| اسماعيل ابراهيم عبد : مفاتيح روائية ما بعد نصية .

من المعروف ان فكر ما بعد الحداثة  يمثل تحولاً حضارياً للفن أيضاً , على الرغم من انه ينحاز الى تتويج الغلبة للتقنية والتكنولوجيا , وهو يمثل كذلك تبادلاً معرفياً وتسويقياً للرواية الأدبية والفنون المجاورة لها .. وحين تجتمع القضيتان , (مضمون الفن ومضمون التكنولوجيا) , مع ايديولوجيا السلام الإنساني كإطار للقيم , فيتشكل القوام الهجين (فكراً / فناً) لما يسمى بالتوثيق الروائي للبث القيمي للأدب , ويصير (المجتمع , الاقتصاد , التحضر) قواماً لمقول حركة إنسانية عامة متساوقة المستويات .

وقد يكون التوثيق الروائي مستوعباً للحضارة على أساس التحول من حداثة الرواية الى ما بعد حداثة الرواية , وهو الطموح الجدّي الجديد , الذي يمكن اجمال تقنياته بثلاثة الفاظ : (روائية + ما بعد + نصية) . ذلك كله لن يتجاوز (شعرية) الأثر الفني , وقضية التضافر الحضاري بين الفنون والعلوم والإنسانيات واللسانيات , إذ انها قضية تجدد رؤى الفهم الانساني للمعرفة والفنون .

لنتساءل عن شعرية وجمالية الرواية الجديدة ـ لما بعد الحداثة , هل ستحقق نموذجها برواية الكاتب مهدي علي إزبين ” للمفتاح وجوه عدة “؟.                    

وللإجابة عن السؤال هذا سنتابع الكاتب مهدي علي إزبين , بروايته (للمفتاح وجوه عدة)  على النحو الآتي , لعل متابعتنا تفي بالإجابة.                  

أولاً : تكييف                    

لنتطّلع الى المتابعة القرائية على النحو الآتي , عبر النص الاجرائي المتمم أدناه :               

[أسأل جليسي :

ـ هل نمت وقتا طويلاً؟

ـ ساعة تقريباً…

يرن هاتفي : [السفارة] يخبرونني بأن رئيس عملي أبلغهم بانتهاء إجازتي… لا خيار لي , لا يوجد في الـ (هنا) ما يربطني به , يشعرني بوجودي ؛ أنا في الـ (هناك) , كل ما أقوم به رد جميل لشخص لاوى المستحيل لأغدو أنا , لن يوافق على بقائي إن صحا من غيبوبته]([1]).

نعتقد ان أي رواية لابد لها ان تكيف أحداثها ورويها ولغتها لتركيب نصي يتحمل الآتي :

أ ـ الراوي الضميم

انه الراوي البطل المُعوّض عن المؤلف , المنسق بين الحدث والزمن وحركة الشخوص , وعليه ان يكيف ويجمع تدوين الراوية مع مُنْتَجِ العملِ عبر الحدث , والروي , واللغة.    يبين المقطع السابق ان الراوي المتخفي وراء البطل الحدثي , (المؤلف) يجعل التدوين قولاً وفعلاً يُنقل عن لسانه , يقررُهُ عبر حدث تم تفعيله بوسيط المدونة والحدث ,             الذي لا يتعدى استيقاظ البطل من غفوته أثناء عودته من زيارة أبيه الراقد في المشفى , وهو يضع لنفسه ظرفين من الأهمية هما , تبعية العاملين معه , والمهاتفة من السفارة , ثم ينسب الروي لنفسه مكيِّفاً لغة السرد لتكون لغة متوجسة لا يقينية , تتماشى مع الأفكار  الفنية الشائعة عالمياً الآن . وخلاصة الاشتغال الروائي ان يكيف الراوي لغة نقل الحدث فيتيح للمؤلف الراوي (الضميم) ان يضم سلطة تركيب اللغة الى الروي , الى وظيفة صنع الحدث , ليتآخى هذا كله مع المشاع من أفكار ما بعد الحداثة. هذا التآخي احسر الى الـ (هنا) والـ (هناك).       

ب ـ الاشتغال التبشيري

 ينبغي ان يضمن الاشتغال الروائي التكيف التبشيري بين الذاكرة والظرف المتوقع عبر الحدث , والشخوص , والوصف. وهذه الثلاثية موزعة اجرائياً بين ذاكرة البطل التي تستعيد حادثة مرض الأب , وحادثة مجيء الابن , وحادثة السفارة , والروي يبشر بثلاث أحوال هي / وجود الفرق الكبير بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة , وفي ذلك دعوة وتبشير لطريق التقدم الذي سيساوي بين الشرق والغرب. اما التبشير الثاني فهو الإلغاء المضلل لارتباط البطل بـالـ (هنا) , وعكس هذا يحدث تماماً حين يتطور الروي فيشمل الأُلفة والتعاون المتبادل بين البطل ورفاق أبيه. اما التبشير الثالث فينبت في المقطع بعبارة (كل ما أقوم به رد جميل لشخص لاوى المستحيل لأغدو أنا , لن يوافق على بقائي إن صحا من غيبوبته).

ج ـ تنبيه

انني إذ انبه الى اتجاه أدب ما بعد الحداثة عبر التكييف أعلاه , فاني أُنبه الى الغايات الجديدة لجميع مباغي العصرنة الروائية اشتغالاً وايديولوجيا وتقنيات كونها مشروعات في ظاهرة العالم الضخمة (ما بعد الحداثة) . عليه يتوجب علينا إعطاء تحليلاً ثقافياً فنياً لصور قرائية تفي استكمال الموضوع أعلاه .. وهذا ما سنجده في الفقرة القادمة؟                       

ثانياً : صور الحس الفطري

مهدي علي ازبين

على الراوي ان يعبّر بحس بدائي فطري عن العالم , يشكل منه لغة حدس لنقل الحدث , ونقل التغيرات النفسية للبطل ليكوّنا نبوءةً تنسج صور العالم وتقدمه للرواية برؤى تتجه نحو قراءة المتعة الذكية. لنتابع .

[أمسك أعصابي , وأنا أرى إفرازات دهنية غير محببة تنم عن التهابات حادة. أمسح على رأس ـ ولدي ـ , أتملى في عينيه , تصدمني أسئلة بريئة أعجز عن فهمها أو الإجابة عنها . أحضنه , يعقد ذراعه حول رقبتي , أخرج به الى المضمد , يعاينه , يعقم موضع الالتهاب , يحزم الركبة برباط من (الشاش). يلتقط قصاصة , يدون فيها حروفاً , يدسها في يدي :

ـ هذا عنوان طبيب مشهور في بغداد , حال ابنك صعب , وهذا الطبيب يعطيك الرأي النهائي , والباقي على الله] ـ للمفتاح وجوه عدة , ص76.

اننا نلاحظ لقطة الروي أعلاه كواحدة من توابع قراءة لحالات المدونة المروية , التي تحيل الى الحالات المبعثرة الأصغر , أي مفردات الرؤى , إذ يمكن للمدونة أن تجمع الصورة البصرية المخزونة في العقل الى المسموع من (دواخل النفس) , الى صورة الكتابة (لمظهر التدوين) , لتصير (قضية) التعبير العقلي ـ الوجداني عمقاً أساسياً للقص الروائي. تقرره الفطرة الانسانية. وللتحديد الأكثر وضوحاً نقول :

1 ـ تتشكل في الرواية مراتب تصاعدية لأفعال الروي تتسق مع تطور النسج الروائي , اصغر وحدة فيها هي (أمسك) أعصابي , ومنها يتبعثر فعل جديد هو (أرى). وكلاهما فعل نفسي حدسي فطري.

2 ـ ثم يتشكل الفعل الأعلى مرتبة وفعالية وهو (أمسح) , كونه فعلاً حركياً مادياً يحتفظ بشرطي الفعل النحوي والسردي عبر الزمن (المضارع) , والحدث (تحريك اليد على رأس الابن).

3 ـ يتبعثر عن الفعلين السابقين الفعل الروائي الثالث ليصّاعد في الروي ويصير أهم فاعلية من الفعلين السابقين , إنه فعل (أحضنه) الذي يحتم حدوث فعل (يعقد ذراعه).            

4 ـ تحدث بعثرة جديدة أبعد مضيّاً مما سبق , تلك هي (ـ المضمد ـ يحزم الركبة برباط من (الشاش). يلتقط قصاصة , يدون فيها حروفاً , يدسها في يدي).

5 ـ الفعل الأضخم هو فعل الختم (ـ هذا عنوان طبيب مشهور في بغداد … هذا الطبيب يعطيك الرأي النهائي).               

* الأفعال الخمسة أفعال سردية ونحوية تتوزع بساحة عرض المقطع بشكل فطري ليس فيه غموض ولا ازاحة بعيدة , تجمع الحال النفسي الى الحركة , الى أدوات المظهر الكتابي , تجعل البحث عن (الشفاء) أو الخلاص قضية لا يبت بها فرد واحد , وهي على صغرها لها أربعة أطراف على الأقل , الابن , الاب , المضمد , الطبيب المشهور , يحتضهم مكان حدسي فطري متخيل هو بغداد.

* ينتج عن هذا كله قراءة ممتعة حسية حدسية فطرية بلا قيود , تحيل الى نبوءات المصاعب التي ستواجه بطل المروية.

ثالثاً : جمل التركيب الذهني  

انها جمل وصفية تحافظ على طرائق وطبيعة الوصف كونه استجابة عملية محددة بتركيب علامات الإكمال اللا إدراكي للوصف , وتختص بطبيعة اللاوعي من المشاعر والرغبات والتطلع الى انشاء روائي منتش بحال الإبداع لا غير.

[يرسم (معز) المشاهد , يصورها أمام عيني , يعيشني في بؤرة الحدث , وهو يشيح ببصره كأنه يستدعي كائنات سرده . يستحضر المكان , يصغرّه  , يشكل بانوراما من حروف صائتة . يتوقف عن الكلام المباح ؛ يستغرق بنظرة دامعة , يجدني أتابعه بعينين أطلقت أشرعتها لتتلقى رياح بوحه ؛ يتفاعل قارب احساسي مندفعاً مع مفارقته السوداء , لأنه يُلْبِس  مرارة العيش حلاوة صوغه , يصنع من قبح الخراب لوحات مبهرة] ـ للمفتاح وجوه عدة , ص64   

يمكننا ـ بعد تدقيق الفحص ـ ان نرى :

1 ـ المدعو معتز يرسم ويصور , وهما عملان مولهان ومنذهلان بالفعل الإبداعي.                 

2 ـ الوله بالرسم والتصوير يشكلان بؤرة حدث يتصف بكونه حدثاً بصرياً مضللاً ,إذ هو حركة لقيمة معنى وليس لقيمة مادية تبرر وجود الكائن السردي , الذي هو استغراق فني وجدي للحال  الإبداعي.

3 ـ يكتمل التوصيف بوصف الوجود الشكلي عبر المكان غير المؤكد , لأنه مكان فني متخيل.

4 ـ الوله بالمنظومة الثلاثية أعلاه يستدعي عنصر التصغير , (التكثيف) , ليراكم الصغائر الى بعضها مثلما تجمع الحروف بالكلمات والكلمات بالمشيدات (البانوراما).              

5 ـ ثم يدخل الفعل الروائي بوله أعظم لصوغ لا ادراكي , غير واع , يستجلب :                 

 النظرة الدامعة , والأشرعة المتكتمة على الأسرار .

6 ـ العناصر الخمس السابقة تُدْخِلُ النسيجَ كلَّه بانغمار يقع بين الشعر والموسيقى والتأمل والحس غير المحتسب , متمثلاً في : (يتفاعل قارب احساسي مندفعاً مع مفارقته السوداء, لأنه يُلْبِس مرارةَ العيشِ حلاوةَ صوغه , يصنع من قبح الخراب لوحات مبهرة .* نرى التشكيل الذي تقدم مجازفةً فنية تتجاوز الفعل الروائي اليقيني الى ما ورائه . أي غير اليقيني. وهذا الحال انبهار تقني دلالي يقترب من نشوة الفن الروائي بذاته ولذاته (الفطرة).

رابعاً : إشارية ما بعد التداول

لنفترض ان الرواية أتمت بثها الاشاري , وانها ستتحول الى تسويق معارفها بعد خروجها من دار النشر , وهذا التسويق يتضمن حالين , الاقناع والتبادل المعرفي .. في مثل هذه الظروف نكون قد تجاورنا مع وسائط التبادل (التداول) , وحتمية هذا التداول تستدعي القيمة التي تفيض منه , وهي في رواية (إزبين) تقع بحدود أربعة عناصر , كلها تسهم في توضيح القصد البعيد لما بعد التداول , تتمثل في (التكنولوجيا , والطوايا المضمرة,  والنسقية , وادبية لغة الناس) . لنتابع .

أ ـ تكنولوجيا

ان أبرع ما يحققه العلم تكنولوجيا الطب لتعلقه بحياة الناس مباشرة , ومما يُؤْثَر في هذا ان العمليات فوق الكبرى تختص أحياناً بزراعة الأعضاء , اعتماداً على التكنولوجيا الجديدة الدقيقة , والكفاءة التدريبية للعاملين بالحقل الطبي . وتجيئ هذه التكنولوجيا إلى طفل أحد ضباط الجيش العراقي , بعد ان يهرب من الجيش بمساعدة أحد جنوده الملقب       بـ (المطي) . هذا الضابط يهرب بابنه عبر الهور ثم دولة مجاورة , ثم النمسا حيث تجرى العملية ويستعيد الطفل حياته الطبيعية. بمساعدة عائلة عراقية يهودية , وعائلة أجنبية أُخرى تتبرع له بركبة ابنها المتوفي بحادث سيارة , وقد تآخت العوائل الثلاث بواسطة علاج الطفل المصاب. ومن الواضح ان الروائي استثمر أدوات ووسائل التكنولوجيا لينجو بابنه , وبنفسه من سلطة بلده القامعة , ومن الموت بجبهة المواجهة مع إيران , ومن مشكلة ولده الصحية.

تبدأ عمليات استخدام التكنولوجيا الطبية من أول الفحوصات المختبرية لتنتهي بأضخم وأوسع توظيف , ذلك هو عملية زرع الركبة الناجح تماماً. لنتابع بعض جمل تعزز         قولنا :

[تمت العملية بنجاح , زرعنا (عظمة) المتبرع , سنتابع تقبل جسم ولدك لها , نتوقع تحسناً كبيراً يطرأ على صحته , احتطنا لنمو الساق ؛ جعلناها أقصر من اليسار بسنتمتر واحد , ختمناه بوسادة مطاطية عند مفصل الركبة , كي ينمو العظم دون عوائق , سيخضع ولدك لعلاج طبيعي يلائم حالته , ثم نزيل الوسادة بعد ستة أشهر] ـ للمفتاح عدة وجوه , ص37.

من الواضح ان التكنولوجيا رافقت فحص الطفل وفحص (عظمة) المتبرع , والنوم في المشفى , واجراء العملية , وستلاحقه في العلاج الطبيعي . وقد يكون لهذه التكنولوجيا طوايا معرفية أُخرى! , تخص أهدافاً أبعد من التداول النفعي والاشاري.

ب ـ  مضمر الطوايا

هذه الطوايا تشبه عملية خلط النوايا بين الموجهات الفكرية وموجهات الفعل السلوكي للشخصية , وهي في الرواية ردود أفعال طيبة , تنسجم مع طوية الفطرة الإنسانية .               أي تنساق مع مضمر سلوكه المحب للخير والتعاون الإنساني والسلم العالمي . مثلما يعبر عنه المقطع الآتي :

[أفقد كياستي وأنا أُحييهم ـ عائلة المتبرع والأطباء ـ , أشد على أيديهم , أتفرس في وجوههم عبر فقاعات الدمع , يهنئني المتبرعان بـ (عظمة) ولدهما , يظهران مشاعرهما المتناقضة بين غبطتهم بنجاح العملية وبين أساهم على الفقيد … تمسح ـ ام الفقيد ـ عينيها المتورمتين وبلسان المتوسل ـ تطلب ـ :

(اسمح) لي بزيارة ابنك , كل مشاعر الأُمومة لدي تتجه نحوه , إنه يدعونني إليه .. ولدي لم يمت ؛ لأن في جسد ولدك جزءاً منه , ابني يحيا بحياة ولدك , وابنك الآن                       ابني] ـ للمفتاح عدة وجوه , ص38.

ان سجية الأُم ومشاعرها النبيلة ارتدّت الى الفعل الفطري المتمثل بحاجة الأُمومة التي استعادتها بتكنولوجيا زرع الركبة , التي كانت عظمة من فقيدها . ولولا هذا الظرف لظلت تلك الطبيعة ـ الطوايا ـ مضمرة , تدمر الأُم وتبعد المريض عن الشفاء.                    ولكونها مشاعر أمام حقيقة علمية عملية اختلطت النوايا المتنورة بالعقل مع الرغبات الغريزية ليصنعوا كياناً من الصدق المعرفي والشعوري , التي أصبحت واقعاً يتمدد ـ عاطفياً ـ ليتصل بنسق مجاور ومكمل للتعايش العالمي.   

 

ج ـ نسقية

الرواية حاملة لأنساق من مظاهر وحدات البناء للبيئية العاقلة وأدواتها المساعدة.

ويستمر نسق المشاعر بين الفطرة والتنظيم ليتم وضع الطبيعة الإنسانية بمحيط التبادل لما هو خارج مدارك السلوك المخطط له :

[نزور معلمة الموسيقى , يقطع زوجها تأملاته حين يرانا … يداعبني , يأخذني الى مكتبته , يريني رزمة من كراريس ملونة :

ـ هديتك هذه المرة قصص أطفال ومطبوعات ملونة .

تفرح بي المعلمة , تخطفني من يدي زوجها , تكورني في حضنها تضمني الى صدرها , ينثال عليَّ شعرها , تشع عيناها بالحنان , تدثرني بعبارات الأُمومة , تدغدغني بأنفها , أرفرف في سماء عينيها , أنتشي على أمواج من أثير] ـ للمفتاح وجوه عدة , ص41.

ما يزال النسقين النفسي والسلوكي يتضافران ليصنعا مسعى من وصف تقني يتمثل بتقانة الجملة الشعرية الشعورية , بأربعة مواصفات هي :

ـ القطعة أعلاه تستوعب المشاعر الطفولية لكنها منتظمة بتخطيط لتبدو جملاً لطفل في السن الرابعة ـ تقديرا ـ .

ـ الجملة تحتاط لبلاغتها بتنميط موسيقي مظهري لدلالة سلوك المعلمة , إذ هي معلمة موسيقى لها حنان أُم , وهذا النسق من الجمل يخلق دلالة فطرية تُنَغِّم النسيج ليكوّن جواً من البراءة والجمال ويغطي الميول الفطرية في انجذاب الذكور الى الاناث وان اختلفت الأعمار .

ـ السلوك الأُمومي والسلوك الطفولي يأخذان بناءهما النسقي من طبيعة بناء الرواية عبر جمل قصيرة منتظِمة تؤكد الترابط الإزاحي لقيمة اشارات التداول  , كذلك ـ نرى ـ أنه يومئ الى الفارق الكبير بين واقع الطفولة العراقي وواقع الطفولة في النمسا. ويستمر النسقان بالتكثيف والإيجاز وتشظي الدلالة ليمكنا نسق القيمة الدلالية والقيمة الصائغة للمؤول الاجتماعي من التماشي مع المحفز التقني الذي خلقه زرع الركبة للطفل في بلد أجنبي متطور التكنولوجيا.    

د ـ أدبية لغة الناس

لأن التعبير ـ كلغة حكي أو لغة كتابة ـ هو مضمون وعناصر وصيغ للتخاطب , فأن التداولية الحديثة ـ مبدئياً ـ خففت من عصمة اللغة الأدبية , بل أن بعض وسائل التخاطب استوعبت لغة السوق , وهذّبتها وابتعدت بها عن الإداء المباشر نحو الإداء المجازي . وأننا نجد لغة الرواية كلها تصلح نموذجاً للتوفيق بين لغة الناس ولغة الأدب , فهي بسيطة , عميقة المعنى , واضحة الأغراض , وبسبب ذلك يمكننا عدّها لغة لها سحرها الخاص بقدرتها على تسويغ استعمالها بين الأُدباء والقرّاء العاديين . وهذا كفيل بجعل الرواية ولغتها ـ متوسطة البلاغة ـ صالحة للتداول بشكله الشعبي والنخبوي على حد سواء . سنعطي مقطعاً ـ لنا ان نتمتع به دون اشتراطات , مثل أي قارئ غير متخصص, وقد نصدق بأدبية لغة الناس , كونها أدبية ما بعد الحداثة .. لنقرأ :

[أنا الآن أتوسط اثنتين : الأولى صديقتي والثانية أمي ..

الأولى, ودعتني بعينين أصاب زرقتهما البلل , انشتلت في حقول اللهفة , يذلها الانتظار,

تستعجل عودتي .

الثانية , تودعني بعينين عشّش الليلُ في محجريهما , تتمنى إقامتي معها , لكنها تنفيني عنها.

الأولى , قلقة عليَّ , تخاف على ما بنيناه , تريد إكمال المشوار معي , واكتشاف آفاق جديدة .

الثانية , تخاف عليَّ ان بقيتُ معها ,تحسب نفسها في عداد الأموات , لا تضيف لي شيئاً.

الاولى , تحتاجني واحتاجها , الاجواء هنا تقلق حياتنا , معها يزدهي عزفنا , نتوهج ونحن ننسج لوحات الجمال.

الثانية , تدفعني الى الحياة هناك , عندها ينقطع نسغ الأمل , يرتبك إيقاع الجمال حد التلاشي] ـ للمفتاح عدة وجوه , ص158 , ص159.

خامسا : مفاتيح الانفتاح

لنتساءل مازحين ما نفع الوجوه المتعددة لمفتاح لا يصلح مفكاً للأقفال؟

لنلجأ الى ربط كل وجه من وجوه المفتاح بقدرته على تجاوز الأقفال , سنرى ان ذلك يحملنا الى بيان الصفة الفنية لكل مفتاح , وقد نقرر النفع أو القمع لأي منها عبر تمثيل حاله بمقطع له دلالة الربط بين فلسفة الوجوه التي صنعت للمفتاح اداة انفتاح الشرق على الغرب. وقبل ان نجرّب الاجراءات التطبيقية ينبغي ان نقرَّ بأن وجوه المفتاح كلها تتوسط تاريخ ومسافة وزمن وحضارة , بغداد / فينا .. والأدق هو أن وجوه المفتاح تقع في ذاكرة مطاري فينا وبغداد , وعلينا أن ننتبه الى أن (تدارج في ص5) هو المؤول الوحيد الذي يفتح طلاسم الوجوه كلها , وبظني ان (مفاتيح واهنة ومفاتيح غريبة) هما أكثر المفاتيح احتماء بالـ ميتا سرد لفلسفة ما بعد حداثة الرواية . لنجرب تصنيع مرآب خاص لقيمة الجدول وروحية التـأويل على النحو الآتي :

 

المفتاح بيئة المعنى فلسفة الراوي المروي له المحتوى
تدارج + أقفال ومفاتيح ثيمة الرواية كلها , إذ أقرت رؤية بُعد البلاد المظلومة بالاحتلال المتناوب    المؤلف العليم والابن الذي وزع الروي على آخرين كالراوي المحايد , الذي يرى ان العالم وحدة جغرافية متباينة الكاتب المدون , لا المؤلف تودعه بعينين تنطقان وداعة … يناغيها تحت اعلان يفصح عن مطار فنيا الدولي , ص5.

أحط في مطار بغداد وسط أجواء باهتة واجراءات أمنية مشددة , ص7

مفتاح الغابة الهروب, النجاة, الغربة الابن الراوي البالغ المستوطن بالنمسا , يرى الانسانية تاريخاً لحكاية كاتب الحكاية , لا المؤلف هل أُواصل سرد الحكاية … أو أتركها لقلمك … ـ قد ـ تذكر لي ان القصة تتكون من متن…ومبنى .., ـ لـ ـ تناول الثيمة . أو ما قاله الحدث. ص18
مفتاح التعافي الاستقرار والفرح الأب الراوي , المستوطن المؤقت , يرى ان عليه ان يفرح فابنه سيظل بخير دائماً القارئ المفترض اعتمدتُ على نفسي في تسيير            اموري … تكررتْ زيارتي لولدي , أجده كل مرة مختلفاً , تتحسن صحته… فرح بمن حوله , ص31
مفاتيح شخصية الأسى على حال الأب الابن الراوي , يرى لا أمل من شفاء الأب القارئ المفترض أنا وجدت بفضله نفسي في مكان يحلم به غيري , أرجو عودته … ـ وأن ـ يعتني بالمرأة التي ولدتني … لا أمل   في استفاقته, هذا ما أقرأه في عيون معالجيه . ص40
مفاتيح الأسى الأسى على حال الأب الابن الراوي , يرى ان  الموت قد يكون حلاً مناسباً أحياناً القارئ المفترض الموت رحمة في مستودع العذاب , هو منفذ الخلاص من متوالية المتاعب , والبراءة من نوبات الوجع الممض.ص49
مفاتيح واهنة تبرير الابن  للهجرة ثانية الابن الراوي يرى ان لا جدوى من البقاء بمكان يتهاوى ويهون فيه كل شيء الكاتب , لا المؤلف لا يوجد في الـ (هنا) ما يربطني به…؛ أنا في الـ (هناك).. كل ما اقوم به رد جميل لشخص لاوى المستحيل لأغدو أنا . لن يوافق على بقائي إن صحا من غيبوبته. ص56
مفاتيح غريبة التعجب والدهشة من معاملة الترحيب الباذخة الابن الراوي يرى الترابط  بين ظرف الأب وظرف الكاتب وتناسق دراما الروي(فنيا) الكاتب , لا المؤلف أرى الضابط (المهم) عند رأس أبي , يلمحني فيمد ذراعيه نحوي , يشد على يدي بلهفة .  ص67. استرق نظرة نحو أبي .. سأسمع صوتك مكتوباً بعد أن أفرغه (معز) على الورق , أُتابع رسوم الحروف لتنطلق من لسانك مسطرة محطات رحلتك / رحلتنا . روحك تنبض بين يدي , ميت في السرير ؛ وعلى الورق حي لا يموت , أغمض أجنحتي, أنتقي ضحكة من ملفات الأحزان , أرتكب الطيران في فضاء بوحك . ص71
مفاتيح ـ الرحيل المغادرة والهروب وتغير رتبة الوظيفة الحكومية الأب الراوي يقرر ما سيكون عليه تأريخه الشخصي عبر جغرافية بلاد المهجر والوطن القارئ المفترض غادرت برتبة نقيب في الجيش , والآن أنا عقيد في الشرطة … ص 72

كنتُ أنظر الى (حجلة ابني) المهملة ساعدته على الوقوف وترك الحبو نحو خطواته  الأولى . ص78

مفاتيح القصب تضخيم الظرف الشخصي للأب عبر مرض الابن الأب الراوي والأبن الراوي يوهمان السلطات بموتههما ليحميا نفسيهما من الاعدام , والمستقبل الغامض القارئ المفترض يهمس شبح المشحوف : عوف هدومك وهويتك … انته ميت ..من هسه انت واحد ثاني باسمك الجديد … ص86

احاول استرجاع صورة لأمي , أواصل الاطلاع على الماضي, سأقتفي رنين حروفه الصامتة على الورق والصائتة في خيالي. ص86 , ص89

مفاتيح الأمل وصف تذكري للبصرة مجتمعاً ومعيشة الابن يروي عن الأب الذي يروي مقرّا بفساد الجيش والحزب الحاكم وعيون السلطة من النساء القارئ المفترض اخترق الساحة العاجّة بالعمال المصريين , تعرقلني عربات الأطعمة السريعة … يطغي اللون (الخاكي) على المسافرين … يستقبلني مفتاح … ص103

يضفعني … :

مفتاح (المطي) راح يسلمك أول مفتاح. ص104

أسرح مع تأملات ختمت البوح المنطلق من براكين الانفعال , أرغب أن يعيش الانسان في ظروف تحفزه على الابداع واكتشاف ذاته بشكل متجدد 116

مفاتيح مخاتلة وصف تذكري لرحلة الهور وللمهربين ومعيشتهم الاب يروي رحلة الهروب برؤى المتفرج … كأنما يتكلم عن حكاية سمعها القارئ المفترض ـ (بابا احنه وين؟)

أُكلم نفسي : ” لا أدري , أو نحن بأرض الله الواسعة ” . ماذا سيفهم منها؟

أجيبه :

ـ بعد شوية نوصل…) . ص128

تعبت ليس من الكلام؛ إنما من استحضار تلك اللحظات الـ … ص129

مفاتيح متداخلة القيام بخطوات الرحيل الثاني بتوجع جديد الابن يروي موقف زيارته للأب…ويتهيأ للمغادرة , فتختلط مفاتيح الندم والعمل والسفر وغيرها القارئ الافتراضي انفض رأسي , تستقر الرؤية بين ملامح الدليل وخلفه , أبي غائب على سرير         هامد … :

انه الفجر .. السيارة بانتظارك.ص10

 

مفتاح الوجود المعنى بهذا المفتاح يمضي نحو وحدة التعايش بين أطياف البلاد الأبن الراوي يُدخل الأُم بوابة السرد لتوحد الوجود العائلي بوجود مدينة البصرة

كون الأُم والبلاد رحم وحنان وجمال لكل من أحب الانسانية

القارئ الافتراضي ومدون المروية تعدل ـ الأم ـ من جلستها , وتواصل الحديث : كم اختصم ـ خالك ـ مع والدك في اختلافات المذاهب … يصل الأمر بخالك الى تسقيط كل الآراء وتسفيه العقائد … كل هذه التقاطعات لم تثنه عن حماية أبيك ص151 , ص152

نلج السيارة … يخبرني الدليل : اننا في اتجاه سفوان ص154

مفاتيح الرنين الرنين يتجه بالمعنى ليصير محيطاً لظرف حماية الأب والابن الأم تروي قصة خداعها للسلطات , وتقر ببعض الوفاء لبعض الشرطة , والابن يروي أحداث خروجه من البلد فرحاً القارئ الافتراضي والكاتب المدون ـ اختفى زوجك والصغير , وهذه متعلقاتهما .

ـ هذا أمر الله , عليه العوض …

يرجو ـ المسؤول ـ من الشرطة بذل جهودهم للعثور على أي أثر منهما.ص156

أجتاز الحاجز الحدودي , تستقبلني الأنوار المتوهجة وعبارات الترحيب البليغة . ص159

سيد المفاتيح يتجه الصائغ للمفاتيح (المنافذ) نحو مفتاح الانقاذ والسعادة (الزوجة) الراوي محايد عليم يقرر الخاتمة المتمددة نحو اللانهاية , للظرف الذي صنعه كلياً الجنديُ الذي كان يسمى بـ المطي القارئ الافتراضي والابن المستوطن يهرب بنظرات الفزع نحو زرقة العينين , يفز على رنين رسائل متوالية :

[لم تعرفني]

[أنا من سرّع في إعادة أبيكَ الى الوظيفة]

[سعيت لتعيينه في دائرة لا مشاكل فيها؛ وهو اختار موقعه]

[حاولت نقله مراراً , لكنه أصرّ على ملاحقة المتجاوزين]

[أنا المشرف على إعادة (منتسبي) الأجهزة الأمنية]

[أنا المنسق العام بين العراق وقوات التحالف]

[أنا من سهل دخولك ومغادرتك العراق]

[ أنا من التقى بكَ عند أبيك أمس]

[أنا من أبتهج برؤيتك كثيراً]

[أنا

    اللواء

            مفتاح] , ص163

لنلاحظ الآتي :

1ـ ان الجدول أعلاه ينظم وظائف عناصر السرد الروائية بطريقة تقليدية (انطباعية) مهملاً بذلك تقنيات روائية الحداثة , لسبب جوهري هو لا يقينية ولا منهجية               ولا مرجعية لأي ثيمة وردت في الرواية , لذا اعتمدنا على الذائقة شبه الفطرية لمتعة السرد.

2ـ يُلاحظ اننا لم نُفَرِّق بين وجوه المفاتيح لكونها جميعاً مرنة رمزياً ,لا ثوابت لمؤولاتها. 3ـ يمكن ان نصنف المفاتيح الى ثلاثة أقطاب دلالية هي :

ـ وجوه القطب شبه المادي : ويشمل كلاً من (مفتاح الغابة , مفاتيح الرحيل , مفاتيح القصب , مفتاح الوجود).

ـ وجوه القطب النفسي : يتضمن كلاً من (تدارج + أقفال ومفاتيح , مفتاح التعافي , مفاتيح شخصية , مفاتيح الأسى , مفاتيح واهنة , مفاتيح الأمل).

ـ وجوه قطب التمويه : يحوي كلاً من (مفاتيح غريبة , مفاتيح مخاتلة , مفاتيح متداخلة , مفاتيح الرنين , سيد المفاتيح) .

4 ـ اننا عملنا الجدول لأهم محفز , إذ هو حصر لنا ملخصاً للهيكل الدلالي للرواية كلها.      5 ـ الجدول والمضمون الروائي يسهلان علينا الاستنتاج بكون المفاتيح تستجلب الفضاء الروائي الذي نخمّنه بـ ضخامة الأقفال. بمعنى ان الأقفال يتم إبصارها عينيّاً قبل المفاتيح, والروائي تجاوز الأقفال كونها أوسع من ان تلُمّها رواية , فجعل المفاتيح دلالة ايقونية عليها , على العكس من السائد البصري والمنطقي الذي يقول ((وجود الأقفال يجتذب وجود المفاتيح)).

===============================

[1] مهدي علي إزبين , رواية للمفتاح وجوه عدّة , دار نينوى , سوريا , 2021 , ص56

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أسامة غانم : الرمز الأسطوري بديلاً عن الواقع .

    استلهم  القاص محمود جنداري في قصة ” زو – العصفور الصاعقة ” *، …

| شكيب كاظم : آراء يجمعها غبط المكانة – الجواهري متنبي زماننا الذي انتظرناه عشرة قرون .

في كتابه النقدي(الجواهري كلاسيكي  ضد  الكلاسيكية) ألذي نشرت(طبعة  بغداد) منه دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.