| د. قصي الشيخ عسكر : العث .

 
كانت تقول له إذهب وحدك وتمتع مع أعضاء التعاونية بمراقبة حشرة العث أمّا
أنا فسأبقى مع ابنتي هنا، لم يعترض فهو يدرك أن ابنته طبيبة تعرف كيف
تدبّر أمرها حين تحين ساعة الولادة وسوف يأتي زوجها توم بعد ساعات من
المشفى الملكي، غير أنّهما وجدا أبا توم والذي وصل قبلهما وسرعان ما هبّ
نحوهما فاتحا ذراعيه:
 
يا سيد هنري نحن مجتمع محافظ لا يحضن الرجل المرأة أويقبل يدها. كانت
تقول ذلك لأبي توم زوج ابنتها فيردّ عليها بابتسامته التي تشير إلى أنّه
يمزح أكثر مما يتناسى:
 
 
I am the father in law, you are the mother in law that is no problem
,we are relatives
 
 
 
فتبتسم وتشيح بوجهها نحو زوجها وتقول بشئ من التذمّر:
 
مادامت الدعوة مفتوحة فلِمَ تذهب وتختلط بالآخرين في هذا الزمن الموبوء؟
 
أنا وأنت لقحنا مرّتين أم هو التردد؟
 
فتنبري الدكتورة صبا وهي تلمّ رجليها على الأريكة وتسند بطنها بيديها:
 
أعشق رؤية الحشرات ولو كنت في حال أفضل لرافقتك لرؤية العرض
 
قرأنا أنا وأمّك الرسالة التي وصلت من التعاونيّة الزراعيّة عن احتفالية
حشرة العث وقلت لها يوم 17 تمّوز تفرغي سنكون هناك في الحادية عشرة إلا
ربعا قبل منتصف الليل
 
لم أتوقع مخاض صبا اليوم
 
عمي معي وسوف يأتي زوجي بعد ساعات.
 
عقّب هنري: الحادية عشرة وقت متأخر
 
اليوم بلغت الحرارة تسعة وعشرين ولن يعرضوا الشريط إلا بحلول ظلام تام
 
مع ذلك فقد اضطر أن يذهب وحده ..بدت قلقة على ابنتها وراحت تنظر إلى اباب
المطبخ تتجاهل الحديث..ودّ لو صحبته في الحفل الآن في مثل هذا الظرف لن
يعانقها الآخرون شأنهم كلّ لقاء ولن تقول لهم – مثلما تفعل مع هنري-نحن
مجتمع محافظ.. الوباء جعلهم يتباعدون ويتلامسون بالمرافق.. بلا شكّ يحس
بفراغ من دونها في أيّة احتفاليّة يحضرها وحده.. ساعة يقضيها مع أعضاء
التعاونية الزراعية يحتسون الشاي ويراقبون على شاشة انتصبت في موقف
السيارات عند مدخل التعاونيّة حشرة العثّ.
 
سأله جاره بات:
 
ياسيد جواد أيّ مهرجان لديكم في العراق خلال الصيف
 
أووه الصيف حار لدينا في آذار مهرجان الربيع
 
وضحك في سرّه سؤال بات أعاده إلى زمن بعيد عدة سنوات في وقت واحد، وقطعت
عليه تأمله السيدة شارون مديرة التعاونية بابتسامتها العريضة:
 
لم تأت معك قبيلة!
 
اتفقنا على ذلك كما أجبتك في الإيميل لكن ظنّت المخاض يداهم صبا الليلة
 
مبارك لكم الولادة الجديدة
 
ربما كلّ شئ هنا، هذه اللحظة، يذكره بالماضي..بات يسأله عن احتفالات تموز
فيحدثه عن الربيع (الكسلة) والتلذذ بالتهام الخسّ.. كيف غاب عن ذهنه أنه
في هذا اليوم حدث انقلاب فكان الناس يخرجون في طوابير لتحية الرئيس وقبله
بثلاثة أيام حدثت ثورة عارمة في البلد وقتها كان صغيرا خرج مع والده في
تظاهرات يهتفان لها.. طفل لا يشعر بطعم الحرّ..بهره هتاف الناس وزغاريد
النساء وانتعش وهو يكرع زجاجة عصير باردة..أو يتلذّذ بلعقات الآيس كريم
..زمن بعيد عنيف لا يخلو من مسحة جمال كادت تذوب في حرّ تموز الصاخب
ورطوبة تكتم الأنفاس.. لم تشهد ذلك صبا.. كانت الوحيدة التي ولدت في
بريطانيا، ناصر وأمجد ومصطفى وُلدوا في العراق..لا يعرف كيف اهتدى إلى
أسمائهم…ثلاثتهم تزوجوا أجنبيات..تلك هي حياتهم الخاصة لا ينكر أنّه
أخفى انزعاجه وقد راهن على صبا، وهي صغيرة صحبها معه في زيارة إلى
العراق..تعلق بها جدّها الذي لذّ له إحدى المرّات أن يضع قدمها الصغيرة
في فمه وهو يقول: أنت حلوة حبيبتي سألتَهِمُ رجلك..وقتها صدّقت أن جدّها
يأكل أرجل الأطفال، كان يراهن عليها..أصبحت أقرب أبنائه إليه حتّى ظنّ
أنها نسخة منه..أقنعها بزيارة أخرى إلى العراق..كانت في السنة الطبية
الثانية.. أما جدّها فقد توفي منذ سنوات.. لكنها لم تنس أنّه أحب أن
يلتهم ذات يوم قدمها قدمها..ودّ لو تتقرب إلى ابن أخته المهندس أو ابن
أخيه الصيدلاني..صلاح أقرب إليه..أو أيّ واحد منهما ..لمح لها
كثيرا..مادامت تتعلق به فلا بدّ من أن تعلق شبيها له يشاركها
الحياة.تبتسم وتنصرف عن الموضوع ..خصلة ورثتها عن أمّها التي إذا لم
تعجبها كلمة ما التفتت تنظر إلى أي شئ تقع عليه عيناها وتسأل عن موضوع
آخر..لم ييأس حتى اعترفت له أنها تحب توم زميلها في الكلية لكن لمَ تلح
كلّ هذه الأحداث في مهرجان العث لا يدعي أنها المصادفة جعلت الاحتفالية
بحشرة العث تلتقي مع انقلاب في بلد آخر وبعد أيام من ثورة تجعل تموز يخرج
من مكمنه فيشتعل الحر..الحرارة أمس 25 أي عابث مثل تموز يمكن أن يقلبها
في الشرق من اليمين إلى اليسار ليصيح الناس الحرّ هذا العام لا يطاق وليس
هناك من تعليل لاحتمال ولادة صبا في هذه الليلة
 
.. الأمر لم يكن كله مصادفة ..فقد خيم ظلام شفاف وأعلنت السيدة شارون عند
بدء العرض فظهرت على الشاشة حشرة العث:
 
عث بفم كبير
 
عث بعينين جاحظتين
 
عث يجناحين مثل الفراشة
 
عث أحمر..اصفر..أخضر حشرة عثّ تصع البيض على أوراق شجرة صفصاف ..كان
يراقب حشرات العث وفي باله صورة أخرى..لم يفتعل الزيارة..زوجته بقيت في
بريطانيا.. الجد عبد الكريم الذي ظنته يأكل قدمها قد مات والأم فقدت
ذاكرتها..خرف الشيخوخة جعلها لا تميز بينه وطبيبها..وظنت حفيدتها صبا
إحدى بنات الجيران..ذهبت مرة مع ابن أخته المهندس أكرم في دعوة غداء إلى
المطعم العائم على ضفة العشار وتجولا في اليوم الثاني داخل القصور
الرئاسيّة ثمّ ذهبت في رحلة ترفيهية بالباخرة مع ابن أخته أكرم الذي
أسـتأذنها أن يصحب معهما صديقته في العمل كأنّه يوحي بهذا السلوك إلى أنّ
هناك علاقة بينهما أدّت بعد سنة إلى الزواج.
 
ليست صدمة ولم تكن مفاجأة مثلما لم يفاجئه عثّ بدا متيبسا على ورقة صفصاف
صفراء حين قفز على ظهر أنثى تقف على غصن بعيد..لقد استبعد المفاجأة تماما
من حياته فانتشلته
 
ارتعاشة وهزة ليست على الشاشة بل من تلفونه النقال فرفعه إلى أذنه ليسمع
أن المخاض داهم صبا..لم ينته الشريط بعد وإن مرت خلاله أحداث كثيرة
تباعدت بينها المسافات والأزمان عندئذ تسلل وسط الظلام وقد تلاشت صورة
العثّ من أمام عينيه.
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : دموع من رمال .

أخرج عن صمتك يا أنا، تحدث فالحزن يتضاعف مع الصمت، أنفث سموم همك فالفقد جلل، …

| نبيـــل عـــودة : حتى ابن الله!! .

لم يعرف أبو رباح طعما للنوم منذ أسبوع.  كان يظهر عليه القلق والشرود الفكري، بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *