| عبد الرضا حمد جاسم : مواقف إنسانية خلال حرب طاحنة .

ذكرت في ختام: [مذكرات جندي احتياط/الخاتمة(3)] بتاريخ 2021/09/08 الرابط

  https://www.alnaked-aliraqi.net/article/89726.php

التالي: [ـ هناك بعض القصص عن الحرب لم أوردها في هذه المذكرات سأحاول نشرها في الذكرى ال(41) لاندلاع نيران الهمجية في يوم أيلول 1980] انتهى 

…………….. 

اليوم اُسجل بعض الصور الإنسانية التي كانت تغطي عليها الاشلاء والدماء والرعب و الضوضاء العسكرية والإعلامية وهي صور كانت او جرت في كل المواقع والساحات والقواطع والساعات لكن يبخل الكثيرين من كشفها والاشارة اليها لاعتبارات كثيرة أهمها انها منسية وغير مؤثرة في نتائج الحرب لكن كما أتصور انها الإنسانية و الصفاء والنبل في زمن القهر والاذلال و التعدي…ويمكن لي ان أقول ان تأثيرها في محيطها الضيق كان يساوي الكثير للنفوس المتعبة القلقة حتى الدمار…أنا على يقين ان في كل يوم من تلك الأيام الكالحة  بل الساعات و الدقائق كانت هناك مواقف قد لا تُصدق لكنها جرت وتركت الكثير…اتمنى ان لا يتردد من يعرفها ان ينشرها حتى ولو كانت شخصية انية في لحظة فقدان الامل مثل العناق والبكاء او التهنئة بالدموع على النجاة من قتل كان قريب و محيط. واليوم كما وعدت القراء ان اكتب عن بعض تلك الصور وكما وعدت عائلة الكريم الراحل النقيب النجيب سلمان إسماعيل فرحان المياحي التي كتبت لي بعد حوالي احد عشر عام عن نشري الأول لمذكرات جندي احتياط، أكتب عن أربعة عسكريين من سرية مغاوير لواء المشاة506 وهم بالأسماء وسأضطر أن اُشير لتعريف إضافي لكل واحد منهم هذا التعريف فرضته سخافات هذا الزمان القاسي والصعب لكن اعتقد ان لها دلالة مفيدة اعتذر عنه(الوصف/التعريف) وحسب التسلسل: أرشد/من أهالي بلد(مسلم شيعي)…أوديشوا/ من أهالي كركوك(مسيحي)…رياض/ من أهالي بغداد/الفضل(مسلم سني)…عمو/ من أهالي سنجار(أيزيدي). لا اعرف عنهم شيء اليوم…الرحمة والراحة الأبدية لمن غادرنا والعافية والعمر المديد والسلامة لمن لا زال معنا في هذه الحياة. 

اولاً: أرشد 

من أهالي بلد…انسان بسيط وهادئ وصادق ومؤمن حد الاستفزاز لا يقرأ ولا يكتب (اُمي)…عمله في الظروف الاعتيادية سائق تاكسي …يملك سيارة تاكسي يابانية كراون موديل 1982 من مواليد 1955 غير متزوج وهو المعيل الوحيد لعائلته الكبيرة أي ليس لديهم أي مورد مالي غير ما يحصل عليه أرشد من سيارة التاكسي. وكان يأتي الى الجبهة بسيارته التاكسي التي يتركها في المعسكر الخلفي(الخلفيات) حتى يتمكن من الاستفادة من الوقت وكسب رزقه في طريق ذهابه وعودته عند تمتعه بإجازته الدورية. كان متدين يؤدي الفرائض في اوقاتها ويطيل في صلاته التي يؤديها في العراء في الاغلب خوفاً من ان تكون المواضع الأخرى غير طاهرة…لا نعرف من صلاته سوى الحركات وأعتقد أنه لا يعرف منها غير…الأذان و (الحمدُ وقل هو الله أحد) وبعض الأدعية والتربة والمسبحة (تربه وسبحة) التي يضعهما في جيب خاص يخيطه بيديه في الجهة الداخلية من ملابسه العسكرية من قطعة قماش خضراء (علكَ). أرشد الطيب صامت أيامه ولياليه عدى تبادل التحية والسلام… حيث انه في العادة لا يتكلم “يعني ساكت 24 ساعة” فهو يستمع فقط وعندما يتعجب من شيء يقول بلهجته الجميلة (بلله عليك). وحتى عندما يريد قضاء حاجته يأخذ ابريق الماء الخاص به ويذهب بعيد عن المواضع أي لا يقضي حاجته في المكان المخصص لها في الموقع. 

ما اثار عجب السيد امر السرية ونحن ايضاً انه في أحد الأيام عندما كان أرشد يؤدي صلاة الظهر وعندما فتح كفيه للدعاء في ختامها حط طير صغير(عصفور) على كفه الايسر واطال الوقوف نسبياً كما اطال أرشد الدعاء وهو صامت ربما لم يرمش له جفن…ختمها أرشد بأن رفع كفه الأيسر ليحلق العصفور…الحقيقة موقف خشوع او موقف جلل هز الكثير منا ومعنا النقيب آمر السرية وبالذات في تلك الظروف الصعبة… كما قلتُ في السابقات عن تدين الكثير من المراتب واغلبهم من البصرة/القرنة من شاهد الموقف او من سمع عنه في حينه قال ما قال وفق ما يعتقد وكلها تصب في ان أرشد غير المؤذي صاحب كرامة. الموضوع كان غريباً علينا ونحن في تلك الظروف القاسية وكل شخص فسره تفسير خاص به وكلها تصب في الجانب الديني من تقوى وايمان وامان وكرامات وغيرها. 

 بعد هذا المشهد دخل امر السرية موضعه دون ان يتكلم بكلمة واحدة أو يُعلق بتعليق أي ليس على عادته. في المساء طلبني وامرني بإحضار أرشد…حضر أرشد وطلب منه النقيب خارج السياق العسكري ان يجلس وأمرني بالانصراف…أديت التحية العسكرية وخرجت… وبقي أرشد لحوالي ساعة مع النقيب سلمان إسماعيل فرحان…خرج أرشد ساكتاً كعادته…لم يحاول أحد الاستفسار من أرشد وحتى لو استفسر لن يجد جواب لكون أرشد لا يتكلم أصلاً. وهو كما نقول (ليس سريع البديهية ليجد حجة او يُرَّكب سبب).  

تبين بعد ذلك ان النقيب استفسر من أرشد عن احواله وعائلته وكيف يقضي اجازته…حيث عرف منه انه في أيام اجازته لا يذوق طعم الراحة حيث يشتغل بسيارته ليوفر لعائلته المصروف الشهري (الاجازة أسبوع في كل شهر في ظروف الهدوء في الجبهة وقد تطول في ظروف عدم الاستقرار).  

بعد اقل من أسبوع أمرني النقيب النجيب بتنظيم إجازة باسم أرشد لمدة أسبوع وطلب منه انتظار الرائد تركي السعدون في المعسكر الخلفي/ الرائد تركي السعدون من أهالي الحي/محافظة واسط وهو بعثي بدرجة عضو قيادة فرقة وآمر السرية الأولى الفوج الثالث لواء مشاة 506 وعضو مكتب عسكري في القاطع…حيث تبين ان السيد النقيب اتفق مع الرائد تركي السعدون امر السرية الأولى فوج 3 لمش 506 ان يقوم أرشد بإيصاله في إجازته الى سكنه في قضاء الحي/محافظة واسط ويعود به بعد انتهاء الاجازة وبذلك ستكون إجازة أرشد مرتين في الشهر ليتمكن من العمل بالتاكسي فترة أطول ويوفر لعائلته بعض احتياجاتها…خلال الأسبوع بين مقابلته للجندي الاحتياط أرشد وتمتع أرشد بالإجازة كان النقيب سلمان إسماعيل فرحان المياحي على غير طباعه ولم يتطرق لما دار بينه وبين أرشد رغم أن أرشد أخبرني بالبعض القليل مما دار خلال حوالي الساعة ولم أرغب او لم أستحسن الاستفسار لأنه خارج الأصول و الواجبات …في أحد الأيام خرج السيد آمر السرية لزيارة وتفتيش الفصائل ماشياً لتجاوز الملل من التقوقع في الموضع والالتقاء بالمراتب… رافقته وبدأ بالكلام عن موضوع أرشد حيث فاجأني بسؤال هو: ما تفسيرك لحالة وقوف الطير على الكف الايسر لأرشد عند صلاته في ذلك اليوم؟ أعرف من خلال علاقتي بالسيد النقيب أنه غير متدين أي (لا يصلي ولا يصوم) وبالمقابل لا يتصرف بما ينافي الدين…وأعرف أنه مهما كان ردي سيكون بيني وبينه ولا تترتب عليه أي نتائج ويعرف إني سأقول ما اريد قوله وبصراحة معه بالذات…شعرت أن السؤال صعب وكبير فقلت له ربما صدفة فقال أي صدفة هذه؟ وقوله صحيح هنا، وأضفت ربما أن الطير عرف براءة أرشد وطيبته الغريبة في هذا الزمن الصعب. 

كان أرشد الوحيد الذي لا “”يتسلى”” معنا عندما نقضي الوقت بقتل الطيور بالعتاد الناري ونتفنن ونراهن بيننا من الذي يصيب الطير…وكان أرشد يتركنا ولا يقترب منا ولا يساهم في ذلك أبداً ويردد احياناً (هذه روح)… اعتقد أن النقيب عرف عجزي عن الإجابة وأن له رأي خاص في تفسير ما حصل ولم يفصح عنه…ثم قال بانفعال بادي : أنا مسؤول عن عائلتي الصغيرة وعائلتي الكبيرة (زوجته وبنته وأهله) وانا ضابط عندما استشهد سيحصلون على تقاعدي و تستمر ترقيتي لكن أرشد المسؤول عن عائلته الكبيرة والذي لم يتزوج لليوم من يتدبر أمور عائلته عندما يستشهد لا سامح الله؟؟؟ أنا عندي أخي الكبير طاهر (له العمر المديد وتمام العافية) سيحرس العائلة ويكون كبيرها ولكن من يكون لعائلة أرشد…استنتجتُ من هذا الكلام أن حديث الساعة بينه وبين أرشد كان عميق وفيه خصوصيات لن يبوح بها النقيب النجيب سلمان أسماعيل فرحان جوهر المياحي…ثم تغيرت نبرة كلامه وقال: (وليدي لازم اساعد أرشد وراح ارتبلة ترتيب) …وفعلاً رتب له الإجازة الثانية مع الرائد تركي السعدون المستمرة كل شهر ودخل بعدها النقيب خضير/من أهالي الحلة وهو امر سرية الاسناد وهذا الضابط الطيب ممزق تقريباً من كثرة الشظايا التي في جسده واحشاءه لكنه عصبي جداً جداً وقاسي. 

المهم بعد حادثة إطلاق النار على صدام حسين في الدجيل وكان أرشد في إحدى إجازاته …عاد أرشد لاغيً بقية الاجازة حيث اُشيع من أن الاستخبارات العسكرية أصدرت اوامرها الى كل الوحدات العسكرية بالإبلاغ عن أسماء كل العسكريين المجازين في ذلك اليوم من أهالي الدجيل وبلد وغيرها من النواحي والمدن في تلك المنطقة… وفعلاً تم تعميم هذا الأمر…أمرني النقيب النجيب سلمان إسماعيل فرحان بتغيير سجل الاجازات خوفاً واستعداداً لأي زائر للتدقيق او التفتيش وقام بإعلام قيادة اللواء 506 ان لا يوجد عسكري من سرية المغاوير من تلك المنطقة كان في اجازته. وبذلك أنقذ أرشد من مصير لا يعلم سواده إلا الله والسلطان وجلاوزته…لك أيها النقيب الشريف الرحمة والذكر العطر وللغالي الطيب النقي أرشد الرحمة ان كان قد انتقل الى دار الحق والعمر المديد ان كان حياً ولو اعتقد ان هذا الامر صعب لما مر على السرية من مواقف صعبة بعد ذلك…اتمنى من الكرام أهالي بلد ممن سيقرؤون هذا او من يعرف منهم شيء عن أرشد التفضل بالإشارة هنا فكما عرفنا عن عائلة نقيب سلمان الكريمة أتمنى ان نعرف عن طيب الذكر أرشد. 

ثانياً: أوديشو 

عريف سائق احتياط من أهالي كركوك كان “”يخن””عند الكلام بشكل واضح …يوماً ومع اقتراب أعياد الميلاد ورأس السنة طلب من آمر السرية تأخير إجازته الدورية لتتوافق مع الأعياد ليقضيها مع ذويه ومحبيه في كركوك…مُنِحَ اجازته التي تنتهي قبل رأس السنة ومعها عدم تعرض لمدة ثلاثة أيام بحيث يكون التحاقه  في اليوم الثالث من السنة الجديدة…لكن في اليوم الأول من السنة الجديدة مساءً التحق اوديشو مع عجلة الارزاق …أثارت عودته استغراب النقيب وهو الذي تمنى المساعدة وعند الاستفسار لم يعطي سبب مقنع لكنه اصر على مقابلة السيد آمر السرية…قابله مساءً…وبعد وقت قصير طلبني آمر السرية ومعي سجل الإجازات…بعد أداء التحية العسكرية وتقديم سجل الاجازات للسيد آمر السرية الذي قلب السجل ثم اغلقه واعاده اليَّ ومعه عدم التعرض الخاص بالعريف اوديشو وهو يضحك…وخاطبني بكلمته المحببة “وليدي” هذا عدم التعرض مال اوديشو بيدك انت شكَكَه”…ثم ائتمنني على ما دار مع اوديشو وخلاصته انهم في حفلة النادي الآثوري في كركوك ليلة رأس السنة وعند إطفاء الإنارة في الدقيقة الأولى من العام الجديد ومع التصفيق والزغاريد هتف عريف الحفل بحياة الزعيم …والزعيم كما معروف عند العراقيين هو (عبد الكريم قاسم)…أكيد هو لا يقصد ذلك لكنها ربما زلت لسان فسرها البعض انها تعني الزعيم عبد الكريم قاسم فساد الهرج والمرج وهرب من القاعة من هرب ومنهم أوديشو الذي ذهب بعد بيتهم الى كراج النقل بنفس الليلة ليستقل اول سيارة الى بغداد ومن ثم الى القاطع/وحدته العسكرية…وطلبه اللقاء مع امر السرية حتى يساعده في حالة الاستفسار عنه إذا تطور الموضوع امنياً…مر الموضوع بسلام ولم يحصل شيء…تحية لأخينا اوديشو مع امنيات له بالسلامة او الرحمة والراحة الأبدية. 

ثالثاً: رياض 

رياض طباخ امر السرية وهو من اهالي بغداد/الفضل/قرب الحمام الشعبي/ لدية صعوبة في النطق””متمته/تمتمه”… انسان طيب بريء… رُزق بطفله الأول ذكر بعد سنين من الزواج اسماه عبد القادر على اسم (الشيخ عبد القادر الكيلاني) حيث كما يقول ان الله أهداه هذا الطفل بشفاعة الشيخ عبد القادر الكَيلاني. 

نهض في أحد الأيام على غير عادته مرعوباً ولم يتكلم فسألته ماذا هناك؟  فكان جوابه”””ببببعععددديينن”””أي “بعدين” …خرج من الموضع فتبعته لأتبين حالته بعيداً عن شركاء الموضع الأخرين فقال لي:” حححلمممت حححللم غغررريييب”…” حلمت حلماً غريباً” فقلتُ له خير ان شاء الله…فقص عليَّ الحلم وخلاصته أنه رأى في منامه ان أبنه عبد القادر بملابس عسكرية يلتحق معنا هنا في مقر السرية في جبهات القتال في الحرب مع إيران. 

ضحكت بصوت عالي استفزه فطلب مني تفسير لذلك الحلم …قلت له وانا امزح هذا يعني ان الحرب ستستمر الى ان يكبر عبد القادر ويُساق/يلتحق بالخدمة العسكرية الاجبارية ويلتحق معك في القاطع (القاطع الاوسط). المسكين اخذ الكلام بجديه وعند الظهر رجاني بعد ان قدم طعام الغداء البسيط الى النقيب آمر السرية ان احصل له على مساعده (أجازه) ولو لمدة يومين ليرى ابنه فهو مشتاق اليه وقلق عليه… وعدته خيراً …وفعلاً أخبرت آمر السرية بقصته فضحك وقال يحتاج ان يطمئن على ولده فمنحه مساعدة/إجازة لمدة يومين تبدأ من اليوم التالي/الغد وأمره بالذهاب مساءً مع سيارة الارزاق الى المعسكر الخلفي (الخلفيات).  

وهو ينتظر عجلة الارزاق للنزول للخلفيات وعند توديعي له قال لي لن ارجع وبلغ سلامي للجميع وبالذات “عمي” يعني النقيب سلمان إسماعيل فرحان المياحي آمر السرية. وفعلا دخل الهروب الرسمي وعاد بعد فتره طويله (أكثر من ستة أشهر) مقبوضا عليه وتمت معالجة موقفه من قِبَلْ الطيب امر السرية وبمساعدة الرائد تركي السعدون حيث (كانت عقوبة الهروب من الجيش خلال الحرب العراقية الإيرانية تصل الى الإعدام رمياً بالرصاص) …  

عزيزي أبو عبد القادر أتذكر انك شجاع و(جسر) وعندك الاستعداد الدائم للهروب …اتمنى ان تقرأ هذه لتتذكر تلك الأيام اما اذا كان هناك ما هو غير ذلك فلك الرحمة والذكر الطيب وكان صعباً او يكون على والدتك التي فتحت لي الباب وانا اسأل عنك في هروبك الأول واعرف ان فراقك وقتها صعب على عبد القادر ووالدته وهو طفل صغير وانت رب العائلة الساكنة بدار ايجار من غرفة واحدة في احدى(درابين) الفضل وانت معذور في عدم ايفائك بوعدك لي حول التحمم في الحمام الشعبي القريب من سكنكم. 

رابعاً: عمو 

عريف احتياط من الأخوة الأيزيدين/ سنجار ذو لحية طويلة /كثة كما رجال الدين وكما لاحظنا من تصرفات الأخوة الايزيديين الاخرين معه واذكر منهم الأخ (خديدا) انه اما رجل دين او ابن شيخ عشيرة لأنهم يقدرونه كثيراً وينفذون له كل اوامره “يعني” يطيعوه إطاعة عمياء كما يُقالْ حتى انهم يديرون على يديه الماء عندما يريد غسل يديه…(في تلك الفترة تم شمول الاخوة الآيزيديين بالخدمة العسكرية بسبب النقص الكبير في عدد المقاتلين وللتقليل من التحاقهم مع الحركة الكردية المسلحة في جبال كردستان).
في أحد الايام حصلت ضجة قريبه من موضعنا فخرجنا لنرى ان عريف عمو قد ركل “قصعة” بعض الجنود [إناء من الالمنيوم كبيره يوضع فيها الطعام لعدد من الجنود ليتناولوه سويةً كان كالعادة تمن/رز مع مرق/سوب) وكان ذلك اليوم ( مرقة ملفوف او لهانه كما يسميه العراقيين)…هذا ما قيل وقتها ولا نعرف السبب الحقيقي ولم نبحث عن السبب لأن الحالة والموقف خطير وسينتشر في الوحدات القريبة وقد يتوسع ويأخذ ابعاد أكبر و أخطر.
تدخل امر السرية عسكرياً وطلب تقديم عريف عمو مذنب مساءً وقبل حضور المذنب/عريف احتياط عمو استدعاني امر السرية وقال لي ما ذا تقول اجبته تصرف غير مقبول وشخصي اتمنى ان لا يتطور باتجاه الدين والقومية وكانت مثل هذه الامور غير ظاهره وقتذك كما هي اليوم والتي لو حصلت اليوم لسالت انهار من الدماء بسببها. وهناك متدينين في السرية والطعام كما هو معروف في الفهم/الوعي/الثقافة الجمعي/ه انه نعمة من الله والتعدي عليها مرفوض وحتى لو وقعت حبة رز على الأرض هناك من يلتقطها حتى لا تداس بالأقدام.
مساءً قدمنا عمو مذنب الى السيد آمر السرية قال له النقيب أنا سامع أن (اللهانه) الملفوف حرام عندكم ولكن ما قمت به حرام عند الاخرين فكيف تتصرف هكذا؟… عقوبتك تأخير اجازه لمدة أسبوع (اختار اقل عقوبة متعمداً كما قال) وتعتذر للأخرين لأن ما قمت به هو كفر عندهم و إساءة لهم وحتى لا تسمح لهم بالإساءة لدينك وانت تعرف ان هذا التصرف مرفوض دينيا وعسكرياً وهو خارج الذوق والاصول فالتعليمات تقدر احترامكم اطالة اللحى ولم نطلب منكم حلقها كما نفعل مع الاخرين…كذلك ان تصرفك هذا يمكن ان يعتبر جريمة عسكرية… ان عاودتها لن احيلك الى مجلس تحقيقي بل ستنال جزاءك على يدي لأن فيما فعلت فتنه. 

شعر الراحل آمر السرية باندهاشي من هذه العقوبة البسيطة وهذا الكلام الكبير فقال لي بعد خروج المذنب: يجب ان لا يتوسع الموضوع فربما تكون حياة (عريف عمو) في خطر أو قد يتعرض الى اعتداء من أحدهم… والضغط عليه سيدخل في باب الدين…بعد فترة تصرف النقيب سلمان إسماعيل فرحان تصرف هادئ وحكيم حيث تم نقل العريف عمو خارج السرية وخارج اللواء.
الحقيقة لم اتوقع ان استمع الى هذا الدرس البليغ من ذلك النقيب الشاب الكريم… انه درس تعلمت منه الكثير منها اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح وبالذات عندما تكون قادر وقوي ومتمكن. أتمنى ان تكون أيها الأخ عمو على قيد الحياة ولو ان هذا صعب جداً حيث اعرف جسارتك وسرعة انفعالك وحتى تهورك وما جرى بعد ذلك الوقت واليوم والامس القريب في سنجار مؤلم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالكريم ابراهيم : سينما علاء الدين وتسريحة أميتاب باتشان .

تشكل دور السينما فيما مضى محطات استقطاب وجذب لمختلف شرائح المجتمع العراقي، ولعل الأفلام الهندية …

| عصام الياسري : السياسة والحروب تطرق مضاجع الثقافة من ابوابها الواسعة.

في عام 2008 ، نشرت “ريبيكا سولنيت” مجموعة مقالات، “الرجال يشرحون الاشياء لي” وصفت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *