د. عبد العزيز غوردو : فينومينولوجيا المكان : ما لم يرد عند باشلار (4)

القسم الثاني: ما لم يرد عند باشلار؛
…أو سيكولوجية المكان المتوحش

– القبر
– ساحات المعارك
– بارانويا السجون
– السرير والكرسي

القبر؛
      …الحفرة والهرم

الكونُ مرآةُ
كلُّ النهاياتِ بداياتٌ …
إذَنْ؟  
كلُّ البداياتِ نهايات
وتلكَ آياتْ

هي لعبة دور تلك التي تلعبها البداية والنهاية، لتجعلنا نقف على حافة التساؤل عن المصير، وبه، وعن دلالة البداية/النهاية؛ حيث يربض الموت متربصا بنا يحفر في الذاكرة، كما القبر الذي نودع فيه، بعد أن نكف عن التجوال، ونشد الرحال إلى أجداثنا مستقبلين بداية جديدة، أو لعلها تكون آخر الرحلة بعد أن يكون قد هدّنا التطواف، وحيث يكون القبر في استقبالنا مشرعا صدره: حفرة أو هرما…
لكن، وقبل أن تعركنا لعبة البداية/النهاية هذه، وقبل أن ندخل متاهاتها عمليا، ألا يمكن، ونحن على مرمى حجر أو أبعد قليلا، أن نتساءل عن دلالتها في الذاكرة؟ ألا يكفي أن نذكر القبر لنجدنا قد قفزنا مباشرة على القبر/الشيء، أي المكان الجامد، نحو ما يجاوزه من قيم معقدة للوحشة والنفور والانقباض؟ ومن ثم أليس القبر مكانا نموذجيا، وبامتياز، لإقامة البرهان الفينومينولوجي عليه، بما هو آلية للانجذاب نحو الصور المعتمة القاتمة للوجود، حتى في أوج زخم هذا (الوجود) واكتماله؟
فهناك في اختتام الوجود طرق، ومفترقات طرق، كثيرة للموت/القبر؛ والقبر – تماما كالوجود – هو ما تراه “أناي”، ولا شك أنه بوسع كل واحد منا أن يرسم طرقه على هواه، وأن ينطوي أو ينفتح على خرائطه، الداخلية/النفسية والخارجية/العالم، من خلال تمثله الهندسي والخيالي، ومقدار هوسه بالتأويلات والإسقاطات والعلامات والرموز…
يخبرنا الهوس بأن الأمكنة الخربة كلها في الواقع مقابر، يعيث فيها شبح الموت… ويتكفل خيالنا بالباقي لإضفاء سمات القلق والرعب على الواقعة.
إننا لا نعيش “القبر” من خلال ماهيته المادية، بل من خلال كونه مستقرنا المستقبلي، والأبدي، ولهذا نفهم لماذا كان الفكر البدائي يضع مع الميت كل ما يفترض أنه سيكون بحاجة إليه في عالمه الآخر.
القبر تاريخنا الذي لم ينكتب بعد: المنغلق أمام كل تفسيرات العقل، والمنفتح على كل تجليات الخيال… إن تصوراتنا عنه لا تتحقق عبر تجربة ذاتية، وهذا جوهر المرعب فيه، بل دائما من خلال تمثل تجارب آخرين، عاجزين بدورهم عن نقل تجاربهم إلينا مباشرة، فلا يبقى لنا إلا الخيال، وبعض الحدس، لإكمال لعبة الليغو…
فنحن حياله لسنا بالعلماء المجردين، ولا بالكهنة أو النفسانيين أيضا، بل نحن أقرب ما نكون إلى الشعراء دائما؛ لأن الشعر هو الوحيد الذي يعبر عن انفعالاتنا وارتعاشاتنا الكبرى، حين تعجز الفلسفة ذاتها عن إيجاد الأجوبة، وتكتفي باتخاذ موقف العاجز الذي لا يكف عن طرح الأسئلة التي لا تزيد مزقنا إلا حيرة…
لا يرسم العقل للقبر أي صورة عقلانية مقنعة، ولا تستحضر عنه الذاكرة أي صورة واقعية؛ لذلك، وأمام هذا الانحطام (للعقل والذاكرة) لا يعود أمامنا إلا أن نطلق العنان للخيال الذي يشيد قلاعا مفتوحة على الكوابيس تعربد فيها، كما العواصف، أنّى شاءت، ترافقنا طيلة حياتنا، وعلينا أن نتعايش معها، في انتظار لحظة اللقاء الحاسمة والحقيقية، لحظة مواجهته فعلا…
إننا نتحرك، ونشتغل، ونلعب، ونلهو، ونستمتع… في أماكن مختلفة، وفي أزمنة مختلفة أيضا، لكننا مع كل حركة زاخرة بالحياة نقترب من نقيضها/الموت، حيث استواء الزمان والمكان، وحيث بالضرورة، نمط آخر “للعيش” لا نعرفه، لهذا نشدد هنا على جوهرية القبر، ومكانته، في الفكر الإنساني والتراث…
لا يُقذف الإنسان إلى العالم فقط، بل يقذف منه أيضا… ولئن كان قذفه الأول، مهما اتسم به من وحشية، معلوم الهدف، فإن القذف الثاني لا يتيح أي فرصة لاستكناه جوهره ولا يتفتح إلا على ظلمات بعضها فوق بعض… ولذلك بالضبط كانت لعبة الدور التي يطحننا حجرا رحاها/البداية والنهاية؛ أو بالأحرى انسحاقنا بين بداية لا تنفك تذكرنا بالنهاية، ونهاية تنفتح مواربة على بداية لا نعلمها!
إن تفكيرنا في القبر هو لحظة التوتر القصوى، لأننا في الواقع لا نفكر في وجوده الفيزيقي، بل في مصائرنا؛ في النعش الذي اتخذ من أفكارنا أعشاشا، حتى قبل أن نرحل إليه… والشاعر يعرف دلالة كل ذلك جيدا، ويوظفها في طقوسه الشعرية/النثرية، سواء بسواء:
“في فاتحة السفر وجدت سبعا وعشرين حمامة ميتة، وَحَرْفًا نَائِمًا فِي نَعْشٍ مِنْ خَشَبِ أَفْكَارِي…
سَبْعةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا مِنَ الاقْتِنَاعِ بِالْمَوْتِ شِعْرًا…”
إذ ما دلالة الشعر في النهاية غير تمني الموت، والانقبار، طلبا للتطهير؟
سؤال استنكاري نتصيده من فم الإبداع، عند أحمد حسن، هو رجع صدى لما تردد عند رضا رجب، وكأنما تواطأ الشاعران على ذلك عن سبق إصرار:
أحاول شعرا لا أحاول غيره *** فيا رب شعرا أو أموت فأعذرا
وما ذنبه نسر يداس بوكره *** إذا ما تمنى لأن يموت ليقبرا
الموت شعرا، واستعجال الرحيل، دلالات على بساطة الأمنية بساطة القبر الحاضن للحلم؛ ففي العادة لا يتسم القبر بالتعقيد، فهو في العمق مجرد حفرة تُردم على جثة، وشاهد يدل عليها، وما قد يضاف إليه من تحسينات رخامية أو جصّية، مهما تعقدت، تماما كمحسنات الشعر البديعية، إن هي في النهاية إلا زوائد لا تدخل في جوهر تكوينه… لكن هل الأمر يتوقف عند التمني، أم أن للموضوع سراديب أخرى مما هندسته الذاكرة، والذاكرة هنا بما هي ذات متأملة تتقن رسم الواقعة والتفكّر فيها؟
ذلك أن الذاكرة المتأملة/المتألمة لا تنفك تحفر وتحفر حتى تصل الأعماق، أعماقها وأعماق الأرضية الطرية، المحاطة بالجدران، بما هي امتداد لكل الأرض، حيث يتعطل التفكير العقلاني ويبدأ الحلم/الكابوس، بل ويتضخم الكابوس حد الجنون، فيحيل القبر إلى جنون مدفون ومأساة مُسوّرة، تستثمر مخاوفنا الطبيعية لتشدد علينا الخناق، ولا ترسم بعد ذلك إلا دهاليز معتمة… علينا، كقراء، أن نعبرها وفي يدنا شمعة لا تكاد تنير إلا لنفسها؛ يقول الشاعر:
دَفَنُوهُ فِي مِتْرَيْنِ فِي بَطْنِ التُّرَابِ لِوَحْدِهِ..
وَاثْنَانِ مِنْ أَعْوَانِهِ قَدْ غَسَّلاهُ بِدَمْعَتَيْنِ عَلَى
فَوَاتِ الْجَاهِ مِنْهُمْ..
وَالأَهَالِي شَيَّعُوهُ بِلَعْنَةٍ حَمْرَاءَ..
وَاخْتَصَرُوا جِنَازَتَهُ بِبَصْقَةِ أُمِّهِ فِي وَجْهِهِ الْمُسْوَدِّ..
ففي هذا القبر الذي امتدت جدرانه إلى ما لا نهاية، مطبقة على الضلوع، وبهذه الروح المضطربة المخنوقة بين الضلوع، علينا أن نصغي إلى الشاعر بانتباه، ملتحفين مخاوفنا؛ وقد لا ننتهي، بعد القراءة الأولى، إلا إلى الحيرة والضياع، أو الحلم ← الكابوس، لذلك فالظاهراتي هو من يبحث، من خلال قراءة ثانية وثالثة، لكل ما هو جيد، عن قراءة مبدعة تنتهي به إلى القول، خارج حدود العقل: “هذا هو الشعر الذي كنت أريد كتابته”:
حلم كان ميتا،
أو يكونُ!
فلماذا لا يستريح السنونو؟!
علينا أن نقر أمام واقعة الموت بأنها لا تترك لنا إلا صورا وجودية تتسامى ممشوقة إلى ملكوت الجنون؛ حيث يصاب الشاعر، ونحن، ببعض منه… يتوسل من خلاله، أن تصيبنا العدوى، في سؤال مفصلي يقف على حافة الاستنكار:
إنه الموت!! وحده الموت،
فامشوا بهدوء!!
فالليل سجن حزينُ
كلماتي لم تستطع فعل شيء
ومتى يصلح الجنونَ الجنونُ؟
فإذا كانت القراءة الأولى للقبر توصلنا إلى حواف الجنون، وكانت القراءة الثالثة توصلنا إلى ملامسته، فإن القراءة الخامسة تنتهي بنا إلى التساؤل هل يصلح الجنون الجنون؟ سؤال يفضي بنا إلى سؤال: هل يصلح الدهر ما أفسد الدهر؟ ومن ثم: هل تصلح النهاية أن تكون بداية جديدة حتى لو كانت خارج الزمن وباستقلال عنه؟
فالقبر، والموت يتبدى من ورائه، مكان يدل على توقف الزمان لحظة انغلاقه؛ إن زمانه الداخلي غير زمان الخارج، ففي الداخل تعبير عن النهاية، وفي الخارج تماد إلى ما لا نهاية… ذلك أن صدى صرخة الشاعر الجاهلي (“ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر!”) يرتدّ هنا؛ لكن الحجر نفسه ميت، متناثر، تماما كالقبور التي يشكلها، في هندسة مكسورة، نقرأها فاضحة في قصيدة “عنّاب”:
القبر:
خبز التنور
وقبور
تتناثر فوق تلال الضيعه
كحسام مكسور
في البداية يفاجئنا “القبر” وحيدا على رأس الفكرة الشعرية، لكنه وتماما كالشجرة التي تخفي الغابة، يرفض أن ينعزل وحيدا، لذلك لا تلبث أن تتبدى قبور أخرى متناثرة فوق التلال، حتى لو كانت شظايا لما انكسر؛ العزلة مرفوضة حتى في عالم الموت، والاجتماع حماية ودفء.. ووجود، في قلب العدم؛ ولطالما شددنا من قبل على ثنائية الوجود والعدم، واقترانهما ببعض، معرّفان ونافيان، يستدل على أحدهما بالآخر، ليس بمفهوم المخالفة وحده، لكن بالامتلاء والحضور أيضا؛ الحضور دليل على الوجود والامتلاء، في مقابل الماضي الذي يحيل على العدم؛ فلننصت في مرة أخرى، لن تكون الأخيرة:
له جداول موتى… كان يرجعهم ***
كأنه يرجع الماضي من العدم
الموت‡الحياة، العدم النقيض المطلق للوجود، ولا منطقة ثالثة بينهما:
أنا الأمين على ما فيك من ألق***
والناس صنفان: أموات وأحياء
ليس هناك من منطقة وسط يحتلها الإنسان، والكائن الحي عموما؛ لكن أي كائن حي آخر لن يفلسف الأمور على هذا النحو كما يفعل الإنسان، الذي يعرف بأنه لا يمكنه أن يكون حيا وميتا إلا مجازا، في مبالغات اللغة ومقعراتها الانزياحية ربما؛ أما في العالم الصلب المادي، فليس هناك هذا الوسط؛ هناك فقط عالمان: علوي وسفلي منذ الأزل، في جميع الثقافات، وبجميع اللغات؛ هناك فقط موت أو حياة، ولحظة فاصلة فارقة بينهما، هي نفسها لا تنتمي إلا إلى أحدهما، أو إلى الآخر، وليست منطقة وسطا أبدا.
في العالم العلوي هناك مشيئة وإرادة و.. إنسان؛ وفي العالم السفلي تغيب الإرادة، حيث الإنسان يستحيل إلى جثة؛ وهنا علينا أن نلف حول أنفسنا 360 درجة لنتساءل: هل الدفن الجماعي، والقبور متناثرة كانت أم متراصة، تبعد فعلا شبح العزلة والصمت كما افترضنا سلفا؟ أم أن ذلك الاجتماع، القسري، ما هو في العمق إلا مجرد إسقاط لثقافة الحي على الميت؟
يقول يحي السماوي في إهداء ديوانه الشعري:
“إلى شقيقتيّ:
“أم نوفل” وهي تنتقل من مقبرة جماعية إلى أخرى، أملا في العثور على بقايا عظام من رفات زوجها.
“أم أحمد” وهي تحتضن رأس زوجها المثقب بالرصاص الأمريكي أمام مسجد بغدادي.
لهما، وإلى كل العراقيين الذين أودت بحياتهم المشانق الصدامية، وقنابل البنتاغون، أهدي هذه القصائد.”
أفلا يكون الإهداء إلى “ميت” قمة إسقاط ثقافة عالم الأحياء على الأموات؟
دعوا الجثة – أي جثة – تمارس عزلتها وصمتها في الداخل، دون حتى أن تسأل من اختار لها قبرها، ودعونا نمارس طقوس العزلة والصمت في الخارج، فنضفي على الموقف هيبة بطلها الخيال، وقوامها الصور الكابوسية السريالية؛ نحث النسيان ليحفز الذاكرة على تجاوز مقصوراتها المتحجرة، فيخلصها، إلى حين، من كوابيسها، ويحررها من ربقة ارتباطها الانفعالي بالعلامات التأويلية للقبر وانعكاساته، غريزيا، على لا وعينا، وتشكيله لتواريخنا ومصائرنا، فنتعقب هذا المصير من خلال الآخرين، ومن خلال إسقاطه على ذواتنا:
جَسَدي؟ رَمَيْتُ بهِ الى جَدَثٍ *** يمشي معي… لا تحذري جَسَدي
جدث، أو أجدث وأجداث – بصيغة المفرد أو الجمع – لا يهم، ذلك أن جميع القبور تتشابه… في النهاية، وظيفيا؛ ولا فرق بين الحفرة والهرم، حين يصبح السؤال عن دلالة القبر، بالنسبة للجثة، مغرقا في سخفه وعبثه:
جميع العصافير لا تعلمُ *** لماذا بكت هذه القبّره
جميع التوابيت لا تعلم *** من اختار للجسد المقبره
من اختار للجسد المقبرة؟ سؤال سخيف، وأسخف منه السؤال: “هل ينفع مع الموت، طلب التأجيل؟”
لا بد أن نقرر، بكلمات باردة كالتوابيت، بأن البحث عن دلالة القبر بالنسبة للجثة يبدو مدعاة للعبث والسخف، والبحث عن تأجيل المصير يبدو أسخف منه.
نسعى، كالحمقى، لتأجيل موت لا يتأجل.. وهبه تأجل؛ فالتأجيل يفتح ألف قبر عند نهاية الطريق:
كانت حماقتنا تؤجل موتنا *** حينا وتفتح ألف قبر حينا
هنا لا ينفع التأجيل مهما كانت المغريات؛ والشاعر يعرف ذلك جيدا، ربما أكثر منا جميعا، لكنه يلح عليه رغم ذلك في واحدة من محطاته الشعرية الفارقة:
حاولي أن تؤجلي القتل، عندي للعصافير أنجم وغصونُ
يأبى إلا أن يراود الموت على ذاته بأنجم للعصافير، وغصون قد تكون مزهرة بما تشتهيه الحياة، لكن هل يشتهي الشيء ما يشتهيه نقيضه؟ هل يشتهي الماء ما تشتهيه النار؟ وهل يشتهي الليل ما يشتهيه النهار؟ لنصل في النهاية إلى السؤال/الفخ: هل يشتهي الموت ما تشتهيه الحياة؟
سؤال لا يعرف أحد جوابه.. كما لا يفيد أمامه إعلان العصيان:
أعلنت عصياني عليـ *** ـك وقلت: يا موت انتظر
فالموت لا يرد علينا في الحالتين – استجداء أو عصيانا – إلا في تعال، وإذ يرد لا يرد بغير الصمت.. فتلك حرفته التي أتقنها أبدا، ولا يفيد أمامه أي شكل من أشكال التمرد والعصيان، كما لا يفيد أن تنتصب جميع عصافير الدنيا صادحة بالغناء أو التغريد؛ فذلك شأن الدنيا وعُمْلتها، وشأن الآخرين…
أجل، ليس هنالك غير الصمت مشرعا أبوابه السرمدية أمام أسئلة المتاهة، وتاركا كل شعراء الدنيا يتلفعون بأحزانهم، يردون على الصمت باجتراح غواية الشعر.. والحزن:
عِنْدَمَا يَحْزَنُ شَاعِرْ
يَرْجِعُ الْعُصْفُورُ لِلْعُشِّ بِلا حَبَّةِ قَمْحٍ..
وَيَبِيعُ الْبُلْبُلُ الأَلْحَانَ لِلْغِرْبَانِ..
يَنْسَى بَيْنَ غُصْنَيْنِ يَتِيمَيْنِ بَقَايَا حَلْقِهِ..
وَإِذَا الْصُّبْحُ تَدَلَّى مِنْ فُرُوعِ الشَّمْسِ فِيهِمْ ..
وَجَدُوا الْبُلْبُلَ مَشْنُوقًا بِحَبْلَيْ صَوْتِهِ
تَحْتَ غُصْنٍ أُمُّهُ يَا كَمْ تَغَذَّتْ مِنْ تُرَابِ الْمَوْتِ فِي صَحْنِ الْمَقَابِرْ
ومهما نبشنا في ملفات الشعراء، بما في ذلك ملفات عشقهم المهزوم، فلن يطالعنا غير الصمت، مرة تلو أخرى، مكررا، وفي التكرار دلالة أعمق.. دلالة المقابر، وصمتها العميق؛ فهل يقول الصمت شيئا؟
عيناك صامتتان… صـا *** متتان مثل المقبرهْ
الصمت الذي يقول، أو لا يقول، شيئا، يضعنا فقط في منطقة فراغ يصل درجة الصفر، يخط للمسافر خط دوامة… تجعل منه الراحل في درب العتمة، عتمة الموت، لا ينجلي له طريق العودة أبدا؛ لا نعلم أن ميتا قد عاد بعد رحيله، لأن هناك في القبر، إن كنت لا تعلم، متاهة عصية على الاستيعاب، لا تنفتح إلا على متاهات أخرى غيرها، وغيرها.. وغيرها… وكلها هروب إلى الأمام، حتى لو كان جحيما؛ هل يفيد ساعتئذ أن يُطرق علينا الباب؟
لنتأمل انكفاء الشاعر على الذات، بعد أن وارى أمه التراب، كما لو أن واقعة الموت انتقلت إليه رغم أنه لم يمت بعد، لكنه يخوض التجربة عبر امتطاء الخيال؛ في تمثل فينومينولوجي لواقعة القبر/البيت حيث بقايا جثة الأم ويداها المشبكتان على أشلاء الأخت، كأنه موت في موت، بينما اليدان ما زالتا دافئتين من أثر العجين، كل ذلك يحثه على الانكفاء من القبر إلى البيت، ثم إلى القبر مرة ثانية بما هو صاوية اليقين، فيرسم أمامنا لوحة أخرى “للبيت الدافئ” الذي تختزنه الذاكرة، وتحاول إسقاطه على “القبر” بما هو “بيت آخر”، في عالم آخر؛ يقول أحمد حسن:
وَدَفَنْتُ َأمَّكَ..
لَمْ نَجِدْ مِنْهَا سِوَى كَفَّيْنِ شُبِّكَتَا عَلَى أَشْلاءِ أُخْتِكَ..
كَانَتِ الْكَفَّانِ لابِسَتَيْنِ قُفَّازَيْنِ مِنْ أَثَرِ الْعَجِينْ
لكن هنا، كما هناك من قبل، يبتلع الصمت – كثقب أسود – كل شيء؛ لأن لا أحد يعلم ما في الجهة الأخرى للصفحة بعد أن تقلب…
زعم الشاعر أنه كتب أول حروف من اسمه عليها، في دفتر للموت قربانا، وبعد ذلك كانت دورة للصمت والصمت، في لعبة يبدو أنها استهوتهما جيدا، حيث يبتلع أحدهما صاحبه دون أن نعرف الفاعل من المفعول به، فكلاهما صمت يردنا إلى الآخر، كما لو أننا نشاهد مرآة في مرآة.. إلى ما لا نهاية، هكذا جئت، يقول الشاعر، بعد أن:
شَيَّعْتُ صَوْتَ الْجَدِّ فِي ذَاكِرَتِي
إِلَى قُبُورِ صَمْتِهِ الطَّوِيلْ
دَخَّنْتُ عَادِمًا من السَّيَّارَةِ الّتِي
رَمَتْ حَفِيدِيَ الوَحِيدَ فِي سَاقِيَةِ الرَّحَيلْ
هناك، خلف الثقب الأسود حيث لم يصل أحد، بله أن يرجع من بعد الوصول، ليس لنا إلا هندسة افتراضية من التمثلات: الموت كما تتمثله “أناي”، والقبر كما تتمثله “أناي” أيضا؛ و”أناي” لا ترى إلا امتدادا طويلا لهذا العالم السفلي بعد الرحيل، حيث يُشيَّع الصوت إلى مثواه الأخير؛ وحيث لا صوت: لا كلام، لا ضوضاء، لا ضجيج، لا نغم، لا أعداد للبشر… وبالنتيجة: لا حياة؛ أولم يقل الفيلسوف اليوناني القديم : “الحياة عدد ونغم؟” هنا، في العالم السفي، عدد واحد منفرد يبدأ رحلته المديدة في صمت، يُسْلمه إلى صمت، باتجاه صمت آخر لا متناه…
وبعد الصمت جبال النسيان، أوليس الإنسان سمي كذلك لأنه كثير النسيان؟ سؤال استنكاري آخر، وما أكثر ما طرحنا من أسئلة في هذا الموضوع!
إن الموت قرين الصمت والدال على النسيان، فبهما يُعرَف وبهما يُستدل عليه أيضا… هذه نقطة يلتقي عندها عديد الشعراء فيما يبدو؛
نقرأ عند الأول:
فُتُشْفَى السُّحُبُ..
وَيُوقِظُ الْمَوْتَى الَّذِينَ يَدْفِنُونَ الْعُمْرَ فِي مَقَابِرِ النِّسْيَانِ…
ونقرأ عند الثاني:
زوجها مات… هل تذكرت قالت؟ ***
قلت: كلا… من يا ترى أنساني؟
يحيل الصمت على العالم السفلي/عالم الأموات؛ أما النسيان فيردنا إلى العالم العلوي/عالم الأحياء. ونحن نخشى الصمت/الموت لأننا نخشى النسيان: ألاّ يتذكرنا الآخرون بعد الرحيل، ولذلك نرفض الموت، ولذلك أيضا تبدو لنا الحياة مخيفة لحظة تأمل مواجهة المصير…
القبر نهاية الرحلة، مكان منفِّر، ينغص علينا العيش في خبث ولؤم، ويدفعنا إلى الحفاظ على تماسكنا بالتهرب من مواجهته، ويبقينا في لحظة يقظة وتوجس كلما استبد بنا النسيان، نسيانه، يذكرنا بمواجهة نعلم مسبقا أننا لن نخرج منها إلا مهزومين… فكيف تحلو الحياة ونحن نتصور نهايتها على هذا النحو؟
لا يحتاج تصوير القبر إلى صنعة البلاغة كثيرا بل إلى الصدق في التعبير، لأن الإحساس به متجذر فينا بعمق، والشعر/الشاعر الصادق هو الذي ينقر على وتره الحساس فينا كسوناتة بيانو، فيلامس هذا العمق؛ يوقظنا ويضعنا على حوافه، وحدنا نناطح قرن الوعل…
إنه الشعر الذي يجعلنا نتوقف، ونشهق حتى تطلع الروح منا، لنعيش الكوابيس المتوثبة ليلا، تلك البعيدة القريبة التي تراودنا، عبر القراءة، وتدعونا للتوقف والتأمل واختراق الجدران والأزمنة، وتحفرها أخاديد في الجسد والذاكرة… هذه وظيفة الشعر الكبرى… وإذا تحققت هذه الوظيفة ناجزة فعلا جاز لنا القول، بالاستتباع، بأن لكل واحد منا قبره الذي يحمله في ذاكرته، ولو من غير ملامح واضحة… فقط سراديب تكلست جدرانها فأطبقت على النفس، تقودها ابتداء إلى منتهاها لحظة تأمل الواقعة وتمثل التجربة، ولا داعي لاستدعاء العقل هنا، والاستنجاد به، لأن الكابوس يتأسس على انفعالاتنا، وعلى ما هو شعري فينا… والمطلوب هو الاستغراق فيه حد الجزع المطلق، ولا يدّعيّن أحد بأنه يمارس دور البجعة الذبيحة التي ترقص لموتها احتفاء به…
إن الشعرية تنقل الموقف من روح الشاعر وتعيد نسخه فينا، وأن نقرأ الشعر يعني اكتواءنا بالكابوس وانغرازه في أعماقنا.
القبر قبر.. فسواء تعلق الأمر بتاج محل، أو أهرام الجيزة، أو بمجرد حفرة نكرة، أو حتى نثر أشلاء جثة لم تحترق بالكامل في مياه نهر الغانج الآسنة… فإن القبر يظل قبرا: هندسة ووجودا.
بالنسبة للفينومينولوجي لا تهم ضخامة الحجارة، ولا كمية النقوش، أو المياه المتدفقة، فيه.. فذلك شأن المعماري والأركيولوجي والأنّاس والآخرين… أما هو فعليه أن يكشف عن الملمح الذي يجمع بين جميع أنواع هذه القبور – في الوعي/اللاوعي، وفي الذاكرة والخيال – بما هي أماكن محبسة للنفس لأنها تدعوها للانسلاخ عن وجودها، والامتداد نحو المجهول/العدم/العالم الآخر/التناسخ…
مهما اختلفت العقائد، وتنازعت أهواؤها، فإنها تظل أمام صرح القبر متحدة المشاعر حول النفور والانقباض، لأن ذكره دعوة لها للكف عن الحياة، والتوقف عند اللحظة/البرزخ التي يشير إليها الموت…
الواقف أمام هرم خوفو، والمنبهر بضخامة الإنجاز، دون النفاذ إلى دخيلته؛
الواقف أمام تاج محل والمنبهر بروعة الزخرفة، دون أن يتجاوزها ببصره؛
هذا موقف البائس الغُفل القصير النظر… أما الواقف الحقيقي أمام روعة الإنجاز فهو الواقف المعتبِر، أي ذاك الذي تنفذ بصيرته إلى الداخل، وذاك الذي ينتقل من وضع المتفرج الخارجي، الذي يلتقط الصور التذكارية، إلى وضع المجرب الداخلي الذي يضع نفسه موضع الدفين، والذي تلتقط له الصور التذكارية… وشتان ما بين الموضعين/الموقفين.
بالنسبة لمنعدم البصيرة، الواقف خارج هرم خوفو أو تاج محل، فسيبدو له الضريح/الهرم أجمل مكان في الوجود، خاصة مع انعكاس الأضواء عليه غسقا، أما بالنسبة لخوفو أو ممتاز محل نفسيهما فسيكون الأمر مختلفا بالتأكيد، بل لن نجانب الصواب إن نحن قلنا بأنه، بالنسبة لهما، سيظل أشقى مكان على الإطلاق في الكون كله… إنه نفق بلا نهاية، وظلمة حالكة من دون بصيص ضوء.
أما الإنجاز الحقيقي فهو ليس ما حققه بناة الأهرام ولا مهندسو تاج محل؛ بل ما حققه، ويحققه، هادم اللذات من قدرة مستبطنة على دفع النفس نحو التأمل، في مصير الدفين، ومن خلاله، في مصيرها طبعا، فيدفعها نحو خوض تجربة القبر مكتملة، واقعية، ناجزة فعلا عبر التفكّر والتدبر، أي من خلال الخيال؛ وهذه اللحظة التي يلتف فيها ماضينا على مستقبلنا، فيرتبط الخيال بالذاكرة، هي التي تدفع كل واحد منهما للحفر عميقا في الآخر؛ فتتوهج انفعالاتنا وتوقظ روح الشاعر الكامن فينا.
لا تُوقِظِي الأَمْوَاتَ..
عِنْدِي طِفْلَتَانِ مِنَ التُّرَابِ قَطَفْتُ عُمْرَهُمَا الرَّمَادِيَّيْنِ..
مِنْ رَحِمِ الْقُرَى..
إن ما يوقظ الوحش النائم فينا، ويضعنا أمام مواجهته، عزلا مجردين من كل سلاح، هو كوننا نفتش عن مصائرنا في مرآة الآخرين، أو أكفانهم، ونتصورهم عاجزين مثلنا لحظة المواجهة… مجرد لحم في قمة ضعفه:
وَلْمَسْتُ لَحْمًا مِنْكَ فِي كَفَنٍ مِنْ الأَوْرَاقِ..
يَا حَرْفِي الثَّلاثِينَ الَّذِي لَنْ تُتْقِنَ اللهَجَاتُ نُطْقَكَ..
مَرَّةً أُخْرَى عَلَى سَطْرٍ جَدِيدْ
مِنْ يَوْمِهَا وَأَنَا أُفَتِّشُ عَنْكَ فِي أَنْقَاضِ أَعْصَابِي..
وَيَنْتَصِبُ السُّرَادِقُ فِي الوَرِيدْ
لكن مهما تألق رفضنا للموت أو تسامى، نعلم بأن القبر هو آخر ركن لنا في هذا العالم، أو بالأحرى ركننا الحقيقي فيه؛ الشاهد على أننا قد عبرنا من هنا، والدليل المادي الحقيقي الوحيد على أننا كنا هنا فعلا… ليس ما نخلفه من منجزات مادية أو ثقافية أو فنية هو ما يخلد أسماءنا، إلا مجازا؛ أما ما يظل يحمل أسماءنا وبقايانا، حقيقة، فهو قبرنا؛ حتى لو تلاشى الرفات… يظل القبر شاهدا، مادام منتصبا، على وجودنا المادي داخله.
القبر الشاهد؛ والقبر والشاهد…
هذا أنا، يقول الشاهد، ولست حجرا أو رخاما…
إنني هنا… أتجاوز الاسم الذي نقشه الإزميل على صفحتي، وأرفض أن يهوي علي العدم بمطرقته، فتلمس ملمسي تجدني، هنا، ما زلت… نابضا، زاخرا بالحياة، رافعا عقيرتي في وجه هادم اللذات…
هذا أنا، بكل ما اجترحت من آثام، أرتقي بدعائمي درجات في وجه أشباح الظلام، أولئك الذين جبلوا نسيجي على المحارق، فغدوت صرحا يناطح السحاب… فتأملني جيدا، أيها الواقف العابر، لأن رموزي المشرقة هي ما ينير لك المعابر في المفازات، فلا تقف جامدا كالتمثال، ولا تبحث عن طريقك خارجا عني أيها الضارب في القفار، فأنا المعبر الوحيد، الأوحد، لفهم العالم، فلا تكن غرا تنخدع لتألق الحباحب تحسبها نجوما، ولا تكن مجرد شاة تُغذى حولا لتذبح في آخره؛ فاعتبر…
هذا أنا أضم بين دفّتيَّ أقدس أسرارك، وأنفس كنوزك: الروح والجسد معا…
ألا يقال إن السر في قبر؟ أليس أقدس ما نمتلك من أسرار تختزنه الأرواح؟ بل ما الأرواح إلا سر الأسرار الأكبر فكيف نودع كل ذلك في لحظة عبث داخل حفرة ونمضي؟
لكل هذا يخبرنا الشاعر أن السر موت عار.. يحتاج لمن يستره في النهاية:
أنا زرقة للبحر… طير لأيكة.. *** رداء لأسرار تموت عرايا
لكنه، رغم غموضه وإلغازه سهل الافتضاح لأن رائحته تدل عليه:
فَمَرَرْتُ بِهَا..
وَالْمَوْتُ يُعَرِّيهَا بِعَبَاءَتِهِ..
يُوقِفُ تَحْتِي الأَرْضَ..
وَيَنْفُخُ فِي أَنْفِي رَائِحَةَ الْمَوْتَى بِتَمَادِي
إنه لشعر أصيل هنا، والشعر الأصيل معدن يلقي بذاته إلى وهج النار وكثرة الطرق، حتى يكشف عن أسراره؛ وقديما قال التوحيدي: “النار هي الحاكمة بين الجواهر المعدنية بالحق”!
للسندان أن يتوهج من فرط ما يتهاوى عليه من مطارق، لكن ويل لمن يقع بينهما!
ويل للشاعر الإنسان.. الذي وهبنا مما نزفت جراحه ينبوع ماء، واهب النور للنجوم، وواهب الحب للمغرمين، وواهب البيان، وواهب الريح للعويل… فيا لشقاء الواهب/الإنسان…
وهنيئا للشعر المصقول من كثرة الطرق؛ ذاك المجنح الذي أصبح بمقدوره أن يخترق الوهاد متلفعا بناره، معلنا بدء العويل، وقد عصفت به هوجاء الرياح… يجر وراءه ما أبدع من صور جميلة، حتى لو كانت الواقعة الموصوفة بشعة بحجم الموت:
مَا أَطْوَلَ الأَنْفَاسَ حِينَ تَسِيرُ فِيهَا..
حَامِلاً نَعْشًا لِطِفْلِكَ، نِصْفُهُ فِي النَّعْشِ بَاقْ
ذِكْرَاكَ تَابُوتٌ عَلَى أَكْتَاف قَلْبِي..
وَالقُرَى أَرْحَامُ مَقْبَرةٍ..
وَآخِرُ حَبْلِهَا السُّرِّيِّ مِشْنَقَةٌ مُضَفَّرَةٌ بأحْبَالِ الفِرَاقْ
ما أحوج الإنسان إلى نفس طويل حتى يشق الرحلة باتجاه البرزخ، ثم ما أحوجه لنفس أطول كيما يعبر منه، وقد أثقل سبات الموت جفنيه فأرخت سدلها، كما أرخى الموت بظلاله على قرية كاملة فأحالها قبورا للأجنة والأطفال، أولئك الذين كان يرى فيهم امتدادا له، بما هو إنسان، والإنسان هنا مكتوبا بحروف كبيرة…
الموت شبيه السبات؛ وإن هي إلا لحظة/برزخ وإن طالت، فطالت معها الأنفاس:
نَمْ يَا جَنِينَ الغَيْبِ.. يَا بَدَنَ القَصِيدَةِ
يَا سَلِيلَ حِكَايَةٍ لَمْ تُحْكَ ثَانِيَ مَرَّةٍ لِلآنَ..
(يَرْحَمُك السُّبَاتْ)
إنها اللحظة/البرزخ..
لحظة وقوفنا أمام القبر هي الصاوية التي تردنا إلى عين اليقين، نلتفت خلفنا لنلقي نظرة، قد تكون الأخيرة، في ذكرى شبيهة بالتابوت، فالحياة محض ركام من الذكريات العيانية أو الملموسة التي تودع في النهاية داخل تابوت ملقى على الأكتاف، نتفكر فيما شيدناه طيلة حياتنا، التي تبدو إذاك فقط قصيرة جدا، أقصر حتى مما كانت تبدو عليه في أشد أيام حياتنا قتامة؛ ثم نلقي نظرة إلى الأفق الممتد أمامنا، فلا يبدو لنا ممتدا كما كان في تأملاتنا لحظة شعر حالمة، بل يصبح أضيق، ثم أضيق، ثم أضيق بعد.. حتى يتصل بزمننا الراهن، ليكتمل الانثناء على الحاضر، ثم يفجأنا السؤال الأنطولوجي الكبير: إلى أين نحن نتجه؟ إلى أين نمضي وإلى أين مضى الذين من قبلنا؟
سؤال الارتعاش هذا يقودنا إلى الجدل المنفتح على الخيال والظلال إلى ما لا نهاية، لأننا قطعا عاجزون عن الجواب؛ ولأننا كذلك فحق للهواجس والأحلام والكوابيس… أن تحط رحالها في خرائب الذات وتسكنها، ولتنقشع على الماضي فتقدح زناد الذكريات، في انعكاس مرآوي مرتد إلى الخلف، قبل أن تصوب النظر إلى المرايا الأمامية الممتدة بامتداد الأفق، على قِصره كما نصصنا على ذلك من قبل، فتنغلق المرايا من كل جانب، في محاولة لعكس الذات على حقيقتها، والمقصود انعكاس الذات أمام ذاتها وليس أمام الآخرين.
هكذا ولو طلب منا أحدهم أن نعطي تعريفا للقبر فلن نبعد عن القول: إنه مكان منغلق على سره، مفتوح على العالم الخارجي؛ خاض فيه آخرون تجارب لا نعرفها، ولا سبيل إلى معرفتها، إلا بعد أن نخوضها نحن أيضا، أي بعد أن نتوحد به، ولتحقيق ذلك لا بد من المرور عبر برزخ الموت، وفي انتظار ذلك للأحلام، كما الكوابيس، أن تشرع نوافذها على الخيال وتصور المتحقق والمحتمل والمستحيل، وللذات أن تتلظى بنار الشك والتشكك، وتتشظى إلى أجزاء وقطع ممزقة وأشلاء متطايرة، لا يوحد بينها إلا الرعب من هذا الغامض غموض الماس.
الوجه الشعري، والفلسفي، في الواقعة هو أن لكل منا قبره، إذ القبر عادة لا يحتمل أكثر من واحد، لكن في مواقف حدية أخرى (كالمجاعات والأوبئة والحروب…) قد يشترك فيه أكثر من واحد، ونحن لا نعلم يقينا في أي واحد بالضبط سوف نكون، وجهلنا/ضعفنا، هذا، يضفي على واقعة القبر سموا وتعاليا transcendant آخر؛ ولهذا بالضبط أهدى السماوي ديوانه إلى قبور جماعية .
القبر وهج الروح يلهب فجيعتها ويجددها، وهي تتبع هاتفها فتنقاد إلى التوغل فيها… فأين برهانها على حقها في الوجود، وهي تؤمن بأن منتهى السفر لن يصير إلا إليه؟
لن يموت الآخرون نيابة عني، ولن أفلح في جعل الكون يدور حول ذاتي… فإلى هنا تنتهي حريتي التي نفخت فيها طويلا، لكنها انطفأت في طرفة عين…
لكم راودتني ساميات الأفكار، وتلاعبت بي أمانيُ أطماعي، وأنا في غفلة من اليقين، والآن كل شيء ما عدا الموت باطل…
وحيدا، أعزلا، منفردا.. عليك أن تواجهه، ترتجف فرقا إذ يتبدى أمامك، ينحطم كل غرورك المجهد أمام شبحه، فتكره انفرادك، لأنه للمنفردين عاشق كبير… حتى لقتلى الأوبئة والكوارث والحروب، يبدو في أعين الواحد منهم أنه يترصده دون الخلق جميعا…
النَّبْضُ في أغصانِنا
والموتُ في الجذورْ …
كأننا الناعورْ:
نَدورُ حول نَفْسِنا ..
وحولَنا يدورْ
إنها لكلمات تتلمس طريقها داخل عزلتها، فتوقّفْ وأصغِ، دونما تردد، حيث لا يفتش عن ذاته إلا من تاه عنها حقا… وهو مقذوف، منفردا لا محالة، في فراغ يعيث فيه الصقيع… وحيث كل شيء يدور حول كل شيء…
أنصت لرجع الصدى، يقول الدويّ، فإنك هاهنا لن تكون إلا شاكيا أو باكيا؛
هنا لا شيء تخفيه عن الآخرين، لأنه ليس هناك من آخرين، فقط حقيقتك الطائشة تصرخ في وجهك، فلا أسرار ولا ألغاز ولا يفيد تبكيت ضمير…
ما فائدة النبض أن يكون في الأغصان إذ يكون الموت في الجذور؟
خلق الإنسان للموت، فليكن إذن…
ليكن الموت خاتما متوهجا بماسته السوداء، يخفي داخل فصه المغلق أخطر ألعابه، فما الإنسان إلا محارب في النهاية، وإذا لم يكن بمقدوره أن يختار زمن موته، فليكن على الأقل محاربا حقيقيا وليواجه مصيره في شموخ، فيتجدد بموته…
الموت هنا اشتهاء، لأنه مباهاة لمن عرف بهجته، والميتة الفضلى هي التي تتحقق في ساحات المعارك، حيث يغدو الموت مطلبا، ويكتمل بما هو فن لإتقان الرحيل…
الموت راحة، بعيدا عن مواطن الراحة؛ لكنه أيضا هاوية سحيقة بلا قرار…
فهذه كلمات عنه:
جَهِّزْ ليومي في رحابِكَ فُسْحَةً *** وَحُفَيْرَةً لِغدي تَضمُّ رُفاتي
وهذه كلمات أخرى، وقد أكمل العالم استدارته، فتجلت بركاته الصوفية، تبرر علة وجوده التي هي الموت…
للموتِ يجفوني فأَتْبَعُهُ *** أَمَلاً بِعَطْفِكِ يومَ مُلْتَحَدي
الموت…
إنه لوصية تتغيى الذكر وترفض النسيان:
أماه إن مت يوما فاجعلي كفني ***
منديلك السمح كي أستوطن الذكرا!
وأخبري بهدوء بنت جارتنا: *** بأن عاشقها ما زال منتظرا
أرجوك أن تجعلي قبري بقرب أبي ***
وكلميه بصمت يقرأ السورا
وهذه الوصية التي تقوم على الذكرى والانتظار، تقوم أيضا على جناح الحياة المهيض، رغم المكابرة، بين حدي البرزخ العاصف بالزمهرير الذي يتسلط على الأرواح ويصيبها بالجنون، فتضل عن مرتعها، وهي تصارع جبارها الذي لا يقهر…
أنا لا أورث جثتي *** وأبيع خبزا للقمر
إنها خوف وليل وصمت… وكل ما يؤذن بموت كل شيء: القنديل والصور والكلمات… والإنسان…
هاوية سحيقة بلا قرار، يسهل على أي كان أن يلقي فيها حجرا…
لكن، من يستطيع استعادة الحجر، إلى السطح، إذا بلغ القرار؟
من كان!!
يرشق بالعطر توابيت الموتى؟
أو يرفع صوتا؟
في وجه “فلان”؟
فما أكثر مجاهل الموت وما أوحش أرضه.. تلك البكر التي لم تطأها قدم منتصر بعد، والمعزولة بحجاب من صمت عن عالم الأعلاء… فليقرع الشاعر، المنفرد، أجراسه.. ولتنصت الآذان المرهفة لهمس الجرس، ولتؤوله ما طاب لها التأويل، فكلنا مار من هنا وحده، وكلنا لا يزيده اتساع الأفق المعتم المجهول إلا عذابا…
الموت نوم بلا يقظة، والقبر سرير من صقيع، والجسد عار كالشرنقة.. فكيف تستقيم، بعد ذلك، المعادلة؟
وللإنسان وقته الكافي للتفكير في هذه المتاهة الكابوسية، قبل أن تفتح له بوابتها المرعبة ويتجمد أمام صورته المنعكسة في مرآة الشيطان، وقد تقطبت أساريره المذعورة، حيث لا يفيده استطراد قول أو عمل، فينكص على عقبيه لأنه يعرف ما تقطع الساعات الأخيرة من نياط القلوب، قبل أن ينحدر إلى عمق الهاوية…
ما من صورة شعرية قادرة على تصوير حجم الفجيعة هنا، لحظة الانهيار…
كتل ضخمة من أتربة وصخور، كلسية أو مرجانية، ساحقة، ترزح تحتها الجثة، ولا علامات يستهدى بها في القاع المظلم، ما يجعلنا، في الأعلى، نصاب بصعق كهربي ونرتعش، نحمل معولنا/الشعري ونضرب في الأرض، فلا نصيب إلا الجثة المطوية داخل كفنها… تنحفر الذاكرة على ظاهراتية كوابيسها المفزعة وتنحدر هبوطا نحو الجثة؛ ما أشقى الذاكرة وهي تحاول سد خرومها بالخرق البالية، لإتمام صورة المنحدر والهاوية، قبل أن تنفلت هاربة في كل اتجاه! إن المكان هنا موغل في العدائية والتوحش، لا ينفع معه تحييد الصورة الشعرية، ولا التلفع بصمت القبور الشبيه بأصوات القواقع الفارغة…
كم مرة سنعيش الكابوس المجرد، ونحن على أسِرّتنا التي استحالت قوارب تائهة في المحيط، نصارع العاصفة فلا ننام؟
كم مرة سيشفطنا عالم القبور، بواسطة تفريغ الهواء، بعد أن نقرأ إهداء رضا رجب لابن أخيه، في قصيدة “جناحك الورد”؟
“إلى ابن أخي..
الذي عايشته في رحلة الموت من عناب إلى دمشق… إلى لحظة الوداع الأخير”
كم مرة بمقدورنا أن نؤجل الرحلة إليه؟
فالموت رحيل وسفر؛
سافر إلى ذكريات، حدّها كبدي
واترك لنا ما يضيف الشوق للسفر
والموت قاتل يخفي رصاصته في الياسمينة؛
والموت ليل ومنفى بلا قمر؛
الليل يملأ بالآهات شرفتنا
ونحن نسري لمنفانا بلا قمر
فهل يعتق لي كرمه بردى
حتى ولو شهقة في صدر منتحر؟؟
فلتمتطي الموت، أيها الشاعر، ولتجدل من عاصفته ضفيرتي قصيدتك، ولا عليك إن أنت ألهبتها بسياط من خيال؛ فالشاعر الفذ هو الذي يروض أشد قصائده جموحا ويهبها للروح قربانا…
يأتي النشيج، يقطع أجواء المقابر، صوتا مبحوحا يهش على قطعان الموتى المنزرعة في قبورها، بجنون، في الصحارى القاحلة، حزينا، شجيا كشبّابة الرعاة… يعلن بعثه من رقدته المستحيلة، ويكسر حاجز الصمت…
من يستطيع، في زمن كان، أن يرفع عقيرته بالنداء في وجه عالم أخرس ← الموت، ليعلن تشبثه بالأرض ← مداه البعيد المطلق الحي؟
الأرض مداي
الموت واحد، مطلق، لا يناله تبدل أو تغيير، عصي على الزمن، وحجة على كل آيل إلى زوال… لكن وحده الإبداع كفيل بتثبيته: يخفف من رزحه، ويهدئ أوجاعه، ويستخرج منها ولادات متكررة…
الإرادة المبدعة تتحمل أوجاع المخاض الشعري، كما تتحمل أوجاع الردى، وتشلهما ثم تتجاوزهما إلى لحظة اللذة والصفاء، أي لحظة النزيف شعرا…
ذلك أن الشعر بالموت، إن كنت لا تدري، جسر للعبور نحو الخلاص…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. سناء الشعلان : الكوفحيّ يصدر كتابه “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” .

صَدَرَ حديثاً في العاصمة الأردنيّة كتاب “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” للأستاذ …

| مولود بن زادي : مباريات الجوع: السلسلة التي تجاوزت مبيعاتها 100 مليون نسخة! .

بقلم: مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة بريطانيا   كان للميثولوجيا الإغريقية عبر العصور بالغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.