فى إرتعاد ، وهى تعبث بملابسها )

ــ  يا سيدى إنظر لملابسى ، إنظر لمتعلقاتى ، أنا من زمن مستقبلى آخر

نابليون بونابرت ( يغمغم )

ــ  حسنا لنظل مع كذباتك ، حتى نصل للحقيقة ، أرنى متعلقاتك المزعومة

( فى تعجل وإرتعاش ، تفرغ له جاسمين ، كل ما فى جيوبها ، فيمسك بها بونابرت ، وهو فى أشد حالات دهشته ، فيجد معها نقود ورقية ومعدنية ، من عالم القرن 21 ، وهاتف محمول حديث

وميدالية مفاتيح مكتظة بمفاتيح مختلفة ، بعضها لمنزلها والآخر لسيارتها ، والبقية لغرفتها فى الفندق والجامعة ، ينظر الأخير بدهشة ، إلى متعلقاتها ، ويتحسس النقود الورقية ويتفحصها ، وقد إمتلأ بالذهول )

إن مصر ، لا تعهد النقود الورقية ، بل لا توجد دولة فى عالمنا تصنعها ، من أين جئت بها ، شىء أغرب من الخيال

( يمسك بالنقود المعدنية ، فيجد تاريخ إصدارها فى القرن 21 ، فيكون ذهوله أكبر ، فينظر إليها تارة ، وإلى النقود تارة أخرى ، وهى تتنفس الصعداء

ثم يمسك بهاتفها المحمول ، ويهزه عله يصدر صوت ، كانت عيناه زائغتان ، فيشير لها بيديه متسائلا )

ماهذا الشىء

جاسمين ( فى شبه خوف وهدوء )

ــ  إنه هاتف جوال خلوى ، يسمى فى عالمنا بالتلفون المحمول

( يشير اليها بإكمال الشرح ، وهو يتفحصه ، دون أن ينظر اليها )

إنه .. إنه يعنى أنك سيدى ، عندما تكون هناك شبكة إرسال لاسلكى ، تستطيع أن تخاطب به الناس ، أصدقائك ومعارفك وقوادك ، من أى مكان فى العالم

نابليون بونابرت ( يحاول كشف صدقها أو كذبها )

ــ  إختراع عجيب .. لكنى لازلت لا اصدقك ، هيا برهنى لى على صدقك ، وإجعلينى أخاطب فيه ، خطيبتى جوزيفين ، إنها فى باريس الآن ، ونحن فى مصر

( ترتعش سرمداء ، وقد أعطاها الهاتف المحمول )

 جاسمين ( تشرح له متوجسة )

ــ  سيدى وأرجو ان تصدقنى ، لابد أن يكون لصديقتك ، مكان تقف فيه ، وبه شبكة قوية ، تعمل وتبث من شركة الهواتف المحمولة ، وكذلك يكون مع صديقتك ، هاتف خاص بها ، له رقم ما ، تتصل أنت به من هاتفك ، فترد هى عليك ، أما الآن فأنا فى عالمكم القديم ، ولا توجد شبكات ، الشبكات تركتها فى عالمى ، وبالتالى فالهاتف هذا لا يعمل الآن

( تمسح عرقها وتتنهد )

لكنى ساريك شىء ، لأثبت به صدقى ، أنا من هواة تسجيل المكالمات ، بينى وبين أصدقائى ومعارفى ، وتوجد رسالة مسجلة ، على الهاتف هذا ، لى مع صديقة باحثة أوربية ، كنت أخاطبها ، فى نصف الكرة الشمالى ، أى كنت أنا فى مصر ، وهى فى أخر الدنيا

( تلمس سرمداء أزرار المحمول ، الذى يعمل باللمس ، فيسمع نابليون صوت المكالمة ، التى وقعت بينها وبين صديقتها ، الباحثة الأجنبية منذ شهور ، وهما يتحدثان باللغة الفرنسية )

 نابليون بونابرت ( يتهلل وجهه وكله ذهول )

ــ  هذا هذا إختراع رائع ، إذا استخدم عسكريا ، سيحقق الإنتصار السريع ، للجيوش فى الميدان ، لكنى .. لكنى لازلت لا أصدقك ، قد تكونى ساحرة أو مشعوذة ، فمصر ملئى بالدجالين

جاسمين ( تمسح عرقها )

ــ  حسنا سأسمعك بعض الرنات ، فهذه ليست شعوذة ، إنها نغمات موسيقية قصيرة ، مخصصة للإعلان ، عن متصل بى 

( تشغل الفتاة بعض الرنات ، فيسمع صوت الموسيقى العالية ، فينتفض نابليون مأخوذا ، ويتراجع الجندى الذى خلفها ، وقد شهر سلاحه

فيشير له القائد بضبط النفس ، ويأمرها بإيقاف الموسيقى ، وقد مسه الذهول لمدة ثوان ، يمسك بعد ذلك نابليون ، بميدالية مفاتيحها ، وهو يرمق الفتاة بكل ريبة ، لا يصدق ما يراه ويسمعه )

نابليون بونابرت ( يشير لها نحو ميدالية المفاتيح )

ــ  وهذه أرى أنها مفاتيح ، لكن عجيبة الشكل ، وصغيرة الحجم

جاسمين ( تشرح له وهى تتفصد عرقا )

ــ  هذه المفاتيح المعدنية ، مفاتيح منزلى وكراج عربتى ، والأخرى المغطاة بالبلاستيك ، هى مفاتيح سيارتى ، والآخرين مفاتيح غرف حجراتى ، فى الجامعة وغرفة الفندق

 ( يضحك نابليون بونابرت مذهولا ، لأنه لم يفهم شىء ، مما قالته )

نابليون بونابرت ( يشير لها بالشرح المطول )

ــ  سيدتى أنا لم أفهم شىء ، إشرحى لى ما قلته بالتفصيل

جاسمين ( تتنفس بصوت عالى ، فتضبط من تنفسها )

ــ  هذا الأول المعدنى ، مفتاح باب منزلى ، والثانى هو مفتاح كراج سيارتى ، والثالث هو مفتاح سيارتى ذاتها

( يقاطعها نابليون بونابرت )

نابليون بونابرت ( متسائلا )

ــ  سيارة بمعنى عربة ، أليس كذلك

( تهز سرمداء رأسها بالموافقة )

هل تحتاج عربة الخيل ، لمفتاح لتسير ، أى عالم هذا الذى أتيت منه

 جاسمين ( تشرح له )

ــ  كلا سيدى ، ففى عالمى تطورت العربات ، وأصبحت سيارات لا تجرها الخيل ، ولكن تعمل بوقود البنزين ، وهو سائل ، مثل مثل وقود القناديل ، أو حديثا بالغاز المسال ، فتسير السيارة ، التى مصنوعة من الصاج او الحديد ، وتقطع المسافات ، التى قد تكون شاسعة ، وكل سيارة لها مفتاحها الخاص ، حتى لا يستولى عليها الغير ، فلا يستطيع فتح باب السيارة ، إلا صاحبها بمفتاحه الخاص

( يرفع نابليون حاجبيه متعجبا ، وقد ذهل كل الذهول )

 نابليون بونابرت ( مكذبا )

ــ  عجبا عربات تسير بلا خيل ، أى شعوذة تلك ، هل أنت ساحرة

جاسمين ( تنفى بكلتا يديها )

ــ  كلا سيدى ، إنه التقدم العلمى ، لست ساحرة ، لقد القانى زمنى ، فى عالمكم خطئا ، إن زمن القرن 21 متقدم جدا ، به طيارات تطير فى السماء ، وسفن فضاء تصل للقمر ، وكواكب المجموعة الشمسية

( يظل نابليون فاغر الفم ، ثم يأمر الجندى ، الذى يقف خلفها ، بمغادرة المكان ، فيغادر بعد التحية العسكرية ، فتتنفس الفتاة الصعداء ، وتمسح عرقها )

لابد أنك صدقتنى الآن .. سيدى

نابليون بونابرت ( مغمغما وقد أعطاها ظهره )

ــ  نعم شبه أصدقك لكن ….

( يلتفت لها محذرا ملوحا بإصبعه )

لكن حتى لا تعاملين كجاسوسة ، وأأمر بإيذائك نفسيا وبدنيا ، وأتركك لجنودى يمثلون بك ، وتعلقين عارية أعلى الطابية لابد ….

( يصمت قليلا ، فتتلاحق أنفاس الفتاة مرتعدة )

لابد وأن تسردى على ، الأشياء والأحداث ، التى ستحدث فى المستقبل ، والتى سأسالك عنها بكل صدق ، وبلا تزييف ، بما أنك قلت أنك عالمة فى التاريخ

( تقاطعه وهى تمسح عرقها )

 جاسمين ( تزفر متنهدة )

ــ  أستاذة تاريخ جامعية سيدى

نابليون بونابرت ( يتحرك ويدور حول نفسه ببطء )

ــ  حسنا سأسئلك عدة أسئلة ، بعدها ساتركك تغادرين الطابية ، إلى أى مكان توديه ، وستكونين حرة بعدها

جاسمين ( وقد استعدت لتساؤلاته ، أملا فى النجاة )

ــ  حسنا سيدى .. إسالنى فى حدود معرفتى بالتاريخ ، فأنا لست مُنجمة

نابليون بونابرت ( يشير إلى البحر ، وما خلفه بعيدا )

ــ  ما أحوال فرنسا ، أعنى الجمهورية الفرنسية ، فى عالمك القرن 21

جاسمين ( تضحك وتشير نحو البحر بالخارج )

ــ  أحوالها جيدة جدا ، هى القوة العظمى الرابعة ، فى العالم ، حسب وجهة نظرى ، والتاريخ الحديث

( يتههل وجه نابليون ويبتسم ، ويرفع حواجبه )

 نابليون بونابرت ( يشير لها بيديه )

ــ  قوة رابعة جيد جدا ، وما هى القوى التى قبلها

جاسمين ( تشرح وتعدد فى حذر )

ــ  القوى التى قبلها أمريكا ، وروسيا وإنجلترا ، والقوة الخامسة القادمة فى الطريق ، هى الصين

( يتجهم وجه نابليون ، فتتوحس سرمداء وتصمت )

نابليون بونابرت ( يغمغم ناظرا إلى اللاشىء )

ــ  إنجلترا قبلنا .. تبا لهم ولأسطولهم القوى ، وكذلك الأراضى الجديدة ، أمريكا هى القوة الأولى ، يبدو أنهم لا يضيعون وقتا ، وياللعجب المملكة الروسية قوة ثانية ، مرحى للقياصرة ، أما مايدهشنى هى الصين ، تلك الدولة المتخلفة ، قوة خامسة ، ماذا حدث فى الدنيا

( يصمت ويدور حول جاسمين ، وهى متوجسة ، ويتوقف بعدها أمامها ، ويضرب بعصاه على يده ، وهو متجهم )

نأتى للشىء الهام .. حدثينى عن أحوال ، الحملة الفرنسية على مصر ، ما مصيرها وإلام تنتهى

( ترتعش جاسمين ، وتتحدث حذرة فى خوف ، وهى تنتظر منه الأسوأ )

جاسمين ( تتفصد عرقا )

ــ  آ .. آ .. أحوال الحملة ليست جيدة ، سيدى ستـ .. ستفشل و .. و ..

( تحمر عيون نابليون ، وتقدح شررا ، فيقترب منها وهى ترتعد )

نابليون بونابرت ( يحاول كظم غضبه )

ــ  حسنا حسنا أكملى .. لماذا توقفت

جاسمين ( مرتعشة )

ــ  ستـ .. ستقوم ثورتين على الحملة ، ثورة القاهرة الأولى والثانية

نابليون بونابرت ( يتسائل )

ــ  من سيقوم بالثورتين

جاسمين ( تمسح عرقها )

ــ  سكان القاهرة ، وباقى مدن مصر من بعدهم ….

نابليون بونابرت ( يعود للتساؤل )

ــ  ومن زعماء تلك الثورتين

جاسمين ( ترتعش شفتاها )

ــ  شيـ .. شيوخ الأزهر

نابليون بونابرت ( يدور حولها )

ــ  وماذا سيكون رد فعلى أنا ، تجاه الثورتين

 جاسمين ( تمسح عرقها )

ــ  ستنصب مدافعك فوق جبل المقطم ، وتضرب أحياء القاهرة بالقنابل

( يضحك نابليون ضحكات عالية )

نابليون بونابرت ( يدور حول نفسه ببطء )

ــ  أنا اصدقك ، لأن هذا هو نابليون بونابرت ، الذى أعرفه

( يصمت ثم يدور ، عدة دورات فى الحجرة ، يعود بعدها للحديث )

وعلى المستوى الشخصى ، ماذا يقول التاريخ عنى

جاسمين ( تنظر له بخوف وإحترام ، فى ذات الوقت )

ــ  التاريخ يصنفك ، كقائد من أعظم القادة العسكريين ، على مر التاريخ ، مع الإسكندر الأكبر وغيركم

( يبتسم نابليون ، ويعطيها ظهره ويلوح يبده )

نابليون بونابرت ( يتنهد )

ــ  شكرا للعم تاريخ ، فهو على غير عادته لم يكذب

( يصمت قليلا ثم يتكلم متحرجا )

آ .. أريد أن أسالك سؤال شخصى ، عن .. عن .. حبيبتى جوزيفين

( تضع جاسمين رأسها فى الأرض ، توجسا من السؤال )

هل .. هل .. فى سفرى البعيد .. هى مخلصة لى

جاسمين ( تتحدث ولا ترفع رأسها )

ــ  إعفنى من هذا السؤال .. سيدى القائد

( ينكس نابليون رأسه متألما )

نابليون بونابرت ( يتنهد فى ألم )

ــ  أنا أدرك بعدم إخلاصها ، فى سفرى البعيد

( يتدارك نابليون إضطرابه ، ويعود كقائد عسكرى ، لا محب مهزوم ، فى مضمار العشق )

قولى لى يا حلوة ، كيف ستكون نهايتى .. قولى لى الصدق وإلا ….

جاسمين ( ترتعش وهى تتكلم )

ــ  لن .. لن تموت بالإغتيال ، لكن .. لكن ستعادى كل أوربا .. فيهزمك ملوكها فى موقعة تدعى .. تدعى ( ووتر لو ) سامحنى ياسيدى .. وستهزم إلى الأبد .. بعد أن تروعهم طويلا ..  وسيسجنك المنتصرين فى جزيرة ( سانت هيلانة ) .. حتى موتك المفاجىء .. المشكوك فيه .. أرجو المعذرة سيدى ، أنت الذى طلبت الصدق ، هذه وقائع تاريخية ، لا مجال للتدليس فيها   

( يبتئس نابليون ، ويضع يده على بطنه ، ويضغط كعادته الشهيرة ، مقاوما الألم ، حتى أنه إشتهر بهذه الحركة )

نابليون بونابرت ( يتنهد فى ألم )

ــ  نهاية مفجعة لقائد عظيم

( يلتفت إليها فى عناد )

لكم قد تتغير النهاية إذا .. إذا علم الشخص بها .. مثلى أنا .. سأحتاط حتى لا أهزم

( يشير لها بإكمال حديثها )

جاسمين ( تكمل وهى تجتر الكلمات )

ــ  أما عن الحملة الفرنسية ، فلسوف تغادرها سرا ، إلى فرنسا بعد .. بعد ..

( يشير لها نابليون منزعجا ، بإكمال حديثها )

بعد إغراق الأسطول الإنجليزى ، لأسطولك فى موقعة       ( أبى قير البحرية ) 

نابليون بونابرت ( يتنهد فى غضب )

ــ  آه .. إنه الأدميرال نلسون اللعين

( يعطيها ظهره ، ويشير لها بإكمال حديثها )

جاسمين ( تتوالى الكلمات من فمها )

ــ  بعد إغراق الأسطول ، ستتسلل أنت فى قارب صغير ، لتصارع الأمواج ، لتصل بعد ذلك لفرنسا ، بعد اضطرابات فيها ، وتضع بدلا منك الجنرال كليبر ، قائدا على الحملة فى مصر ، لكن للاسف ….

نابليون بونابرت ( يتسائل فى غضب )

ــ  لكن ماذا .. أكملى سيل الكوارث

جاسمين ( تشرح متوجسة )

ــ  لكن .. لكن سيقتل كليبر ، على يد شاب أزهرى سورى

نابليون بونابرت ( فى غضب )

ــ  ما اسمه قولى والا ….

جاسمين ( ترتعش )

ــ  إسمه .. إسمه سليمان الحلبى ، شاب صغير من حلب فى سوريا

نابليون بونابرت ( فى ثورة ، وقد إحمرت عيونه )

ــ  قولى من حرضه

جاسمين ( تتراجع وهى ترتعد )

ــ  شيخ من شيوخ الأزهر ، كان يتعلم على يديه ، أفتى .. أفتى بقتل الجنرال كليبر

( هنا يثور نابليون بونابرت ، ويلقى بالعصا على الأرض ، ويصرخ مناديا الجنود ، الذين بالخارج ، فترتعد جاسمين وتبكى ، وهى تقرأ الشهادتين

يدخل جنديان مسرعان ، وهما ممسكان بسلاحهما ، منتظران أوامر قائدهما )

نابليون بونابرت ( يصرخ فى الجندىان )

ــ  يقبض على كل طلبة الأزهر ، السوريين فى مصر ، ويتم التحقيق ، مع كل شيوخ الأزهر ، حول تآمرهم على رجالات الحملة ، وتوضع حراسات كاملة ، لحماية جنرالات الحملة ، وعلى رأسهم الجنرال كليبر

( لأحد الجنود )

إذهب أنت لتبليغ الأوامر الجديدة ، وزميلك الآخر يظل واقفا بسلاحه ، لأنكم ستسمعون أخبارا سيئة ، عن تلك المتسللة

( تتراجع سرمداء للخلف ، فتكاد تصطدم بالجندى ، الذى شهر سلاحه ، وإستعد للبطش بها ، يقترب منها نابليون فى تحفز ، ويمسك بها من بلوزتها ، فتشهق مرتعبة ، ويسقط كلبها على الأرض ، وهو ينبح فى فزع )

كل أخبارك سيئة ، هل كل أخبار التاريخ سيئة .. أجيبينى

( يتركها ويعطيها ظهره ، فتحمل كلبها ثانيا فى إرتعاد )

أنا .. أنا لا اصدقك .. لماذا يحاول سليمانك الحلبى هذا ، قتل الجنرال كليبر

( يلتفت لها ويصرخ )

لنفكر بطريقة المتآمرين ، من الأهم ، ما دام هو فى مصر ، وإختمرت الفكرة فى ذهنه ، أن .. أن يقتلنى أنا لا كليبر  

( ترتعد جاسمين ، ولا تستطيع التفوه بأى كلمة ، وهو ينظر لها بكل غضب ، وقد جن جنونه )

تكلمى أنت .. أنت مشتركة فى تلك الموامرة ، مع شيوخ الأزهر وسليمانك الحلبى .. هل .. هل هو زوجك .. خطيبك حبيبك ، إنكم متامرون ، لقتل كل قواد الحملة الكبار

( تسيل دموع سرمداء ، وقد لاحت نهايتها )

إنك .. إنك إمراة مملوكية أظن .. أظن أنك إحدى جوارى أم المماليك ( نفيسة المرادية ) ، أم المماليك ، زوجة ( على بك الكبير ) ، مناوئى الهارب ، بمماليكه فى الصعيد ، إنكم جميعا متآمرين ، على الجمهورية الفرنسية

( تشير باكية جاسمين ، بالنفى بكلتا يديها ، فيسقط كلبها منها ثانيا ، ويظل ينبح وينبح ، فيصرخ نابليون ، فى الجندى المرابط خلفها )

 خذوها إلى الخارج ، وعلقوها عارية ، فى أعلى عامود خشبى ، فوق الطابية ، وإضربوها بالسياط ، حتى يتمزق جسدها ، لتفصح بعدها ، عن سر تواجدها معنا ، فى الطابية ، مركز القيادة السرى 

( تصرخ جاسمين ، باكية متوسلة ، للقائد نابليون بونابرت ، وقد أعطاها ظهره ، ثم تلتقط كلبها ، من على الأرض ، والجندى يجرها جرا للخارج ، بكل قسوة ، وقد لاحت نهايتها ، وهى تبكى وتتوسل ، بلا جدوى

بعدها يتغير المشهد ، إلى خارج الغرفة ، فوق سطح الطابية ، كما كانت فى البدء ، وقد وقفت ترى الجنود ضاحكين ، يربطون عامود خشب طويل ، فى حجارة الطابية تجاه البحر ، ليعلقوها عليه عارية ، وهم سعداء يصخبون ، فى هوس جنسى

فما كان منها من هول المشهد ، قبل أن يمزقوا ملابسها ، ويغتصبوها ويقطعوا لحمها ، إلا وان غافلتهم ، وقفزت وهى تحمل كلبها ، من فوق الطابية ، لتسقط فى البحر وسط الظلام الدامس

فيذهل الجنود من سرعة ، قفزها فى الماء ، ولا يستطيعون فعل أى شىء ، إلا الهمهمة بأصوات عالية ، فيخرج القائد نابليون بونابرت ، على لغط أصواتهم ، من غرفته ، متسائلا محتدا عليهم )

نابليون بونابرت ( فى غضب ودهشة )

ــ  ما الذى حدث ، هل قتل المتسللة أحدكم ، لم آمر بقتلها يا أغبياء

جندى جان فيليب ( يشير مذهولا ، إلى الماء الشديد الأمواج )

ــ  لقد قفزت ، تلك المتسللة المجنونة ، فى المياه

جندى بيتريش ( مندهشا غير مصدق )

ــ  ستموت غرقا ، لقد أرهبها الموقف ، هربت من موت إلى موت

( ينظر نابليون بونابرت فى الماء ، ويفكر قليلا )

نابليون بونابرت ( فى تفكير )

ــ  لن تغرق ، لابد إنها سباحة ماهرة ، ستسبح للجانب المجاور للطابية ، وتحاول بعدها الـ .. الفرار ، إما للسوق الشعبى المجاور ، أو .. أو لعالمها المستقبلى ، كما إدعت عالم القرن 21

( يشير نابليون لجنوده )

الصباح سيبزغ بعد ساعات ، أرسلوا جنودا إلى السوق الشعبى ، المجاور للطابية ، على بعد خطوات ليست بقليلة ، ملابسها ستكشفها ، وكلبها الأبيض الأوربى الغريب ، الذى تصر على حمله ، سيوقع بها ، أريد القبض عليها صباحا ، عندما يكتظ السوق الشعبى بالناس ، فهم مثرثرين ، ويسهل مع لغوهم ، إيجاد مكانها ، إنهم شعب طيب ثرثار ، يتحدثون مع أى أحد ، عن أى أحد ، لا تعودوا إلا بها حية ، مكبلة بالأصفاد ، فهى تعرف الكثير عن المستقبل ، وهذا يعجبنى ويهمنى ، لأرسم خططى حسب قصصها المستقبلية 

 

ستار

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : الحلم 4 – اللوحة الرابعة والأخيرة من مسرحية الحلم .

(نفس المكان، بائع العسل مع جرته) بائع العسل       : (مخاطبا الجرة) ظننتك قيدي فيما مضى، …

| د. ميسون حنا : الحلم 3 – اللوحة الثالثة من مسرحية الحلم .

 (نفس المكان. بائع العسل يقف أمام الجرة، تهب ريح) بائع العسل       : أي ريح هذه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *