| د. ميسون حنا : سقوط الهالة .

فتح عينيه، هو في الحقيقة لم يكن نائما، بل هو لم يستطع النوم إطلاقا ليلة أمس، لم يكن أرقه بسبب مشكلة صادفته، أو حدث أليم ألم به، أو حتى انزعاج عكر صفوه، كان متوترا ذلك التوتر اللذيذ الذي يسري في جسده ووجدانه مُحدثا خدرا يدغدغ أحاسيسه، ويفتح مغاليق قلبه على عالم جديد.

          أمس استلم شهادته، واليوم عليه أن يتوجه إلى نقابة الأطباء لإتمام إجراءات تؤهله لاستلام وظيفته كطبيب امتياز. نهض بنشاط ، الساعة الآن الثامنة صباحا، عليه أن يبادر بالخروج، لكن اليوم هو الجمعة، تذكر هذا وابتسم ابتسامة واهية، وجلس بفتور، لا بأس سينتظر يوما آخر. فجأة فتحت والدته باب غرفته برفق.

ـ أنت مستيقظ؟ جدتك مريضة، قالت هذا ونظرت إليه باهتمام وفخر، بينما نهض فورا، وتوجه إلى جدته، جس نبضها، تناول سماعته وجهاز الضغط، عاينها بعناية فائقة، فهي جدته، والأهم من ذلك هي أول مريضة يعاينها بعد استلام شهادته، كانت أنظار والديه متعلقة به، سألته أمه عما رسا إليه الكشف، طمأنها فهذه أمراض ومضاعفات مألوفة في مثل هذا السن. كانت جدته تستنجده بنظرات قلقة لا تخلو من أمل، ربت على كتفها برفق، وتبسم ابتسامة واثقة بثّت في روحها الطمأنينة. تبسمت هي بدورها.    ونظرت إليه بعطف وحنان، أسعفها بما يناسب من عقارات وجلس قربها، تذكر أنه أسعفها قبل أسبوع، لم تكن نظراتها متعلقة به كما هي اليوم، ولم يثر كشفه عليها انتباه والديه كحالهما الآن ، فهما ينظران إليه بشغف واهتمام ، بل هو نفسه تغير، تذكر أنه لم يقم بإسعافها بذات الإحساس الذي يسيطر عليه في هذه اللحظات، أدرك أنه أصبح يحمل تجاهها مسؤولية لم يكن يحملها في ضميره سابقا، إذن هذه الورقة المسماة شهادة أجازته كطبيب، قلبت كيانه، صهرته في بوتقة جديدة، فكر مع نفسه، هو الآن طبيب، وقريبا سيمارس مهنته المقدسة بصفة رسمية، تذكر صديق العائلة وطبيبها الدكتور أمجد، تذكر الاحترام الفائق الذي يحيطونه به. في الحقيقة كان والده يرى حاجزا يقف بينه وبين الدكتور أمجد رغم صداقتهما القديمة، حاجز صنعته شهادته التي ميزته عن موظف في دائرة حكومية، هذا الموظف كان ينظر إليه نظرة إكبار ، أما الآن بعد أن تخرج ولده مراد تزعزعت تلك النظرة، بل تلاشت تماما، أصبح يراه شخصا عاديا، كسر الحاجز الذي يفصل بينه وبين صديق عمره، والسبب ببساطة أن هذا الحاجز لا يستطيع أن يفصل بينه وبين ولده، إذن هو حاجز مُخترق ، وهمي، لا وجود له أساسا إلا في مخيلة مريضة، أعلنت شفاءها اليوم بالذات أمام حقيقة دامغة، حقيقة أن ولده مراد أصبح مثل الدكتور أمجد تماما، لا فرق بينهما سوى سنوات الخبرة التي سيكتسبها الدكتور مراد مع الأيام.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : الفجر يولد من جديد .

لذكرى انتفاضة الأقصى 28-09-2000   نكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها، تخرج كل ليلة …

| د. ميسون حنا : مراوغة .

أول يوم عمل له تميز بنكهة خاصة، في السابق وهو تحت التدريب كان يعالج المرضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *