| صباح الأنباري : أداة السرد في قصيدة “ما ينقص شاعراً” .

(ما ينقص شاعر) عنونة انطوت على إشكالية ثنائية لا قرار لأي منهما ولا ثبات على واحدة منهما دون الأخرى وكأني بالشاعر لم يرد الاستقرار على معنى واحد، أو بوابة واحدة منها يمكن الدخول الى عالم القصيدة باطمئنان ومرونة. إنها سيطرة مرورية لغوية تفرض على القارئ التوقف عندها طويلاً أو قصيراً لا يهم فالمهم هو كيف يتخذ سبيله الى سبر أغوار القصيدة والكشف عن مطباتها والبحث عمن كتبت له أصلاً وهو بحسب نشرها في موقعي (بعقوبيون) و(النور) الأستاذ الراحل يوسف عبد المسيح ثروت الذي يرتبط بعلاقة أستاذ جليل مع طالب مثابر كان يوما ما تلميذه النجيب. ومن الواضح أن الشاعر اشتغل على قاعدة الفعل والفاعل الحاضران والمؤثران فيما بعدهما، ولهذا نجد أن العنوان الأول للقصيدة تمّ تركيبه من الفعل المضارع (ينقص) ومن الفاعل الظاهر (شاعر) وهي نصف جملة شرطية تتصدرها (ما) الشرطية الجازمة وقد غاب جوابها من العنونة وحضر في نهاية القصيدة، وهو ما اشترطه عمر الدليمي على الشعراء بشكل عام على الرغم من أن هذه الأداة تستخدم، بحسب النحاة، مع غير العاقل حسب. وفي المجموعة التي طبعت ضمن منشورات اتحاد الأدباء بغداد 2021 جاءت العنونة بشكل مختلف إذ تحول الفاعل الى مفعول به (ما ينقص شاعراً) وتغير شكل جملة الشرط ومعنى (ما) التي صارت هنا بمعنى (الذي) ويبدو لي أن الشاعر استقر على هذه الصيغة وحبذها لأمر ما أكثر راحة له وأقرب معنى لما يريد.

وبمناسبة ذكر الأستاذ ثروت لا بد لي أن أتساءل عن سبب بقاء اسمه في متنها وهامشها عندما نشرت أول مرة في الموقعين المذكورين، وغياب اسمه من المتن والهامش عندما نشرت ضمن المجموعة كاملة، فضلاً عن تغيير صيغة العنونة ونصب مفردة (شاعر) في الصيغة الحالية (شاعراً) بعد أن كانت مرفوعة في الصيغة الأولى. واعترف إنني لم افهم شخصية القصيدة كما فهمتها بعد أن عرفت أنها شخصية الرجل الفاضل الكبير يوسف عبد المسيح ثروت، ولا أظن قدرة القارئ كافية للاستدلال على ملامح هذه الشخصية وجوهرها لوجود مثيلاتها وان كانت نادرة عبر التاريخ. اشتغلت القصيدة على أداة السرد التقليدية (كان) كبداية لمقاطعها الخمسة، وعلى التأكيد المتكرر للفعل (ينقص) وربطهما بعلاقة جدلية على مدار القصيدة التي استقدمت بطريقة فنية شخصية الراحل الكبير يوسف عبد المسيح ثروت، واستهلها الشاعر عمر الدليمي بهذه الطريقة:

كان يجدر به إيقاظهم

الكثير من الموتى

مخلوقات أخرى كذلك

وأوقات

يريد أن يفهم ما حوله  

هذا الاستهلال الرمزي العميق هو صورةٌ أو بيانٌ لولادة مرتقبة في بيئة واهنةٍ آيلةٍ للخراب، وارضٍ يستدرجها الموات وتحيطها الآفات. في هكذا ظرف محيط مرتبك ولدت شخصية القصيدة بين موتى لا حراك لهم، ولا يرومون البدء بالحراك، وهذا هو وضعهم الدائم القائم على الخمول. أما هو فكان من يومه دائب الحركة متطلعاً الى عالم مختلف بيئته جبلت على الحركة والنشاط واكتشاف الآفاق. ومن يومه ارتقت في نفسه ضرورة القيام بديلاً موضوعياً عن القعود الذي جعل الحياة راكدة في مستنقع بدا زمانه آفلاً في مرحلة استهلكت مقوماتها وآن لها أن تدرك التغيير، والفرق القائم بين الولادة (يوسف) القصيدة وبين القديم جد يوسف الذي أراد له أن يتعرف على الذات العليا بالصلاة لكنه عاكس نفسه بالخوف فلم يذعن لأمر الماضي وولى هاربا من جحيم الحاضر قاصداً الحقيقة المغيبة وطريق الاستدلال إليها، تاركا ارثه الجامد الهامد وراء ظهره وهو يتطلع الى مرايا الوجوه وما تعكسه من ذبول، وذهول، وفشل. وبما انه جبل على خجل إنساني هائل لذا انتبذ أوهامه كملاذ له من قسوة ما رأى متواريا بذاته خلف قناع من الخوف كملاذ مقبول أو بديل مرغوب عن الأوهام. ولم نكتشف بعد أي أوهام هذه أهي أوهام الشخصية التي تناولها الدليمي أم هي أوهام الدليمي نفسه فقد ورد ذكرها في هذه القصيدة لوحدها ست مرات فضلاً عن ورودها مرات عديدة على مساحة المجموعة كلّها. وكأني بالشاعر الدليمي أراد التأكيد على مثولها بين ظهرانينا. ومن السياق السردي للقصيدة نجد أن الدليمي استعار ما ينقصه من أدوات السرد القصصي أو الحكائي فبدأ رحلة سرده بالفعل الناقص الشائع (كان):

“كان يجدر به إيقاظهم”

وتكرر هذا الفعل في هذه القصيدة خمس مرات بوساطته روى ما كان على الشخصية فعله ولم تفعله في خمسة مشاهد أو مقاطع: في الأولى حدد ما أوجبه عليها من ضرورة إيقاظ الموتى، والكائنات الأخرى، والأوقات، والتي كان يجدر بها النهوض بهذا الفعل لتفهم دوافع القسوة التي تحيط بعالمنا ولم يسأل أحد عنها حتى يوسف نفسه منذ البراءة الأولى وحتى تواريخ البراءات كلها.

لقد تحررت الشخصية مما يفرضه الماضي عليها لتجد طريقها الخاص الى الحقيقة، والى عالمها الفريد الذي شيّدته على الوهم أساساً غير ثابت، وما اشد المأساة حين لا تفضي مفاتيح العالم إليه وهي المربوطة بحلقة من الأوهام. 

كان يريد أن يدخل هذا العالم وفق ما أوهمته المفاتيح التي أشرعت دواخله للعابرين”

في هذا المقطع الشعري أو المشهد الدرامي بدت الشخصية متأرجحة بين الذاتية والموضوعية البحتة والا بماذا نبرر هذا الانفتاح غير المشروط على الآخرين؟ هل بالوهم ثانية؟ وهي سليلة الأوهام كما يقول الشاعر:

ألم اقل إنه سليل الأوهام يزرع برياتها ويوقظ الصباحات كل يوم على انكسار جديد؟

ومع كل هذا كانت الأشياء تتملص منه ليظلّ وحيداً “في بئر وحدته ينقصه الكثير” ليمحو من ذاكرته ما علق بها من وجوه غير مرغوبة ومثالب تحسب عليه حسب، وهو الباحث عن الحقيقة في عالم من وَهْم.

الشاعر إذن يروي لنا في كل (كان) حكاية غير تقليدية بالمرة استبطنت كينونة الشخصية، وأضافت عليها ما يجدر بها القيام به منفردة أمام هول العالم وأوهامه الكثيرة وبطريقة إبداعية تستدرج المخفي والمسكوت عنه بطريقة لا تخلو من الحس الدرامي العميق وهذا هو دأب القصيدة المحدثة عندما تستبطن سيرة ما فهي تتجافى مع السرد وتتقارب من المسرود ليظل السرد سردا والشعر شعراً، وتظل هي بينهما همزة وصل ذهبية.

أما ثالثة الأثافي (الأداة الثالثة) فقد ظل فيها الشاعر يفرض على شخصية القصيدة ما يراه جزءاً من فعلها الإنساني الذي يروم فك طلاسم الحقيقة الغائبة وعقدها الكثيرة ليظفر بحلمه الخاص بعد أن يتخلص من كل ما اتسخ به جدار أيامه من سحنات أثارت الدهشة، وموّهت على بطاقته الشخصية. وأثرت في لغته المتفردة إذ زادتها تفرداً في التسامي وتمردا على المألوف، ولم يستطع الآخرون فهمها “وهم ماضون كل لهجرته”

في الرابعة يذكرنا الشاعر بما كان ينبغي أن تفعله الشخصية أيضاً، وما فرضه الواقع عليها، وما أنتجه من حروب وصراعات ونزاعات كادت أن تمزّق صفوفهم المرتبكة، وتلقي بهم في أتون الجحيم؟ وقد تجسد هذا الفعلُ في التآخي الذي كانت الشخصية تنشده أملا في الحصول على جواز المواطنة الذي صاهر المستحيل وأدرج في قائمة المحرمات فلم يعد لها ما للبشر جميعاً، وقد عزَّ عليها كل شيء حتى الهروب من هذا الجحيم المستعر الى ركن السلام الذي نفض عنه الارتباك والاضطراب بنقاء صوفي خالص. إن اضمحلال قدرة الخلاص استقدمت فرصة كبيرة

“لقطعان كلاب كثيرة آخرها كلاب الديمقراطية أن تنهش من سلامه ما تشاء”

في منتصف هذا المشهد المثير دراميا تكررت جملة (التنقيص) لتتقاسم دورها بين غرز حلم سعيد ويوم يتهيأ لغرز ذلك الحلم. ولقد خرجت الشخصية من كل هذا دون أن تطأطئ رأسها أو تستعير شخصية واحد من كبار أو صغار المتنفذين أو الغاوين أو أولئك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يعيرون للحق اعتبارا واهتماماً.

“الغريب – ورغم كل ضعفه وهوانه – فقد رفض أن يتقاسم وكتبهم سرير الغواية وبقي يواقع نواقصه فتلد صحائف مما يكرهون”

 وبناءً على هذا تهيأ لهم رفضه على طبق من لذة ذهبية.

وسيرا على منوال المقاطع السالفة ورد فعل (التنقيص) عند المنتصف ثم أنتهت به سيرة الشخصية في نهاية القصيدة:

“ما ينقص شاعر، ينقصه الكثير، الكثير.” في النشر الأول و“ما ينقص شاعراً، ينقصه الكثير، الكثير.” في النشر الثاني. وقبل الختام تماهت شخصية الشاعر وظرفه مع شخصية القصيدة وظرفها أو لنقل إن الشاعر القى بظلال شخصيته على شخصية القصيدة وكأن السيرة واحدة غير قابلة للتجزؤ وهذا هو ما جعلنا نذهب الى الاعتقاد أن عمر الدليمي قد استبعد اسم ثروت من المتن والهامش لأنه أراد أن يتعامل القارئُ مع شخصيته هو كخالق للقصيدة، ومصْدر لأحداثها وأفعالها، وقائم بكل حركة من حركاتها. منذ ابتدأ نهر أوهامه يجري به بعيدا، ومنذ اخبارنا عن فتاة نقطة التفتيش التي وسمته بكلب الديمقراطية الذي لم ينحن للسيطرة، ومنذ صارت شوارع المدينة مزروعة بالرؤوس، وطافحة بدم الأبرياء.

لعل ما يقف وراء اهتمامنا بهذه القصيدة هو كونها الأنموذج الأمثل والأكمل لقصائد المجموعة كلّها مع أن هناك قصائد لا تقل عنها شأناً من حيث كم الأبداع المتحقق في كل منها. وربما ستتاح لنا فرصة لاحقة لتناولها والكشف عن مكنوناتنا وجواهرها الثمينة. تحية للشاعر عمر الدليمي وهو يتحفنا بجديده من القصائد المحدثة المهمة والأثيرة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *