| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الثانية.

ومضت الكاهنة ، وأغلقت باب الحرم وراءها ، فأشار الكاهن لكوبابا ، وقال : تعالي ، يا ابنتي ، وقفي إلى جانبي ، بين يدي الإلهة ننحرساج .

لم ترتح كوبابا لطلبه ، ووقفت حائرة لا تعرف ماذا تفعل ، فخاطبها الكاهن ثانية قائلاً : تعالي ، تعالي ، لا تخافي أيتها الحلوة .

وتقدمت كوبابا مترددة ، ووقفت إلى جانب الكاهن ، أمام تمثال الإلهة ننخرساج ، فرفع الكاهن عينيه القاتمتين إلى الإلهة ، وقال فيما يشبه التضرع : أيتها الإلهة ننخرساج ، هذه الصبية الطاهرة كوبابا ، باركيها ، وألهميها ، أن تقوم بدورها المقدس خير قيام .

والتفت الكاهن إلى كوبابا ، وحدق فيها ملياً ، ثم قال بصوت أراده أن يكون مهيباً : كوبابا .

ورمقته كوبابا بنظرة سريعة ، وقالت : نعم .

وتابع الكاهن قائلاً : أنتِ محظوظة ، يا كوبابا .

وحدقت كوبابا فيه مستفهمة ، فقال : الزواج المقدس يقترب موعده ، ونحن نتهيأ له منذ الآن .

ولاذت كوبابا بالصمت حائرة ، فما علاقتها بالزواج المقدس ، والتفت الكاهن إليها ، وقال لها : لقد اختارتك الإلهة ننخرساج لتكوني أنتِ عشتار .

وشهقت كوبابا : أنا !

وردّ الكاهن قائلاً : هذه مشيئة الإلهة ، ومشيئة الآلهة ، مهما كانت ، لا راد لها .

وهمت كوبابا أن تعترض ، لكن الكاهن قاطعها ، وقال : خلال الأيام القادمة ، سأقدمك إلى الملك ، فلجلالته أن يتعرف على عشتاره في الزواج المقدس .

لم تتراجع كوبابا ، فقالت بنبرة اعتراض : لكن عشتار تكون في الزواج المقدس ، الكاهنة العظمى ، أو أي كاهنة من كاهنات المعبد .

ومال الكاهن عليها ، وقال : هذا ما شاءته الإلهة ننخرساج هذه المرة ، يا كوبابا .

وتراجعت كوبابا قليلاً ، وقالت : أمهلني بعض الوقت ، عليّ أن أرى ما يراه أبي .

وردّ الكاهن قائلاً : أبوك رجل طيب ، ويعرف أن ما تشاءه الآلهة لا راد له .

واستدارت كوبابا ، وخرجت بسرعة من حرم الإلهة ننخرساج ، لكن صوت الكاهن طاردها من عتمة الحرم ، يقول : سأرسل لكِ بعد أيام ، لآخذك بنفسي وأقدمك إلى الملك ، تموزك في الزواج المقدس .

 

     ” 7 ”

ـــــــــــــــــــ

   عادت كوبابا إلى الحانة حوالي العصر ، وأسرع العامل العجوز إليها ، وعيناه تتأملانها بقلق ، وقال لها : أراكِ غير مرتاحة ، يا ابنتي .

وجلست في مكانها متنهدة ، وقالت : لا عليك ، إنني متعبة بعض الشيء .

ومال العامل العجوز عليها ، وقال : سأعد لك لقمة تأكلينها ، وستكونين أفضل .

ونظرت كوبابا إليه ، وقالت ممتنة : أشكرك ، لا أشتهي الآن أي شيء ، جئني بقدح من الماء .

وأسرع العامل العجوز ، وجاءها بقح من الماء ، وقدمه لها قائلاً : اشربي ، يا بنيتي ، ولا تهتمي لأي شيء ، يكفيك أحبتك وهم ليسوا قلة .

وابتسمت كوبابا ، وهي ترشف الماء ، وما إن انتهت ، حتى أخذ القدح منها ، وقال لها : لابد أنه الكاهن ، يا بنيتي ، لا أحد يحبه في كيش .

ونهضت كوبابا ، وهي تقول : إنني متعبة ، الأفضل أن أعود إلى البيت .

وسارت متجهة نحو المدخل ، فسار العامل العجوز في أثرها ، وهو يقول : رافقتك السلامة ، يا ابنتي .

 ومضت كوبابا مبتعدة عن الحانة ، والعامل العجوز يتابعها بعينيه المحبتين ، وهو يتمتم قائلاً : لا أدري ما الذي يريده هذا الكاهن منها ، تباً له ، لتأخذه إلهة العالم الأسفل ايرشكيكال .

وسارت كوبابا وسط المارة ، متجهة إلى البيت ، يمضها الإرهاق والقلق ، ترى ماذا سيقول أبوها ، حين يعلم ما دار بينها وبين الكاهن في المعبد ؟

وكارانا ماذا سيقول ؟

من جهتها ، لقد احتجت ، واعترضت ، و .. أهذه هي مشيئة الإلهة ننخرساج ، أم مشيئة الكاهن ؟ وماذا يريد من وراء ذلك ، هذا الغراب الأسود ؟

وتناهى إلى الأب ، وهو راقد في فراشه ، صوت باب البيت يفتح ، وارتفع من الفناء وقع أقدام مألوفة ، إنها ابنته  كوبابا ، واعتدل في فراشه ، ونادى بصوته الواهن المشروخ : كوبابا .

وجاءه الردّ منها ، مع وقع أقدامها المقترب : مهلاً ، يا أبي ، إنني قادمة .

وسرعان ما أطلت من باب الغرفة ، وأقبلت عليه مقطبة متعبة ، على غير عادتها ، وبادرته قائلة قبل أن يتكلم : يبدو أنك لم تتغدّ ، يا أبي .

وتجاهل أبوها ما قالته ، وقال لها : بنيتي ، تعالي اجلسي إلى جاني ، أنت متعبة جداً .

وهزت كوبابا رأسها ، وقالت معاتبة : أنت تنسى أنك لم تعد شاباً ، وأنك مريض .

ومرة ثانية تجاهل كلامها ، وقال لها : تعالي ، يا بنيتي ، واجلسي إلى جانبي ، وحدثيني .

واستدارت كوبابا ، واتجهت إلى الفناء ، وهي تقول : دعني أولاً أعدّ بعض الطعام لي ولك .

وانهمكت كوبابا بإعداد الطعم ، وفرشت السفرة أمام أبيها ، ثم نظرت إلى أبيها ، وقالت : عرفت أنك لم تأكل شيئاً ، تعال نأكل .

وزحف الأب بصعوبة ، وجلس إلى السفرة ، وجلست كوبابا قبالته ، وقبل أن يمدّ الأب يده إلى الطعام ، قال لها : بنيتي ، لابدّ أنك قابلت الكاهن في المعبد .

وهزت كوبابا رأسها ، وهي تتشاغل بتناول الطعام ، فتابع الأب قائلاً : حدثيني عما دار بينكما ، فقد كان مهتماً جداً بهذا اللقاء .

ونظرت كوبابا إلى أبيها ، وقد توقفت عن تناول الطعام ، وقالت : ستذهل بما قاله لي ، يا أبي .

وتوقف الأب بدوره عن تناول الطعام ، وتساءل قائلاً : ماذا قال ، يا كوبابا ؟

وردت كوبابا منفعلة : يريدني أن أكون عشتار .

وتمتم الأب مذهولاً : عشتار !

وتابعت كوبابا قائلة : لقد اقترب موعد الزواج المقدس ، يا أبي ، ويريدني أن أكون عشتار في هذا الزواج .

واتسعت عينا الأب ، وتمتم مذهولاً : أمام الملك !

فقالت كوبابا : الإله تموز .

وقال الأب ثانية : الملك ؟

فقالت كوبابا : نعم ، الملك .

واعتدل الأب في جلسته ، وقال : بنيتي ، هذا شرف عظيم ، قلما تحظى به فتاة من خارج المعبد .

وردت كوبابا قائلة : لكن لي تموزي .

تمتم الأب متسائلاً : كارانا ؟

فقالت كوبابا : نعم ، أنت تعرف ذلك ، وقد باركته .

وقال الأب ، وقد لمعت عيناه : أن تكوني عشتار ، لا يتعارض هذا مع أن تكوني زوجة فيما بعد لكارانا .

وهبت كوبابا واقفة ، وهي تقول : كلا ..

ومضت إلى الخارج ، وهي تقول : لا أريد أن أكون عشتار في هذا الزواج الذي شاءه الكاهن .

وتمدد الأب في فراشه ، وهو يقول : يا للويل ، لقد جنت كوبابا .

 

     ” 8 ”

ـــــــــــــــــــ

   خيم الليل في وقت مبكر هذا اليوم ، خاصة وأن الغيوم القاتمة ، المثقلة بالمطر ، كانت تغطي السماء ، وتمددت كوبابا في فراشها ، وتمنت أن تستغرق في النوم ، هرباً مما تعانيه من ضيق خانق .

وتناهت إليها طرقات خفيفة على الباب ، لا شكّ أنّ هذا كارانا ، نعم إنه هو ، وتذكرت أنها لم تنتظره اليوم في الحانة ، ليعود معها إلى البيت .

ونهضت من فراشها ، وتسللت مسرعة عبر الفناء ، وفتحت الباب ، إنه كارانا كما توقعت ، وبادرته مرحبة : أهلاً كارانا .

وردّ كارانا بشيء من العتاب : أهلاً بك ، لقد مررت مساء اليوم بالحانة ، وسألت عنكِ ، فأخبرني العامل العجوز ، بأنك عدت إلى البيت مبكراً .

فقالت كوبابا : نعم ، كنت متعبة .

وقال كارانا : لكنك وعدتني ، بأنك ستنتظريني ، لنعود معاً إلى البيت ، يا كوبابا .

وخرجت كوبابا من البيت ، وأغلقت الباب وراءها ، وقالت : كارانا ، خذني إلى النهر .

ونظر كارانا إليها ، وقال : لم تُعلمي أباكِ .

وسارت كوبابا أمامه ، وهي تقول : هيا ، خذني إلى النهر ، لابد أن الجو مريح هناك .

وسار كارانا في أثرها ، وقال بصوت هادىء : لابدّ أن أباك مستغرق في النوم الآن .

فردت كوبابا قائلة : كلا ، لقد تخاصمنا .

ونظر كارانا إليها مندهشاً ، وقال : تخاصمت مع أبيك ؟ كوبابا ، إن أباك مريض .

وتوقفت كوبابا ، وقالت بشيء من الانفعال : إنه يريدني أن أكون عشتار .

وتوقف كارانا بدوره ، وقال : عشتار !

وتابعت كوبابا قائلة : أمام الإله تموز في حفل الزواج المقدس القريب .

وشهق كارانا قائلاً : الملك !

فردت كوبابا : نعم ، الملك .

ولاذ كارانا بالصمت ، وقد استبدت به الحيرة ، ولا يعرف ماذا يقول ، وواصلت كوبابا سيرها ، وكارانا يسير إلى جانبها صامتاً ، حتى وصلا إلى النهر ، وتوقفت كوبابا عند الشاطىء ، وماء النهر ينساب بهدوء في الظلام ، وتوقف كارانا على مقربة منها ، دون أن تبدر منه حركة واحدة .

وأطل القمر من بين الغيوم ، وراح يتراقص فوق مياه النهر ، فرمقت كوبابا كارانا بنظرة سريعة ، وقالت : لم تقل لي رأيك .

ونظر كارانا إليها متردداً ، وقال : في ماذا ؟

وقالت كوبابا : أبي يريدني أن أكون عشتار .

ولاذ كارانا بالصمت ، فقالت كوبابا : وأنت ، ماذا تريد ؟

وتلجلج كارانا ، ثم قال : إنه أبوك ، يا كوبابا .

وبشيء من الحدة ، قالت كوبابا : يريدني أن أكون عشتار في الزواج المقدس أمام الملك .

وحدق كارانا فيها ، وقال : أهي إرادة الملك ؟

وبدل أن ترد على تسؤله ، قالت له : أنت ماذا تريد ؟

وتلجلج ثانية ، ثم قال وكأنه يلقي حملاً عن ظهره : أنا أريد .. ما تريدينه أنت .

وبشيء من الارتياح ، قالت كوبابا : هذا ما توقعته ، أنا كوبابا ، زوجتك في المستقبل القريب ، أن أكون عشتار في الزواج المقدس أمام الملك .

ولاذ كارانا بالصمت ثانية ، فتساءلت كوبابا : هذه قضيتنا أنا وأنت ، وعلينا أن نبحث عن حل لها .

ومال كارانا برأسه ، وقال كأنما يحدث نفسه : وأبوك .. وأمي .. و ..

وقاطعته كوبابا قائلة : أبي وأمك لا يعارضان أن نكون معاً ، وأن نكون كما نريد .

وحدق كارانا فيها ، وقال : والحل ؟

فقالت كوبابا : نهرب ..

وشهق كارانا قائلاً : نهرب !

وتابعت كوبابا : نهرب إلى ماري أو أشناك أو ..

واحتج كارانا قائلاً : ماذا تقولين ؟ الملك سيعتبر هذا  خيانة ، ماري وأشناك دولتان عدوتان لكيش .

وقالت كوبابا : نحن نهرب من الملك .

واحتج كارانا قائلاً : لا تنسي ، يا كوبابا ، أنا ضابط في قصر ملك كيش .

ولاذت كوبابا بالصمت ، ثم استدارت ، ومضت تسير عائدة إلى البيت ، ولحق كارانا بها ، وراح يسير إلى جانبها ، ثم هتف بها : كوبابا ..

لم ترد كوبابا عليه ، أو تلتفت له ، فتابع كارانا قائلاً : الأمر لم يحسم بعد ، إنه اقتراح من الكاهن ، قد لا يوافق عليه الملك ، خاصة وأن زوجته ، لم يمضِ على رحيلها سوى عام واحد .

ولاح بيت كوبابا ، فتوقف كارانا ، وقال لها : كوبابا ، أراك غدا هنا كالعادةً .

لم ترد كوبابا عليه ، فتمتم وهو يتابعها بعينيه الحزينتين  : تصبحين على خير .

 

     ” 9 ”

ــــــــــــــــــــ

   لم ينم الأب هذا اليوم ، إلا في ساعة متأخرة من الليل ، ولم يكن ذلك فقط بسبب أمراض الشيخوخة ، التي كان يعاني منها ، وإنما أيضاً بسبب قلقه على ابنته كوبابا ، وخوفه مما يدور حولها .

وطوال ساعات الليل ، لم تغب كوبابا عن تفكيره ، لقد أوت البارحة ، في وقت مبكر ، إلى غرفتها ، وهي منزعجة ومتأثرة ، لكن يبدو أن كارانا جاءها في أول الليل ، وربما خرجت معه ، لا بأس فكارانا شاب ناضج وطيب ، ولعله أغفى حين عادت إلى البيت .

وصباح اليوم ، حين أفاق ، وقد أشرقت الشمس ، كانت كوبابا قد خرجت من البيت ، وذهبت كالعادة إلى الحانة ، لكن دون أن تمرّ عليه هذه المرة ، واضح أنّ  البنية غاضبة من أبيها ، لا بأس ستعرف عاجلاً أو آجلاً ، أنه لا يريد لها إلا الخير .

وتساءل الأب بينه وبين نفسه ، ما إذا كانت قد حدثت كارانا ليلة البارحة ، عما أراده منها الكاهن ، وماذا كان موقفه ، إنه مثل أبيها ، لا يريد إلا الخير لكوبابا ، والخير واضح وضوح الشمس .

وانتبه الأب إلى أن أحدهم يطرق بابه ، فتحامل على نفسه ، ونهض من فراشه ، وفتح الباب وإذا كاهنة شابة تبتسم له ، وتحييه قائلة : طاب صباحك .

وردّ قائلاً : أهلاً ومرحباً .

وقالت الكاهنة : لابدّ أنك والد كوبابا .

فردّ قائلاً : نعم .

فقالت الكاهنة الشابة : أرسلني الكاهن إليك ، ويريد أن يراك في المعبد ، قبل ظهر اليوم .

وتساءل الأب مندهشاً : ماذا يريد ؟

وردت الكاهنة ، وهي مازالت تبتسم : هذا ما ستعرفه ، يا سيدي ، عند لقائك بالكاهن في المعبد .

وهزّ الأب رأسه ، وقال : حسناً ، سأذهب حالاً إلى المعبد ، وأرى الكاهن .

وتراجعت الكاهنة الشابة ، وهي تقول : أستودعك الإلهة ننخرساج ، عن إذنك .

فقال الأب لها : رافقتك السلامة .

وعاد الأب إلى غرفته ، وأخذ عكازه ، وشدّ يده عليه ، ومضى بخطواته المتعبة الثقيلة إلى المعبد ، ليرى ما الذي يريده الكاهن منه ، لابد أن الأمر يتعلق بكوبابا ، هذه المجنونة ، كان عليها أن تفرح ، إنه الإله العظيم تموز ، وهي ستكون عشتاره .

وحين وصل المعبد ، استقبله الكاهن في غرفته ، وشعر ببعض الارتياح ، فقد كان استقبال الكاهن له طيباً ، ثم أشار له إلى مقعد قريب من مقعده ، وقال له : تفضل ، اجلس هنا ، يبدو أنني أتعبتك .

وجلس الأب حيث أشار الكاهن ، وقال مبتسماً : أشكرك ، إنه العمر ، وهذه نهاياته .

وصمت لحظة ، ثم نظر إلى الكاهن ، وقال : حدثتني ابنتي كوبابا ، وهي مازالت صبية صغيرة ، عما دعوتها إليه ، وهذه التفاتة أبوية منك .

ونظر الكاهن إليه ، وقال : كوبابا ابنتنا ، قريبة منّا في المعبد ، ونحن لا نريد لها إلا الخير .

وصمت لحظة ، ورمقه بنظرة جانبية ، ثم تابع قائلاً : سمعت شذرات من الحديث عن كارانا ، لابد أنك تعرفه جيداً ، حدثني عما تعرفه عنه .

فقال الأب : إنه شاب خلوق طيب ، يسكن مع أمه قريباً من بيتنا ، وهو ضابط من ضباط حرس القصر الملكي ، ويحظى بمكانة طيبة عند الملك .

وصمت لحظة ، ثم قال متردداً : وهو يكاد يكون خطيب ابنتي .. كوبابا .

وابتسم الكاهن له ، وقال : هذا أيضاً أعرفه ، وأظنه لا يوافق كوبابا على تمردها .

ومال الأب على الكاهن ، وسارع إلى القول : سيدي ، كوبابا مازالت صبية ، أقرب إلى الطفولة في تصرفاتها ، قليلاً من الصبر ، والتعامل الرفيق الهادىء ، وستكون كوبابا التي تريدونها .

ونظر الكاهن إليه ، وقال : هذا ما نفعله ، وكما قلت لك ، فإن كوبابا ابنتنا ، ونحن حريصون عليها .

وصمت لحظة ، ثم قال : سألتقي بجلالة الملك الليلة ، وأعرض عليه الأمر ، وكلي أمل أن يوافق جلالته ، على أن تكون كوبابا ، عشتار أمام الإله تموز .

فقال الأب متحمساً : أشكرك ، يا سيدي ، وسأبشرها أنا بما قلت ، ولابدّ أنها ستطير من الفرح .

ونهض الكاهن من مكانه ، وقال : إذا سارت الأمور كما نتمنى ، فقد أرسل من يأتيني بكوبابا ، لآخذها بنفس إلى جلالة الملك في القصر .

ونهض الأب بدوره ، وهو يتوكأ على عكازه ، ونظر إلى الكاهن ، وقال : أشكرك ، يا سيدي ، لتختر الإلهة ننخرساج ، ما فيه الخير لكيش .

وابتسم الكاهن له ، وقال : رافقتك السلامة ، تحياتي إلى ابنتنا الجميلة الغالية كوبابا .

 

     ” 10 ”

ـــــــــــــــــــــ

   في الموعد المحدد ، كان الكاهن في القصر ، فاليوم هو موعده مع الملك ، الذي سيتفق معه عن أهمّ ما في الزواج المقدس ، عشتار ، مادام هو تموز .

وطلب الإذن من الملك ، فدخل الحاجب على الملك ، في قاعة العرش ، وانحنى له ، وقال : مولاي ، الكاهن بالباب يطلب الإذن .

وتذكر الملك أنه على موعد مع الكاهن ، حول عشتار الزواج المقدس ، الذي يقترب موعده ، كان في الماضي يهتم بهذا اليوم كثيراً ، لكن مع الزمن قلّ اهتمامه به ، لعله العمر ، فهو لم يعد صغيراً ، إنه يقترب من الخمسين ، ولا يدري لماذا لا يحب هذا الكاهن بالذات ، رغم أنه كان يتملقه كثيراً .

وأشار الملك بيده : ليدخل .

ودخل الكاهن في ثيابه الفضفاضة ، الجديدة على ما يبدو ، وقد ارتداها خصيصاً لهذه المقابلة ، وانحنى للملك ، وقال : طاب صباحك ، يا مولاي .

ورد الملك بدون حماس : طاب صباحك .

وأشار إلى مقعد قريب ، وقال : تفضل اجلس .

وجلس الكاهن متمتماً : أشكرك ، يا مولاي .

ونظر الملك إليه ، وقال : أيها الكاهن ، أظن أن يوم الزواج المقدس قد اقترب .

فقال الكاهن : نعم ، يا مولاي ، وقد أوشكت كلّ الاستعدادات له أن تتمّ ..

وصمت الكاهن ، فنظر الملك إليه وقال : في المرة السابقة ، التي التقينا فيها ، قلت لي أنك اخترت عشتار ، وأنك ستبلغها بالأمر .

فهزّ الكاهن رأسه ، وقال : تعم ، يا مولاي ، اخترنا عشتار ، وبلغناها بالأمر .

وصمت لحظة ، ثم تابع قائلاً  : إنها فتاة شابة ، متميزة ، اسمها كوبابا .

وزوى الملك بين حاجبيه مفكراً ، وحدق في الكاهن ، ثم قال : كوبابا .. كوبابا ؟ يُخيل إليّ  أنني سمعت بهذا الاسم ، لا أظن أنها  كاهنة .

فردّ الكاهن قائلاً : لا يا مولاي ، إنها ليست كاهنة ، لكنها أصلح فتاة في كيش لتكون .. عشتار .

وصمت لحظة ، ثم قال : إنها فتاة شابة ، نشطة ، جميلة ، أبوها رجل مسن ، مريض ، يملك حانة وسط المدينة ، وهي تديرها  بدل أبيها ، يساعدها في ذلك رجل من أصدقاء أبيها ، متقدم في العمر  .

وحدق الملك في الكاهن ، وقال مندهشاً : ماذا !  تدير حانة !

وصمت لحظة ، ثم تابع قائلاً : عشتار عادة تكون كاهنة من كاهنات المعبد .

فمال الكاهن على الملك ، وقال : أمها الراحلة كانت ورعة ، يا مولاي ، وصارحتني مرة أنها تتمنى لابنتها أن تدخل المعبد ، وتصير كاهنة .

وسكت الكاهن لحظة ، ثم قال : وإذا اقتضى الأمر ، يا مولاي ،  يمكن أن تدخل كوبابا المعبد ، قبل الزواج المقدس ، حتى ببضعة أيام قليلة .

ولاذ الملك بالصمت لحظة ، ثم نظر إلى الكاهن ، وقال : في هذه الحالة ، أظن أنك تريد مني أن أراها ، قبل أن أعلن موافقتي عليها ..

فأحنى الكاهن رأسه ، ووافق الملك قائلاً : هذا أمر ضروري ، يا مولاي .

ولاذ الملك بالصمت ، فرفع الكاهن عينيه إليه ،  وأضاف قائلاً : الفتاة مترددة ، يا مولاي ، ولا غرابة في ذلك ، فهي صبية صغيرة ، وليس لها خبرة الكاهنة ، التي عاشت في المعبد .

وصمت لحظة ، ثم أضاف قائلاً : حديثك معها سيؤثر فيها ، أن تكون كوبابا عشتار أمامك ، يا مولاي ، لهو شرف عظيم لها .

ونهض الملك من مكانه ، فنهض الكاهن بدوره ، وقال : خطيبا ضابط في حرس القصر ، يا مولاي .

وصمت لحظة ، ثم قال ك واسمه كارانا ..

وحدق الملك فيه مستفسراً ، فأضاف قائلاً : لابد أنك تعرفه ، يا مولاي . .

ةتمتم الملك : كارانا ..

ثم خاطب الكاهن قائلاً : حسناً ، حدد موعداً ، واعرضها عليّ ، أريد أن أراها .

وانحنى الكاهن للملك ، وقال : سأستدعيها في أقرب فرصة ، يا مولاي ، وأبلغها بالموعد المحدد .

 

      ” 11 ”

  ــــــــــــــــــــ

   خلال اليومين الماضيين ، لم تلتقِ كوبابا بكارانا ، لا في الصباح ، ولا في أي وقت آخر ، وتعمدت أن تذهب إلى الحانة ، بعد أن تتأكد من أنه ذهب إلى القصر ، وتعود إلى البيت قبيل المساء .

وهذا اليوم ، عند تناول طعام الفطور ، وقد أشرقت الشمس ، قال لها أبوها : بنيتي ، يبدو لي أنك لا تلتقين بكارانا هذه الأيام .

فنظرت كوبابا إليه ، وقالت : اطمئن ، يا أبي ، إنه مازال كارانا بالنسبة إليّ .

وهزّ الأب رأسه ، وقال : ويجب أن يبقى كذلك ، إنه شاب رائع لا شائبة فيه .

ونهضت كوبابا من مكانها ، فقال لها أبوها : بنيتي ، أنت لم تأكلي شيئاً .

فردت كوبابا قائلة : لقد شبعت .

ثم اتجهت نحو الفناء ، وهي تقول : حان الوقت ، يجب أن أذهب إلى الحانة .

وهتف بها أبوها : لا تتأخري هذا اليوم .

ومضت كوبابا دون أن تردّ عليه ، وبعد قليل سمع الباب الخارجي يصفق ، فهزّ رأسه مبتسماً ، وقال : ليت طبعها هادىء ، كطبع أمها الراحلة .

وطوال فترة بقائها في الحانة ، ظلت كوبابا قابعة في مكانها ، لا تغادره ، وكان العامل العجوز يحوم حولها بين فترة وأخرى ، لعلها تتحدث إليه ، أو تطلب منه شيئاً ، لكن دون جدوى .

وبعد منتصف النهار ، اقترب العامل العجوز منها ، وقال لها : حان وقت الغداء ، يا ابنتي .

فردت كوبابا قائلة : تغدّ أنت .

ونظر العامل العجوز إليها لحظة ، ثم قال : أتمنى أن تأكلي معي ، ولو لقمة واحدة .

وردت كوبابا ثانية : كلْ أنت ، إنني لست جائعة .

وانصرف العامل العجوز عنها ، وانهمك في خدمة الزبائن المرتادين للحانة ، دون أن يتغدى هو الآخر ، رغم أنه كان جائعاً .

وحوالي العصر ، نهضت كوبابا من مكانها ، فأسرع العامل العجوز إليها ، فقالت له : إنني متعبة بعض الشيء ، سأذهب وأرتاح في البيت .

وسارت كوبابا بادية التعب ، واتجهت إلى المدخل ، وسار العامل العجوز وراءها ، وهو يقول لها : رافقتك السلامة ، يا ابنتي .

وهمت أن تردّ عليه ، لكنها توقفت ، فقد لاح كارانا يقف في مدخل الحانة ، دون أن يتفوه بكلمة ، فواصلت سيرها ، واجتازته ، وهي تقول : إنني ذاهبة إلى البيت .

ولحق كارانا بها على عجل ، وقال لها بصوت مفعم بالعاطفة : جئت إلى الحانة ، في هذا الوقت المبكر ، لأنني لم أحظَ بك صباحاً منذ يومين .

وردت كوبابا قائلة : لن أخرج إلى الحانة مبكرة ، كما كنت أفعل في السابق .

ونظر كارانا إليها ، وهو يسير إلى جانبها ، وخاطبها قائلاً : كوبابا ..

وقاطعته كوبابا قائلة : لنرجىء الحديث في هذا الأمر ، في الوقت الحاضر .

ولاذ كارانا بالصمت لحظة ، لكنه سرعان ما تراجع ، وقال : استدعاني الملك صباح اليوم ..

وسكت كارانا ، لكن كوبابا لم تلتفت إليه ، رغم أنها على ما يبدو بدت مُثارة ، فتابع كارانا قائلاً : سألني الملك ما إذا كنتُ خطيبك .

وتوقفت كوبابا ، وتساءلت محتدة : وبماذا أجبته ؟

وردّ كارانا قائلاً : أجبته الحقيقة ..

وبحدة أكثر تساءلت كوبابا : وما الحقيقة ؟

فردّ كارانا : قلت له نعم .

وسكت كارانا فترة طويلة ، وكوبابا لا تنطق بحرف واحد ، ثم نظر إليها ملياً ، وقال : قال لي الملك ، بأنه سيراك خلال أيام برفقة الكاهن .

وأسرعت كوبابا ، حين اقتربا من بيتيهما ، دون أن توجه إليه كلمة واحدة ، ودفعت الباب الخارجي ، ومضت مسرعة إلى الداخل .

وتوقف كارانا يتابعها بنظره الحائر ، حتى اختفت وراء الباب ، هذه المجنونة الجميلة ، ماذا تريده أن يفعل ؟ أن يهرب معها إلى المجهول ؟ سيتزوجها ، وستعقل كما تقول أمه ، و .. واستدار مقطباً ، ودخل إلى البيت .

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الاولى .

  شخصيات الرواية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ الملك هايلوم 2 ـ الكاهن 3 ـ كوبابا 4 …

| احمد ابراهيم الدسوقي : من أطلق النبلة على صاحب العفاريت .

   عم كازار رجل مخيف ، إنه ساحر عجوز ، بلا أخلاقيات ولا ضمير ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *