شوقي يوسف بهنام* : لميعة عباس عمارة .. وأحزان أوديب (رؤية نفسية)

* lمدرّس علم النفس في جامعة الموصل

أكثر من شاعر كتب عن أوديب بطل الأسطورة اليونانية المعروف ومنها انطلق مؤسس التحليل النفسي ” فرويد ” لتسليط الضوء على واحدة من أهم الظواهر النفسية خطورة على صحة الشخصية الإنسانية. تلك هي عقدة أوديب . والشعراء وكتاب المسرح الذين تناولوا شخصية أوديب ليسوا مجهولين للمتتبع للنتاج الثقافي عموما . وهاهي لميعة تنظم إلى هؤلاء . والواقع ان مثل هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مسحية مطولة  نحصي كم شاعر ومسرحي وروائي اهتم بهذا البطل . وما دمنا مع لميعة فسنؤجل فكرة هذه الدراسة إلى وقت آخر . وأوديب لميعة ، إذا صح مثل هذا التعبير، شخص يعاني السلبية negativism بالمعنى النفسي للمفردة .” وهي سلوك يتسم باستجابات عكس الاستجابات المتوقعة ، ويسمى أحيانا الاتجاه أو السلوك السلبي ، ويقابل الطاعة العمياء .وتسمى الفترة بين سن 18 شهرا إلى أربع سنوات المقاومة أو فترة السلوك المخالف . والمقاومة في هذه السن إما سلبية أو إيجابية للإيحاءات أو الأوامر الصادرة من الآخرين . والمقاومة الموجبة هي أن يفعل الطفل عكس ما يطلب إليه ؛ أما السالبة  فهي الامتناع عن فعل ما يطلب منه . وهذه السلبية ، أو هذا السلوك المخالف ، في شكله البسيط ، مشكلة من مشاكل  التعليم التربية ،ولكن السلبية طويلة الأمد أو المستمرة ظاهرة عصابية أو ذهانية . وعندما تكون السلبية أو السلوك المخالف اتجاها ثابتا موجها ضد كل الناس ،فهي ظاهرة مرضية خطيرة ،وهي عرض من أعراض الفصام “(1) . لنرى إذن كيف صورت لنا شاعرتنا لميعة أحزان هذا البطل. تقول لميعة :-
مورد الخدين
أقنى ،
شعره سحاب

نام   به خيط من البرق
كشيبتين ؛
يداه تبحثان في يديه
عن جملة أضاعها .. ليبدأ الخطاب
(اغاني عشتار ، 97-98)
********************
سمة الخجل والارتباك والحيرة ولا يعرف ما يقول .ذلك هو أوديب لميعة . هل هو طفلها الذي راح ينساق وراء عقدته الأوديبية بعدما تفجرت على حين فجأة .أم آدمها الذي غاب عنها عشرين عاما كما سوف تقول لميعة في مقطع تالي وجاء ليعاتبها ويراجع معها قصة حبهما التي لم تعطها ما ينبغي ان تعطيه . لميعة كالمعتاد منشغلة بهمومها وأحلامها وطموحاتها ، ولا وقت لها لترهات الحب . لقد عنونت الشاعرة لميعة مجموعة أخرى من قصائدها بعنوان تبث فيه شكوكها حول ما يسميه الناس بالحب . وعنوان المجموعة هو” يسمونه الحب ” .لا وجود لهذه المفردة في قاموس لميعة ويسيء فهمها الناس . وسياق القصيدة هو الذي سيساعدنا على العثور على الجواب المناسب لسؤالنا هذا . ترى ماذا لميعة من ان يكون هذا الكائن المورد الخدين أوديبا ؟ .نميل إلى الظن إلى ان لميعة تريد الرجال ان يكونوا أطفالا على وجه الإطلاق. وتكون هي مصدر الحنان والحب والرعاية لهم . تريد ان تكون أ‘ما على الإطلاق وهم الأبناء . لميعة ترى في نفسها  انها ينبغي ان تكون مصدرا للاستقطاب . هي المحور ..هي مركز الدائرة ..هي الشمس وكل المخلوقات أقمار تدور حولها . هو الذي جاء .. يلفه الحزن والارتباك… لا يعرف من أين يبدأ . يبحث في أدراج ذاكرته عن حروف ومفردات ليبدأ خطابه وكلامه . ولم تسعفه اللغة في ذلك . لميعة هي الخطاب وهي اللغة وهي الحروف فما حاجته بعد إلى لغة وحروف ؟ . ما عليه الا الصمت في حضرة والخشوع والطأطأة لهذا المارد اللغوي الذي يدعى لميعة . هي من يأخذ بيديه ويدله إلى الحروف التي ينبغي ان ينطقها ويعبر بها عما يجول بداخله . ذلك هو مفهوم السلبية .وأوديب هنا هو هذا الرجل الذي لا يعرف من أين يبدأ فهو متعلق بلميعة وتنقصه المهارات الخاصة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي . لقد تاه َ في متاهة لميعة على ما يبدو . ثم تستمر لميعة في هذا السرد لخصائص أوديبها الماثل أمامها وهو ملفوف بالصمت . ها هي لميعة تقول :-
أهدابه‘ شراع
أقلعَ في لوحة  (سوريال) على الجدار
واقلع َ النهار
إلا بقاياه على مقاعد أضجرها الفراغ
مثل أفاع ٍ حثــَّها صفير
ستشرئب لحظة
ثم تغوص‘ في سلال الصمت بانكسار .
(المصدر السابق ، ص 98)
******************************
أمضى صاحبنا ليليته وهو تائه في هذا البحر . عينا لميعة بحر لا نهاية له . على الجدار لوحة سوريال . ما الذي تقصده لميعة عندما ضمنت قصيدتها أو غرفتها ، لوحة سوريال . أوديب لا يدري إلى ان ينظر . لقد أصابه الدوران . لأنه بين بحرين غامضين ..لميعة ولوحة السوريال . تريد لميعة ان تقول لنا أنها هي السوريال بحد ذاته .وإذا كان سلفادور دالي قد عرف لميعة ما كان قد ابتكر المدرسة السوريالية في فن الرسم . كان وقتها اكتفى في النظر إلى لميعة . جو الغرفة ملفوف بالصمت المنكسر . كلاهما غارقان في بحر الصمت هذا . ولكن هناك فرق بين صمت لميعة وصمت أوديب . لميعة منشغلة بسوريلها وبحره . أوديب منشغل في سوريال لميعة . سوف ينطق أوديب ..هاهو ينطق . لقد نطق . تقول لميعة :-
–    ” وَدَدت‘ أن أقول .. ”
شفاهه‘ تاهت على صدر ،
ولما يشبع الرضيع
لملمها ونام
جنة أعناب يرف فوقها السلام
والحب والربيع .
(المصدر نفسه ، 99)
**********************
ماذا كان ينوي القول ؟ ماذا كان يود أن يقول . حتى راحت تاهت شفاهه على صدر..  مثل رضيع وهو متعلق بثدي أمه . الموقف أوديبي بحت وفق التفسير الفرويدي لتطور ونمو الرغبة الجنسية . هنا الطور الفمي من النمو . لا أريد ان أضع في دائرة ما . أنا أحاول متابعة مسار القصيدة لا غير . في المقطع ستقول لميعة ما قاله أوديبها لها . ولا اعتقد انها تتعامل مع رضيع لا يدرك العالم الا من خلال العين والفم والأخير على وجه خاص . تتابع لميعة قول أوديب فيقول أوديب على لسانها :-
“عشرون عاما ضيعت رجال
وأنضجت أجيال
وأنت ِ وأنت ِ
لفتة الفتنة في ترفع التمثال ”
(المصدر نفسه ،ص99)
***********************
لا يعقل البتة ان يكون هذا الكلام صادر من شفاه رضيع لم تتدرب على تلفظ الكلمات والجمل بعد . في قول أوديب هذا اتهام خطير إلى لميعة . لميعة ضيعت الكثير من الرجال في عشرين عاما وأنضجت أجيال وهي لا تزال هي . لقد وصفها أوديب بالتمثال لأنها لا تحرك ساكن منذ عشرين عاما . لميعة تؤثر في الآخرين من خلال عيناها .اليست هاتين العينين بحر كبير . لا ننسى ان لميعة عاشت شطر من حياتها في بيروت على ساحل البحر المتوسط . يبدو انها تعشق البحر ولذلك اقتنت في غرفتها أو بيتها بلوحات سوريالية متعددة .  يمكن اختصار تجربة لميعة كما يرى أوديب في محصلتين لتلك التجربة وهما :-
1-  تضييع الرجال .
2- إنضاج أجيال .
تلك هي محصلة خبرة لميعة خلال العشرين سنة . ما قيمة رجل مقابل جيل منه . اعني من الرجال . تريد تقول لميعة  انها ضحت بحياتها الخاصة مقابل أجيال ربتها وأنضجتها إيديولوجيا . وهذا هو المهم عند لميعة وهذا هو السبب وراء عزوفها عن الرجال . لقد استخدمت لميعة مفردة ” ضيعت ” بصورة تدل على الخسارة والندم والأسف. ولكنها تتغافل هذا السلوك . لنرى كيف ردت لميعة على هجوم أوديب على هذا العتاب المؤلم للميعة . تقول لميعة :-
–  أنـا !؟
– ” أجل أنت ِ ، وتجهلين
إنــّا حببناك ِ بلا أمل
كنت ِ لبعضنا الهوى العذري والغزل
كنـّا .. ولم أزل ْ ”
(المصدر نفسه ، ص100)
**************************
لميعة غائصة في الذات وكأن هؤلاء الرجال كلهم كانوا محض ظلال  في شمس لميعة . شمس لميعة ضيعت كل شيئ . لميعة هنا يلفها الاندهاش … الاستغراب … الا ان أوديب يصر على ما قاله لها في المقطع السابق . من هنا نرى لميعة تتهم نفسها بالغباء وعدم إدراكها لأبسط الحقائق . تقول لميعة :-
–  يا لغبائي
كيف لم أحزر ؟
– ” وهل من حاجة ان يحزر الضياء
حاجة الناس للضياء ؟ ”
(المصدر نفسه ، ص 100)
************************
هنا لوم الذات عند لميعة يبرز بشكل جلي ويأخذ صورة اتهام الذات بالغباء وهذا أمر صعب لدى لميعة .لقد أضاعت عمرها بالأوهام كما يقال . لقد كان كلام أوديب بمثابة الصعقة الكهربائية .. أعادها إلى الوراء …إلى العشرين عاما من حياتها . ماذا جنت لميعة ؟ بعد هذا الزمن . لا شيئ سوى ترفع التمثال المقنع .. كبرياء زائف .. هذا ما توحي إليه القصيدة . بعد هذا الحوار الساخن بينها وبين أوديب . تحي لميعة أوديب . لنرى تفاصيل ذلك في المقطع التالي :-
صافحته‘
فجمعت ْ شفاهه الزمان والحنين
في قبلة على يدي يشدها سؤال :
– ” الا تفلبينني ؟
الا تقبلين ؟”
(المصدر نفسه ، ص 101)
******************
هذه إشارة أخرى على ان هذا الاوديب ليس طفلا كما يعتقد . فعل المصافحة إنساني يدل على المودة والاحترام ودفء العلاقة بين أثنين . وهذا أمر لا يدركه الطفل الرضيع أو حتى في بدايات الطفولة . أوديب يريد قبلة بمعناها الحصري .لقد صافحته وقبل يدها وسؤاله هو انه يريد قبلة . ويصنف الحفني أنماط التقبيل على النحو التالي :-
1-  على الجبين تعني  الاحترام
2- على الخد تعني  الصداقة والمودة
3- على اليد تعني الولاء
4-على القدم تعني العبودية
5 – على الفم تعني الحب (2)
لقد قبل يدها وبادلته نفس مشاعر الاحترام من خلال المصافحة . وطلب منها ان تقبله فكانت نظرته نظرة طفل لديه جوع عاطفي .تقول لميعة في وصف ذلك الطلب :-
وسمرتْ نظرته الأبعاد
طفلا يرى في قبلة لجرحه ضماد
ينهي بها البكاء والعناد .
(المصدر نفسه ،ص 101)
هذا الوصف هو في الحقيقة نظرة لميعة إلى هذا الذي ضيع عمره في الأوهام هو الآخر . بينه وبين لميعة مسافات ومسافات لا يمكن عبورها . لميعة هنا تشفق عليه …تتحنن له ولكن أن يكون موضوعا للحب فهذا أمر غير وارد عند لميعة . صحيح ان مشاعر غزت لميعة غزوا هائلا لكنها مترفعة كالتمثال يعيش في صمت أزلي . فقط له سحر الإيماءة وعنفوانها . لميعة لوحة سوريالية بحد ذاتها . لقد أنضجت أجيال .. ومن المؤكد ان هذا الذي يمثل أمامها الآن هو واحد منهم . فكانت تلك اللثمة على جبينه . تقول لميعة في خاتمة القصيدة :-
لثمته‘
نفحة شلال بتموز على جبهته
مراشف الأمومة

لم يترك الدهر …..                 (آثار الحب )    من عندياتنا

بلى !
قد تركت قبلته في شفتي نعومة
(المصدر نفسه ، ص 102)
******************
هنا لميعة لا تستطيع إنكار الواقع  بشكل كلي .  وعلى الرغم من ان لميعة تريد في  مسار القصيدة ان تقنعنا أن قلبها لن يشغله أحد ولن يتربع على عرشه أحد . الا ان لميعة إنسانة قبل كل شيئ وتحتاج ما يحتاجه الناس وقد أكدت هي لنا بذلك ولذلك فهي تحتاج لأن تكون محبوبة من الغير وان تحب الغير وإلا لما كانت قبلته قد تركت نعومة على شفاه لميعة ولا أريد ان اعلق على هذه العبارة وما تحمله  من دلالة جنسية واضحة المعالم في تقديرنا . لكن في حالة لميعة فأن العنصر الأول من المعادلة هو المتغلب لدى لميعة . هي لا تحب أحدا ولكنها تريد ان تكون محبوبة من قبل الجميع وأن تكون راية لهم .

الهوامش :-
1-    د. الحفني ، عبد المنعم ، 1978 موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، ج2 ، ص 15 .
2-    د. الحفني ،عبد المنعم ،1992 ، الموسوعة النفسية الجنسية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، مصر ، ط1 ،ص 392 .  
shawqiyusif@yahoo.com
shawqiyusif@hotmail.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.