| أحمد فرحات : قراءة نقدية عن ” ضرورة المظلة (الشعر) في المسرحية ” للشاعر محمد عبد الهادي .

(لم يمت لي أحد اليوم
لكنني -كالعادة- أترك النوافذ مفتوحة
وأتخيل أن الذكريات سوف تسيل
على مهل يكفي لالتقاط صورة واضحة.)
 
حيث يمكن الدخول إلى الحالة، وتهيئة القارئ؛ يفاجأ بأنه قد قطع أمتارا عدة في أربعة سطور فقط، سطوره الكفيلة بإرغامك على التمادي في القراءة، التفسير، الجدل أو ربكة نافذة في العقل منذ البداية.. دعوة صريحة وواضحة للخيال، الخيال المصنوع في اللفتة الأولى على باب القصيدة. عند العتبة، لابد أن تتخلص من أفكارك المسبقة وتدع له الفرصة لطرح صورته.
(الموت عاطل هذه الأيام
بينما الذكريات
تعبر مثل سفن راحلة
ولا نستطيع استبدالها بكتاب أو لوحة.)
 
هنا تنتهي القصيدة، بعدما يكون قد مرر لنا صورة كاملة عن جلال الموت، الموت باعتباره ذكرى تعسة ل “أمهات مشغولات -ربما- في المطابخ”؛ فتنتهي من قراءة أول الصفحات بهدوء وتعود فتقرأ القصيدة ثانية، بروح أخرى وبمحاولة تعريف الموت بشكل مواز لما تحمله في رأسك من معارف وخبرات عن الموت فتجد أن من بينها صورة الموت التعسة بالضرورة التي نقلت لنا في القصيدة. القصيدة التي يفتتح بها كتاب تجربته (المظلة في المسرحية) هي مقدمة تعني بلغة يقدمها الشاعر بصفاء وسهولة كسرد ممسرح في صورة شعر خالص.
 
الشعر يكمن في الجملة، السطر المحبوك كما لو فصلته يد صانع ماهر في القياسات، صانع يهندس الجملة ومنها للكتلة، هنا بالضبط حيث الشعر مهارة للمفاجأة، الشعر كقصيدة نثر، يكتبها بقانون خاص، قائم على تقنيات سردية كالوصف، الوصف باعتباره رابطا هنا بين الشعر والمسرح في قصائد، تهتم بإظهار مفردات العنوان الدال للدخول إلى اللعبة.
 
بالجزء الأول من الكتاب يخبرنا بعنوانه أنه سيتحدث وينشغل بالموسيقى التي لن يسمعها الموتى. فهل حقيقة لا يسمع الموتى الموسيقى، بعدما عرفنا أن العميان يمكنهم تفسير بعض الألوان؛ فعلينا إذن أن نشك في كون الموتى لا يمكنهم سماع الموسيقى، الموسيقى كمفردة من مفردات عالم المسرح الذي ينبغي أن تظهر فيه المظلة (الشعر) ليكتمل البناء، “كذكريات معلقات على حبل غسيل”.
 
(حينها فقط، “هامش: السرد يتخايل في الرأس لكنه سرد مغاير”
لن تفاجئني الرائحة
أو تعذبني فكرة (ماذا يمكن أن نفعل بالموسيقى؟)
ومع ذهن صاف هكذا
سأخبرك أن الله قد نسي أن يطعم الفقراء
لسنوات.)
 
استمع له هنا؛
 
(حتى أنها لن تلاحظ الموسيقى
التي تمر بخفة من أمام المدفئة
أو جوار شجرة عيد الميلاد)
 
انشغال كامل لإيضاح أن للموسيقى حضورها الطاغي، حضورها كموسقة للجملة الشعرية لديه، ولفهم عام لرنين الآلات لتنتج الموزيكا. فكرته الأولى التي يود لنا أن ننتبه لها، انشغال خالص بالفكرة ومناقشتها، رمي دلالات وتوصيفات ترتبط بها، تهيئة كاملة لفكرة؛ أنه يبني عالم المسرح في القصائد، عالم المسرح المفكك لعناصر يتلاعب بها الشاعر، حتى في اختيار عناوين القصائد، ترى أنه اختيار يتضمن المسرح..
 
(لكن انظري الآن
لقد توقفت الموسيقى
ولم تعد لنا ذات النظرة المشتهاة)
 
التأكيد على تصاعد الفكرة دراميا داخل قصائد الثلث الأول من الكتاب، يشبه، تماما، التصاعد الدرامي في المسرح، في المقطع السابق تبدأ علامات الفكرة (الموتى، لا يسمعون الموسيقى) في التناهي للقارئ بصورتها الفلسفية الكاملة؛ تتوقف الموسيقى عندما تموت النظرة المشتهاة، الاشتهاء/ الحياة/ المموسقة، تنتهي لابد جميعها معا في الروح والجسد الميت، هكذا يقدم محمد عبد الهادي فكرته داخل شكل القصيدة المرتبطة بالآداء المسرحي..
 
(لأن الموتى، ببساطة، لا يسمعون الموسيقى
ولا يهتمون باليد
التي لوحت كثيرا حتى فقدت أصابعها.)
 
في هذا المقطع من القصيدة الأخيرة (غاردينيا) بالجزء الأول، يؤكد لمرة أخيرة بكل وضوح على فكرته كمسرحية فككت لثلاث فصول كل فصل يؤدي فكرة ومشاهد غير متفقة مع السرد الموضوع في الأجزاء الأخرى لكنه في النهاية، كما سنرى، سيتكون الكتاب من حالة تعني ضرورة المظلة في المسرحية. الربط في كل القصائد بين الصورة والصوت من خلال أداة التشبيه المخفية أنتج شعرا صافيا خالصا، ينبغي التوقف عنده، شاعرية من لغة خاصة جدا ومنحوتة بجدارة متسقة مع الحالة الدرامية لتصاعد الفكرة داخل سياقها وتتفق مع النبر الهادئ غير الصاخب لآداء عبد الهادي الشعري. نحن هنا أمام تجربة محفورة بعناية..
 
القصيدة التالية؛ من الجزء الأول،
كنموذج..
 
>> انحناءة رأس مناسبة
 
قال، في غمزة واضحة: الفتاة، تلك التي تجلس أمام عربتي القديمة،
هي (چيني روز ووتر)!”
كان هذا قبل أن أعد انحناءة رأس مناسبة
وأفكر فيما سأقوله لك في الصباح.
ساعتها، سوف تحدقين في المرآة، بينما أخبرك عن الفراشات التي سرقتها من أحلامك؛ كيف سهرن معي، وكيف طيرنا رائحتك من النافذة، بعد أن ربطنا ساقيها بخيط طويل.
لن تغضبي بالطبع، لأنك تعرفين كيف لا أطيق النوم،
كلما قال “(چيني روز ووتر)!” وابتسم
سوف يدخن وهو يراقبها
مغمضة العينين، وعارية تماما
مغمضة العينين، وبلا أي فرصة ليناقش معها أفكاره
وربما سوف يوقظها
ليسأل في دهشة: ماذا يمكن أن تفعل امرأة وحيدة
في صباح مثل هذا؟!
وسوف أضطر أنا لإخبارك، أن المرآة، هي الأخرى، تحدق بك
وأن رائحتك بلا جناحين
لكنها تطير كالفقاقيع
كلما قال “(چيني روز ووتر)!”
وابتسم.
 
مظلة وحيدة ومعطف ثقيل؛
إن الإصرار على بناء تجربة شاعرية مختلفة لهو عين التجريب؛ انشغال الجادين في صناعة مشروعهم الإبداعي، المشروع المؤثث كلمة، كلمة، وجملة، جملة، ونبرة، نبرة. تأسس المشروع الإبداعي في (ضرورة المظلة في المسرحية) على محورين أساسيين: الشكل (قصيدة نثر بقوانينها المحققة مسبقا مع قليل من التجريب) المرتبط بالآداء المسرحي في التصاعد الدرامي داخل كل قصيدة والبنية التركيبية للكتاب ككل، إذ نجده ينقسم إلى ثلاثة أجزاء (فصول) كل جزء يؤدي الغرض منه لنصل في النهاية إلى المحور الثاني عند اكتمال التجربة، وهو مضمون ضرورة المظلة (الشعر) في المسرحية، صناعة وحرفة بديعة تتجانس مع روح تعني بكل شعور بشري من خلال عرضه المسرحي في فصوله الثلاثة (الموتى لا يسمعون الموسيقى)، (مظلة وحيدة ومعطف ثقيل)، (بروتوكولات الأشجار والأرصفة) وكأنه قد وضع الفكرة الرئيسية (الشعر الصافي المبتدع) في المنتصف من التجربة وسبقها بالموسيقى وأنهى التجربة بالمدخلات التشكيلية والسينوغرافيا.
 
(الذراع التي ترفعينها، بغتة،
فتتركي للنوارس فرصة الطيران من تحت إبطيك
كم تشبهين، ساعتها، ذلك الصمت المتوتر، بعد قبلتنا الأولى،)
 
في قصيدة (پان كيك)، هذا النص الساحر في صوره، إيقاعه، خطابه الحميم وتساؤلاته البريئة، يسعى ليلعب به الشاعر دوره في رسم الشعر كمظلة في المسرحية وان تكون المخاطب إليها، مظلة، أيضا..
 
(لهذا، وفي الصباح
بينما تتناولين (التوست) مثل طائر جميل،
وصغير،
أرسم حلما،
أنت مظلته الوحيدة
وأنا معطفه الثقيل!)
 
لا داع من اصطناع المعرفة، لا داع من ابتذال المفردة، هكذا.. وبكل هذه البساطة يرغمك محمد عبد الهادي على القراءة والاستمتاع، على إعادة القراءة وطرح الأسئلة، على الفخر بأن الشعر يكمن في الفردي والذاتي، لا الجماعي والخطاب الكوني، هو يكمن في الصوت الحر، المنغم بقانونه الخاص، المصنوع بحرفة والمتداعي في الآن ذاته..
 
(أنا لا أحد،
لذا، يمكنك أن تفكري، الآن، في أشياء أقل أهمية؟
مثلا، أن الفقراء في بلادي يأكلون من القمامة.
أن الجنود، يقتلون بلا سبب،
بينما الله في غفوته الاعتيادية.)
 
في هذا الجزء (الفصل) من الكتاب، يختفي الآداء المسرحي إلا من الشكل العام المتبع في الكتاب، لكنه يختفي من القصيدة؛ لتكون هي البطل، أو الفكرة الرئيسية التي حمل الكتاب اسمها، أن يكون الشعر ضرورة، وضرورة غاية في الأهمية والعذوبة داخل المسرحية..
 
(الغيوم كثيفة اليوم،
النوة في أوجها،
لكن المطر ذهب مع حبيبتي
ولم يعد!)
 
وينتهي هذا الجزء بقصيدة تؤكد لمرتين على أن الشعر يكمن في الذاتي، اليومي، الخاص والمجرد؛ فقصيدة (هوية) يعود فيها إلى الآداء المسرحي بحوار صريح كديالوج يكشف فيه عن شخوصه، تتماهى فيها الشاعرية بالسردية البحتة، بالآداء المسرحي من جديد، لينتج نصا يؤكد به على ضرورة الشعر في المسرحية..
 
(عشرة صواريخ،
كلما أطلقتها، صرخوا: يا أحمق، هذا
ليس شعرا!
ومظلة)
 
فمقطع كالسابق يثير القارئ سواء العادي أو المنشغل نحو إعادة القراءة، التوقف والفحص، لتجريب الفهم باللعب مع اللغة والتقطيع الصوتي ومحاورة الشاعر مرات ومرات..
 
(الأصدقاء، اللذين تركوني على طاولة الشعر،
بلا ذكرى جيدة..
الأصدقاء القدامى
تساءلوا: وما ضرورة المظلة في المسرحية؟!)
 
من بعدها يفتح على نافذة الجزء (الفصل) الثالث في الكتاب؛ عند هذا السؤال اللحوح، السؤال الأوحد الذي عنون به المجموعة، ويفرد له المساحة الأكبر داخل التجربة، إذ نجد أن الجزء الأول والثاني ينفرد لهم نصف الكتاب، بينما (بروتوكولات الأشجار والأرصفة) الجزء الأخير يفرد له نصف كامل..
 
القصيدة التالية؛ من الجزء الثاني،
كنموذج..
 
>> بالون
 
أغمضت عينيها، وقالت: أنت تغامر كثيرا!
فهمت ساعتها، أنني لا اعرف السباحة بشكل جيد.
كيف فشلت البريسترويكا سريعا؟!
سألت نفسي..
مكاوي سعيد مات،
سقط قناع صديقي،
وحبيبتي، أعجبها البالون
الذي أفلت من يد الصبية، وطار إلى الغيوم
فأفلتت يدها من كفي..
يااااه..
علي أن أتعلم السباحة، منذ الآن!
 
في مدخل الجزء الثالث من المجموعة الشعرية البديعة، نجد الشاعر يؤكد على لعبة المسرح، لعبة المظلة في المسرح، اللغة المراوغة حمالة الأوجه، يرى أنه من الضروري العودة في كل صفحة لتأكيد فكرته التي يقف مدافعا عنها بكل سطر يكتبه، يحمل كل سطر هذا التأكيد على البساطة، الذاتية، الآداء المسرحي، ضرورة الشعر (المظلة) في المسرحية.
 
بروتوكولات الأشجار والأرصفة؛
حيث الوصف والسردية الكبرى، تترابط مع ذكرى الأماكن، الحنين، أثاث المكان المرتب على مسرح القصيدة، غواية السرد في الشعر هنا، تتضخم لتجيب عن سؤال (ضرورة المظلة في المسرحية)، ولتؤكد على هذا الآداء الشعري الفريد والتجريب شديد الخصوصية عند محمد عبد الهادي بطاقة لغته البسيطة والجمالية في الآن ذاته..
 
(هكذا عالمي:
لا يمتلئ بالبيوت؛
ولا يبحث عن صيغة جديدة
لا امرأة، نمت -فجأة- في الشارع الجانبي،
وتركت صدرها لإشارات المرور؛
عالمي مثل محبرة فارغة..)
 
يعطي العنوان، يستفيض في الشرح، يصنع الصور، يتنامى الخيال أكثر، تتضح الصورة، تجد نفسك بلا شعور غير منفصل عن الجو العام الذي وضعك بداخله الشعر..
 
(للانتظار دكنة بلا يقين؛
يمكن للذاكرة أن تصير تاريخا،
ويمكن للمرأة في الشارع الجانبي أن تمتص الفضاء
وكأن اللحظة لن تعبر أبدا؛
سطر واحد
-كمرارة الفقد-
تواطأ مع البنايات في عزلتها:
“ولا أنا أدينك”.)
 
في الجزء الأخير وبوضوح شديد، لا يمكن الحديث أكثر، يمكن فقط القراءة والاستمتاع بالتفاصيل، بالصورة، بالوصف، بالشعر والسرد، بالمسرح وموتيفات المكان، بالسينوغرافيا الرمزية شديدة الجمال، يمكن الاستمتاع بالقدر الكافي حتى أنك تخرج من تجربة الكتاب، هذه، متشبعا من القراءة لأيام، أيام طوال. ويبقى أن أذكر، فقط، إعجابي بهذا الولع بالوقف والعلامات وسلاسة الانتقال. وصغر حجم المجموعة الذي يغري بالقراءة الأولى، لكن سرعان ما تعرف أنك تورطت وغرقت في بحر قراءة موسعة وعميقة، شديدة الخصوصية والجمال.
 
القصيدة التالية؛ من الجزء الثالث،
كنموذج..
 
>> كأسماك صغيرة في حوض استحمام كبير
 
الآخرون
لا ينجزون شيئا
لأنهم رومانتيكيون جدا
ويقطعون الحياة في تأمل الوقت
الذي لن يكون إلى جوارهم أبدا
يتحدثون عن ابتسامتي
التي تحمل عذوبة مؤلمة
حد الإفراط..
ابتسامتي
التي أمضت الحياة بلا قميص واحد لائق
لا تقف -الآن- في طريق من يتعثرون بي؛
لأنها ترى العالم من نظارتها الشخصية
بينما المساء يمر
بلا عينيك
 
□ محمد عبد الهادي؛ شاعر، مسرحي ومترجم مصري
□ أحمد فرحات؛ قاص، ناقد ومحرر أدبي
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *