| علاء حمد : موازين اللحظات المختلفة في نصوص الشاعرة السورية جمال طنوس .

     إنّ من أهم موازين الاختلاف عدم تشابه اللحظات الشعرية عندما يكون الشاعر منتميا ذاتيا لتلك الزمنية المختصرة في لحظة البناء النصّي؛ لذلك وجلّ مانلاحظه أيضا من خلال الاختلاف التشاكل النصّي، حيث أن الشاعر لاينظر إلى النصّ كحالة منفردة، بل يحاول أن يدمجه بنصوص أخرى من خلال بعض المفاهيم التي تخصّ التناص ومنها الامتصاص والتحويل؛ وفي هذه الحالة يتواجد النصّ والنصّ المجاور أيضا؛ ولكن معظم الإنتاج الفني للنصّ الشعري تكون عادة نتيجة من نتائج الخلق الجديد للنصّ الشعري الحديث، فالقيمة الفنية قادرة على تذويب الشاعر والكتابة خارج الآلية المباشرة وهي المساعي الحميمية وكيفية اقتناص اللحظة الشعرية وذوبانها في المنتج النصّي.

الاختلاف بين اللحظات هو الذي يؤدي إلى الاختلاف بين الأشياء، لنفرض أنّ هناك اختلافا بين لحظة وشيء، وبين لحظة وأخرى، وبين شيء وشيء؛ فالأولى يحددها الزمن الشيئي بالاختلاف، مثلا إذا كانت الشمس تشرق صباحا، فالشاعر يختلف مع هذه الزمنية، ليحول لحظة الكتابة إلى كتابة تخالف قانون الشمس، وكذلك الاختلاف بين شيئين، فنقول، ذراع ساقطة، رأس امرأة على طاولة الكتابة، وهكذا تكون الاختلافات المتواجدة في النصّ الشعري الحديث. أما اختلاف اللحظات، فهو زمن كتابة النصّ، فالزمنية غير متشابهة، وعندما تمر الزمنية، تحل محلها زمنية أخرى، ويكون التجدد ذا صلة زمنية وذا تفاعل مكاني، وهو المنظور الشعري عندما يكون التبعثر الإنتاجي وتراكاماته قيد التجريب المختلف، فالمختلف بين شيئين يمرّ سريعا، هو وليد لحظة زمنية، وقد تكون خارج الثقل الشعري، ومن خلال دربة الذات الشعرية من الممكن جدا تحويلها إلى عمل فني وفي هذه الحالة سيكون التجريب لصالح الفنّ القصائدي.

وفي حالات الانفتاح النصي تتكاثر التبعثرات وربما تؤدي إلى إلغاء المنظور النصّي بسبب التشتت الذي يطرأ عليه، ولكن إذا كان الشاعر ضمن سقف التعيين اللغوي، فسوف يستخدم التشتت والتبعثر لصالح انفلات النصّ عن قيامته المباشرة، ويزرع اللامألوف بدلا من المألوف، ونلاحظ في بعض اللحظات المقتنصة من قبل الشاعرة السورية جمال طنوس، وهي تؤسّس تلقين النصّ، وتعيّن لغته، وترسم بعض العلاقات اللفظية وتنسبها إلى علم الوضع، حيث أن العلاقات قائمة وخصوصا عندما نكون في التشخيصات الرمزية التي تعتمدها الشاعرة في تخطيط عباراتها النصية.

هل أختار لك العنوان

أم أنت من تضع السهم

ليعتصر الغابة

ويكتشف سرية الندى

وعلاقته بلمسة تخاصر جريان النهر

من المصب إلى التفاصيل

هل الإغراق بالجذور؟

يلغي حرية العصافير بالزقزفة

ويعاقر زمني بخطو ارتياب

غيابك

 

من قصيدة: هل تكذب العصافير – جمال طنوس

من الطبيعي أن تعتمد الشاعرة التقليلية الزمنية لكي تستطيع أن تربط تقنيات الحدث الشعري من خلال لحظه حال حدوثه في الذات الحقيقية، لذلك ومن خلال هذا المبدأ العفوي – الآلي للكتابة، تنبثق المقارنة بين الصورة الشعرية الحقيقية التي رسمها المتخيل، وبين المنظور التصويري الواقعي العالق في الذات العاملة، وتقف الذات  كمدركة للعمل التصويري وتعتبر العامل المنظور لدى الشاعرة السورية جمال طنوس.

هل أختار لك العنوان + أم أنت من تضع السهم + ليعتصر الغابة + ويكتشف سرية الندى + وعلاقته بلمسة تخاصر جريان النهر + من المصب إلى التفاصيل + هل الإغراق بالجذور؟ + يلغي حرية العصافير بالزقزفة + ويعاقر زمني بخطو ارتياب + غيابك

قد ننتمي إلى الحلول الفعلية من خلال النصّ الشعري، ولكن هذه الحلول تكون مدغومة عادة من خلال الجملة الشعرية أو المشهد الشعري، لذلك عندما تُثار الأسئلة، فهي جزء من التصوير والتصور الذاتي وما يرغب به الشاعر دون غيره؛ وتدخلنا الشاعرة جمال طنوس، إلى بعض المعاني التي بحثت عن حالالتها الاستقطابية من خلال لحظات كتابية مختلفة، ولحظات اختلفت تعيين اللغة من خلالها؛ فقد أطلقت عنوانها النصّي المشاغب عندما قالت : هل تكذب العصافير؛ فالعنونة المرسومة تحمل صفة السؤال، ولكن لمن وجهت هذا السؤال؟.. من هنا تقودنا الشاعرة إلى البحث في النصّ المكتوب من خلال مشهده الشعري، لكي نستطيع أن نربط العنوان مع جسد النصّ، وإلا لانستطيع أن نبين سؤالها المعنون.

الوجود الاستقلالي الذي اعتمدته الشاعرة، هو الوجود الذاتي وحرية تنقلاتها بين لحظة وأخرى، ومن خلال الجسد النصّي تثير بعض الأسئلة أيضا، بينما، رغبت الشاعرة جمال طنوس، أن يكون الدليل اللغوي ذا علاقة مع كلّ جملة أو عبارة تحمل تأويلا؛ فقد أطلقت بعض العبارات : هل أختار لك العنوان + أم أنت من تضع السهم.. فالسهم يعتصر الغابة، فقد كانت الجمل الشعرية المختلفة مثقلة بالرموز المطلقة، لذلك كلّ رمز حمل تأويلا ذا علاقة مع الجمل الامتدادية التي تعدّت على جملة أخرى، وفي نفس الوقت لم تكن هذه الرموز وحيدة تعوم في النصّ، بل اعتدت على أن تكون الحالات، حالات اندماجية: سرية الندى، تخاصر جريان النهر، من المصب إلى التفاصيل، الإغراق بالجور وحرية العصافير، نلاحظ بأن الرمزية لدى الشاعرة، رمزية مركبة، ولا نستطيع الاستغناء عن الجملة والاكتفاء بمفردة وحيدة؛ ومن خلال هذا المنظور الرمزي، اختلفت الدلالات الرمزية واستقرت في جمل شعرية أدت إلى تكوين المشهد الشعري لدى الشاعرة السورية جمال طنوس.

يتسلل إلى ظهيرتي

فأتعرش أكذوبة ارتواء

بمراسم ملكية

للمِّ شمل الجفاء

وحضورك في إطار الأمنيات

سأعلن البيان الآتي

لقد احترفت الاحتراق

لا تسرف

في شراء الشموع

 

من قصيدة: هل تكذب العصافير – جمال طنوس

إنّ الابتكارات اللغوية انتشرت بين النصوص الحديثة بالخصوص، ومنها لغة الاستعارة، حيث أن الشاعر لم يتوقف عند حالة معينة فله القدرة على إيجاد التراكيب والاستعارات من خلال العمل الذهني ( الصورة الذهنية ) قبل نفاذها وترسيمها في لغة الكتابة، ونلاحظ أن الشاعرة السورية جمال طنوس، لم تتوقف في زاوية كتابية معينة لكي لاتخنق حالتها اللحظوية، الكتابية منها والمقروءة.

يتسلل إلى ظهيرتي + فأتعرش أكذوبة ارتواء + بمراسم ملكية + للمِّ شمل الجفاء + وحضورك في إطار الأمنيات + سأعلن البيان الآتي + لقد احترفت الاحتراق + لا تسرف + في شراء الشموع

إن الاختلاف اللغوي هو الذي يؤدي إلى عنصر الدهشة، ولا نستغرب من امتداد هذا الاختلاف ليشمل الجسد النصّي كله، وذلك لكي نحصل على نصّ شعري يتميز بثقله الدهشوي مع كلّ جملة تمرّ علينا، وقد تبنت الشاعرة السورية جمال طنوس هذا الاتجاه لكي تكون مع الغرائبية في توظيف مشهدها الشعري. وقد بنت بعض الأفعال الحركية التي لها الفعالية في تحريك الجملة الشعرية وارتباطاتها بعلاقات فنية وعلاقات مع المعاني للجمل الشعرية الأخرى:

يتسلل إلى ظهيرتي = سأعلن البيان الآتي

يتسلل إلى ظهيرتي + أعلن البيان الآتي = لاتسرف – في شراء الشموع

نلاحظ بأن الشاعرة جمال طنوس، استطاعت أن تتسلل مع المعاني لإيجاد بيانها غير المعلن عنها، فهي تنوي أن تعلن بيانها ( سأعلن ) ولم تقل أعلنت.. نتستنتج من هذه الوصلة التواصلية بأن هناك مطابقات بين النوايا غير المعلنة، وبين النصّ المكتوب، ومن خلال هذه المطابقات استطاعت أن تشير إلى بعض الأشياء لتعلن استقرار التوازن اللحظوي عندما داهمتها في مزرعة الكتابة.

تبعث الشموع البهجة، وقد كانت الرمزية متوازية مع المفردات المركبة التي أختارتها الشاعرة السورية جمال طنوس، ومن هنا نستطيع أن نستنتج، بما أن الشموع حالة تقليدية في الكنسية، فقد أرادت أن تضيء المكان ومن ثم تضيء النصّ، فشمعة واحدة تكفي لإضاءة النصّ أولا، وإضاءة المكان ثانيا، فالتصورات تخلق الحالات الرمزية وهي ( الاستحضار )؛ فالصورة الرمزية قادرة على بعض التصورات التي تُظهر السرية في الموضوع.

 

…………………..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : مع الشاعرة عبلة تايه وثلاث ورود .

   عبله تايه الشاعرة الكرمية الفلسطينية وابنة أسرة أشتهرت وعرفت بالشعر والأدب، كما عرف أبناء منطقة …

| طالب عمران المعموري : السرد وبناء الرؤى في “أصيغوا الانتباه ما حولنا يهمس” للروائي عامر حميو .

رؤيا فردية كيانية  تنطوي على نزعة انسانية  تعكس تجربة شخصية خاصة ،رؤيا تتناول شتى قضايا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *