| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الاولى .

  شخصيات الرواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الملك هايلوم

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

2 ـ الكاهن

3 ـ كوبابا

4 ـ أبو كوبابا

5 ـ كارانا خطيب كوبابا

6 ـ عامل الحانة العجوز

 

     ” 1 ”

ـــــــــــــــــــ

   تحامل والد كوبابا على نفسه ، واعتدل في فراشه بشيء من الصعوبة ، حين سمع وقع أقدام نشطة تقترب ، إنها ابنته كوبابا ، ودخلت عليه كوبابا ، وبادرته قائلة : طاب صباحك ، يا أبي . 

وردّ عليها والدها بصوته المتعب الواهن : أهلاً بنيتي ، طاب صباحكِ .

ونظر إليها مبتسماً ، وقال : يبدو أنكِ لم تنتظريني ، وتناولتِ فطوركِ وحدكِ .

واقتربت كوبابا منه ، ومدت يدها إلى وجهه تتحسس حرارته ، وقالت : جئتُ إليك قبل قليل ، وقد أشرقت الشمس ، فوجدتك مستغرقاً في النوم .

وأبعد والدها يدها عن وجهه برفق ، وقال : لم أنم البارحة ، حتى ساعة متأخرة من الليل .

وحدقت في وجهه ، وقالت : لم أشأ أن أوقظكَ ، فتناولت بعض الطعام ، فطورك الآن جاهز .

وتنهد والدها متوجعاً ، وقال : لا أشتهي شيئاً في الوقت الحاضر ، سأتناول بعض الطعم ، قبل أن أذهب إلى المعبد عند الضحى .

وابتسمت كوبابا ، وقالت لوالدها بنبرة مزاح : أنت لم تذهب إلى المعبد منذ سنين .

ونظر والدها إليها ، وقال : كنتُ أذهب برفقة والدتك ، فقد كانت تقدس الإلهة ننخرساج ، إلهة الخصب والولادة ، وتدعو لك ، رغم أنك كنت طفلة .

وصمت لحظة ، ثم قال بنبرة حزينة متهدجة : لقد رحلت أمك ، ولم أستطع أن أذهب إلى المعبد وحدي ، وكأن ننخرساج لم تعد ننخرساج .

وابتسمت كوبابا ، وقالت : حتى في حياة أمي ، قلما كنت تذهب إلى المعبد .

وضحك والدها ، وقال : كانت تعاتبني ، وتقول لي ، لو كانت الإلهة عشتار في المعبد ، وليس الإلهة ننخرساج ، لزرتها كلّ يوم .

وصمت لحظات ، راح خلالها يتأمل كوبابا مبتسماً ، ثم قال : الإلهة عشتار تعرف إنني أحبها ، فأعطتني نسخة منها ، أسميتها كوبابا .

وأطرق رأسه لحظة ، ثم قال : لقد أرسل كاهن المعبد ، أحد الكهنة الشباب ،  وطلب أن يراني عند منتصف نهار هذا اليوم ، لا أعرف لماذا .

وتأهبت كوبابا لمغادرة الغرفة ، وهي تقول : اذهب ، يا أبي ، وستعرف لماذا .

وهتف والدها : بنيتي ..

وتوقفت كوبابا ، وقالت : لقد تأخرت ، لابد أن العامل   العجوز قد فتح الحانة ، وهو بحاجة إلى مساعدتي .

وتابع والدها قائلاً بصوته الواهن المتعب  إنني أحملكِ فوق طاقتك ، كانت هذه مهمتي ومهمة أمك الراحلة ، ومعنا العامل العجوز .

وقالت كوبابا : أمي لم تعد موجودة ..

وقاطعها والدها قائلاً : وأنا يكاد المرض يقعدني .

ومدت كوباب يدها ، وربتت على كتف والدها ، وقالت : لا عليك ، يا أبي ، أنا كوبابا ابنتك .

واستدارت كوبابا ، واتجهت مسرعة إلى الخارج ، وهي تهتف قائلة  : لا تنسَ ، يا أبي ، تناول فطورك قبل أن تذهب إلى المعبد .

وهزّ والدها رأسه ، الذي يكلله ثلج شتاء العمر ، وقال بصوته الواهن المتعب : اذهبي ، يا بنيتي ، رافقتك السلامة ، لا تتأخري عودي مع المغرب .

وخرجت كوبابا من عند والدها ، واجتازت الفناء بسرعة ، وفتحت الباب الخارجي ، ولم تكد تخطو بضعة خطوات خارجه ، حتى فُتح باب بيت ” كارانا ” ، وكان على مسافة قريبة من بيتهم ، وابتسمت كوبابا ، فهذا المشهد يتكرر صباح كلّ يوم ، وإن ادعى كارانا إنها مجرد صدفة ، يا للصدفة يا كارانا .

وسار كارانا إلى جانبها ، وقال : طاب صباحكِ .

وردت كوبابا كالعادة : طاب صباحك .

ونظر كارانا إليها ، وقال : اليوم تأخرتُ دقائق ، وأنت أيضاً تأخرت ، يا كوبابا .

وردت كوبابا قائلة : كنت أحدث والدي .

ورمقها كارنا بنظرة خاطفة ، وقال : وأنا كانت أمي تحدثني ، إنها تتحدث عنكِ دائماً .

لم ترد كوبابا عليه ، فواصل كلامه قائلاً : هذا اليوم قالت لي ، تزوج يا كارانا وإلا شخت ، وعندها لن ترضى بك أية غزالة من غزلان كيش .

 ورمقته كوبابا بنظرة خاطفة ، وقالت مبتسمة : اطمئن ، لن ترفضك أياً من غزلان كيش مهما كبرت .

وتوقف كارانا ، وقال : أنا لا تهمني إلا غزالة واحدة ، وسأصيدها ولن يطول الزمن .

وأطلقت كوبابا ضحكة صافية ، دون ،ن تتوقف ، وقالت : اذهب إلى القصر ، سيدركك الوقت .

ومضى كارنا مبتعداً ، وهو يقول : سأمرّ عيكِ قبيل المساء ، وتعود معاً إلى البيت .

 

 

     ” 2 ”

ـــــــــــــــــــ

   وصلت كوبابا إلى الحانة ، متأخرة بعض الشيء ، ووجدت العامل العجوز ، بقامته القصيرة ، يتحرك بنشاط بين الزبائن ، ويقدم لهم أقداح البيرة .

وأقبل العامل العجوز عليها ، وحياها قائلاً : طاب صباحك ، يا بنيتي كوبابا .

فقدمت له صرة ، فيها شيء من الطعام ، جلبته له مما تناولته مع أبيها من طعام الفطور ، وردت عليه قائلة : طاب صباحك ، خذ هذا الطعام ، واجلس وتناوله ، سأقف مكانك حتى تنتهي .

وأخذ العامل العجوز ، صرة الطعام منها ، وقال : أشكرك ، يا بنيتي ، لن أتأخر .

وجلس إلى مائدة ، في طرف الحانة ، وراح يلتهم الطعام بسرعة ، وراحت كوبابا تعاون العامل العجوز ، في تقديم أقداح البيرة للزبائن ، وهذا ما تفعله كلّ يوم ، وإن كان العامل العجوز ، ينهض وحده بمعظم العمل .

وقبيل منتصف النهار ، دخل الحانة رجل في منتصف العمر ، بدا أنه غريب ، وتلفت حوله ، ثمّ توقف عن التلفت ، حالما وقعت عيناه على كوبابا .

وتقدم العامل العجوز منه ، وهو يتملاه بعينيه الشابتين ، وقال له : تفضل اجلس ، يا سيدي .

وجلس الرجل إلى منضدة ، قريبة من كوبابا ، وعيناه لا تفارقان وجهها ، وقال للعامل العجوز : أشكرك ، سأجلس إلى هذه المنضدة .

ثم قال للعامل العجوز ، دون أن ينظر إليه : جئني بقدح من البيرة ، أريد بيرة قوية .

ومسح العامل العجوز المنضدة ، بقطعة قماش لا تفارقه ، وقال : حالاً ، يا سيدي .

ورمقت كوبابا الرجل الغريب بنظرة سريعة ، ترى من يكون ؟ هذا ما تساءلته كوبابا في نفسها ، ثم صرفت عينيها عنه ، ليكن من يكون ، إنها في حانة ، يدخلها من يشاء ، ويشرب ما يشاء ، ما دام يدفع الثمن .

وجاء العامل العجوز بقدح من البيرة ، ووضعه أمام الرجل الغريب ، وقال له بشيء من عدم الارتياح : تفضل بيرتك ، يا سيدي .

ومدّ الرجل الغريب يده ببطء ، ورفع قدح البيرة ، ورشف منه قليلاً ، وعيناه مازالتا تتأملان كوبابا ، ثم قال : بيرة لذيذة منعشة .

وحدقت كوبابا فيه صامتة ، وهو يرشف البيرة ثانية ، ثم رأته يضع القدح ، ويقول وكأنه يوجه كلامه لكوبابا : لدينا أنواع كثيرة من البيرة ، في مملكة ماري ، لكن والحق يقال ، ليس لدينا بيرة بهذه اللذة والجمال .

وهمت كوبابا أن تبتعد عن المائدة ، التي يجلس إليها الرجل الغريب ، لكنه نهض من مكانه ، وأطبق على يدها ، وقال لها : ابقي ، أريد أن أتحدث إليك .

وعلى الفور ، اقترب منه العامل العجوز ، وقال له : سيدي ، أنت رجل غريب عن كيش ، اشرب بيرتك بسلام ، ثم انصرف .

وخاطبه الرجل الغريب قائلاً ، وهو مازال يطبق على يد كوبابا : ابتعد أنت ..

وحاولت كوبابا عبثاً ، أن تسحب يدها من يد الرجل الغريب ، وهي تصيح : دعني أيها الوحش ، دعني ، أنت تسحق يدي .

وسحبها الرجل الغريب إليه ، وفي تلك اللحظة ، دخل كارانا إلى الحانة ، وما أن رأته كوبابا ، حتى هتفت به مستنجدة : كارانا ، أغثني .

وعلى الفور ، أسرع كارانا إلى الرجل الغريب ، وأبعد يده بقوة عن يد كوبابا ، وقال له بنبرة حازمة : أيها الغريب ، ارفع يدك عنها ، والتزم حدود الأدب .

وتداعى الرجل الغريب ، وكاد يتهاوى على الأرض ، لكنه تمالك نفسه ، ووقف في وجه كارانا ، وقال له : توقف ، يبدو أنك لا تعرف من أكون .

وردّ كارانا عليه قائلاً : لتكن من تكون .. لقد رأيتك في القصر ، صباح هذا اليوم ..

وقاطعه الرجل الغريب قائلاً : إنني ضابط في جيش مملكة ماري ، وأنا رسول الملك إلى مليككم .

وحدق كارانا فيه بغضب ، وقال له : الرسول يجب أن يحترم نفسه ، إذا أراد أن يُحترم .

وحدجه الرجل الغريب بنظرة غاضبة متوعدة ، ثم تراجع وهو يقول : قد نلتقي في يوم ما ، ليس في كيش ، ولا في مملكة ماري ، وإنما في الميدان .

وردّ كارانا عليه قائلاً : إذا التقينا في الميدان ، ستتمنى وقتها ،  لو أنك لم تولد في ماري .

واستدار الرجل الغريب ، ومضى بخطوات مهزوزة ، وخرج من الحانة ، فالتفت كارانا إلى كوبابا ، وقال لها : كوبابا ..

وقاطعته كوبابا مبتسمة : أعرف ما ستقول .

وتابع كارانا قائلاً : إنني مع أبيك .

وقالت كوبابا مبتسمة : لقد ناقشنا هذا مراراً .

وقال كارانا : ليتك لا تتواجدين في الحانة دائماً .

ولاذت كوبابا بالصمت ، فمال كارنا عليها ، وقال ..كوبابا ..

ونظرت كوبابا إليه بشيء من الدلال ، وقالت : نعم

فمال عليها أكثر ، وقال : القمر سيشرق الليلة .  

وهزت كوبابا رأسها ، وقالت : لن أشرق لك اليوم ، اذهب الآن ، لقد قمت بدور البطل المنقذ ، وآن لك أن تذهب .

واتجه كارانا إلى الخارج ، وهو يقول : أنت تعرفين أين أنتظرك ، وسأنتظرك مهما كانت الظروف .

 

 

     ” 3 ”

ـــــــــــــــــــ

   قبيل المساء ، جاء أبوها إلى الحانة ، ودخل عليها بخطواته المتعبة الثقيلة ، فأسرعت إليه متلهفة ، وفي أثرها أسرع إليه أيضاً العامل العجوز .

وخاطبت كوبابا أباها محتجة : أبي ..

وقاطعها أبوها ، وهو يجلس إلى مائدة قريبة : دعيني أجلس أولاً ، ثم قولي ما تشائين .

وتابعت كوبابا قائلة ، وهي تقف إزاءه : ما كان لك أن تغادر البيت ، في مثل هذا الوقت .

ونظر والدها إلى العامل العجوز ، وقال : جئت أشرب قدحاً من البيرة ، ثم أعود بك إلى البيت .

ومضى العامل العجوز لتلبية طلبه ، وهو يقول : أمرك يا أبا كوبابا ، سآتيك حالاً بألذّ كوب من البيرة ، لا يوجد مثيلاً له إلا في حانتنا .

وقبل أن يعود العامل العجوز بقدح البيرة ، حدقت كوبابا في والدها ، وقالت : أنت لم تقطع هذه المسافة ، لتشرب قدحاً من البيرة .

وردّ والدها عليها ، وهو يرى العامل العجوز ، يتجه نحوه ، وقدح البيرة في يده : جاءت البيرة ، سأشربها أولاً ، ثم نعود معاً إلى البيت .

ووضع العامل العجوز قدح البيرة أمام الأب العجوز ، وقال : تفضل ، اشربه ، وستعود شاباً .

وابتسم والدها ، وهو ينظر إليها ، وقد أخذ القدح بيده ، وقال : الشباب لابنتي كوبابا ، وهذا يكفيني .

ورشف جرعة من البيرة ، وخاطب كوبابا قائلاً : اجلسي إلى جانبي ، ريثما أنتهي من شرب قدحي .

وجلست كوبابا إلى جانبه ، وانصرف العامل العجوز إلى خدمة الزبائن ، ومالت كوبابا على أبيها ، وقالت : لا أظنّ أنك عدت الآن من المعبد .

وارتشف جرعة أخرى من قدحه ، وقال : كلا ، عدت بعد منتصف النهار ..

وسكت لحظة ، حدق فيها خلالها ، ثم قال : سمعت بما جرى مع رسول مملكة ماري .

فردت كوبابا قائلة : تصرف بقلة أدب ، وصدفة جاء كارانا ، وأوقفه عند حده .

وقال الأب بنبرة عتاب ولوم : مهما يكن ، فهو رسول مملكة ماري ، يا بنيتي .

ونهضت كوبابا ، وقالت : وهذه حانة في كيش ، يا أبتي ، وكان عليه أن يكون مؤدباً .

وأنهى الأب قدح البيرة ، وقال : آه إنها بيرة لذيذة ، لكنها كانت ألذ حين كنت شاباً .

ونهض من مكانه ، ولوح للعامل العجوز ، وقال : سنذهب نحن ، أغلق الحانة مع المساء .

 ولوّح له العامل العجوز ، وهو منهمك في خدمة أحد الزبائن ، وقال : رافقتكما السلامة .

وخرجا من الحانة ، وسارا جنباً إلى جنب متوجهين إلى البيت ، ورمقت كوبابا والدها بنظرة سريعة ، وقالت : والآن حدثني بما جرى بينك وبين الكاهن .

ونظر والدها إليها ملياً ، ثم قال :الكاهن تحدث عنكِ كثيراً ، يا بنيتي .

وهزت كوبابا رأسها ، وقالت بشيء من الحيرة : هذا الكاهن يحيرني ، إنني لا أفهمه .

وتابع والدها قائلاً : وطلب مني ، باعتباري والدك ، أن أمنعك من العمل في الحانة .

وبحماس وانزعاج ، ردت كوبابا قائلة : لكن أنت والدي ، وليس هذا الكاهن .

وقال والدها : سألته عن السبب ..

وقاطعته كوبابا ساخرة : لابد أن الإلهة ننخرساج ، أوحت له بذلك .

وتابع والدها قائلاً : من يدري .

وأسرعت كوبابا قليلاً ، حتى حاذت والدها ، والتفتت إليه ، وقالت : أبي ، إنني لا أتلقى مثل هذا الأمر إلا منك أنت وحدك .

ورمقها والدها بنظرة عتاب ، وقال لها : لقد طلبت منكِ ذلك أكثر من مرة ، يا كوبابا .

توقفت كوبابا ، وقالت محتجة : أبي ..

وتابع الأب قائلاً : مهما يكن ، يبدو أن الكاهن لم يطلبني ليقول لي هذا ..

ولحقت كوبابا به ، وقالت : لابد أن هناك أمراً آخر ..

وهزّ والدها رأسه ، وقال : إنه يريد أن يراك في المعبد ، قبل منتصف نهار يوم غد .

وهمهمت كوبابا منزعجة ، ودمدمت : أبي ..

وقاطعها أبوها قائلاً : بنيتي ، عليك أن تذهبي إلى المعبد غداً ، لابدّ أن الأمر مهم جداً .

 

 

     ” 4 ”

ـــــــــــــــــــ

   أخذت كوبابا أباها إلى فراشه ، حالما وصلا إلى البيت ، وجعلته يتمدد فيه ، ودثرته بغطائه الدافىء ، وقالت له : ارتح هنا ، يا أبي ، ريثما أعدّ العشاء .

وأعدت كوبابا طعام العشاء ، ووضعته على السفرة في غرفة أبيها ، ثم نظرت إلى أبيها ، وقالت له : أبي ، انهض ، العشاء جاهز ، هيا نأكل معاً .

لم ينهض أبوها من فراشه ، فمالت كوبابا عليه ، وحاولت أن تكتم عدم ارتياحها لوضعه ، وقالت له : سيعجبك هذا العشاء ، سمك مقلي .

ورفع أبوها عينيه المتعبتين إليها ، وقال بصوت واهن : إنني شبعان ، يا كوبابا ، لقد أكلت عصر اليوم ، اجلسي أنت ، وكلي ، دعيني أتأملك وأنت تأكلين .

وتعمدت كوبابا أن تضحك ، فهي تعرف أن أباها يحب ضحكتها ، وجلست إلى السفرة ، وراحت تأكل وهي تقول : لم أعد كوبابا الصغيرة ، يا أبي .

فاعتدل الأب في فراشه ، وهو مازال ينظر إليها وهي تأكل ، وقال : أتذكرين ما كانت أمكِ تقوله عنكِ ، حتى عندما ابتعدتِ عن الطفولة .

ومرة ثانية ضحكت كوبابا ، وقالت محاكية أمها الراحلة ، وهي مازالت تأكل : كوبابا ، ستبقين طفلة ، مهما مرت بك السنون .

وكتم أبوها ضحكته ، وقال : كوبابا ، لا تكبري ، ظلي طفلة ، ودعي السنين تأخذنا حيثما تريد ، المهم أن تبقي أنت كوبابا التي أعرفها .

وأطرق رأسه ، وصمت لحظة ، ثم قال بصوته الواهن : إن الحياة لكم الآن .

وتوقفت كوبابا عن تناول الطعام ، ونظرت ملياً إلى أبيها ، وقالت بمرارة : أبي ، ذلك الكاهن ، الذي يقبع في عتمة المعبد ، لا تقل لي إنك تحبه .

وابتسم الأب ابتسامته الشاحبة ، وقال بصوته الواهن : إنه كاهن ، يا بنيتي .

وتابعت كوبابا قائلة : لابد أنك عرفت من حديثه معك ، ما الذي يريده مني .

وهزّ الأب رأسه ، وقال : لم أعرف شيئاً ، الكاهن سرّ مغلق ، ستلتقين به غداً ، وستعرفين كلّ شيء .

وألقت كوبابا لقمة الطعام من يدها ، وقالت : أنت لا تقول لي ما تعرفه ، وأنا لا ألومك .

ونهضت كوبابا ، وراحت تلملم بقايا الطعام ، وهي تقول : من الأفضل أن تنام ، وترتاح يا أبي ، لقد تعبت اليوم أكثر مما ينبغي .

ثم أخذت بقايا الطعام ، ومضت به إلى خارج الغرفة ، وهي تقول : سأنظف المواعين ، ثمّ أذهب إلى غرفتي ، أنا أيضاً متعبة ، تصبح على خير .

ويبدو أن كوبابا ، لم تسمع أباها ، وهو يردّ عليها بصوته الواهن : تصبحين على خير ، يا بنيتي .

وتمدد في فراشه ، وسحب الغطاء فوقه ، لعله يغفو ويرتاح ، وهو يعلم أنه لن يغفو ولن يرتاح ، آه من هذا الكاهن ، الذي قالت عنه كوبابا ، إنه يقبع في العتمة ، ترى ماذا يريد من ابنته .. كوبابا ؟

وخرجت كوبابا من غرفة أبيها ، ونظفت مواعين الطعام ، وأعادتها إلى أماكنها ، كما تفعل كلّ يوم ، بعد أن رحلت أمها إلى العالم الأسفل ، وتركتها وحدها وأبيها في هذا العالم ، الذي فيه الكاهن ، و ..

وأضاءت عيناها ابتسامة فرح ، وقالت في نفسها : ولكن فيها أيضاً .. كارانا .

وبعد أن انتهت من عملها ، تسللت إلى غرفة أبيها ، وواربت بابها قليلاً ، وألقت نظرة على أبيها ، إنه تحت فراشه الدافىء ، وترجو أن يكون نائماً بحق .

وأغلقت الباب بهدوء ، ومضت إلى غرفتها ، وأوت إلى فراشها ، دون أن يفارقها أبوها ، والكاهن القابع في العتمة ، وكذلك لم يفارقها ..كارانا .

وأغمضت كوبابا عينيها ، وتراءى لها كارانا ، ترى أين هو الآن ، لقد قالت له ، إنها لن تشرق الليلة عليه ، وتساءلت : ترى هل أشرق القمر ؟

واعتدلت في فراشها ، وأزاحت ستارة نافذتها الصغيرة قليلاً ، ونظرت إلى الأعلى ، لا قمر ، ولا حتى نجمة واحدة ، فالغيوم تغطي السماء تماماً .

وأعادت كوبابا الستارة إلى مكانها ، هذه الغيوم الثقيلة ، قد يهطل المطر منها في أية لحظة ، أيعقل أن كارانا ذهب إلى الموعد ، لعل قمره يشرق عليه ، في هذه الليلة المدلهمة الماطرة ؟

وفكرت أن تنهض ، وتذهب إلى الموعد ، حتى لو أغرقتها الغيوم بأمطارها الثقيلة ، لكن ماذا عن أبيها ؟ إنه راقد في فراشه ، مريض ، وقد يحتاجها في أية لحظة ، ويناديها فلا تجيبه .

وابتسمت كوبابا ، بل كادت تضحك ، وهي تتخيل كارانا يقف تحت شجرة الموعد ، والمطر ينهمر من السماء الخالية من القمر والنجوم ،آه مسكين كارانا .

 

    ” 5 ”

ــــــــــــــــــ

   في صباح اليوم التالي ، وما إن خرجت كوبابا من البيت ، حتى برز لها كارانا ، من باب بيتهم القريب من بيتها ، وكتمت كوبابا ابتسامتها ، من يدري منذ متى وهو يتربص بها وراء الباب ، وقبل أن تحييه ، وتقول له : طاب صباحك ، يا كارانا .

بادرها قائلاً ، وهو يقاوم عطاسه : ماذا جرى ، يا كوبابا ، لقد أقلقتني البارحة أشد القلق .

وابتسمت كوبابا ، وقالت : ردّ التحية أولاً .

وسار كارانا إلى جانبها ، وقال : طاب صباحك و ..

وعطس عطسة شديدة ، ثم تمالك نفسه ، وقال : لقد انتظرتك البارحة طويلاً ، و ..

وعطس ثانية ، فابتسمت كوبابا ، وقالت : لابدّ أنك تمنيت لي أن أنقع بالمطر كما نقعت أنت .

وابتسم كارانا هو الآخر ، وهو يقاوم عطسة جديدة ، وقال : لا ، يكفي أنني نقعت ، إنني لا ألومك ، كان المطر شديداً جداً .

ونظرت كوبابا إليه ، وقالت : الحقيقة لم يمنعني المطر من الحضور ، بل أبي ، كان متعباً للغاية ، بعد أن عاد من مقابلة الكاهن في المعبد .

 وتباطأت كوبابا عند مفترق الطريق ، وقالت : خذ طريقك ، واذهب إلى القصر .

وتباطأ كارانا هو الآخر ، وقال لها : سآخذك ذات يوم ، لتري القصر ، ولو من الخارج .

فقالت كوبابا : لا أريد أن أراه ، لا من الخارج ، ولا من الداخل ، هيا اذهب .

لم يذهب كارانا ، وواصل طريقه إلى جانبها ، وقال : سأسير معكِ ، وأوصلك إلى الحانة .

واعترضت كوبابا عليه ، وقالت : لكن قد تتأخر .

فردّ كارانا : لن أتأخر .

وصمت لحظة ، ثم قال : قلت لي ، أن الكاهن التقى بأبيك يوم أمس .

ونظرت كوبابا إليه ، وقالت : ويريد أن يلتقي بي في المعبد هذا اليوم .

ورمقته بنظرة سريعة ، وقالت : كارانا ، لا أظنك تحب هذا الكاهن .

فقال كارانا : لم أحبه حتى الآن .

وقالت كوبابا : ولن تحبه .

ونظر كارانا إليها ، فتابعت قائلة : لقد طلب من أبي ، أن يبعدني عن الحانة .

ولاحت الحانة في نهاية الطريق ، فقال كارانا : رغم أنني لا أحب هذا الكاهن ، ولن أحبه في يوم من الأيام ، إلا أنني معه في إبعادك عن الحانة .

وتظاهرت كوبابا بالزعل ، وقالت : يبدو أنك تشكل حلفاً غير مقدس ، مع أبي والكاهن .

واقتربا من الحانة ، فقال كارانا : لقد رأيت ما جرى البارحة مع رسول مملكة ماري .

وتوقفت كوبابا أمام الحانة ، فتوقف كارانا إلى جانبها ، وقال : أنتِ تعرفين المشكة ..

وتساءلت كوبابا : ما المشكلة ؟

فردّ كارانا قائلاً : المشكلة أنك جميلة جداً .

وخفق قلبها فرحاً ، لكنها كتمت فرحها ، وقالت : اذهب ، وإلا أبعدوك عن القصر .

وهمّ كارانا بالابتعاد ، وهو يقول : متى ستذهبين إلى المعبد ، للقاء هذا الكاهن ؟

وردت كوبابا قائلة : قبل منتصف نهار اليوم .

فسار كارانا مبتعداً ، وقال : انتظريني قبيل المساء هنا ، سآتي وأعود بك إلى البيت .

ودلفت كوبابا إلى الحانة ، وهي تقول : أسرع الآن إلى القصر ، رافقتك السلامة .

وفي داخل الحانة ، أسرع العامل العجوز إلى كوبابا ، حين أقبلت من الخارج ، وبادرها قائلاً : طاب صباحك ، يا ابنتي ، أرجو أن يكون أبوك بخير .

وسارت كوبابا إلى زاويتها ، وهي تقول : طاب صباحك ، أبي بخير ، وإن كان متعباً بعض الشيء .

ونظر العامل العجوز إليها ، وقال : لقد غدا متقدماً في السن ، والعمل في الحانة يرهقه .

ورمقته كوبابا مبتسمة ، وقالت بنبرة مزاح : لا تنس ، أبي ليس أكبر منك .

وهزّ العامل العجوز رأسه ، وقال : أنت تعرفين ، يا ابنتي ، أنني وحيد في هذه الحياة ، وليس لي غير عجوزتي ، وهي مريضة ومتعبة .

فربتت كوبابا على كتفه ، وقالت : لا تقل هذا ، لست وحيداً ، أنا ابنتك .

ودمعت عيناه ، وقال : لتحفظك الآلهة .

وحدقت كوبابا فيه ، وقالت : أبي لا يريدني في الحانة ، ماذا تقول أنت ؟

ونظر العامل العجوز إليها ، وقال : إنني معه ، يا ابنتي .

وتساءلت كوبابا : لماذا ؟

وحدق العمل العجوز فيها ملياً ، ثم قال : أنت جميلة جداً ، يا ابنتي ، ومكانك ليس في الحانة .

 

 

     ” 6 ”

ــــــــــــــــــــ

   نادت كوبابا ، وهي تنهض من مكانها في الحانة ، وقد اقترب النهار من منتصفه : أيها العم ..

وأسرع العامل العجوز إليها ، وقال : نعم .

فقالت كوبابا له : حان الوقت ، سأذهب إلى المعبد .

وحدق العامل العجوز فيها حائراً ، فأضافت كوبابا قائلة : الكاهن يريد أن يراني .

وتساءل العامل العجوز مستغرباً : لماذا ؟

واتجهت كوبابا إلى الخارج ، وهي تقول : هذا ما لا أعرفه ، سأذهب إلى المعبد ، وأرى ماذا يريد .

وتوقف العامل العجوز عند المدخل ، وقال : رافقتك السلامة ، يا ابنتي .

ومضت كوبابا مبتعدة عن الحانة ، وهي تقول : لن أتأخر ، سأعود حالما أنتهي من اللقاء بالكاهن .

وظل العامل العجوز في مكانه ، يتابع كوبابا بعينيه المحبتين ، حتى غابت في زحام الشارع ، وهو يتمتم : خيراً .. خيراً بمشيئة الإلهة ننخرساج .

وفي طريقها إلى المعبد ، تساءلت كوبابا مرات ومرات ، ترى ماذا يريد هذا الكاهن منها ، وتجيب حائرة ، وماذا يمكن أن بريد ، ها هي ذاهبة إلى المعبد ، وستقابل هذا  الكاهن ، وسترى .

وفي المعبد ، استقبلتها عند المدخل كاهنة متقدمة في العمر ، رحبت بها مبتسمة وقالت  : أهلاً ومرحباً بكِ ، يا بنيتي ، أظن أنك كوبابا .

وأحنت كوبابا لها رأسها قليلاً ، وقالت : نعم ، أنا كوبابا ، وجئت بناء على طلب الكاهن .

فسارت الكاهنة أمامها ، وقالت : تفضلي ، أنا مكلفة باستقبالك ، وأخذك إلى الكاهن المقدس .

وقادتها الكاهنة إلى داخل المعبد ، ثمّ اتجهت بها إلى حرم الإلهة ننخرساج داخل المعبد ، وقالت لها : تفضلي ، الكاهن المقدس في الحرم ، وسيستقبلك هنا .

ودخلت الكاهنة إلى الحرم ، ودخلت كوبابا مترددة حائرة في أثرها ، ورغم العتمة المضببة ، لاح الكاهن يقف أمام تمثال الإلهة ننخرساج .

وتوقفت الكاهنة ، وخاطبت الكاهن قائلة : سيدي ، هذه عزيزتنا كوبابا جاءت لمقابلتك .

والتفت الكاهن ، وبدل أن ينظر إلى الكاهنة التي خاطبته ، تعلقت عيناه بوجه كوبابا ، وقال : أشكرك ، أيتها الكاهنة ، دعينا وحدنا .

وانحنت الكاهنة قليلاً ، وردت قائلة : نعم ، يا سيدي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الثانية.

ومضت الكاهنة ، وأغلقت باب الحرم وراءها ، فأشار الكاهن لكوبابا ، وقال : تعالي …

| احمد ابراهيم الدسوقي : من أطلق النبلة على صاحب العفاريت .

   عم كازار رجل مخيف ، إنه ساحر عجوز ، بلا أخلاقيات ولا ضمير ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *