د. عبد الستار الراوي : قمر الكرخ (سيرة حارة بغدادية) (2)

إلى أمي مليكة حمادي
وإلى ذكرى دربونة زنْگوّْْ.. لوحة التنوير الأولى
الحلقة الثانية
**
-1-
هوذا قمر الكرح صوت الطفولة وكتابها، ينهض من تحت رماد الفجيعة، حاملا  وصايا الشهداء، وأشواق الاصدقاء، وحنين الطرقات، ودعاء الامهات الطاهرات ، بعد أن إقتحم مدينتنا الامريكان الاوغاد  بكل أسلحة الموت ، وبرفقتهم كلاب الصيد،   تجار الحرب، والفجار، ، وأحزاب الارصفة السوداء .
تنشئ مليكة الحمادي؛ أسئلتها المعذبة ؛  كيف أطاح الدخلاء بعاصمة العرب الاولى ؟!
وبأي سلاح إغتال الاعداء مدينتنا ؟!
فحولوا عروس البلدان ، الى تل من الرماد؟!

-2-
بغداد في ذاكرة ووجدان أمي ؛ هي قرة العين، ومطلع النور البهي، ومن عينيها الساحرتين إنبثق الوجود، ومن النهرين نهضت الشمس لتضيئ جهات الكوكب الاربع، ومن رحيق روحها ولد الشعر، وغنى على ضفافها العشاق والسامرون، ومن مدارسها خرجت الكلمة الاولى، ، وبدأ تاريخ العقل النقدي، وبفضل علمائها  قرأت البشرية الحكمة البالغة .
وعلى جسرها العتيق أوقد  الشهداء سراج الحرية .

-3-
إن أبا جعفر المنصور شيد عاصمته الجديدة على موقع قرية كانت تعرف باسم)بغداد) منذ أيام حمورابي (القرن 18 ق.م) وسماها (مدينة السلام) تيمنا بالجنة ، وكأنه قد فهم الجزء الأول من اسمها المركب في لغة أهل بابل القدماء، ألا وهو) البستان) أو (الجنينة) . حيث إن لفظة (باغ) الآرامية تعني ذلك. أما الجزء  الثاني  )داد) فيعني الحبيب. إذن معنى بـغــداد هو جنينة الحبيب وصديقه وبستانه . هذا هو المعنى الأساس والرئيس لاسم عاصمتنا الحبيبة ،. وجميع المعاني بجذورها اللغوية ذات أصالة وعراقة تعود الى لغات أهل العراق ماضيا وحاضرا. وهكذا فهي بعيدة تماما عن أيّ  تأثير أجنبي أوغريب وافد، لا يمت بصلة للغة العربية وشقيقاتها اللغات السامية.
-4-
وإذْ حاولت مدونات التاريخ إختزال عمرها بعهد أبي جعفر المنصور، فلأن العاهل العباسي، وجد جذورها منغمرة بالورد والشعر والنور، فكانت أم القرى، وأم البساتين، وفردوس الارض، تغتسل بالنهر والضوء والقداح . وكان كل الذي يشغل ليلها ونهارها، قلم ودواة وقرطاس، تكتب في آخرة النهار أوراق الحكمة والعلم والادب، وتوصي بنيها بالجد والكدح والتفاني، وعلى شاطئ خضر الياس أنشأ الكندي رسالة الاحزان .
وفي لياليها المزدهرة بالحكايات والاسرار كانت مقاهي الرصافة ومجالس الكرخ تصغي الى شهرزاد وهي تقص على الابناء والاحفاد عذوبة مدينة العقل والحرية، ورحلتها المهيبة في التاريخ  ..

الكرخ 

(1)
جاء في أدبيات  الطين الاولى  ، بأن الكرخ  كان يسمى: (القلعة الحصينة) ، ترّد أسوارها السامقة ، مآرب الغزاة وكيد الطامعين،  ولذات الدواعي والأسباب سميت أيضا : قلعة الطيور.
والزوراء هي الكرخ ، الإسم التاريخي المجيد الذي أطلقه العباسيون على الضفة الغربية من دجلة ، لإنحناء قوس النهر ، فيما أصبحت الزوراء أحد أسماء بغداد ، ..  والكرخ في فقه البغداديين هو : الصوب الصغير مقابل صوب الرصافة الكبير . وسمي العتيق بوصفه الأقدم في النشأة والتاريخ ، وسمي صوب عكيل : نسبة الى قبائل عكيل العربية التي نزحت من الجزبرة العربية وحطت الرحال في العراق وإتخذت من الكرخ مقاما ودارا ،
–      والكرخ في ذاكرة أهله وبنيه جنة المأوى ،
–      ولدى الأمهات : حديقة الأولياء،
–      حجاب المحبة
–      هديل الحمام
–      مرفأ الحنين
(2)
–  الكرخ والرصافة توأمان إنحدرا من أم واحدة هي المحروسة المبجلة بغداد ، جمجمة العرب، وعروس البلدان، وحاضرة الدنيا ، ومركز الكون من مشرق الأرض الى مغربها، العالم كله معلق بها ومنجذب الى معناها..

محلة الفحامة :
(1)
إحدى المحلات الكبيرة والشهيرة في الكرخ ينسب إسمها إلى صانعي الفحم وبائعيه. وظلت هذه المادة متداولة في ما بقي من (سكلاّتها) حتى اليوم .
حدودها كما وردت في أطلس بغداد  :
شمالاً محلة الشيخ صندل وجامع عطا،
شرقاً : محلة الفلاحات .
غرباً : محلة المشاهدة .
جنوباً : محلة الدوريين .
وهي على شكل مربع متساوي الأضلاع طول الضلع الواحد حوالي 500 خمسائة متر.
وطبقا لذلك ، فأن مساحة الفحامة  الكلية تساوي 250000م مائتان وخمسون ألف متر مربع
يقطعها من الشمال إلى الجنوب ثلاثة طرق رئيسية:
الأول : يبتدئ من سوق علاوي الحنطة نزولا الى حمام شامي ، والطمّة ، مرورا ببيوت رحال ، نعيم العزاوي ,سكلة علي خميس الدليمي ، ومقهى عريبى ويتجه الى السعدية ، وتتصل نهايته بشارع الشيخ معروف .
الثاني : يقع قبالة جامع الشيخ صندل مروراً ببيت الغنّام , وحميد الداوّد , والشيخ عبد الله الخضير وبيت صكَير ، وينفذ من هناك إلى طرف (المعدان) ويتجه إلى مقهى جسام يساراً ، وسينما زبيدة يميناً ، ويصب في شارع الشيخ معروف قبالة مقام الحلاج ، ومستشفى (العزّل) – الكرامة .
الثالث : أوله حافة (الدهدوانة) ، ومعروف العطار ، والصاغة , والفراوي ، مروراً بمقهى (أبو ماشة) يساراً ودربونة الحصانة يميناً ، ثم يجئ السوق الصغير ، ومقهى خالد الورّة وجامع أبو السعد ، لينتهي بجامع الشيخ علي، ويتصل بمحلة المشاهدة . وتقطع الفحامة طرق داخلية مفتوحة عرضاً هي :
–      الشيخية نسبة إلى سيدة من (المشايخية) تعمل خياطة ملابس نسائية في (أربعينات القرن الماضى ) .
–      كسّار (وهو كسّار الحيّالي) .
–      ظاهر (عبود الظاهر) .
وثمة أزقة فرعية أخرى ، تعدّ إمتداداً للطرق الرئيسية أو موازية لها ، إلى جوار عدد من دربونات موصدة من أشهرها :
–      دربونة زنْكوّْ .
–      دربونة البستان .
–      دربونة بيت سبع .
–      دربونة حلّيوّه .
–      دربونة أبو السعد .
–      دربونة الصفران (جوار خان الموّاصيل) .
–      ننّه أم عنجاصة .
–      دربونة (مكينة) الطحين
وتتوزع الفحامة على الأطراف التالية :
– الشيخ صندل :
– الطمة : أرض الخوف، المكتظة بالاخيلة والاساطير، إرتادها الصبية في الليالي الحالكة، في مغامرة الولوج الى المجهولات وإفتضاض أسرار عالم الطفولة .
وفي محيط الطمة والى جوارها حمام شامي للرجال ،ومسجد صغير ، وعربة العمبة ، وبيت رحال ، ومنزل عائلة نعيم العزاوي .  ودور أخرى غابت أسماؤها وسقطت من ذاكرة الشيخ
– أم العصافير: تبدأ بدار عيسى (أبو الكاشي) وتنتهي ببيت حسون الهويان .
– النزيزة  (المعدان) .
– جميلة .
– رأس المدورّ
– السعدية .
– خان المواصيل .
– صكَير
– أبو السعد .
– الشيخية .
– السوق الصغير .
– الحصانة .
– بيت شمسي .
– ينبئ السلَم الاجتماعي لأهل الفحامة ، بأن الغالبية منهم عمال وشغيلة وكادحون أو ذوو حرف وصناعات متواضعة، أو أصحاب دكاكين صغيرة مخصصة للمؤمن والخردوات والخضروات وغيرها ، وهؤلاء ينحدرون من طبقة فقيرة تعيش بمستوى الكفاف .
وثمة عدد محدود يرتقى إلى مستوى معيشي أعلى نسبياً في الدخول من الطبقة العامة السائدة
(2)
تتميز الفحامة عن غيرها من محلات الكرخ الأخرى ، بعدد كبير من (الخانات) ذات المساحات الوسيعة، المتعددة الأغراض والدواعي.
والروايات المتداولة والموثقة على لسان الأجداد والآباء ، بأن الفحامة كانت بمثابة المحطة الرئيسية الأولى لإنطلاق قوافل التجارة إلى الحجاز ومصر وبلاد الشام ، حيث تقوم هذه الخانات بتجهيز الحملات بالأيواء والطعام ، وإن آل مشكور السعدي ، كانً من البيوتات التي تعنى بهذا اللوّن من التجارة ، وقد إرتبط بتأريخ قوافل الأبل (شاحنات القرن التاسع عشر) ، وفي مقدمتهم خليل إبراهيم المشكور وحمزة خضر المشكور وقد إحتفظتْ خانات الفحامة بوظيفة إيواء الأبل والخيول ، والآتين الى الكرخ من أطراف البلاد.

(3)
.. ومن أنشطة المحلة المعيشية والتجارية ، تربية وتكثير العجول والأبقار ، وتكفي الدلالة على سعة هذا النمط من النشاط وجود سبع بقرات في محيط دربونة زنْكوّْ وحدها تعود أربع منهن لكسار الحيالي وثلاث أُخٌرْ لإبراهيم الجرمط ، فكيف الحال إذا ما قورن هذا العدد مع ما هو موجود في الأزقة والأطراف الأخرى من المحلة. هذا عدا قطعان الجاموس العائمة في (النزيزة) القريبة من طرف (جميلّة). الذى يضم عدداً من بيوتات المعدان وشيخهم محمد جواد (أبو عبد الله)، كان صديقاً أثيراً لأبي ، يجالسه في مقهى أحمد الكاظم.
(4)
احتلت الفحامة المركز الأول في اقتناء الخيول الاصيلة تربية وإعداداً، تجارة وتصديراً ، ولأغراض السباقات ، وإن عدداً كبيراً من (الحضائر) كان منتشراً بين بيوتها وأطرافها ، إبتداءً بطرف الحصانة ، ومروراً بالخانات العشرة . وقد تفوقت الفحامة في هذه المهنة منذ القرن التاسع عشر، وإلى السبعينات من القرن الماضي ، واشتهر منها التجار والمروّضون والمراهنون والفرسان .
وهناك العشرات ممن تحتفظ بأسمائهم ذاكرة المكان .
.. وقد ورث هؤلاء ولأجيال متعاقبة مهنة تصدير الخيول إلى الشام ومصر والهند ويذكر عباس بغدادي فى كتابه : (بغداد في العشرينات) : بأن عملية تصدير الخيول إلى الهند كانت تتم عن طريق البصرة ، ومن هناك تحملها السفن إلى (بومباي) ، ومنها إلى (بونا) ، وهي مصيف يلتقى فيها راجات الهند من هواة الخيول والسباقات .
وحين إنقطع تصدير الخيل إلى الهند بأمر من حكومتها ، إتجه المصدرون الى بيروت حيث يوجد فيها كبار التجار ممن يدفعون أثماناً مجزية للخيول العراقية ، وكان مقر أصحاب الخيل العراقية في منطقة (الحرش) ببيروت حيث تأوي الخيول داخل غابات الصنوبر .
ومن الأسماء المتداولة في الفحامة ، ممن بقي متواصلاً في تجارته هو ناجي عكاب (حفيد شاهين العكاب)، والذي أرديَ قتيلاً برصاصة طائشة عند أسوار الملعب البلدي في بيروت , خلال الحرب الأهلية اللبنانية ، وكان ناجي وقتذاك  قد إصطحب كعادته عدداً من الخيول إلى العاصمة اللبنانية .
وكان من بين تجار الفحامة من يذهب بالخيل إلى مصر ، لتباع هناك، بعد أن يتم إيواؤها في (إسطبلات ) خاصة , بمنطقة (المطرية ) وفي الاسكندرية أيضاً .
ومن مروضي الخيل العراقيين الذين كانوا يقيمون في مصر ، (بيت طويرب ) ، وعبد الرحمن أبو الخيل البغدادي الكرخي .
ومن أشهر راكبي الخيل وفرسانها ، كريم الأخرس ، ورشودي .
وكان الحصان المسمّى (تاج الملوك) موضع فخر واعتزاز دربونة زنكو ، وهو  حصان الحاج مشمش العبيدي عميد الدربونة  وشيخها ، وقد طبقت شهرته آفاق الأربعينات طبقاً لمزاياه الجمالية؛  الرشاقة ، النعومة ، إنسيابية الحركة ، بالإضافة إلى فوزه في السباقات .
(5)
تؤمّن المحلة إحتياجاتها اليومية ، من الأسواق المجاورة وهي :
–      العلاوي ( علاوي الحنطة ) .
–      حمادة .
–      العجيمي  .
أما السوق الرابع ، فهو (السوق الصغير) ، الذي يقع في قلب الفحامة بين مقهى (أبو ماشة) ومسجد (أبي السعد). وما يزال هذا السوق قائماً حتى اليوم ، وهو يؤدي الدور نفسه الذى كان عليه منذ أربعينات القرن العشرين ، إلا إن كثيراً من معالمه جرى عليها التغيير ، منذ أنْ إرتحلّ عن دنيانا السيد حسين الفتحي (الحلاق) ، فتحول دكانه الى محل لبيع الخضروات ، وقٌلّب مقهى حمادى أكبر مقاهي المحلة وأشهرها إلى قاعة للألعاب الإلكترونية تُدعى بلغّة القرن الحادي والعشرين  : ( البلاّي ستيشن ) ؟!
.. ثمة سوق آخر يقع على ناصيته  دكان معروف العطار ، إبتلعه شارع حيفا ، كان يدعى بسوق (الفراوى),   ومن أشهر بائعيها في ذلك الوقت: (حايف المناوخ) ..
وعلى جهة السوق اليمنى محل الشيخ (كاغد) صائغ الحلّي الفضية وإلى جواره دكان سليم الصائغ .
(6)
تعد المقاهي من المعالم التقليدية في المحلة  ، وقد بلغ عددها فى الأربعينيات أكثر من عشر مقاهي , عُنيّت غالبيتها بـ ( تزجية ) الوقت، والترويح عن النفس , وان اختلفت أدوارها الاجتماعية في حياة وتأريخ الفحامة , فمنها ماكان ملتقى لذوي الرأي وكبار السن, من شيوخ ووجوه المحلة , كمقهى ( جاسم الدرب ) في السوق الصغير ,كانت تكتفي بتقديم الشاي والنارجيلة ، وقراءة (القرآن) و( المقام) ،  تليها (مقهى علي ) ، الواقعة على رأس الطريق  النازل إلى طرف (المعدان) ، قبالة دكان كاظم الجميلة ، وقد عرفت فيما بعد باسم مقهى  (أحمد الكاظم ) وهو شقيق الشيخ عبد الله الكاظم الدليمي ؛ يؤمها رجال دربونة زنكو والأطراف المجاورة لها ، وكثيراً ما كان ينشغل زبائنها بلعبة (النرد ) إذ تجري المنافسة بين اللاعبين من روادها .  فيما تخصص جزءاً من لياليها للمسامرة ، فيكتظ المكان وتضيق رقعة المقهى بالآتين إليها ، وهم يصغون بتوق وشغف إلى (الحكواتي ) ، وهو يسرّد عليهم نصوص السيرّ الشعبية المفعمة بالبسالة والسخاء والإيثار .
.. وعلى تخوت هذه المقهى أمضى أبي أمسياته ولياليه طوال فترة شبابه إلى جوار أصدقائه ، عبد الله الكاظم ، وكاظم الجميلة ، وجميل المشمش ، عبد الرازق العبود ، زيدان الخلف،
أما مقهى جسام ( أبو نصيف)  فقد كانت ملاذا لابناء طرف جميلة والمعدان والسعدية  تختلط على تخوتها السياسة بالثقافة والطيور بالخيل وفيها أمضى جيلنا أعذب لياليه في المسامرة ولمة الصحبة ولقاءات الاصدقاء .
وفي مقهى كاظم البربوتي كان صوت أم كلثوم يصدح في أمسيات الخميس ، وكاننت أغاني كوكب الشرق هوية المقهى وفضاؤها ، يجتذب  الصوت العبقري عشاق  الموسيقى الشرقية . ومثقفي الاطراف والمحلة فيما يمضي المحبون زمنا ذهبيا برفقة كلمات (هجرتك يمكن أنساك) .. و(حسيبك للزمن)  كل حسب حاجته النفسية وطبقا للموقف الغرامي في جذوته المتقدة وناره المتأججة وبين إنحساره وبروده وإنطفائه .. أم كلثوم تلبي بحنجرتها الدافئة كل الاذواق ، تداوي الجراح ، وتبعث (الامل) وتقدم العزاء ..
أما مقهى (عبد الله أبو ماشة ) ، فكانت أشبه بالنادي الثقافي ، يتواصل فيها المتعلمون وطلاب الجامعة وبعض الموظفين ، والسمة الغالبة عليها ، هي (الحوارات ) السياسية ، وحرية  الرأي، مما يفصح عن وجود وعيّ ثقافي وسياسي بين روادها ، حيث كانت معظم التظاهرات الوطنية والقومية تنطلق من هذه المقهى ، وقد عرفت  على امتداد تأريخها  منذ أواسط أربعينيات القرن العشرين إلى جانب مقهى (عريبي ) بان معظم زبائنها ،  ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة ، وإن كثيرا من خلايا الاحزاب والحركات القومية والاسلامية واليسارية , تشكلت على آرائكها , وتعمق دورها السياسي لاحقاً , إثر العدوان الثلاثي الغاشم على مصر ، فأصبح الفكر العروبي الناصري من أبرز منابرها التنظيمية  ممثلا  في حزب الاستقلال المعروف بتاريخه النضالي العتيد،  والذي تحول عام 1960 إلى حزب ناصري , يدعو إلى الكفاح والوحدة والاشتراكية ، والبعث العربي الاشتراكي ، وحركة القوميين العرب ، والرابطة القومية التي كان من بين مؤسسيها الشاعر المناضل عدنان الراوي . .. وثمة تنظيمات أخرى  كان لها  حضورها كالحزب الشيوعي ، وجماعة الاخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي ، وعباد الرحمن .
.. فيما يظل دور ( مقهى عريبي ) دورا طليعيا  في ميلاد التنوير الوطني ، إذْ شهدت أيامها البداية الأولى لمقاومة قوات الاحتلال البريطاني ، وعلى تخوتها إتخذ رجال الفحامة قرار مقاتلة العدو الانكليزي الذي جاء العراق غازياً معتدياً ، .. لذلك فإن هذه المقهى لم تكتف بتأييد ثورة العشرين أو مبايعة قادتها ، بل بادر الكثير من شباب الفحامة ورجالاتها إلى أن يتطوعوا في صفوف الثورة ويصبحوا جزءاً  منها ، وظلت مقهى عريبي طوال الثلاثينيات وما تلاها , الحلقة النضالية المحكمة , في الاحداث الوطنية والقومية ، مروراً بثورة رشيد عالي الكيلاني (1941) , وعام النكبة العربية في فلسطين (1948 ) ,  ( بور سعيد 1956 )  وإنبثاق تجربة الوحدة العربية بين مصر وسوريا (22/2/1958) وقيام (الجمهورية العربية المتحدة) (1958) ، و(14 تموز 1958) وما تلاها من أحداث كبرى (8/2/1963)  و(18/11/1963) و(17/7/1968) .. انتهاءً باحتلال العراق (9/4/2003) ، حيث تحول  محيط  منطقة  (مقهى عريبي ) كله إلى فعل وطني مقاوم ، من أجل تحرر العراق وإلحاق الهزيمة بالمعتدين .. لتفصح بيقين مؤكد  عن الطبيعة الوطنية للفحامة , وتدلل بوضوح, على أصالة ودور المحلة البغدادية  في الدفاع عن الوطن .
فيما تقوم هذه المقاهي  أيضاً بوظيفة التواصل الاجتماعي بين أبناء المحلة واطرافها ، تعبيراً عن المديات العميقة للعلاقات الحميمة ، والمودة البالغة ، والصداقات الوطيدة التي تتميز بها الفحامة التي كانت تحرص دائماً على إشاعة الألفة والمحبة بين أبنائها .
– فالتعاون والتآزر والتكافل جزء لا ينفصل عن البناء النفسي العام ، الذي يحث على المروءة والنخوة ، والشيمة ، وتطبيق هذه السجايا الفاضلة بسلوك عملي من خلال المبادرة إلى إغاثة الملهوف ، والاستجابة التلقائية للمشاركة الفعلية في رفع الحيّف وإنصاف المظلوم،..
لذلك كانت المقهى تمثل في وجه من وجوهها :( الرأي العام ) للمحلة ، تجري فيها أحيانا منافشة القضايا العامة وتلك التي تتصل بحياة الناس اليومية .
(7)
البيوت الصغيرة ، لا تتسع مساحاتها الضيقة  لموضع للتنور ، فتستعين بـ (تنور) الجيران ، يتناوبْنّ عليه تباعاً حتى آخرة الليل. وقد يلجأ البعض إلى شراء (الخبز) الجاهز .
وأذكر ثلاث خبازات في دربونه زنكو ، هن : ماهية (أم حميد) . أمينة الحمادي . حمدة (أم جبار) .
.. ولعل ضآلة الموارد المالية هي التي دفعت بهاتيك الأمهات إلى معاونة أزواجهن لمواجهة مطالب المعيشة وأعباء الحياة .
.
(8)

الديوان كما يحدثنا عباس بغدادي ، ندوة ذات طابع اجتماعي ، تشبع رغبة المترددين عليها للمسامرة وفي المعرفة واستقصاء الأخبار ، وتبادل الآراء.
لذلك أُسستْ الدواوين ، فكان منها المجالس الأدبية والتجارية  والترفيهية ، ومن الطبيعي أن يملك صاحب الديوان بيتاً وسيعاً يتوزع إلى قسمين :
الخاص بالعائلة ويسمى : (الحرم خانه) ، فيما يُدعى القسم الآخر : بـ(الديواخانه) يخصص  للرجال من الضيوف والزائرين، ويكون  بمعزل عن أهل الدار. وفق الأصول المتبعة في ذلك الوقت ، كما يحتاج من يخدم الضيوف ويقوم بأمرهم ، فالبحبوحة المالية وحسن الاستقبال وعذوبة الأحاديث و(القهوة) من مستلزمات الديوان .
وقد شاعت إقامة مجالس البغداديين منذ نهاية القرن التاسع عشر، ففي الكرخ وحدها كان هناك مايربو على الثلاثين  مجلسا، فقد ذكر ابراهيم الدروبي الكثير منها في كتابه (البغداديون ؛ أخبارهم ومجالسهم)  من بينها ، مجلس الشواف ، آل عطا، عباس القصاب، آل القشطيني، الشيخ عبد الحميد الشيخ علي، الشيخ داود السعدي، الشيخ عبدالله الزيبق، الشيخ سليمان الغنام، آل الوسواسي، الخنيني، آل المدلل، الشيخ سليمان الصالح، آل الريس، السيد محمد سعيد المصطفى الخليل، الملا عبود الضاحي، أيوب اليتيم، عبدالله الخياط، السيد حسن البغدادي، الشيخ طه، الشيخ نوري، الشوكة، السادة الحلاويون، آل المولى، آل الفكيكي، الرحال الراوي.
وقد كانت الفحامة من بين المحلات الكرخية القديمة التي إشتهرت بدواوينها ومجالسها، وقد عاصر كاتب السطور عددا منها،  وقد كان أعظمها شأنا ديوان الشيخ عبدالله الفهيدي مختار الفحامة، وكان للشيخ عبد الله الخضير مثل هذا الديوان ، وكان يتخذ داراً مستقلة لاستقبال ضيوفه ومحبيه ، وكانت من بين أكبر بيوتات المحلة ، ولا يماثلها في السعة إلا دار أحمد صكير, وحاج مشمش, وحميد الداود, وحسون الهويّان . وعندما طعن في السن واصيب بالبدانة تخلّى عن دار الديوان ، وأجرها لحميد الغنّاش . والثالث أحمد الشيخ رجب، ورابعها ديوان الحاج حمدان الطائي أحد وجهاء الفحامة وصاحب واحدة من أكبر (سكلات الفحم) في ذلك الوقت. يليه مجلس الحاج مشمش العبيدي،  في دربونة زنكو. الذي كان يلازم داره ولا يغادرها إلا لماما، وكان يتخذ من غرفة الضيوف مكانا  يستقبل فيه  وجوه المحلة من الاصحاب والاصدقاء ، وكان غالبيتهم آنذاك  من الكهول وكبار السن .
وثمة دواوين أخرى خاصة بالنساء ، وهي تختلف عن أيام (القبول) .
فالديوان الدائم شئ ، والقبول الاسبوعي أو الشهري شئ آخر ، سواء في نوعية الوافدات أو طبيعة ومضامين الأحاديث التي تدور فيه ، والتي يغلب عليها طابع الجد والأحتشام . ومن هذه الدواوين : ديوان (تاجة الصكير) فى الفحامة وهي أم عبد العزيز الصكير تاجر الجمال ، وكان ديوانها مفتوحاً في الليل والنهار ، وقهوتها جاهزة في كل وقت .
وكانت هذه السيدة  الوقور موضع احترام وتقدير المحلة رجالا ونساء ، تستشار في كثير من الأمور الاجتماعية .
(9)
.. ومن مجاذيب المحلة إمرأتان هما :
بُلبُل أم رشودي
وننّه أم عنجاصة
وكانتا هادئتين ، وديعتين ، تبدآن المسير صباحاً ، مشياً في الأزقة والدرابين ، وتنهيان اليوم ، بالمبيت في إحدى الدور مع إحدى العجائز .
وكانتا تتجولان بين محلات سوق الجديد وسوق حمادة ، وجامع عطا ، وعلاوى الشيخ صندل ، والدهدوانة . فيما يلاحق الصبية بلبل ويمازحونها :   ( .. بلبل شوّية علج)؟‍
وظلت هذه الأهزوجة وعلى مر السنين  تتردد على ألّسنة الأطفال حتى بعد  رحيلها  .
.. وتلك (صبيحة) إمرأة أخرى شفّ عقلها , وهي تطيل الوقوف بباب الدار , تنتظر عودة زوجها (بنّان) ، الذي إقتادته الشرطة يوماً ولم يعد بعدها إلى بيته  .
وقد ترجمت ذاكرة الطفولة إنتظار صبيحة باهزوجة :
( بنّان نايم بالحبس .. صبيحة وديلّه دبس ) .
.. وهناك أيضاً (كريجي) تصغير (كرجي) أرهقت نوبات الصرع المتتالية جملته العصبية وتسببت في هزال واختزال بنّيته الجسدية ، فأحالته عظاماً ناتئة ، وأحدثت في وجهه إلتواءات شديدة ما بين الفم والعينين . يخرج الجمل قصاراً متآكلة الكلمات , فتضيع المعاني ، يميل إلى الوحدة ، والانزواء ، علمنا أو اكتشفنا بأن دعاباتنا معه تثير مزاجه وتؤلمه ، فكفّ الصبية عن ممازحته ، وحلّ الرفق به والأسى عليه ، وظل جيلنا يعدّه كائناً قريباً ، أليفاً وديعاً. وقيل أن حادثة مروعة كانت سبباً في إضطرابه العقلي ، فقد تسبب من غير قصد في موت أخيه الصغير .. وقد ساءت إثرها حالته النفسية إلى الحد الذى أدى به إلى إلقاء أبيه من سطح البيت ليلقى حتفه على الفور ،وبسبب هذه الحادثة المأساوية أُودع كريجى فى مستشفى الامراض (العصبية) وبقى نزيلاً فيها حتى الموت !
(10)

وللشقاوة في بغداد تأريخ حافل طويل يمتد إلى الدولة العباسية ، حيث كانوا يسمون : الشطاّر ، والعيارين ، وقد كان من علّو المقام والمهابة في عشرينات القرن العشرين أن يوصف الرجل بـ(الشقاوة) .
والشقاوة صنفان  كما يرى عباس بغدادي :
الاول ؛  شقاوة الشهامة والنخوة وإغاثة الضعيف على القوي .
الثاني ؛ وبالضد من النوع الأول شقاوة الأجرام كاللصوصية والسلّب والاعتداء على الغير ضعيفاً كان أم قوياً .
فالأولى ؛ توصف بالشجاعة والمروءة أما الأخرى  فيوصم صاحبها بالجبن والابتذال .
والأغلبية من شقاوات الفحامة من الصنف الأول ، الذين كانوا يظهرون الاحترام لأهل المحلة ، وأن أحداً منهم لم يجرؤ ولم يسع إلى إيقاع أذى أو يتعرض بسوء لأيّ من أبناء محلته أو طرفه ، ولعلّ صراّمة التقاليد الاجتماعية التي كانت سائدة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي كانت تحدّ من سلوك هؤلاء الشقاوات ، كذلك السلطة الاجتماعية لذوّي الرأي والوجهاء تفرض حضورها القويّ حيّال أي تصرف مشين، أو فعل غليظ. قد يصدر من هذا الشقاوة أو ذاك .
.. وفي ظنّي أن شقاوات الفحامة معظمهم كان مصاباً بميول إستعراضية تنصرف لدى صاحبها  للمظهر ، دون المضمون ، أمثال : فوزي الاقجم،  إبن سعدة ، الجنيّ (رشودي) ، مبدر ابن حرفة،  يوسف الدبشة ، فاضل شكر، نوري العكلة، محسن السهيل، كريم العلوان .
وفى يوم من أيام الاربيعينيات , تخطى أحد هؤلاء الحاجز الاجتماعي , في مقهى عريبي ، فوجد نفسه في مأزق لم يستطع الانفكاك من قبضته ، فارتّد على عقبيه وهو حسير , إزاء الحزم الجماعي الذى وقف أمام جبروته ، ولم يجرؤ أن يعود إلى بيته , إلا بعد إعلان التوبة , وإبداء ندمه على فعلته , يوم حاول أن يبتزّ أحد روّاد المقهى .
.. ولهؤلاء (الأشقياء) ألقاباً خاصة يكنّون بها ، كالأقجم , والجنيّ ، وأبي كراع ، والمحراث وهم يعتقدون بأن مثل هذه الكنى والألقاب تضفي عليهم قدراً من الهيبة والوجاهة .
وتقترن هذه (الأبهة) المتوهمة أيضاً في طريقة إرتداء الملابس ، التي تؤكد تفاصيلها البعد الاستعراضي الذى يشير إلى إظهار إختلافهم عمن سواهم من الناس ،.
بعبارة أخرى ، يوحى لباسهم بأنهم متميزون أو منفصلون عن المحيط الذي يقيمون أو يتواجدون فيه. وتعدّ لفة الرأس (الجراويّة) أولى الدلائل على شخصية الشقاوة إذ يعمد الشقاوة إلى جعل الجراوية تنحدر إلى الكتف ، وتسمى (عدام) أي أن لابسها (بايع ومخلّص) ، وأنه يسير إلى (الاعدام) ؟‍
وقد تلبس (الجراويّة) على الرأس بغير عناية أو انتظام ، كجزء من محاولة إلفات النظر .
واحتذاء (الكيوّه) البيضاء ، وارتداء سروال أبيض طويل ، يظهر طرفه من تحت (الدشداشة) ويجب أن يصل إلى كاحل القدم ، مع غطاء الرأس (عرقجين) أبيض ذي قبة مدببة عالية .
وإن يحمل في جيبه سكيناً مطوية تعرف بـ( أم اليايّ) ، يستطيع أن يفردها بمجرد الضغط على زر ناتئ في قبضتها .
.. ومن دواعي إتمام العملية الاستعراضية ، يعمد الشقاوة إلى إبراز صدره إلى الأمام ، والتبختر فى المشي ، وفرد الذراعين بزاوية منفرجة تماماً ، حيث يضطر الآخرون عند مروره بهم أو إلى جوارهم أن يفسحوا له الطريق .
(11)
من بيوتات المحلة العريقة والوجهاء فيها :
الحاج مشمش العبيدي (شيخ دربونة زنكو) ،الشيخ عبد الله الفهيدى (المختار)  الشيخ عبد الله الخضير ،  حميد الداود ، أحمد الشيخ رجب،  علي خميس صريصر الدليمي ، الحاج حمدان الطائي ، علوان العبيد، صخيل ، إبراهيم وإسماعيل الحليوه ، عبد العزيز الصكير ،  أحمد الصكير، كاظم الجميلة ، كسّار الحيالي ، عبود كسّار العزاوي،  درب الكسّار، عبد الرازق العبود ، زيدان خلف الجنابي ،  الشيخ محمد جواد ، الشيخ حسن المحمد ،  الشيخ عباس خضير العزاوي ، الملاّ حميد الراوي ، عبد الله الكاظم ، السيد محمد المصلاوي النعيمي،  عيسى (أبو الكاشي ) عبد الحميد عبد الله الخضير، علي المرتاج ، الحاج حسين العيشة  (حلاق وختاّن) ، علي العكلة  ، عبود الظاهر ،  آل مشكور السعدي، الشيخ أحمد المعيوف (شيخ الجبور)،  ناصر الدويج، حايف المناوخ ، جميل المشمش، عباس جيجان،  محمدين الدليمي،  شمسي العاني، بيت الرحّال ، علي سميّر الدليمي ، بيت صخل،  بيت أبو نويّة، بيت الراوي (عبد الجبار طه – عز الدين محمود )  بيت الغنّام . حميد بلدية .
-12-
ومن بين الشخصيات البارزة في حياة الفحامة وأهلها :
الشيخ عبد الله الفهيدي مختار المحلة منذ عام 1925 حتى رحيله في عقد الستينات من القرن الماضي . عرف الفهيدي بأناقته الشديدة ، واعتنائه بمظهره ونظافة  ملابسه ، يقول أبي ( .. كان رجلاً مهاباً وذا شمائل إنسانية ، يتفقد أحوال المحلة ويتواصل مع أبنائها فيعود المرضى . ويبادر إلى معاونة ذوى الحاجة من الناس. فكان يجوب الفحامة زقاقاً زقاقاً ، ليقف على الشئون والاحتياجات الشخصية والعامة . فيسعى إلى تلبيتها ).
يفدّ إليه الكثير من سكنة المحلة وأطرافها ومن أماكن شتى ، ويقصده ذوو الهموم والحاجات حاملين إليه (أوراق عرض الحال) فيلبي مطالبهم ويؤازرهم لدى دوائر الحكومة لتسهيل معاملات التجنيد ، الإرث ، التسجيل العقاري ، وسواها من الأعمال التي كان يقوم بها بنفس راضية .
يصفه الصديق الشهيد جعفر آل مشكور السعدي : (.. بأن عبد الله الفهيدي كان شيخاً كريماً لعموم أهل المحلة ، وكان بحق مختاراً واختياراً ، ويعدّ مثلاً أعلى لكمال الخلق مروءة واحساناً ) .
عاش الفهيدي قرابة ثمانية عقود إتسمت كلها بالسمعة الندّية والذكر الحسن وبالخدمة العامة وإبداء العون لمن يحتاجه .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.