| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة جدا اليوم يكتبها وهو على اطلاع ودراية بها نظريا وتطبيقيا،  تجاوز فيها ما هو تقليدي ونمطي  تثير التساؤل وتفتح باب التأويل لان ما يريده القاص ليس المعنى الظاهر للغة وانما اراد ما و راء  المعنى(ميتا لغة )والذي يخوض التجريب اللغوي وشعرية اللغة وحضور الخطاب الميتا سردي ، او مصطلح  ماوراء السرد(metafiction) حسب تعريف قاموس اوكسفورد الانكليزي “السرد الذي يبرز فيه السارد عن وعي زيف وأدبية العمل بالتهكم من / او بالأنحراف عن التشريعات الروائية وتقانات السرد”1 يجمعُ بين الواقع/ معاناة الكتابة، والخيال والأنسنه ، وما لاحظته في نماذج القصصية القصيرة جدا (عناقيد الجمر)..

مجموعة (عناقيد الجمر) للقاص غانم المعموري  الصادرة عن دار ديوان العرب للطباعة والنشر والتوزيع في مصر لسنة 2019م

القصة القصيرة جدا والتي تعد  نمطاً أو نوعاً او جنساً باختلاف تسميات النقاد، أرى ان هذه المشاكسة ستفرض نفسها لقوة حضورها وكثرة محبيها ومريديها كجنس أدبي مستقل له أركانه الخاصة، وشروطه فيها مع الأجناس الأدبية الأخرى، مادام جنس القصة القصيرة جدا جنسا أدبيا مفتوحا له كامل الاستقلالية والخصوصية، تمتاز بالكثافة، وقصر الحجم، والتسريع، والإرباك، والإدهاش،  والمفارقة، والمفاجأة….ويشترك مع باقي الأجناس الادبية في الاتساق والانسجام، والترميز، والأسطرة، وتوظيف المجاز، والانزياح، والإيحاء، والاستعارة، وتنويع البداية والنهاية.

قد نرى  قصصا قصيرة جدا تفتقر لشروطها فهي ممكن تسميتها  نصوص قصيرة جدا او وجيزة ..

وقبل ان الج عالم نصوص المجموعة

 اقف عند  العنوان  (عناقيد الجمر) مدخلا ..

جاءت العنونة بمفارقة  لفظية، مركبة وبلغة انزياحية شعرية فيه من الكفاءة في استدراج المتلقي من جهة وحمولته الدلالية المتنوعة من جهة اخرى ، حيث ان الوعي بأهمية العنوان على الصعيدين النقدي والابداعي اصبح في الوقت الراهن مصدرا لأثارة الاسئلة وتعيد الاعتبار لهذه العتبة النصية المهمة ، وبما له من موقع مهم في عملية الخلق الابداعي ومدى تعالق العنوان مع المتن الحكائي وما يحمله من دلالات التي تثير المتلقي وتشد انتباهه..

تضمنت المجموعة 87 عنوان تسيد نصوصها النقد تارة والسخرية السوداء تارة أخرى مع ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية ..

جاءت قصصه وفق معايير القص القصير جدا بما، امتازت بقصر الحجم، والإيحاء المكثف، والنزعة السردية الموجزة، والمقصدية الرمزية، والتلميح، والاقتضاب، والتجريب، والجملة القصيرة الموسومة بالحركية والتوتر،

كما في نصه2 : ” جماجم الشجعان التي سقطت في أرض المعركة بالحق، اعتلتها حوافر الخونة لالتقاط صور النصر” ص14، بهذه آل ق.ق.ج المكثفة والتي جاءت الخاتمة مباغته ومدهشه معبرةً عن واقع مرير تعيشه الكثير من الدول التي تمر في حروب وثورات والتي يذهب دم الفقراء هدراً بينما يحصد الغنائم الإنتهازيين ذو الوجوه الثعلبية المتعددة .وكذلك قصة ” التهاب ” (ركل بقدميه أكوام الكراسي، مزق أوراقهم الهجينة، لطم أيامه وسنينه، نظر بتمعن أبصر صورًا وأسماءَ طالما علقها على صدرِه؛ بصق على نفسه بالمرآة ! شحّاذون تحولوا لصوصاً).

كذلك كان لهذا النص صبغة سياسية تتعلق بالتحولات السريعة المفاجأة لشخصيات لبست جلد الحرباء تلونت مع كل الظروف

اعتمد في عنونة نصوصه التنكير  فهي غير فاضحة للنص، كتبت بإيجاز وتكثيف وفق لغة سليمة وبلاغة رصينة ووفق معايير رمزية دلالية لكنها كانت الواجهة الإعلامية المُشّعة لطريق التأويل.. فيها من  الايحاء  الذي لا يفسد عنصر الادهاش لدى المتلقي  :

( ظلال، خاتمة، بائس، جهل، نكران، حلقة، ولع، هروب، عدوى، ذنب، كبرياء، أزر، سفر، ظلام، صحوة، موعد جميل، زمكاني، بقع سوداء، بقايا، عزم، صحبة، فاجعة، لقاء، خذلان، لوعة، خلق، دوامة، معركة، سداسية، مجهول، مختالة، يأس، نعي، بلاء، زوال، عيون، مرارة، واعظ، اداة، مصير، فضيحة، جنون، لقمة، قصاص، يأس، نفاق، استبسال، حلم، معرفة، ضعيف، بهتان، ثقة، حرام، حب، ازدواجية، العافية، تدهور، هزيمة، رحلة، جميل، جود، متربص، انتهاك، عار، معاناة، ويلات، ضنكة، قناع، مسؤولية، جحود، عصبية، حلبة، راية) ..

 تضمنت قصصه القصيرة جدا الحس الوطني والقومي للكاتب تجاه أمته والمجتمع الذي يعيش فيه وتناولت قضايا عامة اجتماعية ونفسية واقتصادية وكل ما يدور في الساحة المحلية والعربية بأسلوب غير مباشر اعتمد الانزياح والاستعارة والتشبيه والمجاز والتكثيف وعدم الاسهاب والاطالة والرتابة التي تُسبب الملل والنفور لدى القارئ..

وبذلك فإن الكاتب خرج من الأُطر الضيقة إلى فضاءات رحبة بلغة سليمة وايجاز شديد وهذا ما يميز القصة القصيرة جدا عن غيرها من الأجناس.

كما تناول في قصصه كل ما يتعلق بالمجتمع والأسرة باعتبارها نواة الأساسية في بناء الدولة والفقر والعوز والحرمان والفساد والظلم والحب والكره ..

نزوع القاص الى الميتا سرد في انتاج  نصوصه محققا ذلك باستخدام آلية  التناص بأشكاله الرمزية والاسطورية  لتمثيل واقعية متضمنة لطاقة سردية مجازية( انتقال من سياق الواقع الى سياق التخييل.. )3  وترك للمتلقي ملء الفجوات ، حيث حول الميتا سرد دور (الناص ) الى “استهداف المتلقي  استهدافا مباشراً في سبيل تفجير الطاقة الخلاقة لديه ودعوته في المشاركة في العمل الابداعي باعتباره جزء منه” 4، متخذاً ابعاداً تأويلية سردية متخيلة تحرر التفكير من المحددات المباشرة الخاصة بالرؤية الواقعية للأشياء، والتي يمكن تفسيرها في ضوء مفهوم ما وراء السرد ( ميتا سرد)

تقول ليندا هوتشيون ” نزوع يتولد من داخل النص ، وكالنظر في المرآة يعكس (الميتا فكشن ) اجراءات البناء التخيلي وقد يهدمه”5

يتجلى ذلك في نماذج من نصوصه  :

 

١- إجهاض

وَضَعَ يَدَهُ كواقية فوقَ عينيه كي لا يبهرهما بَريق السِهام، بدأ يُحرك إبهامه مِن دائرةٍ إلى أُخرى، طَفَتْ في ذهنِه صورٌ أليمة، حروب، قتال، صرخات لأطفالٍ تتردد أصداءها بصَخَبٍ على الحدود، هَزَّ رأسه مُمتعضاً من تلك الخارطة فقد أصبحَ العالم لديه مُعتماً ومعقّداً .. فلَما اقتَرَبَ مِن الربيعِ العربي؛ خَنَقَتهُ رائحة الدماء.

 

٢- ظلال

نَبَشَ مَلاحِم الأوَليين, تَعَثرَتْ قَدَماه بَينَ عِبء الماضي وَنَكَبات الحاضر, َصَرَخَتْ بوَجهِه الآلهة آمون, إزيس, اشنان, عِشتار, عَثتر, تانيت…لَما لَمَحَ سَيف ذي الفِقار يَحصدُ الرؤوس؛ سَطَعَ نورُ العَدلَ في قَلبِه.

 

٣- حَلَبة

تَسَلَق شَجَرَة سنينه, فَتَشَ عن ثِمارها المُخَبأة بينَ الشقوق…لَما تَحَسَسَ رياح الخَريف؛ مَضَغَ أحلامه.

 

٤- عَزم

رَدَمَ هوّة العُمر، أزالَ رذاذه الأبيض، تَقَدَمَ بخُطى رَصينة… لَما غَرَسَ البذر في التُراب؛ أزهَرَ عَجْزَهُ نباتاً مُتَطفْلاً.

 

٥- شهوة

سمراءٌ ممشوقةُ القوام، نَظَر إليها بتلذذٍ، عبق رائحتها القرنفلية أثارت لُعابه، ابتلَعَ ريقه، اقتَرَبَ منها .. لَما أبصَرَ ثلاثة رجال يحاولون التحرشُ بها؛ افتَرَستْ أسنانه رأس الشاة المطبوخة .

 

6- انتكاسة

احتَدَمَ الصراع في نفسه، حاولَ الفرار مِن بَدَنه .. لَما أراد التمسك بعودِ الحياة؛ فاضت روحه ألواناً من الألم والحسرة.

 

 

٧- فحولة

اشتكت ثلاث نِعاج لصاحبَتِهن زوجة المُفتي عن قيام الخروف بأكلِ الشَعير بمفردِه، استَلت له عَصاً غليظة، اقتربت منه؛ التَمَعَ قِرنَيه بَبَريقٍ خاطفٍ للأبصار قائلاً : لَنا القيادة … انفَرَج فَمَها عن ابتسامة مُزيفة عندما تَذَكَرت زوجها.

 

٨- دَين

نَفَضَ أوراقَ سنينَهُ في الربيعِ الأول، احتَدَم صراع الطفولة، بكاء، صراخ، ضَرب، أثارت في كيانِهُ هَلوَسة جنونية، امتَعَضَ، نَظَر إلى شَيبَته بسوءٍ …لَما حاوَلَ التَخلص مِنه؛ تَبَسَم الأب ضاحكاً! قال: انْتَظِرها.

 

٩- براعم راقصة

تَلاطَمَتْ الافكارُ، تَطايَرتْ مِن رَأسِها إثرَ صَوت تَسَلَلَ الى مَسامعِها، حَدَقتْ الى بَناتٍ صَغيراتٍ بشَعرهن الأشقر الذي يَشبَهُ سَنابِلَ الشَعير عِندَ الحَصادِ يَدورنَّ يَتَراقَصنَّ في حَلَقَةٍ جَميلَةٍ يَنشدنَّ (شَدّه ياوَرد شَدّه) بأقدامَهِنَّ الصَغيرَة، اشتاقَتْ قَدَماها للرَقص نَظَرَتْ يميناً يساراً، لَم تَقدَر مُقاوَمَة مَشاعِرَها، نَزَعتْ حِذاءها، وِضَعَتْهُ على التِرابِ، أحَستْ بلَذَةٍ وَخِفَة في جَسَدِها، رَكَضَتْ نَحوَهُنَّ، سالَ العَرَقُ مِن جَبينِها بغَزارَةٍ, تَيَقَنَتْ أن الطفولَة لا تَعود بَعدَ المَشَيبِ.

 

١٠-بَينَ بين

بَعَثت أفعالَهُم ألَماً في تسلخاتِ حَياتَهُ, فَرَّ بقَلَمٍ وقرطاس في السهولِ الخضراء…(أنت سَعيد يا صاحبَ الغَنم ! فأنتَ لا يشغل بالَكَ شُهرة ولا مَجد؟ أنتَ لا تعرف عن بَلَدك غير التي تنبتُ فوق مراعيك! أنا الكاتب المسكين يهزؤون بي ولا أجد مَن ينتشلَني) عِندَما استيقظَ من نشوَتِه؛ ارتفع ثغاء الأغنام ابتهاجاً بالوالي.

 

١١- استرقاق

استلَبوا هويتي، بعثروا أغراضي، أخفوا قلمي، سَرقوا خَنْجَرَ جَدي، مَزَقوا قرطاسَ مُعلمي، استوطَنوا داري … لَما وضعوا أيديهم في جوفِ فَمي لانتزاعَها؛ صَرخة الحُريّة لا في وجهي .. بينما القطيع في غِناء العبودية لا يعرفون غير هَزّ الأذناب والرّؤوس.

 

١٢- نقصٌ

تَلَمَسَ أصفاري، قرقعة الورقة الجديدة قَدْ، ابتَهَجتْ أساريرهُ، كَتَبَ مقالاتٍ عن الشرف، تَتَبَعَ وكرَهنَّ … فلما انكشف له نصفَ جَسَدهنَّ العُلوي، سالَ لُعابَهُ؛ قهقه برناردشو ضاحكاً: كُلٌ مِنا يَبحثُ عما ينقصه.

 

١٣- كليبتوقراطية

 

توَهّجت السطور بين خبايا التأريخ..

أومأ شكسبير إليهم برأسِه، اهتزّت أركان المسرح، نطقت السيّوف في أغمادِها، احتدم الصراع، عَلت الأصوات، سَقَطَ على الأرْضِ ..

الأم الثَكلى الّتي غُدرَ بزوجِها كانت تنظر بصمتٍ،

صَرَخت بحرقةٍ : حتى أنت يا بروتوس.

تعلن (باتريتشا واو) في كتابها ميتا فكشن بان ما وراء النص المعاصر هو ” استجابة ومساهمة في الوقت نفسه لمعنى اكثر تطرفا..” 6

 كما يفكك الخطاب الميتا سردي قوانين الهيكلية الناظمة له من اجل تحقيق اهداف ما بعد حداثية مثل” كشف فوضى الوجود المعاصر وفضح زيف الوهم المهيمن على الوعي البشري”7

نَخلصُ في النّهاية أنّ القاص غانم عمران المعموري ، لم يعمد إلى الميتا سرد ليكشف بعضاً من هموم الكتابة فقط وإنْ كان هذا هو الأساس بل فضلاً عن ذلك وظّف الميتا سرد كمُؤشر عن دَلالات تسْتَقى كاسْتنباطٍ، أو مُعادل لتَأويلٍ فنّي. والمُلاحَظ أنَّ النَّص يَبدو بَسيطاً، ولكنّه ليسَ بِالبَسيط أبداً حيث تتضمن العديد من قصصه الرموز الميتافيزيقية والأسطورية والفلسفية والمادية وكذلك اتخذ من المادة الغير ناطقة والحيوانات والحشرات رموزاً بالإضافة إلى توظيف الأسطورة كوسيلة للتعبير عن الحاضر والمستقبل.

المصادر

  • ابو رحمة ، أماني، جماليات ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة، دار نينوى للنشر والتوزيع، سوريا،2010 .ص13 .
  • المعموري ، غانم عمران/ عناقيد الجمر،ط1،دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، مصر،2019 .
  • جماليات الميتا سرد في فنون ما بعد الحداثة ،احمد عادل غازي،مج21:ع1 ،20 يناير2021 .
  • نفس المصدر السابق
  • ليندا هيتشيون، السرد النرجسي،
  • باتريشيا ووه، الميتافكشن النظرية والتطبيق، تر، السيد امام،ط1 ،دار شهريار، العراق، البصرة،2018 .
  • الميتا فكشن ، نفس المصدر.
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *