| فوزية اوزدمير : حضورية التحليل النقدي التجديدي في “لوحة صامتة ترسمها الضوضاء” للشاعر العراقي سعد الساعدي.

حين يحمل بين جناحيه هذا الإيحاء المتخيل والمفكر والمتذكر..

في قصدية المعنى لوحة صامتة ترسمها الضوضاء ..

 يقارع نشوة الشعور الداخلي والخارجي المرمز بسردية مكتنزة الانزيحات والاسقاطات على حد سواء..

 في نسيج جسد النص ، ما دامت العتمة استرخت ، بعد نهارٍ شاقٍ ، قرب

 ” خضر الياس ”

بواقع المأساة وصداها جواب الاستفهام ، بهذه التراجيدية الإنسانية التي تسقى بدم الموتى وتتلحف سواد السماء ..

 إلى حد تصير معها المفردات والكلمات والتعابير أوعية لسانية ، تستغرق حدة المعنى وقطعية الدلالة ونصية التأويل وحيثية مردها هذا الاختيار الأستيطيقي الجمالي الذي بناه شاعرنا ، وطبيعة الرؤية التي تعتمر قبعة الحوار مع العالم ، والروح التي ينفثها في هياكل السيكولوجية المتشخصة ، وقسوة الأحوال التي تكتنفها ، واعتلال النفس الذي ينفخ فيه من أهوائها ، ومرارة مذاق الأشياء في لسانه ، وقيمة الحياة في صوغ مدار الكلم وتوجيه مقاصد دلالته ..

التي مزقتها زفرات بعض الغانيات

اللواتي جلبن عصافيرهن البريئة ،

وبعض حقائب صبغتها ألوان العفّة المُجهضة ..

حيث يفتح فعل القول عالماً خاصاً لمتلقيه ، يشاطر العلاقة ما بين فعل القول والفعل التخييلي بمخيال الواقع ، معتمداً على فلسفة اللغة في الهدم والبناء ، داخل التشييد النصي بعلائقه اللغوية المفتوحة على التأمل والتأويل ..

في حين كانت سيارات الأعراس تتراقص لخيبتها ..

وبياض الملابس الشفافة ..

تركت صلاتها عند أول خطوة

قرب بيوت المَسكَنة

بانتظار حلمٍ متفسّخ

حين يتلاقح وضرب المدلول في الخطاب ومجازاته الانشطارية ، حيث تتشعب هذه الوحدة التشاكلية التي غالبا ما تبأر في مسرح للأحداث وما يعمر ترابه من حقيقة فظة للفواجع وحصاد سخي للأرواح ، قد ينظر الله للعراق من هوة ، وينفخ ببعض الوقت لتغير كسوة السواد

.. لا أدري .. ربما ؟؟ !!

يغتني هذا المسار الدلالي للذات ، ليكشف لنا عن حياة موشومة بذاكرة حروب تتمسك بقوس قزح إلى أن تخونها الشمس وتبقى وحيدة تحت المطر ، أو تتعرى من أوراقها وتتجرد تماما حين عبر عنها د . الساعدي بثلاث

– انقسام الجسد

– القسوة الوجودية

– وانقسام المعرفة بفكرة المطلق

للتعبير عن الخيبة والقطيعة في الموجودات

 هو لا يؤثث لتصور فلسفي متجانس في نسقه الشذري وإنما ما يطلق عليه ” الرؤية المأساوية للعالم المحيط بجوانبه ..

يتلمس المتلقي حينئذ نمط هذا الوجود المؤلم ، فيسكن بيت اللبس القائم بين دراما المسافة ودهشة الفضاء الواقعي ، أو بين البقاء على عتبة المكان وعتبة المسافة ” البعد ” كإشكال توسطي للاتصال بين شيئين

فالعري فاق الخيال ، والعهر يتخلل الحياة في كل مظاهرها وعنفوان نسغها ، في ما يشبه دورة للدم مستمرة غير منتهية في الزمان والمكان ، حيث لا ينتج عن هذا الوضع إلا مشاهد الفناء وإيقاع الدمار وتنامي كتل الخراب واشتغال آلية الصور الجنائزية الكالحة ..

لأن المشهد مكرر

دام لك الإبداع  د . الساعدي

………………………

النص:

……

لوحةٌ صامتةٌ ترسمها الضوضاء

سعد الساعدي

لوحة صامتة ترسمها الضوضاء ..

سعد الساعدي

أوراقٌ مازالت مبللة كألوان الطواويس تميّزت حماماتها،

 مرفوعةَ الرؤوس يمشينَ  منتفخات الصدور،

 طرزّنَ كلَّ غرورِ المساء قلائدَ،

 وتعطّرنَ بأنفةٍ زائفة

 تَتْبَعهُن غربانٌ كسيحة من شارعٍ لآخر..

 اللصوص لم يخافوا تلكَ الليلة؛

 فارقوا كؤوس نذالتهم وامتطَوا جيادَ الشهوات.

 بشغفٍ كان جالساً

 يرسم بلا عين ترصده الى من ينتظرون النفّاثاتِ

 في مصائد شعوذاتهنّ..

 حتى الأشجار أماطت لثامَ عريها

 تنتظرُ الاستباحة الملعونة

 مادامتِ العتمةُ استرخت

 بعد نهارٍ شاقٍ من انتظارِ مواويلِ الكذبِ المنسلخِ من مستنقعِ الشّرورِ والدناءة

 حتى قطّعَ  أنفاسَ الصّباح المتّسخ،

 لكنه كان هناك..

 صبرَ وصمدَ طويلاً؛

 ربما نفدت سكائره،

 وقنينة الماء بقربه آذنت هي الأخرى بالرحيل،

 وما زال يراقب تلك الطيور العارية،

 ويلونها بألوانٍ صنعها في مختبراته الخاصّة

 بخليطٍ من مواد تجميلٍ مغشوشة.

 قُربَ (خضرِ الياس)،

 تحت واحدٍ من جسور بغداد المثقلة بأنينِ الحواجز،

 وكدمات اللون الممسوخ في ساعات الغفلة،

 هناك مزارٌ لمن أتعبه العشق اللاعذريّ،

 أحاطت به أسلاكٌ الخيانة الشائكة دائماً

 التي مزّقتها زفراتُ بعض الغانياتِ اللواتي جلبنَ عصافيرَهنَّ البريئة،

 وبعض حقائبٍ صَبَغتها الوانُ العفّة المُجهضةِ

 بانتظار سمسارٍ برائحة العاهرات وملابس بلا كرامة،

 وفي جوارٍ كئيب يجلس بائع الحلوى البالية

 بلحيته الطويلة التي بيّضتها أثقال السنين الغامضة

لعل احداهنَّ تتوحم مع دناءة نفسها وتشتري قطعة!

كشفت الأضواءُ الليليةُ عورةَ من ينادي شوارعَ صوته المتخاذل،

 وبؤس جيوبه المترعة

 في حين كانت سياراتُ الأعراسِ ترقصُ لخيبتها،

 وبياض الملابس الشفافة تركت صلاتها عند أول خطوة

 قرب بيوت المَسكَنة

 بانتظار حلمٍ متفسّخ

 قبل أن ترفعَ ألوان تبرجٍ موهومٍ مترفٍ بحفنة من ورقٍ بالٍ،

 وقطعٍ بلونٍ أصفر يصيب العيون بعمىً ليس بوقتيٍّ..

 حاول أن يخفي لوحة رسمه،

 لكنه قرر الانتهاء،

لأن المشهدَ مكررٌ!”.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *