| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثانية (ملف/152).

قد يكون التفسير الأعمق من الناحية التحليلية هو الجسارة في مواجهة الأب الخاصي القامع ورمزه المحفور في لاشعور الأبناء مهما كانت نوعياتهم ومستوياتهم مرتبط بالخشية والانرعاب منه. ويمكن اعتبار “السجن” واحدا من أهم رموز الأبوة الخاصية. ومن يخرق “المُحرّم” يصبح هو نفسه “محرّماً” جديرا بالرهبة والتقدير. وخارق المحرّم الذي خرج “سالماً” في الظاهر وهو الراوي هنا قد قام بجزء من مهمة “قتل الأب” التي تلوب في أعماق الأبناء ؛ قام بها وفق مساراتها التصعيدية السامية التي لا يخبر الشقاة والعامة غير وجهها السلبي الدموي الذي يعني قتل الأب الفعلي (لتصبح جريمة). وقد اختطف الراوي بلا “جرم” معلن غير “خوف” السلطة الأبوية من أن يتجاسر وينفّذ عزمه على مواجعتها. إنّه في الحقيقة النفسية العميقة – وبرغم تهكّم الراوي – “غائبهم” الذي خرق المحظور وانتظروه طويلا. غائب يخشى الأب “عودته” في حين كان الجميع يخشون ظهور تسلّط الأب الفعلي. وهذا الغائب الفتي يستحق الحماية والحفاظ عليه كنزاً رمزياً. ليس هذا فحسب بل العمل على “تدريبه” لنقله إلى مرحلة الرجولة كما سنرى.

وتجربة الاعتقال المريرة هذه جعلها الراوي غطاء تبريرياً لقبول اعتذار أحمد برغم أن لا شيء يبرّر موقفه هذا ، إذا ما علاقة الاعتقال بمسامحة شخص عرض عليه أحطّ العروض السلوكية؟ وإذا كانت فكرة معانقة كل شيء في الكون، الماء والنار، والله والحشرة.. وحب الإنسان لأخيه الإنسان قد نمت في تجربة الاعتقال الأولى هذه كما قال الراوي آنفاً وصارت اساسا لسلوكه ، فمن الأجدر أن تكون دافعاً للمسامحة وطي صفحة الماضي لالعودة العلاقة بصورة أقوى وأشد. لقد رجعا اصدقاء بصورة أقوى من السابق ولا يكادا يفترقان كما يقول الراوي. وكثيرا ما يكون هذا ديدن العلاقات الإنسانية حيث تسبق العلاقات العاطفية الشديدة مراحل من الخلافات اللفظية وحنى البدنية  -أنموذجها الرفيع في ملحمة البشرية بين جلجامش وأنكيدو – لأن الحب الشعوري لا يفلح في إلغاء الكراهية بل في دفعها إلى اللاشعور فتسهم في تأججه وهو يكافح لإبقائها تحت قبضة الكبت كما يقول معلم فيينا. وهذا الحب هو الذي يدفعه الآن للانطلاق في مهمته الخطيرة حيث يحذره رجال السيطرات في كل مرّة:

” أستاذ.. وين رايح؟.. بغداد محترگه.. خطف وتفجيرات ما تخاف على حياتك؟!.

فيرد عليهم بأن لديه شغلا ضرورياً ، وخيال أحمد يطوف حوله مع سؤال:

كيف يبدو الآن؟ وماذا فعلَ بهِ الزمانُ؟!-  ص 20″

وبين كل وقفة تحذيرية وأخرى يسترجع – ونحن معه – جانبا من شريط ذكرياته مع أحمد بعد عودة العلاقة بينهما. ومن المهم أن أنقل ما قاله الراوي نصّاً حول انشغال الصديقين بالسياسة والنضال السياسي حيث كانا يقضيان:

“النصف الأخر [= من اليوم] عن السياسة، نطالع كتب الماركسية ونحلم بيوم الثورة التي ستنصف كل فقير ومظلوم وتحقق (وطن حر وشعب سعيد). لم أكن أعرف عن نشاطه السياسي شيئاً، فقد كان قليلَ البوح كتوماً، فتصورته متصوفاً متأملاً يفكر في قضيةٍ كبيرة- ص 21”

وما قلته عن خطيئة بل جريمة إقحام الأطفال المراهقين في السياسة والعمل الحزبي يستدعي التوقف عند محطات سلوكية مهمة لدى الصديقين تضيء ما قلته وتكشف بدقة التناشز بين البنية الفكرية “الفوقية” والبنية النفسية – الغريزية خصوصا- “التحتية” مستعيرين المصطلحات الماركسية المعروفة:

# صار الراوي يقضي يوم عطلته بجوار أحمد الذي كان يقف مكان أبيه يبيع الخضار في السوق. يقول:

“أتلصص عليه وهو يتعمد الإطباق على يدِ الشاريةِ وهو يناولها البضاعة، وعندما يستلم مبلغها، فتبرق عيناها شهوةً. سألتهُ كيفَ يتجرأ على اللمسِ، قال: خبرة سوق، من العيونِ والوجهِ والحركةِ أميز بين الراغبة وغير الراغبة.

– اللمسُ عابرٌ يشعل ولا يروي!.

قلتها فصيحةً، فرد:

 – أحسن [= يقصد ممارسة العادة السرّية] من أضعف الإيمان!- ص 20 و21″

كان هذان السياسيان يعانيان من الحرمان الجنسي فيكتفي أحمد بلمس الأيدي والراوي بمضاجعة العيون ، ويتبصصان على ما يظهر من الأجساد الأنثوية من العباءات، ويقضيان نصف يومهما يتخيلان عريها والكلام عن جنة الجسد المخبوء ، والنصف الآخر في الحديث عن الماركسية والنضال.    

# تفارق الصديقان بعد سنة بسبب رسوب أحمد في السنة الأولى، ففصل لتجاوز عمره الثامنة عشرة دونَ إكمال الإعدادية، وسيق جندياً إجبارياً. قبل أن يسافر إلى الثكنات أوقف صديقه وأشار نحو صبية سمراء تحمل كتبها وتمسك طرفي العباءة وتنظر بعينين قلقتين إلى الشارع والناس قائلا:

– ديرْ بالكْ عليها!. لمن أشوفها يوگع گلبي!- ص 21”

أي أن أحمد ائتمن صديقه الراوي على الفتاة التي يحبها. فما الذي فعله الراوي؟ لقد أوقعها في شباك حبّه ودبجت له الرسائل الملهوفة لكنه سئم منها سريعا ؛ أي أنه “خان” صديقه. وعندما عاد أحمد سلّمه إحدى الرسائل التي قرأها الأخير بلهفة معتقدا أنها له:

“رفعَ وجهه الذي شَحَبَ بغتة وبدأ يتصبب عرقاً. فالأسطر تتغزل بيَّ وتنتهي برجاء أن لا نلتقي في شارع بل في مكانٍ أمين، غرفة في بيت بعيدا عن الرقباء كي نمد الوصال على حد تعبيرها. لم يستمر الأمر إلا دقيقة، ثم أنفجر ضاحكاً، تهالكنا على الرصيف من نوبة ضحكٍ عاصفةٍ. وعندما تمالكنا أنفسنا، نهضنا. أقتربَ مني بوجهٍ فيهِ دهشة وحب وعانقني بشدة كما فعل حينما تصالحنا مردداً:

– ولك أنت أجمل صديق وَفَي بالدِنْيا.. خرب عرضك!… خرب عرضك.. يا أجمل سافل!- ص 23”

وصارت حكاية هذه الصبية (الضحية طبعاً لمراهقين) نادرة يُضرب بها المثل على “وفاء” الصديق للضحك والاستمتاع وتزجية الوقت. ولم يكن الراوي يبخل على صديقه “المغدور” بتفاصيل القبل والعناق واللمس مع الصبية “المغدورة”. ً

# ذات يوم فاجأ الراوي صديقه أحمد:

“-أتريد أن تضاجع امرأة؟” (ص 25)

وتصوّر وقع هذا السؤال على نفس أحمد. كانا محرومين من الممارسة الجنسية الفعلية ولم يكونا قادرين على الذهاب إلى منطقة البغاء “الرسمية” في المدينة وهي “الفوّار” لحرصهما على سمعتهما كيساريَين أولا ولعدم امتلاكهما المال الكافي ثانياً. فانحصرت أحلامهما في فتيات الثانوية والرسائل والتبصص في السوق. كانا متساويين في خط السروع من هذه الناحية ؛ ناحية الحرمان، فكيف استطاع الراوي أن يسبق صديقه في التجربة ويحصل على قصب السبق في المضاجعة ليصبح “دليلا” له يقوده إلى المكان المطلوب ويتلاعب بأعصابه متظاهراً بخبث بأن لديه قدرات لا يعرفها؟!

كان الفضل لـ”ناظم” أحد جيران الراوي ومن رواد المقهى الشعبي الذي يجلس فيه متفرجا على لعبة القمار البسيطة ليلا. ناظم كانَ يكبر الراوي بعشرةِ أعوام. شيوعي عمل فترةً قصيرة مع القيادة المركزية للحزب الشيوعي قبل انهيار “عزيز الحاج” وظهوره على شاشة التلفزيون في 1969، الذي كان أتعس يوم في حياته كما كانَ يردد أمام الراوي عشرات المرات، فظّل يحلم بقيامِ حركة كفاح مسلح جديدة تكنس البعث الذي يكن له احتقارا ًمطلقاً. ناظم هذا الذي أبدى به اهتماما شديدا بعد خروجه من المعتقل هو الذي قاده إلى تجربته الجنسية الكاملة الأولى. ولكن أين؟

كان الراوي يهتف مع نفسه بغبطةٍ:

– أخيرا سأمارس الجنس بشكل كامل مع امرأة!. 

وسار مع ناظم نحو “المبغى” المنشود. قطعنا شوارعَ غير مبلطةٍ، متربةٍ، وسخةٍ، إلى أن ولجا أزقةَ فقيرةَ، بيوتها طينية، وأبوابها متضعضعة، وفي زقاق شديد الضيق خالٍ دخلا بيتاً طينياً يصف الراوي ما شاهده فيه:

“ثمة طفلة في السادسة تقلب بيديها ورق لعب. ثوبها رث ممزق عند الكتف والخاصرة، يداها مسودتان بأظافر طويلة ينحشر تحتها الوسخ تحملق نحوي ببلاهة (…) ثم ظهرت الكتلة فتبين أنها امرأة نحيفة في أواخر الثلاثينات أو هكذا بدت لي وقتها وأنا في السابعة عشرة، ترتدي ثوباً أسودَ رث يصل حتى كاحليها، وتلف رأسها بعصابة سوداء. حنكها موشوم بوشم أخضر (..) سقطتْ عيناها الصغيرتان برموشها الذابلة في حفرتين. تحت الشمس بدت ليست ناحلة فحسب بل شديدة الهزال، ببشرةٍ شاحبةٍ كوجهِ ميت. لبَسَتْ عباءتها وخرجت، فبين لي ناظم أنها قوّادة تأتى بجاراتها الفقيرات ممن يتمكّنَ من الزوغان من البيت ليتقاسمن ثمن المضاجعة معها لسد الرمق، قال لي بينما كنا ننتظر رجوعها:  

– أنت وحظك!.

ولما لزمت الصمت رمقني بعينين فيهما ظلال سخرية خفيفة قبل أن يسألني:

– إذا ما لگت تنام وياها؟!

ارتعبت من فكرة النوم مع هذا الجسد الشبح- ص 28 و29و30″

والغريب أنّ كل مظاهر البؤس هذه التي شاهداها سويّة والقهر المهلك الذي يحيط بهؤلاء البشر لم يحرّك شيئاً في بنائهما الفكري الفوقي الذي يتمحور حول هذه الطبقة المذلة المهانة مستعيرين الوصف من دستويفسكي. في رواية الجريمة والعقاب لهذا الروائي العظيم لم أقرأ استخلاصا للدرس الأساسي من قتل “راسكولينيكوف” للمرابية اليهودية “أليونا إفانوفنا” – ثم أختها “ليزافيتا” التي قدمت مصادفة وشاهدت الجريمة – من أجل تحقيق “مشروعه” الإنقاذي لنفسه ولأخته ولحبيبته سونيا.. لكنه يتحطم نفسيا ويوشك على الجنون وكأنّ دستويفسكي يريد القول أنّ أي تغيير يبدأ بالدم ينتهي بالدم مهما كانت شعاراته… الغاية لا تبرّر الوسيلة ، وحين يتخذ الشخص النبيل وسيلة آثمة لتحقيق غاية نبيلة لن يفقد غايته فحسب بل سيفقد ذاته والأخطر عقله ايضا.

وحال ناظم والراوي من حيث التناقض بين الفكرة والسلوك حال مشابه في المضمون لا في الشكل طبعا. إنهما يمارسان الجنس ويحصلان على اللذة من البؤساء الذين يزعمون أنهم نذروا أرواحهم ومستقبلهم من أجلهم. وناظم رفع السلاح من أجلهم والراوي اعتقل ودُمِّر بالتعذيب في سبيلهم. كلاهما يريد أن يبني وطنا حرّاً وشعبا سعيدا لهؤلاء البؤساء. لكنه لا يتورع عن مضاجعة هؤلاء المعدمين لإشباع دوافعه الجنسية. ألم يفكر أحدهما يمنح المبلغ لهؤلاء البائسات دون الحصول على مقابل له. لكن الدافع الجنسي أقوى من الفكر.

# وحين يقف العقل في حالة صراع مع الغريزة ، كيف يحل الفرد ذلك؟

للجواب علينا أن نتذكر قول معلم فيينا عن أن الإنسان ليس كائنا عقلانيا بل كائن تبريري:

HUMAN BEING NOT RATIONAL ANIMAL BUT RATIONALIZED ANIMAL.

ويتلاعب اللاشعور بدوافعه الماكرة بمقدرات العقل ويسخّره لإصدار أحكام وتبريرات “منطقية” تحقق اللذة عن طريقها إشباع حفزاتها وهي تتلمظ. وببساطة يطرح ناظم تخريجا لهذا الموقف المحزن الذي وقعا فيه كما يقول الراوي:

“لزمتُ الصمت بينما راح [= ناظم] يشرح محاسن وأفضال قدومنا بطريقة فريدة تناسب أفكاره وبيئة حياته التي وجدتها وقتها مثيرة للدهشة:

– احنه ثوريين ومثل ما تشوف عينك هذي العوائل فقيرة ما عدهم يلبسون، إذا لزمنا السلطة راح ننقذهم، وهذا شي بعيد مثل الحلم، لكن لمّنْ نزورهم هم نرتاح من سِمْ جسمنا وهم نساعدهم.. على الأقل يشترون خبز!- ص 30”

ولو كان ناظم يمتلك أدوات المثقفين المقتدرين فقد يضع لنا “نظرية” حول هذا الأمر: تفريغ سموم الجسد (غاية) عبر مضاجعة النسوة الفقيرات الجائعات (وسيلة) كي يشترين الخبز لهن ولاطفالهن كي يبقين على قيد الحياة (غاية). وقد يوغل في شرح محاسن نظريته وتفرّدها في أنها – ولأوّل مرة – تحقّق “غايتين” بـ”وسيلة” واحدة!! وقد يندهش السادة القرّاء من تحليلي هذا فأقول إن استخدام هذه الأوالية المخادعة المخدرة للذات يتساوى فيها الأمير والفقير إذا ساغ الوصف (يقول جلجامش: يتساوى الأمير والفقير في حضرة الموت). فقد خرّج ناظم الموقف الشائك وفق تفكيره وبيئته ولكن ماذا نقول عن المعلم الأول أرسطو الذي مات وهو مصر على أنّ عدد أسنان المرأة أقل من عدد اسنان الرجل. وبرغم أنّه تزوّج مرّتين لم يتعب نفسه في أن يعد أسنان واحدة من زوجتيه!! وماذاتقول لشوبنهور فيلسوف التشاؤم وهو يصر على أن يعيش الرجل مع المرأة وبيده سوط.. ونيتشه ووو..

ولم تتوقف ممارسة الاثنين ؛ ناظم والراوي ، عند هذه التجربة اليتيمة ، بل تكررت كثيرا ، في عشرات البيوت المنتشرة في المناطق الفقيرة.

# وإذا كانت هذه وجهة نظر ناظم لتبرير سلوكهما السابق في حي متهالك مضعضع بائس هو وساكنيه ، فكيف نفسّر تصرّفه في حادثة ينقلها لنا الراوي بلسانه ومفادها أنهما كانا في زيارة إلى بغداد.. ركبا من ساحة الميدان الحافلة رقم 4 التي كانت تربط وقتها ساحة الميدان بساحة النصر عبر شارع الرشيد. في زحمة الحافلة رأى الراوي صديقه ناظم “يطبق من الخلف على طالبة جامعة شابة سافرة جميلة تقف أمامه وبيدها كتبها المدرسية، كان الزحام من الشدة بحيث لا تستطيع التملص منه، فراح يمعن في حشر جسده بها وكأنه يريد الولوج فيها، لبثتُ أراقب قسماته التي تصاعدت النشوة فيها، احتدمَ، سارعتُ بالنهوضِ تاركاً لها مقعدي، فرمقني بعينين احمرتا غضباً، وعندما ترجلنا من الحافلة راح يلعن ديني، تصنعت البلاهة كاتماً ضحكتي، ومستمتعا ً بملامحه المخذولة لفشله في الوصول إلى الذروة التي كان على وشكها كما أخبرني.أتصنع الجد وأكيل له اللوم:

– ناظم عيب.. هذي مو عاهرة!. طالبة جامعة!- ص 31”

# الآن يلعب الراوي مع أحمد الدور الذي لعبه ناظم معه فيقوم بقيادته إلى البيت نفسه الذي أخذه ناظم إليه في تجربته الأولى حيث الامرأة الشبح. لم يكن غير هذه الامرأة الناحلة الشاحبة متوفرة للمضاجعة آنذاك. ومع ذلك وافق أحمد على مضاجعتها ليخرج مشمئزا ويركع على ركبيته في الشارع .. ويتقيّأ..

(ملاحظة:

لمن يتساءل عن مصير ناظم من السادة القرّأء أرجو مراجعة جرد الراحلين في نهاية الدراسة)

وكان الصديقان ؛ الراوي وأحمد ، مسحورين بالأفكار التي “آمنا” بها ، ومقتنعين مثل رفاقهم من ابناء جيلهم بقدرتهم على تغيير العالم. وفي الحقيقة هو جيل فريد في حماسته. لكنه ليس جيل السياسة بحنكتها ومكرها. وجيل البراءة هذا لا يصلح لها. ولأن الروائي سلام إبراهيم يكتب عن “الحالة العراقية” التي عاش في أتون جحيمها فإن ابسط الحوادث والوقائع التي يذكرها تكون محملة بمعانٍ مباشرة ورمزية – وهذا هو الأهم – في التعبير عن تلك الحالة وتبقى على النقّاد مسؤولية التقاط تلك الحوادث التي قد تمر مرور الكرام على العين “غير العراقية” أو العقلية المتخمة بالطروحات النقدية الغربية. سلام إبراهيم هو من اشد إن لم يكن الأشد والأدق في التعبير عن السيكولوجية العراقية بكل أبعادها ، ولعل هذا ما دفع الباحث الدكتور علاء جواد كاظم إلى اعتباره مصدرا “أنثروبولوجيا/أناسياً” لا يعوّض على الدارسين قراءة أدبه. في منجز سلام السردي تجد أغلب الروافد التي تسهم في تشكيل النص بعيداً عن أطروحة “الفن للفن”.. بالنسبة لي وُلد سلام – كما سنرى في القسم المقبل – حكّاءً بالفطرة .. ونما وتصلّب جذعه – وليس عوده – السردي بالتجارب الدامية فكان وهو أمر نادر الحصول الحكّاء الشاهد الحي وبطل الحكاية.

ومن الحوادث المحملة بمعانٍ هائلة ثرة في هذا القسم هي الرحلة “الجنونية” المفاجئة التي قام بها الراوي مع أحمد ولاحظ أيها السيّد القارىء أنني لم أطابق بين الراوي وسلام حتى الآن برغم القرائن القوية عن الديوانية مسقط راسه ومدينته وابتلاع المنافي له ؛ الدنمارك تحديدا وغيرها- واعتبرتُ الراوي شخصية مبتكرة من لدن الروائي سيراً مع “الموضوعية” في التحليل النقدي وعدم استباق المعطيات بالنتائج. يقول الراوي:

“في ليلة من تلك الليالي غادرنا المقهى، ورحنا في جولة تسكع في أرجاء المدينة إلى أن قادتنا أقدامنا إلى رصيف محطة القطار… كنّا في حالةِ نشوةٍ نودُ الطيرانَ إلى مكانٍ غير مدينتنا لمعانقةِ فقراءِ الأرض المجهولين، مفعمينَ بروح الأمميةِ التي رضعناها من الكتب الماركسية وحكايات المناضلين الأكبر سناً الذين يقصونها علينا في المقاهي. وقتها لم نكن قد سافرنا خارج حدود “الديوانية”. وفي لحظة جنون قال بصوت عالٍ أقرب إلى الصراخ:

– لنشرد بالقطار!

صرختُ بنشوة:

– هيا بنا.. هيا بنا!.

كان قطار حمولة يقترب ببطء قادماً من بغداد في طريقة إلى البصرة، توقف على بعد أمتار من وقفتنا، فهتف بصوت عالٍ:

– هيا إلى الحرية!.

وصعدنا عربةً من عرباته المكشوفة. لم نهدأ، نصرخ ونصرخ… لم نكف عن الدوران في مساحة حوض العربة، والصراخ في نشوة:

( لبناء عالم جديد ولقبر مشعلي الحروب

في هدى أكتوبر العظيم سائراً موكب الشعوب )

كنا نصرخ بحماس ونشوة.. نصرخ بالكلمات الحالمة فيضيع صراخنا في ضجة القطار والظلام والبرية الممتدة على يميننا حتى الحدود السعودية، نقطع النشيد ونطلق أصوات مبهمة، نرقص، ندور، نهتف:

– المجد للطبقة العاملة

– المجد للفلاحين!.

تدمع عيوننا، نكاد نبكي حماسةً، ونروح نغني أغنية أممية أخرى:

– أنا.. أنا

يا سيدي أسودٌ كالليلِ.. كأعماقِ أفريقيا

                                   كأعماقِ أفريقيا

أنا.. أنا

جندي أحمل في يميني سفر جيفارا

وفي يساري أقمار گاگارين.

أقمار گاگارين.

لا لالا… لالي لالي لالي!- ص 36 و37 و38″

لم يصحوا إلا عندما دخل القطار محطة مدينة “السماوة” فسألا بعضهما عن وجهتهما!! فتلاشى حماسهما وتبدّد الحلم .. ولم يكونا يمتلكان ثمن تذكرة للعودة فاضطرا إلى انتظار قطار حمل صاعد للعودة إلى الديوانية جائعين مُنهكين..

ولو نظر مراقب عابر إلى شخصين يرقصان على سطح عربة قطار حمل وسط ظلمة الليل الحالكة ويهتفان بحياة الأممية وجيفارا وكاكارين.. فلم يقل تقييمه عن أنهما مجنونان أو أن نوبة نفسية غير طبيعية انتابتهما. وهذه “الرحلة المجنونة” هي تعبير عن انفعالات المراهقة الصاخبة التي تحفل بها مسيرة أي مراهق في الجانب الاجتماعي والنفسي وليس السياسي فحسب. وهذه الانفعالات المراهقة امتدت إلى سلوك قواعد وقيادات العمل الحزبي في العراق بشتى عقائده وأهدافه ومكوناته كما سنرى.

وهذه واحدة من سمات العمل السياسي الرئيسية في العراق. وهي كارثة بكل المقاييس أوصلت البلاد إلى حاله المخيف والمرعب في الوقت الحاضر كما سنثبت ذلك. مثل هذه المشاهد تحيلك إلى شخصية “جافروش” الروائية الجميلة التي صاغها “شعرياً” فكتور هيجو” في روايته الشهيرة “البؤساء” . لكنها لا يمكن أن تحيلك إلى اشتراطات العمل السياسي العقلاني الرصين حين يكون تلميذ القاعدة الحزبية في عمر يحتاج فيه – هو نفسه – للتربية واستكمال مستلزمات النضج.

# توفي أبو أحمد فاستغاث أحمد بصديقه الراوي باكيا. كان الراوي يتضايق من من طقوس الحزن العراقي على الموتي بما تتضمنه الموت من حزن دامٍ لم يجد الراوي شبيهاً له في تجواله في مناحي الأرض: شق الثوب من الصدر حتى القدمين، لطم الصدر حد الإدماء. تجريح الخدود بالأظافر.. وهذه الطقوس – ومعها المراسم الحسينية – هي من سمات “الحالة العراقية” ، وهي وريثة عادات العراقيين /السومريين القدامى في أحزانهم على إلههم الشاب تموز/دموزي حيث كانوا يندبون ويلطمون ويجرّحون أجسامهم بالسكاكين .. وغيرها. نقلا جثمان الأب إلى الجامع. وباتا وحيدين قربه. كان أحمد حائرا بكيفية تدبير معيشة عائلته بعد رحيل والده وهو أكبر إخوته وأخواته. لكن ما كان يهوّن عليه كما يقول الراوي هو حماستهَ للشيوعية بحيث راحت يحدث صديقه حالماً عن يوم الخلاص العام من الفقرِ بقيام الثورة ، هذه الثورة المنتظرة كان أبوه يسخر منها وهو يحاورهما عن أخلاقية العدالة والحق فيورد قصة متداولة عن رمي ستالين أمه بالثلج لأنها لا تنتج مقارناً بينه وبين الأمام علي بن أبي طالب. وأعتبر نفسي ممن قرأوا كثيرا جدا عن السيرة الذاتية لستالين خصوصا كتاب إسحق دويتشر الضخم عنه. لم أجد أثرا لهذه الحادثة بل كان ستالين يحب أمّه ويرعاها وكان يرسل إليها المال بيد الرفيق “بيريا”. وفي الجامع التقط الراوي كتاب “نهج البلاغة” من مكتبة الجامع قائلا أنه سوف يستعيره. لينفجر أحمد ضاحكا بقوة ويتبعه الراوي لأن الأخير كان معروفاً بأنه أبرع سارق كتب في المدينة. والسبب كما يقول هو فقر عائلته. لكن سرقة الكتب هذه سوف تستمر لديه حتى وهو يدرس في الكلية في بغداد برغم أنه يستلم مرتبا وسكنا مجانيا من الدولة وتخصيص أخواته المدرسات راتبا شهريا له!!

وبعد هذا الشوط الطويل من الاستدعاءات الذاكراتية الطويلة نسبيا يذكرنا الراوي بالمهمة من خلال تساؤله:

“- هل سأراك اليوم يا صديقي؟” (ص 48)

بعد رحيل والده، عاش أحمد في ضائقة مالية شديدة ولم يفلح في الكثير من الأعمال التي قام بها. وكان الراوي يتألم لحاله وينّهم كثيرا به حتى وهو في بغداد. لكن الحل جاء مع قيام الجبهة الوطنية بين الحزب الشيوعي وحزب البعث في 17 تموز عام 1973 حيث تم تعيين أحمد موظفا في استعلامات اللجنة المحلية للحزب الشيوعي. وهنا سوف يصدمنا الراوي ببعض الكشوفات التي سوف تصيبنا بالحيرة. يخاطب الراوي صديقه في حواره الداخلي:

“اكتشفتُ أنّكَ حزبي مضبوط ضبطَ العقال بحيث أخفيتَ عنّي ذلك. الإخفاء حسبتهُ لكِ. فأنتَ عكسي تماماً، فأنا ثرثار لا أسرار عندي، بل فاضح أسرار، لا تدري كم شعرتُ بالفخرِ لاكتشافي شدّة التزامكَ في حزبٍ سريٍ أحبهُ وفشلتُ في أول تجربة للعمل فيه،إذ ضعفتُ في أول اعتقال- ص 50”

فإذا كان أحمد حزبيا شيوعيا مضبوطا ضبطا شديدا أخفى انتماءه عن صديقه الراوي بهذه الدرجة الشديدة حتى عام 1973 ، فكيف كان يهتف بحياة الأممية وجيفارا وكاكارين. في رحلتهما المجنونة؟ .. كيف كان ملحداً يناقش أباه بجرأة ويسخر من الدين والمرجعيات الدينية؟؟ كيف كان – ليلة وفاة والده – يعلن عن أمله في ثورة شيوعية مقبلة تحقق (الوطن الحر والشعب السعيد)؟؟..

وهناك أمر أكثر إلحاحا: الطلب المُهين الذي قدّمه أحمد لصديقه الراوي بالقيام بالمضاجعة المتبادلة أيام الدراسة الاعدادية ، هل قدّمه وهو حزبي منضبط مؤمن بالفكر الماركسي؟ ولو شاءت الشروط التنظيمية أو الأقدار أن يُنقل الراوي إلى خلية حزبية شيوعية ويتفاجأ بأن مسؤوله الحزبي الجديد هو أحمد.. كيف سيكون ردّ فعله؟؟

وسوف نلاحظ أمراً أخر ملفتاً ويتمثل بملاحقة الراوي للحوادث “الجنسية” في مسيرة صديقه بعد إعلان الجبهة وتعيينه في مقر الحزب الشيوعي. من ذلك أن أحمداً قد تم ابتعاثه إلى دولة بلغاريا الاشتراكية آنذاك في دورة حزبية. وفي رسالة أرسلها أحمد للراوي حدّثه عن كل شيء.. المحاضرات وحفلات الرقص والويسكي وعلاقات الرفاق والرفيقات القادمين من كل أنحاء الأرض.. ولكنه لم يذكر له شيئا عن أي تجربة جنسية له هناك في ذلك الوسط المنفتح. وكان يتجنب الإجابة عن أسئلة صديقه الراوي عن ذلك برغم إلحاح الأخير. ولكن جاءت المناسبة في ليلة زفاف أحمد على زوجته التي كانت رفيقة من رفيقاته. في تلك الليلة طلب أحمد من الراوي – وهذا طلب غريب جدا – أن يبيت معه في بيته. اصرّ على ذلك برغم اعتراض الراوي. وبعد أن أنهى واجباته الزوجية وافترع زوجته جاء ليقول للراوي عبارة بذيئة جدا لا يمكن أن يقولها زوج سويّ عن زوجته:

” -أَكَلِته وگامَتْ تِمْشْي!- ص 52″
وبهذا يضع الزوجة في موضع المومس. وهذا من سمات “المربوطين المعصوبين” الذين لا يستطيعون إنجاز واجباتهم مع المرأة التي تذكّر بسمات الأنوثة النموذجية وهي سمات الأمومة في أعماق اللاشعور. ويتسق الإصرار الغريب لأحمد على مبيت الراوي قربه في ليلة زفافه ضمن هذا الإطار الذي إذا توغلنا في تحليله سوف يفسد الكثير من الجوانب الجمالية في هذا القسم من الرواية. ولكن المهم هو أن هذا الموقف كان فرصة للراوي ليعيد طرح سؤاله الذي ظل بلا جواب على أحمد: هل ضاجع في بلغاريا؟ فيرد عليه أحمد بعد أن حلت المنازلة الزفافية عقدة لسانه بالنفي. والسبب هو أنّه لم يكن يعرف كيف يقنع “واحدة” ويستدرجها إلى السرير أولا وأنّه يعتبر رفيقاته أخوات ثانياً. وهذا حال “المربوطين” أيضا الذين يعتقل الوجدان الآثم اندفاعاتهم الجنسية بـ”أمثلة” النموذج الجنسي ولكنه يستطيع أن ينطلق في خيالاته ليلوّث وبسهولة هذا النموذج نفسه وهذا ما اعترف به أحمد حين قال له أنّه كان يمارس العادة السرّية على رفيقة برازيلية لديها عجيزة (طيز.. حسب تعبيره العامي) مذهلة لكنه كان جباناً (ص 52 و53).

بعد انهيار صفقة الجبهة الوطنية بين حزب البعث والحزب الشيوعي في العراق وبدء حملة التصفية الدامية ضد الشيوعيين اختفى أحمد وزوجته من الديوانية في حين اعتقل الراوي ثلاث مرّأت. انقطعت أخبار أحمد عن الراوي تماما لكن شقيق الراوي الأصغر “كفاح” – والآن نستطيع القول باطمئنان أنّ الراوي هو الروائي سلام إبراهيم من خلال ذكر اسم شقيقه الشهيد كفاح – الذي يصغره بثلاث سنوات والذي استشهد تحت التعذيب لاحقاً اخبره بأنه شاهد صاحبه أي أحمد في منطقة الحيدرخانه في بغداد يتلفت مذعوراً وقد أطال شعره وشاربيه ، وحين أمسكه من كتفه من الخلف كاد يسقط من الرعب.. كان أحمد يرتجف ووجهه أصفر مثل الليمونة (ص 54) . كان حال أحمد يصدق عليه قول إبن سهل الأندلسي: كاد المريبُ أن يقول: خذوني.. وقد أصدر كفاح حكماّ استشرافياً دقيقاً حين قال لسلام:

“- صاحبك منتهي، قضية وقت.. راح نشوف!” (ص 55)

ولكن سلام رفض ما توقعه كفاح من انهيار أحمد وطرح مبررات لرفضه سوف تصدم الناقد الدقيق والقارىء المتابع وتهزّ أركان تسلسل حوادث الحكاية. يخاطب سلام طيف أحمد في حواره الداخلي الرافض:

” أنتَ [= أحمد] مثلا مَنْ ساهم وبشكل مباشر في تحول “كفاح” من الدين إلى الماركسية، حينما كنتَ تزورني يومياً في سنةِ دراستنا الأولى بإعدادية الزراعة، كنت تتعمدْ فتحَ الحوار في كل جلسةٍ معهُ عن جدوى الدين وتسهب في شرحِ فكرة كيف يخدر الناس؟!. وتسخر منه وهو يؤدي طقوس الصلاة، كان وقتها في الأول المتوسط، يعني لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وقليلاً.. قليلاً سحرهُ كلامكَ عن المساواةِ والحريةِ ومحو الفقر في العراقِ والعالمِ، فكسبته إلى الشبيبة الشيوعية. وها هو يتوقع لك مصيراً بائساً!- ص 55″

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *