| جابر خليفة جابر : الضٌحى… الجدار .

   ضُحىً على (سقالاتنا) مُعلقين كنا، نحك الصدأ بمقاشط باشطة وعصي الطلاء بأيدينا طويلة، تدور أسطواناتها اللباد بالصبغ الأبيض على امتداد الجانب المشمس من الباخرة.

كان القبطان قد غادر (طريدون) بقاربه إلى الجرف الغربي واختفى فيه ” لم نعد نراه..” يقول البحار “أحد”، وانشغلت بالعمل، لم أنجز بعد ثلث المساحة الممددة لي، بينما أوشك الآخرون على الخلاص، فاهتديت إلى حل، …تأرجحت بسقالتي وكأنني أقع، قفزت إلى الشط، لحظاتها لمحتُ ظلي النحيف يترنح أيضا ويهوي إلى تحت، بمحاذاة الجدار الحديدي للباخرة.

ادعيت السقوط وصعدت الحبال مبللاً، فضحك ضابط السطح وانطلت عليه سقطتي. عاد البحار “أحد” إلى مقصورة المنام ليغير ملابسه، رأى بساطه الحريري معلقاً في مكانه على الباب، كان مشبعاً بالزيت وفي وسطه تتراقص (طريدون)، كتلة بظلال بيض، كتلة من طلاء، سلسلة مرساتها ثقيلة المنظر، لا يحركها الموج، وهي تغط بكتلتها الهائلة وتعلو كأنها تعوم على سراب [ تغطس فلا يلامس الشط إلا غاطسها، يشق الماء بحافته كحد مقصلة عملاقة في لحظة التماس الرهيب] قبالة الباب وقف البحار، أرجوحتا نوم خلفه، ملابسه تقطر ماء وترتدّ إليه صورته قائماً وسط مشهد ماطر كان، تشي خلفيته بثقل الأصفر وحواشيه ألوان نار، إلى جانبيه بدت نهايتا الأرجوحة العليا كخازوقي خشب اخترقا صدره، والى الأعلى قليلاً رأى سقالته تتأرجح فارغة كخط أفقي قصير، يمنعها من السقوط حبلانِ تدليا من فوق (وثمة حبال غلاظ لاحت من الجانب، كانت تتدلى أيضاً كأنها تمسك برقاب البحارة ورؤوسهم تنحني إلى أسفل لتتابع سقطتها) ورأى ظله ينزلق على الطلاء سريعاً وينحني مبتعداً عنه مع تقوس جانب الباخرة ويتكوم على الماء، قريباً منه سقط طوق نجاة فسبحَ باتجاهه ورشاش ماء ينفر من ضربات ذراعيه ويبلل أرضية المقصورة وكانت القماشة تقطر.. قماشة حرير أصفر منسوجة كبساط وجدها معلقة على الباب وبطة الزيت الزجاجية فوقها مقلوبة، فبدت كلوحة اشتُغِلتْ توا.

“من قلبَ الزيت ولطّخ البساط؟” قال “أحد” وألقى السؤال على بحار كهل فردهَ زاجراً:ـ

ما الذي يجري هنا؟ ما بكم؟ القبطان يسأل عمن لطّخ سجله بالحبر وأنت تسأل والطباخ يتشكى، ما جرى لكم؟

طاف بعلامة السؤال على الطاقم جميعاً، فأعادوها مقلوبة كأنف أفطس، لا إجابة، لا علم عندهم.. فصرخ:

“لو أعرفه لسحلته إلى مقصورتي ولطخت وجهه بالزيت، وقبل أن القي به خارجا سأشقّ عجيزته بركلة..

” عنبر المخازن ظلام” قال زميلي وأضاف ” تمارضَ واشتر لنا زيتا” فتمارضتُ وقبِلَ ضابط السطح أن انزل إلى البر للمعالجة، أقلني زورق الخدمة أنا والطباخ. شعرت بارتجاجة المحرك، وأمامي تشكلت كما تتشكل السحب مبان بيض احتلت المشاهد كلها، يتصدرها هلال أحمر ثخين، وفوقها الشمس تتجاوز الضحى وتبدو مائلة أقصى البساط في الجهة اليسرى من اللوحة، رأيت نفسي اجتاز البوابة الرئيسة للمستشفى فجلست، يقول البحار “أحد” على حافة أرجوحتي ودققت النظر. هلال آخر يرفرف فوقي وأنا أتمشى كمن يحمل نعشاً، بطتي لا زيت فيها، زجاجها يتوهج بأقواس قزح بدا الأحمر فيها طاغيا، تظلله صفرة عالقة وتخفف شدته، كان جدار العيادة الخارجية أبيض وعلى ارتفاع عال سبقني ظلي إليه وشكل مع أرضيته زاوية حادة ترتكز الإضاءة عليها وانحسرت عما تبقى من اللوحة؛ بين ضلعي الزاوية شدت انتباهي لطخات طلاء اصفر قبيح، أشعرني بالغثيان كما لو كان قيحاً مُوّهت به آثار خدوش ومسارب دم كميت [ كأنني رأيت صف بنادق أفقية كسقالاتنا ] وأمامي قرب رأس الزاوية رأيتها دامعةً، امرأة من عباءة وشحوب، ظلها خائف، يقي الخدوش حر الظهيرة ويرتعش وقلبها، سمعته على الجدار، يدق بقوة ويكاد ينفجر؛ تحرك ظلي منخفضاً حتى لامس رأسها فوقفتُ واستقرت الزاوية، قلت: “صباح الخير” قالت “صباح النور” والتفت إليّ، ربما لأنها ظنتني بحاراً، قالت “أتعرف الكابتن شهاب البحر؟” (ولم تنتظر ردا)”… زارنا يوماً بقاربه، دخل حجرة الكتب، رأى الزنج يخرجون ورآهم على جذوع النخل مصاليب فأغلق المجلد وخرج، بيتنا كان هناك بين الخضرة والجداول، وأخي.. ” فقاطعتها ” وأنت.. لم أنت هنا في عز الظهيرة؟ ” أطرقت، تهدّجت حنجرتها وغادرها الصوت خفيفاً مختنقاً “أخي.. هنا قضى أخي… أسال الكابتن يعرفهُ. قل له صانع الطبول، لقد ترك دمه على هذا الجدار ومضى” أشارت إلى الخدوش على الجدار فانتشرت الإضاءة، أغرقت اللوحة كلها وتألق بيت طين تحفّ به عشر حجرات وتدور حول باحته، ورأيتها تكنس أرضية السدرة، والقبطان يدخل وبدلته ملطّخة بالوحل وقلبه يدق فمضيت عنها، سحبت وتر الزاوية وتركتها، في حجرها قربة فخار تنضح ماءً وتبلل البساط، رأيت الماء يسيل من حاشيته المقصوصة ويتجمع على حافة باب المقصورة ويقطر بتثاقل.

اكتريت قارباً وعدت إلى (طريدون) غروباً، بطة الزيت ملأى وجملة ملونة :

“قلبي في ظل البرحيّة وعلى جذع السدرة قلبها”

كانت تطرز حاشية البساط وترشح منها صورة القبطان وخلفه عدد من البحارة ينزلون على درجات السلم المعدني إلى زورق الخدمة، رأيت ظلالهم تتضخم على بياض الباخرة، تتلطّخ عند نزولها بدم الغروب، وتتهاوى ظلاً بعد ظل كما لو كانت تصويراً بطيئاً لرجل ينهار، فانزلقت البطةُ من يدي إلى قاع القارب، وانقلب الزيت.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : الفجر يولد من جديد .

لذكرى انتفاضة الأقصى 28-09-2000   نكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها، تخرج كل ليلة …

| د. ميسون حنا : مراوغة .

أول يوم عمل له تميز بنكهة خاصة، في السابق وهو تحت التدريب كان يعالج المرضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *