ناطق خلوصي : عشّاق الشمس (5)

يحيرني هذا الرجل، فمنذ اكثر من خمس وعشرين سنة وانا معه تحت سقف واحد من دون ان استطيع ان أسبر أغوار نفسه تماماً. احس احياناً كأنه ينطوي على نفس تكتظ بأنفاق مظلمة. أسمعهم يقولون عنه انه مصاب بمرض الغموض واحاول ان اوهم نفسي بان ما أسمعه عنه محض هراء او ثرثرة السِنَةٍ منقوعة بالحقد والحسد. رجل يملأ العين: قامة منتصبة وصدر عريض ووجه يقطر وسامةً. كل ما في ظاهره يوحي بالإغراء. حين اكون بين ذراعيه احس كأنني اذوب فيه. اعترف بأن البيت كان ملاذه قبل ان تبدأ الآلة الجهنمية، كما يسميها، بالدوران. حين افلت من بين اسنانها، بدا وكأنه شخص آخر، شخص غير نسيم الكهلاني الذي أعرفه جيداً. غيابه المتكرر عن البيت يثير خوفي عليه وشكوكي منه. اتردد في ان اسأل عن سر غيابه المتكرر وسر اهماله لي. لا اجرؤ على ان افعل ذلك. لكنني حين تستبد بي الشكوك وتهصرني المواجع ويحاول جسدي ان يتمرد عليّ، لا اجد مناصاً من ان اكسر قشرة ترددي فينفلت صوت هواجسي من دون وعي مني احياناً ويخرج خافتاً تارةً ، محتداً تارةً . تلك اللحظة يحدق في وجهي وما يلبث ان يصرخ بي: ” ان طبيعة عملي الجديد تتطلب ذلك ”  فألوذ بالصمت. لا اعرف ما هي طبيعة عمله الجديد. انه يتكتم عليه مثل سر من الأسرار الخطيرة التي لابد من ان تظل دفينة ولا يجوز البوح بها بأي حال من الأحوال. يتلبسني الخجل حين اجد من يسألني قريباً كان ام غريباً،  ” ماذا يعمل زوجك؟ ”  وأحار بم اجيب. انه يغيب عن البيت ويتعكز على طبيعة عمله، وقد يتجاهلني مثلما يتجاهل سقطاً منبوذاً وربما يتعلل في قرارة نفسه بطبيعة عمله هذا ايضاً. لكنني اعترف بأنه لم يبخل عليّ ولا على ابنتينا بشيء. انه أبٌ مثالي وربّ بيت مثالي وربما زوج مثالي ايضاً باستثناء علاقة السرير بيننا.

ينتابه هاجس غامض احياناً تنتقل عدواه اليّ انا الاخرى. اراه يدخن بشراهة وينفث الدخان زفيراً عميقاً كأنه منتزع من اعماق روحه. يركّز بصره فيبدو كأنه يحدق في الفراغ، يتقلب على فراشه كأنه يحاول ان يهرب من نوبة ارق تتلبسه وتتشبث به. التصق به لأفصح عن تعاطفي معه فيلتصق بي يجذبني اليه ويهصر ضلوعي ويلسع لهب انفاسه وجهي ويمتلكني مثل وحش كاسر، او التصق به فيبعدني عنه كأنه ينفر مني ولايريد ان يرى وجهي فيتجاهل نشيجي وقد يقذفني بنظرة مزدرية.

يحيرني هذا الرجل، لكنما ينتابني الإحساس بالذنب. تلوح في عينه احياناً نظرة منكسرة فأهجس ان عينيه تريدان ان تقولا لي: ” آه لو انني كنت قد انجبت ولداً.. أخاً لابنتينا! ” فأحس كأنه ينكأ جرحاً عميقاً غائراً في روحي باصبع مغموسة بالملح. لم اعترض حين فاجأني في ليلة كالحة:  ” سآتي بأحد اولاد أخي نجيب ليعيش معنا ”  وادركت ما يعني وشعرت تلك اللحظة انه اذلني في الصميم، لكنني لم اعترض. وإذا بولد يحل بيننا: ولد لا هو من صلبه ولا هو نزل من رحمي. غير انني اجد نفسي محكومة برغبة مفروضة عليّ بأن امارس امومة كاذبة ازاء هذا الولد، سامي الذي كبر وجعله عمه رقيباً علينا. لم أنس ما حدث ذلك الصباح حين عاد الى البيت ووجدني مع منيب. لو لم يكن عمه قد اهملني لما كنت على استعداد لأن امنح جسدي لمنيب. كنت قد نضوت عني ثوبي ونزعت سروالي الداخلي حين رن جرس الباب فشعرت تلك اللحظة كأن صاعقة نزلت على رأسي. من القادم في مثل هذا الوقت؟ ايكون نسيم؟ إذا كان نسيم فلاقرأ على روحي السلام. التقطت سروالي الداخلي بأصابع مرتعشة ولا ادري كيف ادخلت ساقيّ فيه. بحثت عن ثوبي وانا اكاد انكفئ على وجهي وقد صار رنين الجرس يتمادى في الحاحه ثم تناهى الى سمعي صوت الطرق الوحشي فازدت رعباً على رعب. عثرت على ثوبي بعد جهد مع انه قريب مني وادخلت رأسي في فتحة الزيق بيدين مرتبكتين وفاتني، وانا وسط رعبي وارتباكي، ان اتأكد من انه نزل على جسدي تماماً. نظرت الى منيب فرأيته مرعوباً وقد ارتدى ثيابه ووقف جوار خزانة الثياب كأنه يبحث عن ملاذ فيها. وقفنا هنيهة. جسدان مرتعشان واربع عيون تنظر الى بعضها بذعر. كان الطرق قد اخذ يتعالى فوجدت ان لا مناص من أن اخرج وقد سلّمت مصيري للمجهول. تركت الغرفة ورددت بابها من ورائي وتوجهت صوب باب البيت بخطى متعثرة. ازحت الرتاج وسحبت الظلفة اليّ قليلاّ فسقطت شظايا بصري على وجه سامي وتلك اللحظة وددت لو ان الارض تنشق من تحتي وتبتلعني، او لو ان صاعقة تنزل على سامي وتمحقه من الوجود. تشبثت مستميتةً بمحاولة منعه من الدخول لكنه دفع الباب وجسدي معا. كدت اسقط على الارض وربما لم يسمعني وانا اشتمه. حاولت ان اتستر على فعلتي وظننت انني، وبكل ما احمله من دهاء، استطيع خداعه. لكنه كان اكثر دهاء مني. احسست كأنه ينزل نصل سكين في خاصرتي حين طلب الي ان انزل اطراف ثوبي وتمنيت لو ان عنقي تيبس تلك اللحظة وانا الويه ملتفتةً او لو ان بصري تحجّر وهو يسقط على ذلك الجزء المكشوف من فخذي. يا لها من ساعة رهيبة كانت ساعة الموت اهون منها عندي وددت لو انها تحين وتخلصني من نوبة الرعب التي تتلبسني. كان خوفي من نسيم يفوق كل حد للخوف. تشبثت بمحاولة الإنكار لكن سامي عليه اللعنة اسقط كل حججي التي كانت تتهافت امامه الواحدة تلو الأخرى. وظل الرعب لصيقاً بي حتى بعد ان هرّبت منيب. فقد خلـّف سامي، وهو يصعد الى غرفته، عينين يقظتين لتقتنصا كل ما يجري. دفعني رعبي الى ان احاول اغراءه. اكذب لو قلت انني لم اكن اتشهاه. كنت اتشهاه واتمنى لو انه يطفئ ظمأ جسدي وقد راودتني تلك الرغبة اكثر من مرة لكنني كنت اخشى ان يخبر عمه ولن يشفع لي شفيع عنده. حين صدني ذلك الصباح، احسست بجسدي يستحيل الى نفاية تافهة لابد من ان تجد طريقها الى برميل للقمامة. كان صدري يغلي حقداً عليه لكنني لم ادعه ينبجس ويتسرب الى الخارج. لقد تكتم على ما رأى وكان عند كلمته التي قطعها على نفسه بأن لايخبر عمه، وكان عليّ ان ارد له الجميل من دون ان تغادرني الرغبة في ان انتقم لنفسي. انتهزت فرصة ذهابه الى مدينته لعيادة ابيه الذي كان قد بلغنا انه يعاني من وعكة صحية المّت به، وغياب نسيم في مقر عمله، وهالة وغادة في كليتيهما، وهاتفت منيب وكان متردداً، خائفاً من ان يتكرر ما كان قد حدث في تلك المرة، ولكنني طمأنته واقنعته فجاء وقضينا ساعة لاتنسى!

يا له من رجل غامض زوجي هذا! ما هذا الذي حدث امس؟ لماذا اخذ ابن أخيه الى مزرعته؟ لقد اسكت تساؤلي الملح ونحن على السرير امس بسحره الشيطاني الذي يأسرني به فأعجز عن مقاومته.

وما هذا الذي حدث اليوم؟ ساعات مشحونة بالغموض مرّت على هذا البيت وما تزال تتواصل حتى الاآن. لماذا لم يعد بعد اذا كان يريد ايصال ابن اخيه الى دار سكن الطلبة حقاً؟ هل سأتخلص من سامي؟ هل تتاح لي الفرصة لان ازوّج هالة من الرجل الذي طرح زياد اسمه امامي؟ اسمع الآن صوت ابن اختي وهو يهمس بلسان يقطر وعوداً بطعم العسل:  ” لايليق بهالة زوج من مستوى سامي. صحيح انه ابن عمها وهو وسيم وجذاب، لكنه بلا مستقبل مضمون. اعرف رجلاً يجلس على كنز من الذهب على استعداد لان يقبـّل يدها لو انها تقبل به زوجاً “. هل اثق بما يقوله زياد واتحرك الآن؟ انني لم اجرؤ حتى اللحظة ان ابوح امام نسيم بما يربط بين قلبي غادة وزياد، فكيف سأجرؤ على ان اكشف امامه عما طرحه زياد بخصوص هالة؟ هل أتخلص من سامي حقا؟

                                      * * *

جلسا في الصالة يتحدثان أمام خلفية من صوت مذيع التلفزيون. كأن عمّه هو الذي كان يخبئ قنبلة موقوتة في صدره وها هو يتهيأ لتفجيرها. عمّه هذا رجل غامض حقاًً بوجه يتقنع بأكثر من قناع ما إن ينزع واحداًً منها حتى يظهر الآخر من تحته.

شعر بوقع غريب لكلماته:

– لقد وعدتني بأن تكون كاتم أسراري.. اليس كذلك؟

– انه كذلك يا عمي.

– اسمع اذن.

صمت للحظات كأنه يجمع شتات افكاره وما لبث ان قال:

– انت تعلم بأنني محروم من ولد يحمل اسمي وان زوجتي لم تعد تنجب وقد استقر رأيي أخيراًً على ان اتزوج.

سكت هنيهة وحدّق في وجهه كأنه يريد ان يتبين رد فعل ما قال على صفحته. رأى ان وجه سامي ظل محايداً فعاد يقول:

– ولهذا جئت بك الى هذا البيت.

وكاد صوت تساؤل يطفر من فم ابن اخيه (وما شأني انا بذلك؟) لكنه كتمه ولبث مصغياً:

– لم أجد من يمكن ان يؤتمن على زوجتي الجديدة سواك، ولا تسألني عن التفاصيل الآن. كل شيء في أوانه ولكن تذكّر دائماًً وعدك لي. لا اريد لكلمة واحدة ان تفلت من وراء اسنانك امام أحد.. حتى هالة.

كانت له حجته حين اشار الى هالة بوجه خاص. يعرف ان لسان ابن اخيه لا يمتلك القدرة على المقاومة لو انها استدرجته وسألته عن سر التحول المفاجئ الذي طرأ عليه.

غادره تاركاًً ايّاه يتخبط داخل دائرة حيرته، ورافقه الأرق تلك الليلة. انها ليلته الاولى بعيداً عن مملكته الأثيرة او بعيداًً عن هالة على وجه التحديد. ثمة اسئلة تتوالد منشطرةً في رأسه وطنين الأصوات المتداخلة يضج في اذنيه. افزعه ان صورة هالة تبدو غائمة امام بصره الآن، ونام على صوت قلقه وهواجسه المتلاطمة فرأى هالة تجري وكأنها تهرب من خطر داهم وهو يحاول اللحاق بها ويهتف بها ان تتوقف عن الجري فتبدو كأنها لا تسمعه. يقترب منها ولكنها تبدو بعيدة عنه. فجأة تلتفت اليه.. تمد يدها.. يمد يده.. لكن يديهما لا تتلامسان، كأن قوة خفية تمنع ذلك. يراها تتعثر.. تسقط على الارض.. يوشك ان يصل اليها.. يصل الى حيث سقطت فلا يجدها في ذلك المكان.. يصرخ صرخة فزع ويهب ليجد نفسه على السرير. اي حلم مرعب يا الهي!

لم يعاوده النوم في اعقاب ذلك الحلم. ازاح ستارة النافذة فرأى بواكير الفجر تشق طريقها خلل اذيال العتمة الهاربة وساورته الرغبة في ان يظل يحدق عبر فرجة الستارة ليكتشف تفاصيل العالم الجديد الذي وجد نفسه مقذوفاً فيه، ولكي يرى الفضاء وهو يستحم بضوء الشمس.

انه يومه الأول هنا ولابد ان يخرج مبكراً، وفعل، تتناوشه رغبتان، رغبة صغيرة واخرى كبيرة بسعة العالم: ان يكتشف الطريق الذي سيسلكه للوصول الى كلية العلوم الاقتصادية، والذهاب الى بيت عمه لكي يطمئن قلبه بعد حلم الليلة الفائتة.

لم يكن الوصول الى الكلية امراً عسيراً. كان مسكوناً بالقلق فدخل قاعة المحاضرات بذهن مشوش وبصر زائغ.. حاضر وغائب معاً، منتظراً انتهاء المحاضرات على احر من الجمر. وها ان قدميه تقودانه الى بيت عمه، مملكته الأثيرة التي يشده خيط سحري سريّ اليها. لابد من ان يرى هالة. سينتظرها اذا لم تكن قد عادت من كليتها بعد.

وصل مسبوقاً بلهاث لهفته. رآها واكتشف انها كانت قد عادت في وقت مبكر، او لعلها عادت دون ان تكمل محاضراتها لهذا اليوم. كانت تنزوي في غرفتها، ملتمّة على نفسها، مسكونة بحالة وجوم وما إن سمعت صوته حتى خرجت على عجل، شاحبة، ذابلة، وكأنها لم تذق طعم النوم ليلة امس على خلاف امها التي استقبلته بوجه مشرق وكأنها نامت ليلتها مطمئنة رخيّة البال بعد ان تخلصت من كابوسه الذي ظل يجثم على صدرها سبع سنوات.

قادته هالة الى غرفتها وفاجأه صوت زوجة عمه وهي تخاطب ابنتها:

– لاتغلقي الباب!

لغة جديدة هذه التي تصدم سمعه الآن. كانت زوجة عمه تترك البيت عن عمد من قبل لكي توفر له فرصة خلوته الذهبية بابنتها، فلماذا تتصرف بهذا الشكل الآن؟ نظر الى هالة متسائلاً وقد علت وجهه الدهشة فابتسمت بخجل وارتباك، شاعرة بأن قول امها احرجها واومأت اليه ان يتجاهل ذلك. همس لها وقد اشتبكت اصابع ايديهما وارتعش قلباهما:

– كيف قضيّت الليلة؟

– مسهدة.. وانت؟

– هدّني الحزن فنمت نوماً قلقاً مضطرباً ورأيت حلماً مرعباً فهببت من نومي فزعاً ولم يطبق لي جفن بعد ذلك.

زفرت بعمق وقد نزلت دمعتان من عينيها وقالت معاتبة:

– لماذا تركت عشنا؟

اشاح بوجهه عنها لكي لاتلتقي عيناه بعينيها فتنهار قدرته على مقاومة نظرتها الحزينة فيجد نفسه في حلٍّ من الكلمة الوعد التي كان قد منحها لعمه. تهدج صوته:

– ان بعض الظروف اقوى من قدرتنا على تحديها.

كان صوت زوجة عمه يأتيهما من مكان قريب وهي تحادث غادة التي عادت للتو، تحادثها بصوت مسموع كأنها تتعمد ان يبلغهما. شعر كأن لسانها يستحيل الى رأس مدية يخز سمعه وقلبه معاً. لماذا تفعل هذا وسرها مازال دفين صدره؟ اللحظة شعر بان ذلك السر لم يعد جثة هامدة, انه يسترد الروح الآن ويتنفس ويمكن ان يقفز الى حنجرته فيدعه يفلت ويزلزل الأرض من تحت قدميها ان شاء ذلك. نظر الى هالة واشفق عليها فآثر ان يبقي السر في صدره. نهض فمنحته قبلة سريعة على حذر، وقبل ان يغادر دست في يده ورقة مطوية بعناية وهمست جوار اذنه:

-اقرأها ثم تخلص منها!

                                        * * *

واخيراً جاءني بنفسه!

حين كنت التقيه من قبل واسأله (لماذا لم نعد نراك؟)، كان يعلـّق عذره على مشجب مشاغله ويقول أنها لا تترك له وقتاً لأن يحك رأسه، وها انه قد تحرر من مشاغله على ما يبدو فجاءني بنفسه. قلت له ممازحاً:

– واخيراً جئت يا نسيم يا كهلاني!

وحين لم يقل شيئاً قلت مماحكاً كأنني احاول ان استفز صمته:

– لابد من انك تحررت من مشاغلك أخيرا ً!

جاءني صوته مستنكراً ورنة أسىً تطغي عليه:

– بل قل ازدادت تشابكاً. لكنني انتزعت نفسي منها انتزاعاً واتيتك هذا اليوم.

– اولاً، ماذا تشرب؟

– لم اجئك زائراً يا صديقي القديم.

– اذن؟!

-جئتك مريضاً يطلب علاجاً منك.

تفجرت قهقهتي بصوت مجلجل فاستفزه ذلك على ما يبدو فقد نظر الي بحزن وتهدّج صوته:

– لماذا تضحك؟

– ألست انت الذي كنت تقول (انا نسيم الكهلاني اقوى من المرض؟)

– كان ذلك من قبل.

– والآن؟!

– اختلف الأمر. اعترف انني كنت على خطأ. على المرء ان يحسب حساب ما يمكن ان يخبئ له الزمن ويتربص به القدر.

– وما علتك؟

– وماذا تتوقع من مريض يأتي الى عيادة طبيب نفساني؟

– اعني ما الذي تشكو منه على وجه التحديد؟

زفر بعمق ثم لبث ساكناً، صامتاً للحظات وقال بعدها:

– اسمع يا شكري. انت ابن مدينتي وصديق طفولتي وصباي وشبابي، ومازلت صديقي الذي اثق به على الرغم من ان هذا الزمن الغادر أبعدَ احدنا عن الآخر. السنوات الأخيرة لم ترحم احداً منا على الاطلاق. سأبوح لك بسر لم ابح به الى اقرب الناس اليّ..

وسكت ولبث ساكتاً وهو ينظر اليّ وبدا متردداً وكأن سؤالاً حائراً يدور في رأسه وربما كان يريد ان يسألني: (هل تكتم السر؟) قرأت بفراستي ما يدور في ذهنه وقلت مطمئناً:

– لاتخف يا نسيم. ان الحفاظ على اسرار مرضانا جزء مما يمليه علينا شرف مهنتنا. لقد اقسمنا على ذلك. اننا نحافظ على اسرار من لانعرفهم فكيف بمن نعرفهم؟!

وبدا انه اطمأن الى ما قلته، ولكنه همس بخوف كأنه لايريد ان يسمعه احد غيري:

– اشعر احياناً كأنني مشطور الى اثنين. اعني انني ارى نفسي نسيمين بدلاً من نسيم واحد يسلك كل منهما بما يتناقض مع سلوك الآخر.

فاجأني وافزعني ما سمعت، فما يقوله صاحبي امر خطير إن صح حدوثه. قلت وانا اشير الى سرير الفحص:

– تفضل اذن.

نهض واستلقى على السرير وطلبت منه ان يسترخي. علي ان الجأ الى التنويم المغناطيسي وقد بدأت افعل ذلك. ضغطت على زر التشغيل في جهاز التسجيل وبدأت اصغي اليه وهو يرد على اسئلة استجوابي، محاولاً ان اتعرف على تفاصيل حالته من خلال حديثه، وصرت اشعر بالدهشة وربما بالخوف عندما يرد تفصيل بشع على لسانه. حين استنفدت متطلبات الجلسة الاولى، ضغطت على زر الايقاف في جهاز التسجيل.

رأيته ينظر اليّ وهو يُنهض جسده من السرير بتثاقل، وكأنه يسعى الى ان يقرأ على وجهي ما يمكن ان يشي ببعض خيوط ما توصلت اليه. قلت وقد جلس قلقاً، مرتبكاً بعض الشيء:

– انها الجلسة الاولى يا نسيم ولا استطيع ان احكم من خلالها. لابد من ان احلل الحالة وادرسها لكي اتوصل الى استنتاج مقنع وهذا يتطلب اكثر من جلسة. ولكن اطمئن سلفاً لا اظن انك تعاني من شيء خطير.

وكان داخلي يقول خلاف ذلك. ويبدو ان ما قلته لم يقنعه ونهض على وعد ان اهاتفه واحدد له موعدا للجلسة التالية لكنه قبل ان يغادرني طلب ورقة صغيرة كتب عليها ارقاماً وترك الورقة على المنضدة وهو يقول:

– اذا لم تجدني في البيت فيمكنك الاتصال بواحد من هذه الارقام.

حين صفوت الى نفسي عدت الى جهاز التسجيل وصرت اصغي من جديد الى ما سبق لي ان سمعته منه وهو يرد على اسئلتي الاستجوابية، وتخيلته مستلقياً على سرير الفحص وقد بدا مسكوناً بالخوف واكتست جلدة وجهه بالشحوب.

لم يصدمني ما قاله عن طفولته وصباه فما قاله ليس جديداً عليّ . انني على إلمام بتفاصيل تلكم السنوات التي طالما سمعته يسميها بـ(السنوات السود) في حياته. كان صغيراً حين مات ابوه بائع التبغ الذي اكاد اراه الآن جالساً وراء دكة دكانه بوجه عابس وعينين محمرتين. لا ادري إن كان ذلك الاحمرار الذي يسكنهما هو بفعل علـّة في عينيه ام بفعل تأثير تراب التبغ عليهما. حين كنا نقترب من دكانه ونحن صغار، كان ينهرنا بعصا في يده ويشتمنا بأقذع الشتائم التي لابد من انه قذف ابنه نسيم بسيل وافر منها.

واذكر ان نسيم كان يشكو لي وهو صبي من اسمه الذي كان يقول ان اباه اختاره له على اسم يهودي من معارفه، مثلما كان يشكو من فظاظة زوج امه الذي اصبح تحت رحمته، وهو لا يعرف الرحمة، بعد رحيل ابيه. وسمعته مرة يشتم امه لأن شبقها جعلها ترمي جسدها في حضن رجل شرس الطباع، سريع الغضب، متحجر القلب، مصاب بداء الحمق، كثير العربدة من دون ان تحترم ذكرى زوجها وهو في قبره. روى لي مرة كيف ان ذلك الرجل الفظ عاد الى البيت مخموراً في ظهيرة يوم قائظ وانزل شتائمه على امه وانهال عليها ضرباً مبرحاً، وكان هو يقف متفرجاً، متشفياً، متمنياً تلك اللحظة لو انها امتلكت الجرأة حقاً واشعلت النار في جسدها كما هددت زوجها، لكنها كانت اجبن من ان تفعل ذلك.

كنت اصغي الى صوت نسيم الكهلاني وهو يتهدج ويروي تفاصيل تلكم السنوات السود: كيف كان ذلك الرجل الفظ، زوج امه، يضربه هو واخاه نجيب ويحبسهما ويمنع عنهما الطعام، وكيف كان يعيرهما بأمهما التي لا ترتاح من دون ان تنام تحت رجل فرمت جسدها في حضنه، وحين يزوره ملك الموت سوف تبحث عن زوج ثالث قبل ان ينتهي اهله من تكفينه.

تراءى امامي ذلك المشهد الذي ما زلت اذكره بشيء من الخوف حتى الآن. كنا سائرين، انا ونسيم، ونحن في صبانا، فسمعت صوتا يستفزه بكلام كان وقعه ثقيلاً: (لا اصدّق انك لم تذق طعم (…) زوج امك الخبير بإغواء الصبيان). ولولا انني تشبثت به لكان قد اندفع نحو مصدر ذلك الصوت. كنت اظن ان فخاً كان منصوباً له وقد استصوب ظني هو ايضاً. وحين سرنا سمعته يدمدم، يلعن امه، يلعن زوج امه، يلعن نفسه وقد بدا يائساً، حاقداً على كل شيء. واذكر انني قدته الى النهر لعله يسترد صفاء روحه عنده لكنني فزعت حين سمعته يفصح عن رغبته في ان يقذف بنفسه الى النهر ويعب الماء من فمه وانفه الى ان تمتلئ رئتاه. تلك اللحظة نفضت صوت غضبي في وجهه: (هل جننت؟) وسحبته بعيدا عن النهر. وها انني اسمع صوته عبر جهاز التسجيل وبعد كل هذه السنوات الطوال يعترف وهو يكاد يبكي: (كان رجلاً وضيعاً. اجبرني على ذلك).

خف تهدج صوته عندما وصل الى تفاصيل مرحلة لاحقة. قال انه مدين لاخيه نجيب: (كان عذاب اخي لا يوصف وهو يراني اتجرع معه مرارة كأس تلك الايام، لكنه لم يستسلم لليأس.

مارس اكثر من عمل قبل ان يستقر به المقام بائعاً للتبغ، وارثاً مهنة ابي التي لم يورثنا غيرها. لقد استطاع نجيب ان ينتزعني وينتزع نفسه من فك الوحش. لم يكن نجيب اخاً لي حسب بل صار اباً ايضاً مع ان ثلاثة اعوام فقط تفصل بين سنينا.)

لم أر اخاه نجيب منذ زمن، لكنني اذكر كيف كافح وعانى وتحمل. لم يكن بيتنا بعيداً عن بيت بائع التبغ رشيد الكهلاني، وطالما كنت امر على نسيم فألتقي نجيب، وقد اراه عائداً من عمله منهكاً، يحمل ثوبه اثار الجص والتراب، ولكنه كان يبتسم برغم كل شيء. وها ان صوت نسيم يتدفق بعنفوان شاب وهو يفصح عن امتنانه لأخيه: (لم يبخل عليّ بشيء). لكن ذلك الصوت المتدفق ما يلبث ان يتهدج برنّة انكسار وكأنه تذكر ما نكأ جرحاً غائراً في اعماق روحه (لم يرزقني الله بولد) .

هذه هي المرة الاولى التي اسمع فيها انه استعار احد ابناء اخيه. اسمعه يقول بأنه حين فعل ذلك تستّر وراء الرغبة في ان تسري رائحة رجل في البيت في غيابه. وما يلبث ان يعترف بصوته المتهدج انه فعل ذلك في محاولة للتعويض عن احساس بالنقص ظل ينخر في صدره زمناً.

وكان ، وقد سكت فجأة، حين يتحدث عندما نومته مغناطيسياً، وكأن غمامة اسى هبطت على وجهه ثم زفر بعمق وظننت ان نوبة بكاء سوف تستبد به، لكنه خذل ظني وان ظلت غمامة الاسى تسترخي على وجهه، وجاءني صوته وكأنه صادر عن بئر:

_ كأنني اسمع نعيب البوم الآن وأرى الطيور الكواسر وهي تنقض وترمي حمم الموت فيتداخل الأزيز والهدير واصوات الاستغاثة وقعقعة السرفات، فينبجس الدم ويصطبغ بلونه التراب واوراق الاشجار. لقد صرت امقت اشعة الشمس هناك لأنها حين تنعكس على اوراق الاشجار المصبوغة بالدم، تلتمع الاوراق لمعانا مخيفاً كنت اشعر معه كأن روحي انحشرت في عنق زجاجة فيغيم كل شيء من حولي. انك لم تعش الحرب بتفاصيلها الرهيبة يا شكري.

تصّور انني لم اصدق نفسي حين طفرت من بين اسنان تلك المفرمة الرهيبة وسقطت على الارض مثلما يسقط طائر كسير الجناح. لم يكن ثمة ما هو مكسور في جسدي انما روحي هي التي تعرضت للكسر. (وبدأ يلعن ويشتم وكأن نوبة هستيرية قد انتابته. تركته ينفس عما ينضغط في داخله وانا اصغي اليه. شعرت بأنني اتعاطف معه وانا اسمعه يقول:

–                  لقد مررت بأكثر من فترة سوداء في حياتي لكن فترة دوران آلة  المفرمة الجهنمية كانت الاسوأ.

 وحين خمدت نوبة الهستيريا وقد بدأ صوته يميل الى الهدوء، صار يتحدث عن هالة وعن غادة. اعرف انهما ابنتاه وربما يحبهما ويحقد عليهما في آن واحد. اسمعه يهمس: (لماذا لم تأت احداهما ولداً؟!).

ولكن مَن عبلة هذه التي صار اسمها يتردد على لسانه؟ رعشة تسري في جسدي وانا اصغي اليه وهو يتحدث عن امرأة اسمها عبلة منصور. ما يقوله يشي بأنه لم يعد انساناً سوياً. كيف يبيح لنفسه ان يغادر جلد انسانيته وابوته فيرتكب فعلا شنيعا مثل هذا الذي يتحدث عنه؟ هل ان هذا الذي اسمع صوته هو نسيم الكهلاني حقا؟

بحثت ببصر قلق عن الورقة التي كان قد تركها على المنضدة. التقطتها من مكانها واحتفظت بها في مكان امين!

                                        * * *

صار في مدخل الزقاق المفضي الى سكنه الجديد، وكانت شمس اخر النهار تسحب ذبالة ضوئها على استحياء. حين صار قريبا من سكنه انتبه الى ان سيارة تقف امام الباب الخارجي: سيارة فارهة لم يرها عند عمه من قبل. مَن في الداخل ان لم يكن عمه؟ ساوره احساس بأنه ربما اخطأ العنوان وان هذا ليس سكنه الجديد الذي جاء به عمه اليه يوم امس وبات ليلته الاولى فيه. تراجع بضع خطوات وصار ينقل بصره بتفحص قلق. استدار وسار صوب مدخل الزقاق لكنه توقف. كل تفصيل يشي بأن هذا هو سكنه الجديد فعلاً. عاد وصار عند الباب مرة اخرى ولبث متردداً هنيهة قبل ان يحسم الأمر. دفع ظلفة الباب الحديدي وصار يجتاز الممر المفضي الى الباب الخشبي. وقف امام الباب مصغياً قبل ان يضع المفتاح في فتحة القفل. تناهى الى سمعه صوت في الداخل خمن انه ربما يكون صوت التلفزيون. ادار المفتاح فاستجاب له على عجل فأيقن ان ثمة من كان قد فتح الباب من قبل. دفع ظلفة الباب على حذر ووقف متردداً فجاءه صوت عمه لايدري من اين كان صادرا تلك اللحظة:

– ادخل.. لماذا تتردد؟ ادخل واغلق الباب من ورائك.

اغلق الباب وسار مطمئناً وحين صار في الصالة المضاءة، رأى عمه مسترخياً امام التلفزيون. لم يكن وحده هذه المرة فثمة امرأة في مقتبل العمر تجلس بوجه متكدر حزين وقد بدت كأن حالة ذهول تستغرقها. قال عمه:

– سمعت صوت المفتاح فعرفت انك قادم. ان سمعي مرهف هذه الايام.

وقهقه عالياً حتى اشرقت عيناه دون ان يكون في ما قاله ما يدعو الى ذلك. وخلل ذيول قهقهته قال وهو يشير بيده:

– اجلس

جلس وهو حائر، قلق، او كأن خوفاً غامضاً يتلبسه. نظر الى عمه وخيل اليه كأنه ازاء رجل غريب لم يره من قبل. قال وهو يكاد يهمس:

– ظننت انني ربما اخطأت العنوان حين رأيت السيارة التي لم اكن قد رأيتها من قبل تقف عند الباب.

قال عمه بمباهاة نزقة:

– من يجرؤ على ان يكون هنا غيري؟ انها واحدة من سيارات عديدة تحت تصرفي.

واردف يقول وكأنه يريد ان ينعطف بالحديث في مجرى اخر وقد ادار وجهه الى الشابة التي معه:

– سامي ابن اخي الذي حدثتك عنه.

هزت الشابة رأسها على حذر في حركة غامضة وبان ظل ابتسامة صغيرة على وجهها وما لبثت ان اطرقت برأسها الى الارض وكأن احساساً بالخجل قد تملكها تلك اللحظة. كان يراقبها بطرف خفي حين رن صوت عمه بنبرة احتجاج:

– كنت اتوقع ان تأتي قبل هذا الوقت. لابد من انك قد مررت بالبيت!

– فعلت ذلك يا عمي.

– كنت متأكدا بانك فعلت.

فاجأه ما يسمع فرفع الى عمه بصراً مندهشاً:

– كيف كنت متأكداً يا عمي؟ هل مررت بالبيت قبل ان تجيء الى هنا؟

– لا.. ولكنني حدست ذلك. تستطيع ان تقول بأن تأخرك والرائحة التي تحملها توحيان بذلك.

ادرك ان عمه يغمز قناته، وساوره احساس بالخجل. اتكون رائحة هالة قد علقت به حين ضمها الى صدره وقبلها على عجل؟ جعله هذا الاحساس يلوذ بالصمت ووجدها فرصة لان ينتزع نفسه، فنهض متجها صوب السلم وقد صارت كلمات عمه ووجه الشابة المتكدر يشغل باله. دخل الى غرفته ورد ظلفة الباب من ورائه وهبط بجسده على حافة السرير، شاعراً بتعب من خرج من جهدٍ مضنٍ للتو، واذ اوشك ان ينزع ملابسه سمع وقعا يصعد السلم فأدرك ان عمه قادم اليه. جلس منتظراً. انفتح الباب دون استئذان واطلت قامة عمه وقد اكتسى وجهه بقناع جديد. رد الباب وكأنه ينوي ان يقول شيئاً ولا يريد لصوته ان يتسرب الى الخارج، وجلس على الكرسي قبالته. سمعه يقول بعد لحظة صمت:

– حسنا فعلت وجئت. كنت انتظرك على أحر من الجمر.

وسكت كأنه يريد ان يختبر رد فعل ما قال على وجه ابن اخيه. ما لبث ان خرج من قشرة سكوته:

– سأغيب عنكما الليلة، فأنا في مهمة.

وانتبه الى ان سؤالاً يلوح في عيني ابن اخيه. فقفز سؤاله هو من بين شفتيه:

– هل يشغلك شيء؟

– لا، ولكنني اريد ان اسأل يا عمي.

– اسأل.

– ألن تبيت في بيتنا هناك هذه الليلة؟

– كلا.

– كيف سيبقين لوحدهن اذن؟!

ضحك عمه ضحكة بدت له سمجة تلك اللحظة:

– أيثرن قلقك كلهن ام هالة لوحدها؟

رد على عجل:

– كلهن يا عمي.. كلهن بالتأكيد.

– لاتقلق يا سامي. هالة وغادة كبرتا والحمد لله، وامهما معهما الآن ولا خوف على الجميع. وعلى اية حال انا لست بعيداً عنهن. سأتصل بالبيت بين حين واخر لاطمئن، وما عليك الا ان تطمئن انت الآخر .

واطرق قليلاً قبل ان يقول بهمس:

– اسمع يا سامي. المرأة التي في الاسفل امانة في عنقك. حافظ عليها ولاتدعها تخرج.

لماذا يقول عمه كلاماً مثل هذا؟ وجد في نفسه من الجرأة ما جعله يسأل:

– أهذه هي زوجتك الجديدة يا عمي؟

انتبه الى ان وجه عمه قد شحب قليلاً وقد تعثر الصوت في حنجرته:

– لاتتعجل. ستعرف كل شيء فيما بعد.

وسمعه يضحك ضحكة صغيرة غامضة حار في فهم مغزاها. ورآه ينهض ويمد يدا ويربت على كتفه:

– سأذهب وانا مطمئن اذاً!

هز رأسه هزة صغيرة وتابع ببصر حائر قامة عمه وهو ينسل من الباب وسمع وقع قدميه الثقيل وهو ينزل السلم، وخيل اليه انه يشم رائحة كريهة، رائحة خلفها عمه وراءه.

لبث ساكناً في مكانه فوق السرير، واجماً، حائراٍ، مشغول البال. ما هذا الذي يحدث له منذ ثلاثة ايام؟ ما حكاية هذه الشابة التي اوصاه بها خيراً وتركها امانة في عنقه؟ من هذه الشابة ان لم تكن زوجة عمه الجديدة؟ لماذا تبدو مسكونة بحزن غامض؟ لماذا طلب اليه ان لايدعها تخرج؟ ايكون قد تزوجها على الرغم من ارادتها او من دون علم اهلها؟ ايكون عمه قد اختطفها وجاء بها الى هذا البيت سراً؟ اختطفها؟! ان عمه في سن لاتؤهله لارتكاب الحماقات!

نهض متثاقلاً ونزع ثيابه وارتدى منامته وعاد الى سريره واستلقى وظل بصره معلقاً بالسقف هنيهة وكأنه يبحث عن اجوبة لشبكة الاسئلة التي تتوالد وتتداخل في رأسه.

حين نزل، الفى الشابة لوحدها بعد ان غادر عمه المكان. رآها تجلس واجمة وكأنها ترزح تحت عبء هم ثقيل على الرغم من انها تجلس امام التلفزيون فقد بدا واضحاً انها في واد والتلفزيون في وادٍ اخر. اختلس النظر الى وجهها فوجده على حظ وافر من الجمال لكنه جمال يكدر صفحته شحوب الحزن.

سار صوب المطبخ وقد ازداد ضجيج الاسئلة في رأسه. انه ازاء لغز محير حقاً. خرج بما يتعشى به وحين صار قبالتها سألها بعد تردد:

– هل تناولت عشاءك؟

وكأنما اجفلها صوته واستلها من حالة الزوغان فرفعت اليه عينين قرأ فيهما امارات الانكسار والاحساس بالحزن وانتابه هاجس بأنه امام حالة غامضة لعلها من مفرزات الغموض الذي صار يعرفه في عمه. اعتذرت بأنها شبعى لكن شعوراً داخلياٍ اوحى له بأنها لم تكن كذلك ولعل حالة الكدر التي تتلبسها قد سدت شهيتها للطعام.

جلس على مقعد قريب ووضع الصحن على منضدة صغيرة بحيث يكون الطعام في متناول يديهما معا. الح عليها ان تشاركه ففعلت بعد تردد. صارت تمد اصابعاً خجلة وتقطع كِسراً من الخبز وتلتقط شيئاً مما في الصحن وتدس اللقمة في فمها بأناة وتلوكها ببطء. انتبه الى وجهها فرآه منتفخاً بعض الشيء وكأنه مصاب بورم. رأى قوساً من الزرقة الارجوانية الداكنة تحت كل عين من عينيها. وحين صارت تنظر اليه هي الاخرى انتابه احساس بأن سراً يمور في صدرها وكأنه يبحث عن منفذ ينفلت من خلاله ويكشف عن نفسه. تارة تتنهد، تارة تسرح، تسحب اصابعاً من الصحن او تظل اللقمة معلقة بين فمها والصحن، تنسحب الى نفسها او تغمغم، وكأنها وهي تفعل كل ذلك تريد ان تستفز انتباهه.

آثر ان يعمل بوصية عمه وان يتعامل معها كوديعة مؤتمن عليها، لكنه لم يستطع ان يقاوم اغراء الفضول الذي صار يلح عليه لان يشق حجاب السر الجاثم امامه وينفذ الى داخله. تفرّس في وجهها فلاح له وجه هالة حزيناً، مهموماً، متورماً، فتذكر الورقة التي كانت قد دستها في يده قبل ان يخرج من غرفتها على مضض. انهى عشاءه على عجل وكانت قد سبقته الى ذلك، وذهب بالاناء الى المطبخ، وحين خرج مكث في الصالة هنيهة ثم انسحب منها وصار يرتقي السلم. وحين دخل الغرفة رد الباب واغلقها من الداخل.

بأصابع قلقة، اخرج الورقة وافردها فصدم بصره القوس المتحدب الى الاعلى والخطوط التي تتفرع منه: تخطيط يومئ الى الشمس. هذا هو واحد من منشورات عشاق الشمس اذاً.

ارتعشت الكلمات تحت بصر مرتعش والورقة ترتعش بين اصابع مرتعشة. ما هذا الذي يقرأ يا الهي؟!

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.