|طالب عمران المعموري : سيمياء النص وكيمياء المادة في “قصائد خافرة” للشاعر شكر حاجم الصالحي .

وهج شعري ومعرفي ينفرد حاذقاً خالقاً لنا نصوصاً وصوراً إبهاريه متماسكة  منح للشعر وجعه واخلاصه  يعيد للشعر هيبته الجمالية بعد ان صار مطيه لكل من هب ودب  ..

الشاعر شكر حاجم الصالحي في احد قصائده ( قصائد خافرة) فمن خلالها يكشف لنا عن وعيه العميق ومرجعياته الثقافية التي تنطوي على القيم الانسانية من خلال نصوصه، فهو صاحب   نظرة شاملة الى الحياة بما فيها الانسان والوجود، بحثه المستمر عن الصورة الدلالية التي تعمق البناء النصي ، بصوت محترف عارفا بغايات ما يكتب..

اخذ على عاتقه مهمة الشعر والسعي الى تجسيد قضايا الانسان الازلية ومعاناته بكل ابعادها ، والنفاذ الى الواقع للكشف عن صورته السلبية وما يرافقها من تعرض الانسان للاغتراب

الشاعر الخفر حارساً حريصاً في عملية خلق  (قصائده الخافرة )  التي تمر في اثناؤها مراحل متعددة كما يوعزها الشاعر(يوسف الخال)1انها تمر بمرحلتين: مرحلة ما قبل المادة في عقل الشاعر ونفسيته كهاجس وهي بمثابة مرحلة اعداد وتحضير تتشكل فيها العناصر الاولية الخام: الالفاظ ، الصور، العواطف استعدادا للتشكل النهائي.

المرحلة الثانية: فهي مرحلة ما بعد المادة ويتم فيها التعبير المادي عما يدور في ذهن الشاعر ، حيث تتحول هذه العناصر الى كيان ، منسجم ومتماسك ومتبلور في صورته النهائية .

ان خلق القصيدة  عملية في غاية التعقيد والغموض ، وهي تشبه عملية الولادة الى حد كبير فهي اولا تبدأ بانفعال عنيف يشبه ما يحدث في المخاض.. ويشبه كيمياء المادة فكل “تفاعل كيميائي يتطلب موجودات ظاهرة تشكل حدي التفاعل للتحول المادة الاولية التي تبدو غير حية الى بنى اعمق الى عناصر لم تكن قبلا- اكثر نشاطا وحياة بفعل روابط وعلاقات خاصة تحكم زمام البنية الكلية ،كذلك التفاعل السيميائي النصي ، يعتمد حدي تفاعل قرائي ليتشكل من البنى البسيطة والجزئية الظاهرة ، بنى عميقة تربطها شبكة من العلائق اللامتناهية والتي يصنعها أفق المتلقي ” 2

(قصائد خافرة ) لم تكن عنونة القصيدة مجرد اضافة شكلية فارغة من المدلول وانما عتبة مهمة ومفتاح النص الشعري، عمل على استفزاز المتلقي بما يحمله من مخزون دلالي وذا دلالة ابداعية3

قصيدة  الشاعر عبارة عن لوحات صوريّة رُسمت بحرفية عالية وبدراية وبفنيّة فذّة ، وبتلك اللغة الشعرية استطاع أن يحلّق بعيدا ويشكّل قصيدة من صور ومواقف شعرية   التي يشتغل عليها في مفرداته  المرأة/ الرجل / المعنى / الاسئلة/ الزمان/ المكان /الموت / الحياة .

 نزوع الشاعر في نصوصه الى لغة الوميض الشعري فله ومضات جميلة بلغة شعرية  ذات ايحاء وتعبير شفاف ومسار ابداعي تأملي مبهر رؤيوياً مسكون بهاجس الابداع والانزياح العميق وبمفارقات لفظية نرى ذلك جليا في جمله :

قصائد خافرة/ تسرح تجاعيد أيامها/ هزيع هزائمها/ قبلة ميته/قهقهةٍ عانسه/ رقبة المعنى/ أنهار الأسئلة/ أوهامنا العاقلة/ حانة عاقره/ جمرة الوقت/ ندجّن أخطاءنا الخافرة/ أغنية راعفه/ عين الوقت/ حوت الموت/غروب المباهج/ مائدة الاحتمال

استهل نصوصه في (المرأة )والتي تظهر المرأة شريكا في هذه الازمة الوجودية فهي تعاني التمزق ،المرأة النموذج في بعدها الجسدي والروحي،  نص اقرب الى القصة الومضة بلغة شعرية بشروطها اذا اخذ بنظر الاعتبار الفاصلة المنقوطة بين السبب والنتيجة كما في نصه :

 المرأة التي كانت تسرح تجاعيد أيامها في هزيع هزائمها؛ لم تجد في الزحام سوى قبلة ميته وقهقهة عانسة.

 (1)

المرأة التي كانت تسرح تجاعيد أيامها

في هزيع هزائمها

لم تجد في الزحام سوى قبلة ميته

وقهقهةٍ عانسه

نصوص اختزل فيها  جماليات اللغة السردية التعبيرية , شحن المفردات بطاقة واسعة ودلالات متجددة تتجاوز دلالتها المعجمية، نستشف في شعره منذ البداية ان مفرداته تنآى تماما عن التقريرية اذ يعمد الى افراغها من دلالتها القاموسيه المألوفة لتتحول الى رموز لغوية ذات دلالات متجددة ومن خلال اطلاعي على  قصائده الشعرية..

عوالم الشاعر زاخرة على الدوام بإبداع فذّ ومقدرة عالية على تطويع اللغة وصياغتها بطريقة ابداعية وانصهارها عبر تشكيلات فنيّة تجعلنا نقف بخشوع وبـتأمّل عميق لما جاء به الشاعر .

أستطاع الشاعر أن يسخّر كلّ طاقات خياله معبّراً عن مواقفه وعن الذات الشاعرة وبثّ الروح في نسيجه الشعري من خلال البوح الذي بلغ أقصى حالاته عن طريق تعابير لفظية وإبراز مكنوناته النفسية ونجد ذلك في استهلاله(الرجل) في نصه:

(3)

الرجل الذي

وضع أنشوطته

في رقبة المعنى

والرجل الذي وضع المعنى

في معصم أنشوطته

اقتتلا.. اقتتلا

من فرط غياب المعنى

وإلى الآن

ما زالت أنهار الأسئلة

تتدفق حيرى

استخدم الإيحاء والتكثيف بطريقة ابداعية عبّر فيه عن مواقفه النفسية , كونهما من العناصر المهمة في بناء القصيدة فهما يلعبان دورا مهما في عملية الابداع ويمنحاها العمق والتأثير لدى المتلقي . نرى ذلك جليا في نصه :

(2)

يشرب البيت كأس أوهامنا العاقله

ثم يلفظنا

ـ يا لبؤس البيوت ـ

إلى حانة عاقره

فنمشي على جمرة الوقت

نقتسم الأسئله

هكذا

بهدوء مريب

ندجّن أخطاءنا الخافره

اللغة مادته التي يصوغ بها منتجه الإبداعي .. فلابد لهذه اللغة أن تكون قادرة على احتواء فلسفة الشاعر فهي لصيقة بالشاعر ومعبرة عن هوية كتابته وملكته الشعرية  هذه الملكة الغريزية بأنها تسدد خطى الشاعر خلال عملية الخلق في اختيار اللفاظ والصيغ التعبيرية الملائمة ،  تعكس لنا هذه المفردات المكتظة الازمة الحادة التي تعصف بذات الشاعر بمفردات تشع من داخلها لوازم إيحائية معينة تثرى المعنى بالدلالات والايحاءات وفي الوقت نفسه تتضافر مع الصورة الشعرية التي تحيط بها كما في المفردات :

(هزائمها، ميته، عانسه، أوهامنا، بؤس، عاقرة، جمرة ، مريب، اخطائنا، اقتتلا، غياب ، حيرى، آهته ، المتعب ، أشلاء، نزيف ، ماجنه ، الموت )  

الرؤيا الذي انجزها الشاعر بطريقة ابداعية يحكمه الاحساس العالي والبناء اللغوي للنص الشعري وما تمليه عليه رؤيته وفضاؤه التخيلي على نحو يتناسب مع فلسفته الشعرية، رؤيا شاملة تتناول شتى قضايا الوجود الاساسية والواقع والزمن  كما في نصه :

 (4)

عندما أطلق الوقت آهته وبكى

ابتسم الحارس المتعب

وراح يلملم أشلاء أغنية راعفه

وفي نصه ايضاً:

 (6)

لا أحد يسْمل عين الوقت

لا أحد ينحر حوت الموت

لا أحد لا أحد لا أحد

لم يبق سواي إذن!!

لا أسمع إلا صو…. تي!!

 نرى في النص رقم 5 و6 تراكم الافعال التي اضفت الطابع الحركي للصورة بما ينطوي عليه الفعل من قوة يكاد هذا الطابع الحركي والتوتر تنشئ حَراكا شعريا  و يعطي قيمة دلالية وجمالية للنص:    

  اطلق/ بكى / ابتسم/راح /يلملم/ يسمل/ ينحر/يبقى

 

اذا تأملنا تجربة الشاعر امتاز برؤية فردية كيانية تعكس تجربة شخصية خاصة فهو  شاعر مفعم بالإحساس المرهف متمكن من أدواته  له رؤيا انسانية يشكل الانسان فيها محور الوجود لذا يغدو الانسان في ألمه وفرحه حريته وعبوديته حقارته وعظمته حياته وموته هو الموضوع الاول والاخير في نصوصه..

قصـــائـــــــد خـــافـــــــرة..

 (1)

المرأة التي كانت تسرح تجاعيد أيامها

في هزيع هزائمها

لم تجد في الزحام سوى قبلة ميته

وقهقهةٍ عانسه

(2)

يشرب البيت كأس أوهامنا العاقلة

ثم يلفظنا

ـ يا لبؤس البيوت ـ

إلى حانة عاقره

فنمشي على جمرة الوقت

نقتسم الأسئلة

هكذا

بهدوء مريب

ندجّن أخطاءنا الخافرة

(3)

الرجل الذي

وضع أنشوطته

في رقبة المعنى

والرجل الذي وضع المعنى

في معصم أنشوطته

اقتتلا.. اقتتلا

من فرط غياب المعنى

وإلى الآن

ما زالت أنهار الأسئلة

تتدفق حيرى

(4)

عندما أطلق الوقت آهته وبكى

ابتسم الحارس المتعب

وراح يلملم أشلاء أغنية راعفه

(5)

في خريف النزيف

المبراة المرآة

أقامت لجارتها

حفلة ماجنه

وحين تشظيّ بريد اللسان

أطلقت نار أنيابها الكامنة

(6)

لا أحد يسْمل عين الوقت

لا أحد ينحر حوت الموت

لا أحد لا أحد لا أحد

لم يبق سواي إذن!!

لا أسمع إلا صو…. تي!!

(7)

قميصُ أيامِنا

قُـدَّ من اليمين إلى الشمال

فمكثنا في غروب المباهج

نتلظى على مائدة الاحتمال

بعد كل الذي قد جرى

من يمنح (الحدوتة)

خاتمة

لا… تقال?

المصادر

  • الحداثة عن يوسف الخال، رسالة دكتوراه سهيل عبد اللطيف محمد الفتياني، الجامعة الاردنية، 2010 .
  • محمد السرغيني ، محاضرات في السيميلوجيا،ط1 دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الدار البيضاء ، 1978 .
  • جميل حمداوي ، السيموطيقا والعنونة، مجلة علم الفكر ع 3 يناير/ مارس .
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد جودة العميدي : الذوق الفني والحس الجمالي في مجموعة : ( حدائق النهار ) للشاعر العراقي الكبير ناهض الخياط .

احتراف الكتابة الشعرية رهين بامتلاك تجربة ثرية تصقلها السنين عبر قانون التراكم المعرفي The law …

| د. فالح الكيلاني : المنـاقـضـــات والمعـارضـات في الشعـر العـربي .

بســــــــــــــم الله الرحمـــن الرحيــــــم ( تــمـهــيــــــــــــــد ) . الشعر العربي لسان الامة العربية ووسيلتها للتعبير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *