| طالب عمران المعموري : الزمكانية .. آليات المفارقة السردية في رواية “ريم وعيون الآخرين” للروائي عباس حداد .

القضايا المحورية التي ساهمت في تشكيل تحولات الحياة الانسانية في المجتمع الروائي هما البعد الثقافي والاقتصادي، والسياسي والتي يظهر فيها البعد الاقتصادي جليا ، فالظروف الاقتصادية الصعبة التي يحياها المجتمع ضمن بنية (حداد الروائية) وآليات المفارقة السردية في رواية (ريم وعيون الاخرين )

يحاول أن يضيء  لنا فترة تاريخية مهمة ما بعد احداث الكويت 1991  والحصار الاقتصادي ،اضاءة فنية بحته يستأنس بها القارئ لربط الاحداث والوقائع بالتاريخ الحقيقي ،رصد الملامح الاجتماعية العامة لتي سادت المجتمع العرقي ..

الرواية مفعمة بالزمن، تنوعت الأزمنة وتداخلت بين الماضي والحاضر واعتمد المؤلف أنماطاً من السرد وترتيبا زمنيا متواتراً يجتمع في حياة شخوص الرواية ، ويقف على مـواطن متعددة من الذات الإنسانية ، وخطاب الروح والوجدان ، ويعبر عن الذكريات الأليمة حيـث يطرح المؤلف أفعاله ومشاعره معروضة للقارئ ليتحمل معه عبء الـذكريات ويتداخــل معها، ويصور هذا الترتيب الزمني أيضا الواقع وصراعاته السياسية والاجتماعية والفكرية..

السرد وترتيبه ، وما لهذه التقنيات من دور في فهم الزمن وكـشفه ، لأن المؤلـف يستبق أحداثا أو يؤجل أخرى في أناقة وحلى لغوية استطاع بقدر كاف كبح جماحها وضـبط حركتها داخل زمن السرد أو الحكاية .

 

الرواية باعتبارها من الفنون الزمكانية الى حد كبير  هي رحلة في الزمان والمكان  وهي بذلك معنية بمتابعة الحراك الاجتماعي  والتغيرات التي تطرأ على الانسان على المستويين الفردي والجماعي

بناء الزمن (آليات المفارقة السردية الاسترجاع والاستباق) وكذلك الحركات السردية سواء ما كان متعلقا منها بتسريع السرد كالحذف والاضمار والتلخيص، أو ما كان متعلقا بتبطيء السرد كالوصف للإنسان او المكان  زيادة على الاشارة الى المشاهد الحوارية والمتحركة، الانتقال بين الماضي والحاضر او من الحاضر الى الماضي ، يستعرض الامكنة في مدينته ..

”  عندما خرجنا (ريم) و (أنا) من باب مديرية الامن واجهتنا محطة القطار التي بدت مهجورة من ساكنيها.. عبرنا الى الجهة المقابلة بناية مركز شباب الحلة ، سرنا باتجاه المدينة، تركنا الساعة التي أخرست عقاربها منذ سنين، سرنا بمحاذاة الأشجار.. والمحال ” 1 ص67

 يسترجع الزمن، يستعرض الامكنة في مدينته ، نهر الحلة، الجسر الجديد، مقهى سيد شاكر، حديقة النساء، شارع المكتبات، مكتبة الفرات، مكتبة الرافدين، دور السينما ، الجمهورية، الفرات ، الخيام .

الاسترجاع في الزمن  ص19 ” الابتسامة التي ترجعني الى ايام خلت يوم كنا نلعب قرب شجرة الزيتون التي غرسها والدانا في وسط بستاننا قرب نخلتي (البربن) المتعانقتين.”2

الظروف والقرائن المتعددة للتعبير عن الزمن ، كأمـس ، ويـوم غد ، الليلة ، البارحة ، الساعة ، التو ، الحين ، وغيرها ، خاصة وأن الاستعمال الاجتماعي للغة يفرض عليها التنوع و اللا حصر ، وهنا تظهر الوظيفة الأساسية للغة ، إذ يعبر بها عن أغراض متنوعة، كما في النص ص 53 .

” كانت ليلة من ليالي منتصف كانون ، والساعة تجاوزت السابعة مساء، وبالرغم من برودة الباحة، وعيون العسكر الذين يحيطون بنا، الا انني كنت منتشياً وعيناي نصف مغمضتين ، أعب رئتي بالهواء البارد، متناسياً شهوراً من الذل والضرب والجوع. حالماً بثواني معدودات من الاسترخاء في باحة مليئة بالهواء الندي ، والنجوم وقمر يلوح خجلا من وراء غيوم بيضاء متناثرة ، أوقفونا صفا واحداً، وراح آمر السجن يتفحصنا بعينين هازئتين، وبعدما أن رمى سيجارته وسحقها بكعب حذائه..”3

التعدد في الأزمنة إنما يدفعنا إلى التشعب و التفصيل في مفهوم الزمن , بعد أن سلمنا و لو بشيء وجيز من الشرح أن الزمن اللغوي ثمرة الجهود النحوية و الدراسات الأدبية و النقدية , كما انه ملازم للوجود اللغوي منذ وجوده الأول حين خلق االله تعالى اللسان .

نلمح بين الفينة والاخرى نماذج انسانية معذبة تقاسي الفقر والحرمان والاضطهاد ، في حين نرى في المجتمع نفسه أنماطا تستغل موقعها السياسي أو القبلي لمصادرة خيرات العراق .

كما في النص ص11:

“كنت قد توصلت وبما لا يقبل الشك الى ، أن حياتي تنحدر نحو هاوية سحيقة مميتة ، وتضاعف شعوري بهذا الاحساس برؤيتي لما حدث في القرية من احتفال ملكي أحيته مجاميع العازفين والمطربين والراقصين والراقصات اللواتي لا يستر أجسادهن ألا برقع أرق من  خيط العنكبوت .وزينت الأشجار ، ولونت ، ونصبت على جذوع النخيل المصابيح الملونة لتشكل مع الألعاب النارية، التي ملأت سماء القرية أقواس قزح تحيط بالبيوت من جميع الاتجاهات . ونحرت المئات من الاغنام . وأقبلت جموع المهنئين ليباركوا للشيخ سرحان بعيد ميلا د ولده وآخر العنقود (جمال ) الذي بدا ليلتها فرحاً مزهواً، منتشياً وهو يستقبل ضيوفه بكلمات الترحاب ، واطلاقاته التي حطمت جدران السكينة التي تلف القرية” 4

وظف (عباس الحداد) تقنيات فنية محدثة …مثل تقنية تيار الوعي أو تعدد الأصوات أو المونتاج السنيمائي….تعدد الاصوات البوليفونية  في الرواية وانعكاس ذلك على البنية السردية وقضية المسكوت عنه والمقموع في الخطاب السردي ، تبلور السرد البوليفوني مظهرا من مظاهر انكسار النزعة النرجسية والبيروقراطية لدى المؤلف وايمانا بتعدد الرؤى والاصوات الغيرية وبالتالي فهو يمثل تعميقا للمنحى الديمقراطي المفتوح للفضاء الروائي وبالواقع الاجتماعي وبالصراعات الايديولوجية والفكرية المحيطة به .

وقد ترك هذا المنحى المتعدد الاصوات تأثيره البنيوي على البنية السردية ذاتها.

شخوص الرواية ريم ، سرحان ،اسماعيل ،عبيد، هاشم ، الاضطراب الذي يتبدى على ملامح الشخصيات وحراكها نابع من الاحداث التاريخية والكوارث الكبرى التي تعرض لها العراق.

يرى “لوكاتش ” من كون الرواية عملا ديالكتيكياً يعكس الحياة المتصارعة وأشكال القوى الاجتماعية.5

 

رصد العادات والتقاليد الاجتماعية انسحب على ممارسات الانسان اليومية ، كالأفراح ، والاحزان وزيارة الاماكن المقدسة ودور العبادة

يحاول الكاتب اعادة صياغة الواقع او محاولة ايجاد واقع جديد من خلال خبراته المتراكمة الى المتلقي وبصرف النظر عن نمط الرواية

ان المجتمع بمفرداته الثقافية ونظامه السياسي والاقتصادي يظل المرجعية الاساسية التي يستقي منها الروائي ويعيد تشكيلها منطلقاً بالضرورة من موقف فكري ايديولوجي او رؤية خاصة بتجاه الانسان نرى ذلك جليا بصوت اسماعيل ص 66:

” أية معادلة لئيمة؟ الرصاص يغتال الرجال ، يغتال النساء، والاطفال ، يميتهم ، يسقطهم أرضاً، يسومهم بالشهادة، يغسلهم بالدم ، الدم الاحمر يملأ الشوارع، يملأ الساحات ، يملأ العيون ، ترفعه أكف النساء المفجوعة الى السماء ، الحناجر تصرخ ، القلوب تدك ارض المدينة. الشعراء ينزفون قصائدهم، التي تتغزل بحب الوطن ، أحلى القصائد ، يتلقفها الطلبة ، والعمال “6

 

الاحلام والامنيات:

غطى الحلم مساحة من (الرواية ) بدأ من نفسية الحاكم السياسي وانتهاء بالإنسان العادي البسيط الذي لا يكاد يملك قوته لا بشق الانفس

وهكذا فان كل فرد  في عالم الرواية يرى في حلمه واقعه المنشود الذي يسعى لتحقيقه وان فشل ذلك الحلم يبقى لديه دافعاً للأمل والاقبال على الحياة  

رؤية ( جاستون باشلار) “بأن الحلم قدر الانسان يسكنه ويلازمه ولا يقف الأمر عند ذلك بل يعده عصا الانسان السحرية التي تسلطه عّما يشاء وتمكنه مما يشاء ” 7

ولا يقف الحلم الانساني عند ذلك بل يبلغ من السمو والتقديس وفق رؤية “سلامة موسى” متجاوزا بذلك حالة النعيم والسرور التي يحققها 8  

أحلامهم جزء مقدس يمثل لهم هروبا من الواقع الذي آلمهم سياسياً واقتصادياً واجتماعيا ، يرسمون  واقعاً جديداً ينافي حاضرهم  المرفوض.

سرحان:

” ليس له في الدنيا سوى أحلام ، وأماني وكلمات مزوقة، رنانة لا تغني ولا تشبع ، عجبا لهؤلاء الناس الرعاع  الذين باتوا لا يجدون سوى الاحلام يجترونها ليل نهار.. أحلام لا يرددها الا المجانين”   9..ص35

اسماعيل:

“أحلام أجتر بها ما تبقى من أيام وليال ، مع انني ولأيام مضت وأنا أحاول جاهداً أن اقنع نفسي أن الشرط الذي وضعته (ريم) للزواج منها كان حلما، كابوساً ” 10  ص50

 

ريم:

” وأظنه كان يحلم أن يراني أقف أمامه كنعجة معدة للسلخ ، وفي أحسن الأحوال امرأة ، يائسة ، تضع يديها أمام وجهها ودموعها تنهمر بذلة”11

 

سرحان:

سمعت أحاديثه وأحلامه يوم كان يلتقي بحثالة الفلاحين الذين ظلوا الى هذه الساعة يلهجون باسمه ليل نهار وكأن اسمه تعويذة سحرية تفتح لهم الاحجية والطلاسم والمغارات .” 12  ص35

“عجا لهؤلاء الناس الرعاع  الذين  باتوا لا يجدون سوى الاحلام يجترونها ليل نهار .احلام لا رددها الا المجانين أمثاله ” 13  ص 35

 

المرأة  والاسرة :

نظراً لما تحمله من مساحة كبرى في الحراك، لعبت  بطلة الرواية شخصية  (ريم) دور المرأة الرمز بما تحمله من صفات  وما اكتسبته من ثقافة على يد اسماعيل (خال) البطلة ..

حيث كان يقول اسماعيل ص59″ أنا من حبب لها القراءة في هذا الزمن الأغبر. أنا من قص عليها ثورة الشعب ، والضباط الاحرار الذين طردوا المستعمر واذنابه ،أنا من عرفها بالشهداء الذين سالت دماؤهم على اسفلت الجسر، أنا من شرح لها ما يعني تجميع يهود العالم وارسالهم الى فلسطين ، وحكاية الوطن الموعود. أنا من افهمها ما يهني ان يترك الانسان وطنه وأحبته ، وأحلامه ، وعمله ، ليختار الغربة مطارداً بين الجبال والوديان ، والاهوار. لا يملك سوى سلاحه وبعض تمرات يابسات ، أنا من أرضعها مع الحليب كره الظلم ، والدكتاتور وأذنابه ، أنا من أفهمها: ان الانسان موقف. كلمة حق تقال ساعة الشدة واليأس. الانسان بموقفه، وبكلمة الحق ، التي يصّر عليها يظهر معدنه الحقيقي ، تظهر تربيته وحبه ,اخلاصه للناس الذين من حوله. وبذرته التي زرعها يوماً ، يأمل أن تنمو ، تكبر، يقوى عودها، ليكسر به مئات الحواجز، التي تعيق مسيرته العسيرة ، نعم أنا من ملأ رأسها الصغير بكل هذه الأحلام ، والامنيات وربما الكوابيس”14

دور(ريم) في تحريك الواعز الثوري والوطني والتمرد وكسر طوق الصمت والخوف المسيطر عليهم . حيث كانت تقول ص51 :

” لامجال للمساومة يا خال ، لم يعد بإمكاني الصمت بعد الآن . لم نصمت؟ ولأجل ماذا؟ يجب ان نسمي الاشياء بأسمائها الحقيقية ، أن نقول عن الابيض ابيض وعن الاسود أسود . ما عدت احتمل” 15

كانت البيئة الاجتماعية في كثير من الاحيان جانباً مؤرقاً للنظام السلطوي يسعى في كثير من الاحيان الى تمزيق نسيجها الاجتماعي المتلاحم ، فلم تعد العشيرة العراقية نظاماً قبليا نابعا من حاجة القبيلة ومتطلباتها الحياتية بل ظهر على النقيض من ذلك – نمط مُخترَق من قبل السلطة التي باتت  تعين شيوخ القبائل  حتى تضمن ولاءهم في جميع الاوقات.

المصادر

  • عباس حداد، ريم وعيون الآخرين،ط1، دار النخبة، جمهورية مصر العربية،2018 .
  • نفس المصدر السابق
  • نفس المصدر
  • نفس المصدر
  • راكز احمد، الرواية بين النظرية والتطبيق ، مغامرة نبيل سليمان في المسلة، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية،ط1، 1995 :18 .
  • ريم وعيون الآخرين ، نفس المصدر
  • نجوى الريحاني ، الحلم والهزيمة في روايات عبد لرحمن منيف، مجلة كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، مجلد 111 ، العدد 8 ، 1995 .
  • سلامة موسى ، احلام الفلاسفة، الشركة القومية للنشر والتوزيع، تونس،1961 :7-8 .
  • ريم وعيون الاخرين نفس المصدر
  • نفس المصدر
  • نفس المصدر
  • نفس المصدر
  • نفس المصدر
  • نفس المصدر
  • نفس المصدر
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *