| رحمة خليل جودة : “قصة نجاح” جيمس كولد كوزنز .

رحمة خليل جودة

التقيتُ بريتشاردز في أول رحلةٍ لي إلى  كوبا منذُ عشر سنوات  أو أكثر. كان شاباً لطيفاً قصير القامة وذا وجه حاد الملامح في الثانية والعشرين من عمره تقريباً. قدم لي نفسه على متن القارب وفوجئت أن شركة “باناميركا ستيل” لاستخراج المعادن ارسلتنا لأداء العمل ذاته.

كان ريتشاردز متخرجاً في كلية هندسة حكومية متواضعة المستوى. ولأني أماثله عمراً، وتخرجت للتو في الكلية التقنية، لاحظت حالاً إن معرفته كانت ضعيفة نوعاً ما. في الحقيقة، كان حصوله على هذه الوظيفة أمراً غريباً بالنسبة لي.

كان ريتشاردز محبوبا بطبيعة الحال وكنت استلطفه كثيراً. كان الشركة متعاقدة لبناء خط سكة حديدٍ خاص. وكان التفتيش والأعمال الورقية الروتينية بالنسبة لنا- أنا وريتشاردز- عملاً سهلاً في الغالب. على الاقل كان هذا العمل سهلاً بالنسبة لي، بينما كان الأمر أكثر صعوبة في حالة ريتشاردز الذي يبدو انه لا يتقن استخدام المسطرة المنزلقة. عندما طلب مني التحقق من أرقامه وجدت حساباته خاطئة. أضطررت أخيراً للقول:(يافتى) أنت بلا شك الرجل الأبيض الأكثر غباءً في هذه المقاطعة. أنظر، أيها الغبي، ألم تدرس علم الحساب من قبل؟ ما حاصل سبعة اضعاف ثلاثة عشر؟. قال ريتشاردز: “جد الحاصل ودعني احصل على تقرير غداً”.

وهكذا، راجعت أرقامه في وقت فراغي، ولم يكتشف المفتش له سوى خطأين فادحين. وفي  كانون الثاني زارنا العديد من مديري شركة السكر المتحدة لتنفيذ بعض الأعمال، وللتمتع في أكثرية الأحيان، عذر جيد للتوجه إلى الجنوب في عطلةٍ. كان علينا انا و ريتشاردز مرافقتهم في أنحاء المكان. وكان أحد المديرين، السيد “بروست.  يطرح عدداً من الأسئلة. كنت مُلماً بعملي بما يكفي للإجابة على كل سؤال من اسئلته المعقولة– ذلك النوع من الأسئلة الذي من المرجح أن يطرحه مهندسٌ متدرب. لم يكن السيد بروست مهندساً. ولذا، جعلتني بعض أسئلته في حيرةٍ

من أمري. للمرة الثالثة اضطررت أن أقول:” أخشى أنني لا أعرف، يا سيدي”.

“ليس لدينا أية قياسات عن ذلك”، قال المدير.

عندها بادر ريتشاردز إلى الحديث قائلاً: “اعتقد، حوالي تسعة ملايين قدم مكعب، ياسيدي. توافق أني كنت أعمل في هذا الأمر الليلة الماضية. فقط لأني مهتم شخصياً به”.

“هذا مثير للاهتمام حقاً! سيد-مممم- ريتشاردز، أليس كذلك؟ حسناً، ربما يمكنك إخباري عن هذا الأمر”، قال السيد بروست بعدما استدار في مقعده والقى عليه نظرةً حادةً. كان ريتشاردز قادراً على إخباره. إنه يعرف كل شيء. وعلى طول الطريق، كان السيد بروست يُمطره بسؤالٍ تلو الآخر، وكان ريتشاردز يُجيب في كل مرة عنها. عندما وصلنا إلى مقدمة السكة، كان هناك محرك بانتظار السيد بروست. اومأ برأسه لي وهو شارد الفكر. وصافح ريتشاردز قائلاً: “إنه أمر مثير للاهتمام حقاً. وداعاً سيد ريتشاردز، وشكراً”.

“على الإطلاق يا سيدي. سعيد إذا كان بإمكاني تقديم العون لك،” قال ريتشاردز.

حالما تحركت السيارة،  قلت غاضباً: “القليل من الخداع الصادق لا يضر، ولكن بعض من الارقام الخاصة بك…!

قال ريتشاردز مبتسماً: “أحب إرضاء الآخرين. إذا كان رجلٌ مثل بروست يريد أن يعرف شيئاً، فمن أنا لأرفض تقديم معلومات له؟

ماذا سيظن عندما يُدقق في الأرقام أو يسأل شخصاً خبيراً؟

قال ريتشاردز بلطفٍ: “اسمع بني” لم يكن السيد بروست يطلب أية معلومات ليستخدمها بعد ذلك. وهو لا يريد معرفة هذه الارقام فهو لن يتذكرها. حتى أنا لا اتذكرها. ما سوف يتذكره هو أنا وأنت وحسب. نعم. قال ريتشاردز بحزم. سيتذكر أن (بان اميركا ستيل) لديها شاب لامع اسمه ريتشاردز يمكنه أن يخبره أي شيء يريد، ذلك النوع من الفتيان الذي يمكنه استخدامه، ليس مثل ذلك الزميل الآخر الذي لم يكن مهتماً بعمله، ولم يتمكن من الإجابة على أبسط سؤال ومن سيقضي حياته بالعمل في عقودٍ قصيرة الأجل.

هذا صحيح، ما زلت أعمل في الشركة، وما زلت أقوم ببعض الأعمال لخط البناء. ماذا عن ريتشاردز؟ توافق أن قرأت في إحدى الصحف الإخبارية قبل أسابيع قليلة أن ريتشاردز قد عُينَ نائباً للرئيس ومديراً لشركة (بان اميركا ستيل) بعدما اشترت مجموعة بروست الشركة القديمة.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. زهير الخويلدي : هل نحن محقون في أن نكون عقلانيين؟ .

” بدون تأليه العقل ولكن دون التقليل من أي من مطالبه، يبني باسكال إنجل بحكمة عقلانية …

| جمعة عبدالله : ميكيس ثيودوراكيس وداعاً “قصائد وأغاني” .

× رحل الموسيقار اليوناني العالمي ( ميكيس ثيودوراكيس ) عن عمر يناهز 96 عاماً , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *