| د. قصي الشيخ عسكر : دينار الحاجة رضية .

عندما استفاقت الحاجة رضية من قيلولتها لم تقع من – حسن حظي- عيناها على قطرة  قير صغيرة فوق الأرض أما أنا فكان لي حساب آخر معها.. يبدو أني ترصدتها.. كانت هناك أيضا بقعة ” قير ” صغيرة  في أصبعي الإبهام  لم تلتفت إليها أمي ، وكانت هي التي اكتشفت قطرة ” القير ” على الأرض فظنتها من بقايا عالقة  بحذاني حيث كنت ألعب في الشارع .

 لقد اعتادت  الحاجة رضية كلما أرادت التبضع السنوي وشراء المونة على أن تتوقف عند بيتنا في التنومة – شأنها شأن أهالي قريتنا  التي عشنا فيها قبل أن ننتقل إلى هذه المدينة –  فتتغدى عندنا وتسترخي فترة القيلولة ثم تغادر من دون أن تدري أني كنت أتربص بها هذا العام.

هذه المرة لمحتها من الشباك تضع رزمة النقود جنب رأسها قرب الوسادة وتنام  هادئة مطمئنة، لست أدري كيف راودتني تلك الفكرة إذ  سال لعابي للنقود فخطر في ذهني أمر ما ثم أخيرا حسمت الموقف من دونما تردد.. في أقل من لحظات جلبت عصا طويلة واستعنت بحر الظهيرة اللاهب و ” قير” الشارع بحثت عن بقعة ساحت تحت الشمس فغرزت رأس عصاي في عمقها .. تكونت لدي كرة من القير فوق الطرف الآخر للقصبة الطويلة  ..هرعت ثانية إلى الشباك.. مددت القصبة  بين القضبان ..بدأت أدفعها باتجاه رزمة النقود حتى التصق طرفها بدينار من تلك الدنانير الكثيرة  ومثلما يسحب الصياد الماهر سنارة علقت بسمكة  كبيرة  سحبت عصاي تلك …

عندئذ تنفست الصعداء… وتجاهلت بقعة القير عند  إبهامي..

كانت بقعة صغيرة جدا بحجم حبة العدس أكبر من التي تخلفت على أرضية المضيف وربما لم أشعر لصغرها بدفئها…

 لم تعد الحاجة رضية نقودها وهي تغادر بيتنا لكن والدتي استغربت فيما بعد من لطخة ” قير ” صغيرة التصقت بالحصيرة في غرفة الضيافة فظنتها فلتت من حذائي … رقعة صغيرة سوداء وجدتها في الليل تقفز من ابهامي فتتناثر على جسدي كله.. لا أدري لم فعلت ذلك. والدتي لم تمنع عني أي شيء.. هل هو مجرد العبث ثم هناك مشكلة ظهرت فيما بعد..

 ماذا أفعل بالدينار ؟

كيف أصرفه ؟

 وهو كبير في يدي كأنني سمعت أن راتب معلم مدرستنا عشرون دينارا في الشهر ، عشرون مرة بقدر هذا الذي في جيبي ، وسيارة مدير الناحية السلحفاة الذهبية الجميلة بمائة دينار.. فهل أقول لأمي إني عثرت عليه مصادفة في الطريق؟ كانت رقعة القير التي التصقت بإبهامي وتلك التي سقطت من طرف العصا على الحصيرة تزوراني في المنام.. لم تعودا صغيرتين بل كبرتا ورقدتا على صدري فشعرت بثقل يكاد يخنق انفاسي.. بالكاد فتحت عيني.. فرأيت أمي تقف عند حافة السرير قرب رأسي وشفتاها تتمتمان بصلوات ودعاء..

أمي سرقت دينارا من الحاجة رضية…

قلت ذلك وقفزت أعانقها كأنني أهرب إليها من لطخة القير التي كادت تحرق جسدي!

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيـــل عـــودة : نرجســــــية .

في رحلة طيران جلست شقراء جميلة جدا بجانب محامي كبير ومعروف، الشقراء شدت أنظاره. قال …

| حسن سالمي : “روحي ذبابة” وقصص أخرى قصيرة جدّا .

عفانا وعفاكم     وقفت أمام المرآة تتأمّل رمّانتيها العامرتين… تذكّرت النّظرات الذّائبة في هواهما، وقطاف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *