| هاني متي : ستيف الكندي النزق الذي اهدر ليلتي الساجية .

 

في هذا المساء الرائق الذي تجلى أمامي نظيفًا مغسولًا بعبق الصيف المنعش . . ولأنه ليس من عوائدي أنْ أُفوّت ليلة ساجية كهذه دون أن أستذوقَ حلاوتها، وأمُسّ أهدابها السحرية مسًا رقيقًا . .

.

تراني دخلت فرحًا إلى شرفتي المطلة على بحيرة رائعة الجمال، غير بعيدة من الحي الذي أقطنه، حيث بإمكاني رؤية البحيرة من شرفتي بوضوح ، حاملًا بيدي فنجان من الشاي الساخن، بعد تناولي وجبة عشاء خفيفة، نسميها نحن العراقيون “بالعصرونية” . .

.

في الشرفة، إستويت على كرسي عتيق مركون في احدى زواياها . . ورفعت بصري إلى السماء المزدحمة بملايين النجوم اللامعة، ورحت أتامل السماء والكون وبما يحويان من عجائب مدهشة . . وأرنو بعين ذاهلة إلى شلال النور المنسكب من جوانب القمر الحبيب ، الذي راح يتناثر في الفضاء اللامتناهي . .

.

رأيت فيما يرى النائم، نهايات الأفق الزرقاء الداكنة البعيدة تنبثق منها خطوط والوان وصِور خيالية ساحرة ثم رأيت أنفاس النجوم الخضراء اليانعة . . تتسرب مِن جفون الغسق البنفسجية والوردية، تلتوي وترتفع وهنًا كخيوط من الدخان صاعدة نحو الأعالي، لتنتهي راقصة كألسنة اللهب إزاء القمر الفضي . . مشهد خيالي خلاب يسحر العقل والبصر . .

.

قلت لنفسي :

– “هذا مساء مدهش يطفح بالهدوء الحب والحنان ” . .

وإذ بي أحسّ أنّ روحي بدأت تسلخ عن كَورتها كإنسلاخ فراشة عن شرنقتها فتنطلق حرة سابحة في منفسح الفضاء الرحب . .

.

كنت في نشوة من أمري وكيف لا ! والروح تعوم في بحر الخيال، تتسمعُ وتشاهدُ . .

/ نجوم باسمة لامعة / سماء مؤنسة براقة / قمر مشعشع / وسيمفونية الزيزان الأزلية الآليفة . .

كنت أهمس في نفسي وأقول :

– إن واضع الجمال والسحر في هذا الليل الساكن جدير أن يكون أعظم الفنانين، وأشدهم حبًا وحسًا ورِقّةً . . “هذا رائع رائع . . حقًا أني في حلم وخيال جميلين، ليت شعري يدوم إلى ما لانهاية ” .

.

كنتُ مستغرق حتى أُذنيّ في متابعة لقطات هذه المسرحية السحرية ذات المشاهد والصور الجميلة . . وبغتة تبدد المشهد وتلاشى في الهواء كالدخان، حيث هبت عليّ رائحة القنب الكريهة التي تثير في نفسي الإشمئزاز والغثيان . . من شرفة ستيف جاري الكندي . لعنت حظي وغادرت الشرفة مكرهًا وأغلقت بابها ورائي بقوة تعبيرًا عن سخطي وحنقي من ستيف ! .

.

قلت :

– لقد عاد هذا الوغد ثانية إلى تعاطي القنب ( الماريوانا ) .

ألمْ يخبرني أنه أقلع عن تعاطيها حين ألتقيت به قبل شهرين في مرآب السيارات لأنه أصيب من سببها بالسرطان . . وقال ايضًا أن السرطان قد إستفحل في رئته اليسرى بصورة خطيرة ، وقد أخبره الطبيب وبعد نظرة متأنية في نتائج فحوصاته الطبية بأنه لم يتبقى له في الحياة اكثر من سنة يعيشها . . أذن ماهو سبب عودته لتعاطي الماروانا بعد كل هذا ! ؟

.

ستيف رجل في نهاية عقده السادس ، رشيق القوام، أشقر الشعر، ناصع البياض له عينان زرقاوان، وأنف مدبب جميل، تحته مباشرة ينبت شارب أصفر خفيف . . شكله لا يتفق وسنوات عمره، والذي يراه يخطئ في تقدير عمره لأنه يبدو أصغر بكثير من عمره الحقيقي .

.

يعمل سائقا لنقل وتوزيع البضائع البلاستيكة لدى احدى الشركات . . ومن خلال معاشرتي له تبين إنه إنسان غريب الشخصية ولكن خلوق وطيب القلب ،مسالم لا يؤذي نملة أو دعسوقة . . إلا أني وجدت فيه صفات غير مستحبة فقد كان كثير الثرثرة ويطنب في كلام ممل رخيص وغير معقول ، وله قدرة عجيبة على خلق قصص غير واقعية عن نفسه . ومنها

.

إدعى في إحدى المرات بأنه كان يعمل سابقًا كرجل أطفاء في دائرة للدفاع المدني وتمكن من إنقاذ عائلة متكونة من ثلاثة أشخاص من الإحتراق بأن حملهم فوق ظهره في آن واحد محاولًا إبعادهم عن بؤرة الحريق .

.

وحدثني في مناسبة أخرى وقال : أنه شارك في حرب عاصفة الصحراء وقد أصيب بجرح بليغ في يده اليسرى من جراء شظية، آنى كان جنديا في الجيش الكندي، وهمس في أذني أنه كان يقف بحزم ضد دخول القوات الأمريكية في العراق وجَهر عن رأيه ليقول أن صدام لم يكن سيئًا مع شعبه كما رُوّجَ عنه في الصحافة وفي ماكنة الاعلام الامريكي .

.

وفي مناسبة اخرى ،سمعته يقول لي أنه قبل عشر سنوات أقدم على ترشيح نفسه عضوًا في إنتخابات المجلس المحلي، لكنه لم يفوز، لان الانتخابات لم تكن نزيه حسب ادعائه بالرغم من حصوله على أصوات تؤهله للفوز بمقعد في المجلس . . وقصص اخرى كثيرة لا يسعني المجال لذكرها الآن لضيق فسحة القصة .

.

آخر مرة رأيته فيها كان قبل شهرين كما أخبرتكم سلفًا حين ألتقيت به في المرآب وكان عائدًا من زيارته للطبيب حزينًا ويائسًا .

أذكر آنذاك أني سألته :

– ما خطبك يا ستيف لماذا تبدو كئيبًا، وكأنك لست على ما لايرام

ماذا جرى لك؟

– أجابني بصوت خافت وحزين،

– أنني مريض بالسرطان وقد أُصابني في رئتي كما كشف لي الطبيب اليوم

وبغتة تنتابه نوبة سعال قوية كادت تصرعه .

– صدمني كلامه فقلت له :

– هل أنت جاد فيما تقول ؟

– قال :

– نعم ، ويدخل في نوبة سعال ثانية أشدَّ قوة من الأولى، لم يتماسك نفسه منها فصاحبتها ظرطة مجلجلة . .

وأردف حزينًا :

لقد أخبرني الطبيب أن حياتي الآن أصبحت جد قصيرة لا تربو من سنة واحدة . . لأن السرطان تغلغل في عروقي، وهو في المرحله الرابعة الشرسة منه وذاك كله منسبب المايروانا اللعينة ! .

.

تمنيت له الشفاء العاجل من المرض، ثم إستأذنني ومشى في حال سبيله، ومذاك الحين لم أسمع عنه قط، ولم أره الى حد هذا المساء حينما انتبهت لتواجده في الشرفة من رائحة القنب الحادة النفاذة التي كانت تنبعث بقوة من شرفته نحوي وأنا جالس في شرفتي استمتع بهدأة الليل وغارق في عذوبته . .

.

قلت : “متى سيدرك هؤلاء القوم المتعاطين أن الهواء النقي الذي تمنحه الطبيعة الأم ومجانًا أعظم بمئات المرات من دخان نبات القنب المميت . . وأن حياتهم أثمن كثيرًا من نزوات الماريوانا والتي ربما قد تقضي عليهم اذما إنقادوا إليها طويلا . !

.

ومن المفارقات المثيرة للإستغراب والعجب التي أود أن أُخبركم عنها . . أن ستيف وبعد مرور أربع سنوات من إصابته بالسرطان لا يزال حيًا يرزق على الرغم من تقديرات الطبيب عن مدة حياته المتبقية . . والأغرب من هذا أنه لايزال يتعاطى الماروانا دون إكتراث او وجل . وكما رأيناه قد فعل في هذا المساء .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جابر خليفة جابر : الضٌحى… الجدار .

   ضُحىً على (سقالاتنا) مُعلقين كنا، نحك الصدأ بمقاشط باشطة وعصي الطلاء بأيدينا طويلة، تدور …

| فاطمة جلال : مقطع من قصة “الزانية” .

تصور قصة الكاتبة العراقية الشابة فاطمة جلال في جو كابوسي محنة المرأة في مجتمعات الكبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *