| محمد عبد حسن : ما خاطته أمي وأكمله روّافٍ(*) مجهول .

( 1 )

لا أحتاج نقطة دالّة على البيت الذي تسكنه أمّي الآن، فالقول أنّه على رأس يمين الزقاق المواجه لحسينية (الشيخ شاكر القرناوي)، في مناوي باشا، كافٍ لوقوف مَنْ تريد وصوله على الباب.. الزقاق الذي، إنْ دخلته، ستترك في منتصف يساره بيت (ملّا غالي) ودهليز مدخله الطويل قبل أنْ تنعطف يسارًا لتكون وسط الدار. ولا تكاد تنتبه إلى (مخبز سيّد عامر) على يمينك حتى يأسرك الباب الكبير الضخم لبيت (عباس الدلّال) بقوسه نصف الدائري ومساميره الكبيرة الصدئة.. فيما تحتفظ المطرقة الكبيرة ببعض بريق زائل. غالبًا ما يكون هذا الباب مواربًا.. كاشفًا عن أربع درجات من الطابوق الفرشي وستارة تزيحها وتدخل الدار المبلّطة بالطابوق ذاته. ومن هناك.. لو فكّرت بإرسال بصرك إلى الأمام فسيصطدم بدار (خضيّر شدّاد).

نعم.. لا أحتاج علامة إرشاد أخرى حتى وأن احتلّ بناء جديد مكانها. أراها كلّما وقفتُ هناك: بابها المفتوح حيث الشيخ جالس على تخت خشبٍ، بمواجهة الباب، تنوء يده اليمنى بحمل يد الشيخ بخاتمها الكبير والمسبحة المشتبكة بأصابعه.. بينما تمسك يسراه بخرطوم الناركيلة، لا تكاد تفارقه. فيما يزيد الخال، على الجهة اليسرى لوجه الشيخ.. يزيد الوجه حزمًا يراكم الجدّ الدائم الذي يبدو عليه.

أحمل تلك الصور وأدخل إلى أمّي. لا أدري إنْ كانت، وهي تراقبني، تتعمد تركي هناك.. أم أنها لم تكن تسمع طرقاتي على الباب الحديد وهي في عمق الدار البعيد، أمْ أني لم أطرق الباب أصلًا.. وأنّ خروجها إلى الباب كان عرضيًا لتجدني هناك؟

في الداخل.. نجلس أنا وهي. أفرش أمامها صوري. تبقى تنظر إليها قبل انْ تبدأ بتغيير أماكن بعضها وإخفاء بعض آخر وراء ظهرها.. تكرر ذلك، وحين خلت الكثير من المساحات؛ وضعتْ صورًاٍ من عندها.. ثم بدأت خياطتها إلى بعضها بمهارة لا تقلّ عن مهارتها في خياطة العباءة النسائية المزيّنة بشدّ الورد وحب الفلفل. وحين تتعب؛ تتكئ على الجدار:

  • لا يمكن إنجاز كل ذلك في جلسة واحدة. أنْ تعيش كل ذلك في لحظات.. أمر لا يمكن احتماله.

وتصمتُ. أنظر إلى البساط المتشكّل من صورٍ مازالت بعض حوافها سائبة. تغفو أمي فأغطيها.. ثم أجمع بساطي بعناية خوفًا من تمزّق حافات الصور القديمة. يحدوني أمل في العثور على (روّافٍ) مازال معتصمًا بدكانه القديم في سوق المدينة.

 ( 2 )

أخشى أنْ لا أجد أحدًا يُحسن ما أريده، فأنا لا أحمل معي معطفًا قديمًا.. ولا سجادة فارسيّة فاخرة. فكرتُ بذلك وأنا في طريقي إلى سوق (الروّافين).. ترى كيف سأخبره! من الصعب لملمة ذلك وجمعه بعد غياب الشهود أو تبعثرهم. بصعوبة أعبر الطريق للوصول إلى نهر العشار الخالي من زوارقه الصغيرة بفرشها ووسائدها الملونة. أعبر الجسر.. ثم الطريق الآخر مستقبلًا جامع المقام.. أترك الزقاق الأول المحاذي له إلى الآخر المرتفع.. أرتفع معه ثم أهبط. وإذ لم أجد أحدًا سألتُ: أين (الروّافون)؟

ترك رجل ما بيده ورفع رأسه إليّ. لا أدري، وهو يتفحّصني، عمّ يبحث. ويبدو أنّه شاهد ما يريده حين دلّني بيده وهو يعود إلى عمله: هناك.. هناك، في الزقاق الآخر.

ولا أحد! اختفى الرجال الذين كانوا يفترشون عتبات الدكاكين طلبًا للضوء.. تُخفي ركبهم، المرفوعة دائمًا، أثواب يعكفون على روفها باهتمام صاغة الذهب.. أو تراهم منحنين على سجادة محاولين ترميمها: ظهور محدودبة.. نظارة بزجاج سميك مسمّرة على أرنبة الأنف..وكُشتِبان يعمم السبّابة من الأصابع. وكنت تحتاج بعض الوقت حتى يرفع أحدهم رأسه ليراك ويسمع منك وهو يتفحّص ما تريد روفه.

لم أجد أحدًا من هؤلاء. كان الرجال هناك، من على كراسيهم، يراقبون المارة بضجر تاركين الغبار يغطي بضائعهم المكدّسة. غير أنّي، وقد تكرر مروري هناك، رأيتُ شخصًا يشير إليّ بيده.. فيما تفشل يده الأخرى في إعادة الاستقامة لظهره. وحين رأى أنّي انتبهتُ إليه؛ وضع يده على رأسه وبقي ينتظرني. نظرتُ إلى الرجل الجالس خلف طاولة صغيرة عند باب المحل. يبدو أنّه لا يراني.. أو غير مهتمٍّ لوجودي، فيما عاد الرجل الآخر يشير إلي ويهزّ رأسه مبتسمًا وكأنه يُجيبني عن حيرتي.. فدخلتُ.

قادني عبر سلّمٍ ضيقٍ قديم إلى غرفة صغيرة في الأعلى حيث يرسم الضوء الداخل إليها على الأرض نافذة منحرفة.. قادني إلى فراشه المبسوط تحت نافذة تطلّ على شارع السوق:

  • هنا، تحت الشباك، أعمل في النهار فقط، يعينني ضوء الشمس. وفي الوقت الذي لا عمل عندي فيه؛ أقف خلف الشباك منتظرًا مرور مَنْ يبحث عنّي. هناك، في زقاق قريب، مازال واحد أو اثنان يعملان في روف الثياب والبسط، دكاكينهم الصغيرة مغلقة أغلب الأوقات. لا أحد يرفو الملابس الآن. كما قلت لك: أقف خلف الشباك منتظرًا زبائني شاردي الذهن، عيونهم مفتوحة ولا يرونني، مع أنّهم يمرّون مرّتين أو ثلاثًا. هل رأيتني؟
  • لم أنتبه.
  • ولكنّي رأيتك. عدْتَ مرّتين.. ثم نزلتُ لأنتظرك في مرورك الثالث. ألم يكنْ هذا مرورك الثالث؟ ابسط صورك.

وحين كنتُ أفرش صوري على بساط الصوف النظيف؛ كان هو يُهيئ عدّته دون أنْ يكفّ عن مراقبتي، أو التدخّل لرفع واحدة وتعديل مكان أخرى. ويبدو أنّنا انتهينا معًا. ولمّا رفعتُ رأسي إليه.. وجدْته مطرقًا: نظارة بزجاج سميك بصفرة باهتة.. وكُشتِبانان بلون الفضة يخفيان العقدتين الأخيرتين من سبّابتيه. وكان يحدثني دون أن ينظر إليّ:

  • هذه الفراغات تركتها أمّك، لا تريد أنْ تراها. وأنا لن أعالج مكانها الآن.. ربما في مرّة قادمة. لا يتّسع الوقت لعمل كلّ الأشياء مرّة واحدة. النهار يمرّ.. والعينان لم تعودا كما كانتا. وبساطك، الذي جئت به، لا يبدو عليه غير المبنى الجديد الخامد بلا حياة.. فيما تستحضر أنت، كلّما وقفتَ هناك، مبنى الحسينية القديم.سأجعلك تراه. سيبدو لك حين نزيح هذا المبنى.. هكذا. أرأيتَ الآن؟ هنا كان الباب.. وبمواجهته التخت الذي يحتلّه الشيخ بالصورة التي جئتَ بها.

كانت الصور التي بعثرتها على بساطه تمتثل لحركة يديه وكأنها موزعة على شاشة عرض تعمل باللمس.. فيما يداه، وهما تعملان، تظهران أجزاء من مشاهد تتسع كما لو كانت تستجيب لحديثه:

  • ما سمعته من أبيك كان صحيحًا.. وأكّده آخرون. حصل ذلك في سبعينيات القرن الماضي حين منعت السلطة إقامة مجالس العزاء الحسيني. قُلبت الدِلال.. وأطفأت الأحذية المواقد. لم يغلق الشيخ شاكر القرناوي حسينيّته. كان الباب مفتوحًا، والشيخ، في مكانه الأثير، بكامل عدّته، والمتجمهرون ينتظرون خطيبًا لن يحضر، عيونهم على الشيخ وقد ازدادتْ عيناه الكبيرتان اتساعًا.. ووجهه احمرارًا: “قلتُ لهم…..”.. كان يتحدّث وكفّه الأيمن يضرب رمانة التخت.. فيما مسبحته تتدلّى من معصمه: “قلتُ لهم: أنتم تقولون الشهداء.. الشهداء! وهذا أبو الشهداء؟!”.

سكتَ الرجل مع توقف حركة يديه؛ وبذلك اكتملتْ آخر صورة كان يرفوها. ثم اتّكأ على الحائط وأزال كُشتبانيه وأنزل نظارته:

  • ما حصل بعد ذلك يعرفه كثيرون.

فهمتُ أنّ عليّ أنْ أذهب؛ فجمعتُ صوري:

  • ألا تنزل معي؟
  • انزل وحدك.. تعرف الطريق. واجبي التقاطك قبل أن تضيع.
  • والرجل؟
  • لن يهتمّ لك.

قال ذلك وكفّه تشير إلى الباب الصغير الذي دخلنا منه.. فيما عيناه تسرحان في الشباك المفتوح وقد زحفت النافذة المنحرفة، وقد كانت على الأرض، نحو الجدار وتسلّقتْ بعضًا منه.

 

آب 2021م / البصرة  

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أصل الكلمة في اللغة (رافٍ).. وهي اسم الفاعل من الفعل (رفا – يرفو) والجمع (رافون / رفاة) والمصدر (روف).

ورفا الثوب: أصلحه بضم بعضه إلى بعض بالخياطة.

وستجد خلال النص اللفظ الدارج لهذه الكلمة مع مشتقاته.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (10) عاصفة الأوراق (من الأدب الكولومبي) غابريل غارسيا ماركيز
ترجمة: مصطفى عبود
قراءة: ناطق خلوصي

لم أجد في مكتبتي الشخصية ما هو مترجم إلى العربية في العراق من أعمال غابريل …

روايات مترجمة: (9) كلب الصيد الأبيض ذو الاذن السوداء
(من الأدب الروسي) جافريل تروبيولسكي
ترجمة: د.عبد الواحد محمد
قراءة: ناطق خلوصي

ليس مألوفاً أن يصبح كائن حي غير الإنسان بطلاً لرواية ، لكن كلب الصيد “بيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *