| أحمد محمد فرحات :” المنكوح ” رواية من لا رواية له.. الكتاب الأول ل نسرين النقوزي..

 
– توطئة؛
مداخل كثيرة يمكن منها المرور لعالم الرواية وقراءة المتن المبهر، وهنا الإبهار ليس مصطلحا ترويجيا للرواية؛ لكنه فعلا طموحا، متحققا، ظاهرا وجليا بكل صفحة يقابلها القارئ من لحظة الإمساك بالكتاب؛ فالغلاف، اختيار العنوان والإهداء، جميعها تتشكل ضمن المتن المتماسك المبهر الذي يطالعه القارئ منذ دقيقته الأولى مع الرواية، وضمن هذه المداخل، يعد العنوان (المنكوح) عتبة النص الأولية الناجحة التي تغرد مبتسمة وضجرة في الآن ذاته، لتؤدي دور الصوت المتردد في أذن القارئ طول فترة تلقيه الرسالة (الشفرة/ السياق/ الصلة)، فللكلمة أبعاد عدة، مختلفة، تتردد في عقل كل قارئ، على اختلاف شريحته، ثقافته، تكوينه المعرفي والأيدولوجي، فكما يوضح القاموس المحيط لمعنى الفعل (نكح)، أنه فعل مجرد من الباب الثالث، الذي تتصف معانيه بأنها متعدية لمفاعيل متعددة، ونكَحَ يَنكَح نِكاحًا، فهو ناكِح، هي ناكِحَةٌ والمفعول (مَنْكوح)، ومن معانيه أنه: زواج الرجل والمرأة أي العقد المبرم بين طرفين مهما كان نوعهما، وهو الوطأ، النيك، المعاشرة، المباشرة، المضاجعة، المباضعة، العفوج والإيلاج، وهو اختلاط المطر بتراب الأرض، وهو غلبة النعاس على العيون، وهو مخامرة الدواء للإنسان أي سيطرته عليه وغلبته؛ لكن مع تعدد المعاني التي تؤدي جميعها في النهاية لفكرة الاختلاط والتزاوج، والتي تسيطر على رأس أي قارئ تقع عينه على عنوان الرواية (المنكوح)، فإن المتبادر إلى الذهن في هذه اللحظة، أننا أمام نص سيصنف كرواية أيروتيكية، وهو ما ينسفه المتن الروائي، فلا فعل أيروتيك واحد يجده القارئ داخل السرد، مما يجعله يعاود بمحاولة جديدة لفهم المراد من المفردة المعنونة بها الرواية، وهنا نجد تقنية تتبعها الكاتبة واستراتيجية لتوريط القارئ في العودة مرات لقراءة الرواية وكشف مستوياتها ومحاولة الاستمتاع باللعبة المتجددة في البنية السردية الخفيفة، العميقة والممتعة.
 
لا يمكن إنكار، أبدا، صدامية العنوان لبعض عقول القراء العرب، ولولا هذه الصدامية لم يكن للرواية أن تبدأ الصفع منذ لحظتها الأولى، كما تذهب النقوزي في طريق اختيار المواجهة مع العقل العربي الجامد ومحاولة خلخلة رؤاه القاصرة في تناول التهميش والإبعاد والتحقير للآخر، الآخر مهما كانت هويته أو انتماءه، دون تسليط الضوء بأخذ صورة لقطاع عرضي في حياة من الحيوات كما تنبني معظم الروايات المتداولة عربيا، بل باتخاذ صورة لقطاع طولي لحياة شخوص لن يتمكن القارئ أبدا من تخمين وجودهم الفعلي، لأنها خلال هذه الرواية أوقفت الزمن فعليا وصنعت حالة زمنية تسمى في الفيزياء الرنين، رنين بين الحاضر والمستقبل (حاضر الشخوص ومستقبل الفكرة) على غير المعتاد في البنيات الزمنية للرواية وهو ما يؤكد على تفرد هذا النص الأدبي في حقل الرواية العربية؛ فمع العنوان (المنكوح) كعتبة، اختيرت بعناية كمفردة تحمل عدة دلالات في الذهنية المعرفية الخاصة والجمعية، وكمفردة تحمل صوت متدارك شديد الصلافة، وكمفردة وحيدة تتصدر غلاف الكتاب، يجد القارئ الأعمى (أقصد بالقارئ الأعمى؛ المستهدف غير المثقف، الباحث عن كتاب للتسلية) نفسه مشدودا لاقتناء الكتاب ظانا أنه سيجد رواية أيروتيكية، فيصفع منذ الصفحة الأولى، لكنه حينها سيجد نفسه دخل عالم يخرج منه مؤمنا، بضرورة الانتباه لكونه منكوحا داخل منظومة قيم المنطقة (الشرق الأوسط) وعليه أن يبدأ في المواجهة، مواجهة مع من همشه واستبعده وقمعه؛ في مواجهة السلطة بكل صنوفها. فنحن أمام عنوان صادم، تأويلي، متعدد الدلالات، والأصوات، ومع كل ذلك جاذب للقارئ.
 
إن ما يميز هذه الرواية، المنتجه ككتاب في حدود المائة صفحة، هو شبكة العلاقات الداخلية والخارجية، الصريحة والضمنية التي تبنيها النقوزي فيما بينها وبين القارئ المحتمل، وبين الراوي (الرواة) والمروي له، شبكة منمقة بشدة، تجعل القارئ/ الناقد في حيرة داخل النص ليقوم بعملية تحليل الأحداث والشخوص ويفحص الربط بين الحكايات، ليرى بصورة واضحة ما تؤدي له هذه الشبكة من العلاقات؛ ليرى ويفكك كيف تمت عملية بناء هذه الرواية، هل صيغت بما يمكن أن نسميه التداعي الحر للأفكار! هل البنية المركبة بين الرسائل والخطاب السردي الداخلي (المونولوج) ناجحة ووحيدة! هل تم جمع الحكايات ورصدها من الواقع للخيال أو العكس! وهل الرواي الذي يظهر عليم وغائب مرة ومشارك طول الوقت، نجح في عدم إرباك القارئ! لكن في النهاية سيجد الناقد نفسه أمام رواية تجريبية ناجحة في خلق كون يتم وسيتم تمرير الأفكار فيه بمنتهى السلاسة، ويجد بنية مركبة ناجحة تترك له الفرصة ليتلقى الخطاب السردي والرسالة بمنتهى الأريحية، يجد تفاعل بين الأفعال النامية والقارة، معتنى به، ينتج فرصة حقيقية للاستمتاع والقراءة. يجد القارئ/ الناقد رواية تمت صياغتها وإبداعها باتقان وصدق، منذ عنوانها، ولوحة غلافها (خيبة الأمل؛ مهداة من الفنان العراقي؛ سيروان باران عارف) التي تدخل في البناء؛ لتجلي الصورة عن المنكوح، أنا وأنت ومجيد.
 
– السحر والفنتازيا واللعب الرشيق؛
تأتي قوة الرواية (أي رواية) من تعدد التقنيات التي يستخدمها الكاتب ليثبت القارئ في مقعده حتى ينتهي من القراءة دفعة واحدة وهو إن حدث مع رواية فهو أعلى درجات نجاح الرسالة/ الشفرة. وبقدر ابتعاد القارئ عن الكتاب/ الرواية أثناء القراءة بقدر ما يمكن أن نقيس جودة المكتوب، وهذا لا يختلف من قارئ لآخر؛ بل من كتاب إلى آخر، إذ نؤكد في عمليات التحليل أن الرواية الجيدة هي الرواية التي تشد انتباه القارئ من الرف لتصبح بين يديه كائن حي، وبقدر حيوية السرد بقدر ما يصنع الكتاب صلته بالقارئ، وهو ما تميزت به رواية (المنكوح)؛ إذ تأخذك منذ لحظتها الأولى على الرف فلا تتركها إلا بعد انتهاء القراءة دون توقف، فالرواية من نوعية الكتب التي تدفع القارئ لفض غلافها في الطريق وقبل أن يصل إلى مقعد القراءة؛ فالكاتبة استخدمت أكثر من تقنية، وأجادتها، لا يحدث ذلك كثيرا مع الكاتب في كتابته الأولى، وهو ما يدفعني ويدفع أي ناقد، للحديث عن الكاتبة هنا، باعتبار ما صنعته في روايتها الأولى عملا متفردا؛ فاستخدام تقنية سرد الأحلام ومشاهد الفنتازيا، وبناء صور سحرية على مدار الرواية يؤكد على القوة الغريبة التي تمحو الأشياء الموجودة في النص كواقع وتحيل الواقع إلى خيال والعكس، ليتم صناعة كون روائي خاص يدلل على أن الحكاية في الرواية لا تخص شخوصها، الكاتب، أو أحد معارفه؛ بل شخص كل منكوح في المنطقة الممتدة من الشرق (سوريا) إلى الغرب (الأمازيغ)، واستخدام تقنية السحر في السرد، كان ناجح في تحويل الواقع إلى خيال والعكس وأبدعت فيه النقوزي بشكل كبير، وسنلاحظ في فقرات قادمة كيف استخدمت نفس التقنية لتتلاعب ببنية الزمن من حين لآخر.
 
[خرجتُ كي أتمشّى في الشارع بعد عزلةٍ دامت طويلًا، الشوارع مزدحمةٌ، سيمفونيّة (بحيرة البجع) تصدح من مكبّرات الصوت في كلّ الأزقّة. صوت الأذان يسمع من بعيدٍ.. أجراس الكنائس تدقّ بسرعةٍ وانتظامٍ بصوتٍ عالٍ جدًّا…
بدأ المطر ينهمر عليّ… الرعد يزمجر ويلمع في السماء. رفعت رأسي فرأيت شهابًا على شكل امرأةٍ جميلةٍ.. تشبه حبيبتي. سمعتها تئنّ مع لحن السيمفونيّة. أصبح النغم حزينًا جدًّا. واستحال المطر سيولًا.
ركضتُ من الخوف، نظرتُ ورائي فإذ بملايين النساء يلحقن بي.. نساءٌ لهنّ نفس الوجه وشكل الجسد: شقراواتٌ كحيلات العيون صغيرات الأنوف مثلّثات الأفكاك بلا تجاعيد.
ضحكن عندما رأين الخوف في عينيّ، فبدت أسنانهنّ متراصّةً كحبّات اللؤلؤ… لا عيب فيهنّ… فما بالي أرتجف من الخوف… أحسّان؟
تعرّين بلمح البصر، لا عضو تناسليًّا لأيٍّ منهنّ… من خلق هذه المخلوقات ممنوعاتٍ من الإنجاب؟ ولماذا تنظر إليّ الأنثى الوحيدة من فوق بين ظلال الشهاب…
أغمي عليّ.. توقّف المطر… سكتت الموسيقى.. صعدت روحي لمصافحة امرأة الشهاب… اقتربَت مني، أخَذتني من يدي وحملتني معها.
لم أكن أعلم إلى أين أنا ذاهبٌ مع خليلتي… لا يهمّ المكان، تبًّا لها…
أخَذتني إلى محلٍّ لبَيْع الهدايا..
العُشّاق في الخارِج يلبسون الأحمر ويحملون الهدايا…
اختارَتْ علبةً صغيرةً عن الرفّ. وقالت لي: ادفع ثمنها…. أشَرْتُ إلى البائِع أن يُعطيني ما طلَبَت، فإذا بها علبة سجائر فيها سيجارتان فقط، واحدةٌ لي وأخرى لها…
كلّ هذا في كشكٍ صغيرٍ…. نقطةٍ لالتقاء العَوالِم.]
 
فبناء مشهد كالسابق يأتي ضمن سرد مروي بلسان البطل كمونولوج داخلي في سياق رسالة متبادلة مع البطل الثاني داخل عالم خيالي يميل إلى السوريالية التصويرية والتجريد، تجريد الفكرة من كل ما يحل فوقها من ثياب الواقع وتركها حرة، عارية يتلقفها القارئ.
 
تكرر الأمر في أكثر من مشهد وفي مناطق محكمة داخل البنية السردية للرواية، فالكاتبة قامت بدورها تماما كساحر/ شامان، وصنعت شبكة علاقات فنتازية على مدار الرواية، كما في المشهد السابق؛ إذ تجاوزت السرد في سياقه الطبيعي ليلعب الأدب هنا دوره المتعلق بمصير الإنسان، بنبوءة اجتماعية تزداد وضوحا في الفصول التالية، بعد أن يكون الشخوص قد تجردوا تماما، في مواجهة القارئ، وتمت عملية بناء الكون الروائي كاملة، ليتضح أنه كون منفلت من معايير الواقع، ذلك أن الطريق الواقعية، طريق التشابه والتقليد، تبلغ صفة الجمالية عندما تتضمن سحرا، شعرا أو طيف قرين، ما تحقق هنا بصوره الثلاثة في المشاهد الفنتازية على مدار الرواية، إذ نجد الجمل الرشيقة المموسقة تنضح بشاعريتها لتناسب الحلم الفنتازي فيصنع لوحة سحرية تعبر عن طيف قرين للبطل الراوي المشارك.
 
– إعدام البلاغة القديمة؛
إن كل ما يتعلق بالحيل التي تستخدمها النقوزي أو الراوي بأصواته المتعددة الذي ينوب عنها لعرض الشخصيات، ترتيب الزمن، تحديد زاوية النظر إلى كل شخصية، القطع الزمني، توزيع الأدوار، سكونية أو تغيير الصفات والطباع السيكولوجية لدى الشخصيات، ثم ما يتبع ذلك من تسلسل منطقي للمتواليات الحكائية وتبادلها، كل هذه الوسائل والحيل تعتبر صورا أساسية أسلوبية لتنويع الكتابة الروائية اعتمادا على صناعة صورة تتميز بالخرق الدلالي المنطقي، باستثارتها لمكونات الذات الإنسانية؛ لأنها صورة تنتج كرؤيا داخلية، تنشأ من الواقع العادي، بقدرتها على تمكين الذهن من النفاذ إلى آفاق عليا من الحرية، التجديد والتماس المتعة القصوى في استخدام الملكات الفريدة للرأس المبدع والتي لم يسبق للغة عقلية تحريرها على الإطلاق؛ إذ يلجأ السارد في أغلب الأحيان لاستخدام البلاغة القديمة لبناء صورة جمالية لغوية تشد القارئ إلى نصه ليمرر من خلالها فكرته؛ حررت النقوزي صورتها الجمالية من تلك الأساليب البلاغية المعتادة والمتراكمة في كل النصوص السردية باختلاف نوعها، إلا النادر منها، بالطبع، صورة تجاوز الزمن والمكان، تعبر بما هو عفوي عابر، وبما هو جوهري دائم، صورة تميزها الحركة، والوصف الذهني، لتشكل الصورة الكلية للرواية.
 
لجأت الكاتبة، في أغلب البنيات الجمالية، لاستخدام الصور التعبيرية السوريالية، إضافة إلى الصور السيكولوجية لوصف الشخوص، وابتعدت؛ بل أعدمت البلاغة القديمة، لتناسب، البنية التصويرية في الرواية، حداثة وتجديد الأسلوب، الخطاب السردي، لتتناسب جميعها مع معالجة بنية الرسائل في نفس الآن؛ فالابتعاد أو إعدام البلاغة القديمة ظهر بوضوح في انعدام الصور الرقيقة المفخمة كما جرت العادة عند تناول المكان أو الشخوص.
 
في أغلب الروايات المطروقة، طوال القرنين الماضيين، اتكأ الكتاب على التشبيه كبنية صورة أساسية، ولجأ البعض للاستعارة والرمز، وتنوعت تلك الصور الجزئية لتكوين صورة كلية، ما بين الجمالية المفرطة في استدعاء الخيال، يرتكز فيها الروائي على تاريخ طويل من الشعر ومعجمه، فاقتحم الشعر (ليس بلغته الفنية؛ بل بواحد من مكوناته الأساسية في الشعر التقليدي المطبوع لقرون طويلة، كبلاغة تعتمد المجاز والتشبيه) السرد الروائي دون وعي من الكاتب؛ فالذاكرة التي يلجأ إليها الكاتب العربي محملة بالشعر (ليس عيبا) وتقفز من رأسه كلاشيهات اللغة المترسبة دون أن يدري. غير أن البعض تميز قليلا في مراحل متقدمة باستبعاد هذه اللغة أثناء عمليات المراجعة قبل النشر، قبل أن تظهر تقنيات الحذف والتكثيف، لاحقا في السرد الروائي العربي، وهو ما تم إعدامه كليا في منهج الكتابة الجديدة، المنهج الذي ظهر مع تيار الوعي في فرنسا منتصف القرن الماضي ومازال الكتاب العرب في محاولة لتدارك الفاصل الزمني بين التطور الحداثي الرهيب في السرد على مستوى العالم، ليس كل الكتاب العرب، بالطبع؛ فلا يزال هناك ركام هائل تنتجه دور النشر العربية يعتمد أسلوب قديم متهالك في البناء الروائي كلغة وتقنية.
 
قصدت الخروج في الفقرة السابقة، والحديث عن مقارنة بين الكتابة التقليدية والكتابة التي تنتمي لها رواية (المنكوح)، والفقرة على طولها تعتبر جملة واحدة تفسيرية لما يمكن اختصاره، أيضا، في جملة: أن رواية المنكوح أعدمت البلاغة القديمة إعداما كليا، واستبدلته بالوصف المشهدي المحكم الصياغة، مع إضافة بعض المشاهد الفنتازية (دون إقحامها؛ فظهرت كأنها وحدة منتمية لمجمل السرد) بلغتها الساحرة كما قلت من قبل.
 
لصناعة المشهد بإحكام، يلزم سرده بدقة، ولسرده بدقة يستلزم رأسا يدرك كل جملة يكتبها، وكل كلمة يختبر انوضاعها داخل الجملة، رأسا يعي، يرى، يعري، ويحلل المشهد عدة مرات قبل أن يصبها داخل القالب الروائي، وإن دقق القارئ في كل مشاهد الرواية، سيجد بوضوح أن لا كلمة تزيد أو تنقص في عملية صياغة المشهد، ليقرأه/ يراه كما لو كان شريطا سينمائيا ممنتج في أفضل معامل التصوير العالمية؛ إذ أن الصورة المنقولة من نيجاتيف عقل الكاتبة إلى شريط السرد السينمائي محكم الصياغة والبناء كما لو أنه صور على مراحل؛ أثناء القراءة قفزت إلى مخيلتي مذكرات المخرج الفذ شادي عبد السلام وكيف أنه صور أفلامه السينمائية بكاميرا فوتوغرافية قبل أن ينقلها لشريط سينمائي، كيف صاغ المشاهد بكامل الإضاءة، الملابس، الديكور وفريق التمثيل، أمام كاميرا فوتوغرافية قبل أن يصورها كفيلم سينمائي، فقد قفزت الفكرة تماما بنفس تفاصيلها عند قراءة الرواية للمرة الأولى، محاولة التحليل والغوص فيما وراء الكتابة ومتابعة المشاهد المصاغة بقدر هائل من الإحكام والصنعة والرشاقة والتفصيل المخاتل.
 
– القبح وتشكيله للحصول على فن؛
يعد الحديث عن القبح في مواجهة الجمال بشكل فلسفي، أمر في غاية التعقيد؛ فلا معايير واضحة لإطلاق الوصف بالقبيح أو الجميل، فما يراه واحدنا جميلا، يمكن لآخر أن يراه قبيحا، والعكس صحيح، أيضا؛ يتوقف الجمال والقبح عن أن يكونا متضادين؛ إذ نجد جمالا في القبح، وقبحا في الجمال، مما يعني أن الجمال لن يقصى بل سيدرج في مركب يتضمن ضده، هذا ما ظهر عند نسرين النقوزي في صياغة رؤيتها الخاصة، حيث ينبثق انفعال لدى القارئ من قرف متجمل، وكما تعلمنا من أرسطو، فالشعور الجمالي يسمح بتحويل القبيح، المعاناة، الألم والموت إلى انفعالات جميلة/ سعيدة، دون القضاء على المعنى الواضح منها، إذ أن الحرب مثلا، كما في رواية (المنكوح)، عملا في مجمله مقيت لكن يحمل الجمال والقبح في الاتجاهين، وهو ما نراه في سرد يرويه الراوي الأساس، وأحد أبطال الرواية (حسان)، السوري المنغمس في حرب نظامية ضد مسلحين، وصفهم دون اقتناع داخل السرد باعتبارهم أعداء، لكنه في ظل وصفه للحرب بالقبح، تطفو عبارات جمالية على لسانه عندما يتعلق الحكي عن الحب، المشاعر الشخصية، أو مجرد التفكير في الحياة كما كانت أو كما ستكون.
 
[أنا وحدي ورائحة الموت تفوحُ بدل رائحة البارود والحرائق. الجثث تحت الأبنية المدمّرة باتت طعامًا لبعض الثعالب والكلاب، وحتّى بعض الهررة الّتي توحّشت من أكل اللحم البشريّ.
 
فمنذُ ثلاثة أيامٍ وأنا وحيدٌ آكل البيضَ المسلوق، أعبّئ ماء الشرب من القبو ثمّ أعود مجدّدًا إلى الطابق الّذي أسكنه.
 
أذهبُ الى مكانٍ بعيدٍ أحفرُ حفرةً في التراب وأجلس القرفصاء لأتغوّط وأنا أنظر حولي خوفًا من تسلّل عقربٍ أو زحف بعض الأفاعي أو من أن يهاجمني كلبٌ مسعورٌ.
 
لا شبكة إنترنت أو وسيلةَ اتّصالٍ إلّا إن وقفتُ على حافة الحائط في سطح المبنى. عندها فقط أستطيع أن أتوفّق بشبكةٍ وأتلقّى رسائلي. أقرؤها على عجلٍ وأنزل كي لا أقع…. أصوّر المحادثات المهمة كي أتفرّج عليها ليلًا وتؤنسني… هاهاها المحادثات… ليس هناك إلّا رسائل من مجيدٍ، هو وحده من يكلّمني ويشتاق إليّ.. ويعُدُّ أيّام غيابي.]
 
تعد الاختيارات الجمالية في رواية (المنكوح) شديدة الحساسية والتردد بين الجمال والقبح، اختيارات تشي بذكاء الكاتبة في تمرير فكرتها عن التهميش، الإبعاد وإقصاء بل وقتل الآخر. اعتمدت تقنية بعث الجمال في القبح على مدار الرواية لتأكيد ومناقشة أفكارها، أفكار عبرت عنها في صياغة تروى على لسان أبطالها، أبطالها المشابهون لكل البشر في منطقة الشرق الأوسط، بل ويمكن أن تتشابه ظروف عيشهم مع باقي البشر في ظل النظام الرأسمالي بمنهج النيوليبرال، نظام فرض على حسان الحرب، والتسلط الأبوي من قبل، مما وضعه في موضع المنكر لكل المعتقدات، كما حدث مع مجيد الذي يعاني مع أصدقائه عمار، عبجي، جلال والصالح؛ إذ وضعت النقوزي كل شخوصها في قالب/ علبة التعبير عن الجمال بالقبح، فهذه الثنائية كانت أحد عوامل بناء الحدث وطرح الفكرة والتأكيد عليها وبعثها كسؤال تمرره لكل القراء، دون إجابة واضحة أو مباشرة منها إلا بالوقوف بشكل نفسي في جانب شخوصها مما يعبر عن تضامنها بل ودعمها المفتوح لمعاناة البشر المتمثلين في شخوص روايتها، كموقف إنساني واختيار جمالي، تتابع حيواتهم عن قرب لذا لامست في كل شخوصها ثنائية أصابت عمقها الذاتي فعبرت عنها بوضوح وتمكن كواحدة من تقنيات عرض أفكارها.
 
كان القبح جليا تماما في وصف حياة مجيد، كما كان واضحا تماما في تعامل حسان مع الحرب، تعامله مع تسلط أبيه، مع موته، ورغم هامشية الشخوص الباقين إلا أن حالة التعبير عن ثنائية الجمال/ القبح في حيواتهم تركزت بشكل كبير، وبشكل مقصود من الكاتبة، فظهرت الفكرة كما لو أنها، الكاتبة، تصر على تأطير التهميش؛ لتشير في وجه القارئ بمضخم الصورة: أننا مهمشون وأنت، أيضا، والجميع حولك يعاني الاستبعاد، وها هو القبح الذي يهرب منه البشر، نحاول أن نجمله بأرواحنا، كدليل ساطع على قبح التهميش، وجماليته في الآن ذاته، تجمله ليمر كسؤال في ذهن القارئ، كمثير حسي يدفعه لإنكار فرصة ان يكون الإقصاء جميل، وعليه، القارئ، كل قارئ أن يخرج من الرواية طارحا لأسئلته، محاولا الإجابة عليها.
 
وضحت هذه التقنية الفجة في استخدام ثنائية الجمال/ القبح منذ اللوحة على صدر الرواية، لوحة (خيبة الأمل)، للتشكيلي العراقي سيروان باران، والمتأمل في اللوحة والتي اعتبرتها ضمن المتن لما تحمله من دلالة التهميش (الشخوص داخل الرواية لا نعرف صورة واضحة لهم)؛ فاللوحة المختارة بعناية واضحة، لواحد من أشهر التشكيليين العرب، بتفاصيلها القليلة وملامحها المخفية عن عمد (كالشخوص داخل الرواية، تماما)، بوجه ليس فارغا من أعضائه بل مكشوط، أي ما يعبر عن كونه كائن تم شطبه، إخفاء ملامحه، بالقصد، مع دلالة الإحباط على الجسد المتهالك فوق الكرسي المنهار، وتظهر اللوحة في وسط الغلاف كطلل، بشكل كلي، وببساطة تعمدتها الكاتبة بمعاونة الناشر ومصمم الغلاف ليخرج معتمدا، فقط، على لوحة سيروان، وبخطوط سلسة وألوان هادئة محايدة، ليقع في يد القارئ كما خططت له النقوزي، غلافا كلاسيكيا، غير ملفت إلا بلوحته المعبرة عن (كل منكوح) الشخوص داخل الرواية؛ فالإنسان المحبط المصور على الغلاف، هو مجيد، أصدقاؤه، حسان وأبيه، وربما يعبر عن تهميش الكلب، الديك، القطط، وغيرها من شخوص تعاني ما تعرض له الكائن المرسوم في وسط غلاف الرواية، أنا، وأنتم بكل خيباتنا.
 
– موت المؤلف، حقيقة هنا؛
كيف كتبت الرواية..
في ظل المقاربة بين الهدف القديم والأثر الحالي، علينا أن نطرح سؤالا: هل ما هدف إليه رولان بارت من لا محدودية تأويل النص، قد تحقق بشكل مغاير؟ ويمكن الإجابة: لكن دون قتل الكاتب؛ بشكل عام تحقق تأويل النص دون قتل الكاتب في النصوص الأدبية (عدا الرواية) بسبب تطور وسائل النشر، فأصبح الكاتب صباح مساء ملاصقا لنصه أمام القارئ على وسائل التواصل التكنولوجي؛ فبكبسة زر، فقط، يمكن لك أن تتواصل مع الكاتب، أي كاتب، مهما بعدت مسافته عنك؛ لكن على العكس أيضا من الإجابة السابقة المقاربة، حول النص والكاتب، نرى في أحيان نادرة بعض الكتاب (كما في حالة نسرين النقوزي) تحقق فكرة موت الكاتب بحذافيرها، فرواية (المنكوح) بوصولها على رف المكتبات، تكون قد انتهت العلاقة بين الكاتبة وبين النص، وانتقلت تلك العلاقة فيما بين القارئ والرواية؛ فما تقدمه الكاتبة من صورة غير تقليدية للكاتب على مواقع التواصل، وصفحات التكنولوجيا، يؤكد على ابتعادها كليا عن تنميط صورة الروائي/ الشاعر/ المؤلف، ويضيء على قطع يد الكاتبة عن نصها، إذ أن سيرتها الشخصية (البيوغرافيا المدونة عن الكاتبة تعدم صورتها تماما وتخفي حقيقتها عن القارئ)، حياتها، تنمحي في الوقت الذي تصبح الرواية كائن حي يتحرك مع القارئ، فلا يمكن أبدا تفسير النص أو تأويله بالاعتماد على معرفة مسبقة بتفكير أو توجهات النقوزي، ولعل هذا يتبدى بعد تداول الرواية، ومقارنة صورة الكاتبة وعلاقتها بالمكتوب، ليفهم القراء والنقاد معنى موت المؤلف المتحقق في هذه الحالة؛ وقتما يصير القارئ فعليا مشاركا، فاعلا في النص، بل وعرابا له.
 
نجحت النقوزي في بنية الرواية، عناصرها الثابتة والغير ثابتة؛ بتوزيع أقسام الحبكة (خطوط متوازية ومتقاطعة تم فك شفرتها في نهاية الرواية)، وإقامة التوازن بين الوصف (كعنصر أساسي في توضيح مهارة الكاتب) والحوار والسرد (كمونولوج)، وتنظيم المتواليات القصصية من خلال التناوب، التوكيد، توليد التضاد في مشاهد الحلم والفنتازيا، فكل حكاية، إذا، تفترض اتفاقا بين طرفين عل بنود معينة، تبدأ بتعيين الراوي والمروي له (طرفي الرسائل المتبادلة، مجيد وحسان)، وتنتهي بعلاقة الحكاية بالحقيقة. ولا تجري الحكايات كلها عند النقوزي وفق هذا العقد الصريح، ولكنها تفترص شيئا منه ولو ضمنا، وإذا كانت حكايتها لا تملك إمكانية الحوار المباشر، كما في أغلب مونولوجات شخصية حسان، كالحكاية الشفهية، في ما يرويه مجيد/ الكلب بشكل خطاب حواري/ ديالوج؛ فإن النقوزي تعقد اتفاقها مع القارئ ضمنا من خلال ما يمكن أن نسميه قواعد القراءة الخاصة بكل نوع أدبي.
 
إذا نظرنا إلى المواد التي تملأ جعبة النقوزي، قبل شروعها في الكتابة، لتفسير كيف تم صياغة الرواية (المنكوح) بهذه الدقة والتدقيق، لوجدنا ركاما من الوصف، الصور، الأخبار، الوثائق، البطاقات، الرسائل، الصفحات المسودة بالمذكرات الشخصية، الكلام المنقول والملاحظات المختلفة (يمكن للقارئ استنتاجه)؛ إذ يستشعر في بنية الرواية إخفاء والسكوت عن الكثير من تاريخ الشخصيات، هذا الركام وسواه يشكل المادة الأولية التي تناولتها النقوزي، رتبتها وألصقتها ببعضها البعض، مع المحافظة على صورتها البدائية، بما يتناسب لتقنية إلصاق المادة الأولية مع تقنيات أقرب للمدرسة السوريالية ومنهج الكتابة الجديدة للرواية في فرنسا، فاتباع الإلصاق بالتقريب بين المقاطع، الجمل، الفقرات، والجمل غير المكتملة مع فواصل (النقاط الثلاث المستخدمة أثناء السرد) أو المساحات البيضاء/ الفراغات بين الفقرات، الصفحات الفارغة في المتن، ورغم ما يمكن أن يعتبره بعض النقاد التقليديين فوضى؛ إلا أن هذا الرسم المناسب لكل تقنيات كتابة النقوزي الغير تقليدية يخفي قواعد تنظيم غير معلنة.
 
>> الرنين، بنية الزمن في رواية (المنكوح)؛
انوجد الزمن في الرواية منفصلا عن زمنيته، حيث يتكسر مسار الزمن، يتوزع على أزمنة عدة، يتداخل مع بقية العناصر الروائية ويتحول من المستوى البسيط المألوف للتعاقب والامتداد التصاعدي إلى مستوى معقد، تداخلت فيه المستويات الزمنية من ماض، حاضر ومستقبل تداخلا عجيبا؛ فاختفى الترتيب المباشر، إذ انتقل الزمن مع نسرين النقوزي حسب ما تقتضيه الضرورة الفنية، فلم يعد الزمن في روايتها عنصرا مستقلا، يمكن تحليله بعيدا عن باقي أدوات الرواية، الرواية الجديدة تحديدا، بل يتخللها، ليكون الهيكل البنائي.
 
اتخذت بنية الزمن في الرواية أسلوب السيلان المستمر للماضي باتجاه المستقبل، وراهنت على أن كل لحظات الحاضر ما هي إلا إضافة جديدة تنضم إلى ما كان موجودا من قبل؛ فالزمن في (المنكوح) يعتبر كرة ثلج كلما تدحرجت بداية من جملتها الأولى (أمست الساعة الثامنة إلا عشر دقائق، سيسجل دخوله بعد عشر دقائق) كبرت أكثر؛ فما يمكن أن نطلق عليه حاضر داخل هذه الرواية يتكون في حقيقته من ماض مباشر، فما نقرأه ليس إلا الماضي، لكن الحاضر عبارة عن عمليات غير مرئية تقودنا إلى الماضي ومن ثم إلى المستقبل، فكل لحظة جديدة نعرفها من تاريخ الشخوص ومن علاقاتهم ببعضهم داخل بنية الرواية العالم، هي إضافة إلى التجارب المروية التي تتكاثف فوق بعضها على شكل طبقات متراصة، الأمر الذي يوحي للقارئ باستحالة تكرار اللحظة نفسها مرات أخرى (كما نراه في الروايات العربية، بكثرة)؛ فلا يمكننا مع شخوص الرواية أن نحيا لحظة زمنية مرتين، فالزمن معهم نهر يسيل باستمرار دون توقف ودون انقطاع، وهو ما يعد عامل قوة في قراءة رواية حديثة تحقق علامة فارقة في السرد الروائي العربي، ويحقق ما رمى إليه مارتن هيدجر في فلسفته عن الزمن باعتباره كائن سيال منقضي دائما، ماض لم يعد ومستقبل لم يأت وحاضر لا يكون أبدا.
 
على عكس ما استقر، أيضا، استخدمت النقوزي صناعة مشاهد الفنتازيا وسرد الأحلام، لإيقاف الزمن العام للرواية وترك الفرصة للقارئ للراحة قليلا، لالتقاط نفسه؛ ففي الروايات بشكل عام سواء عربيا أو عالميا، استخدمت تقنية الاسترجاع، النستولوجيا، إضاءة تاريخية في حياة سابقة لشخصية، ﻹيقاف الزمن، وهو ما يعد أسلوب فريد وخاص للنقوزي، تؤكد به التفرد وصناعة رواية بقانون خاص، ابتدعه وانشغلت بصناعته على مدار الرواية، وعند استخدامها لتقنية الاسترجاع التام أو الخارجي فهي تميل، فقط، لشرح سيكولوجية الشخوص ضمن إطار الزمن العام وهو ما يعني أنه لا استخدام للاسترجاع باعتباره فعل قار داخل الرواية يوقف الزمن؛ بل فعل نامي في بناء الشخصية، كما تحدثت عن تخلل الزمن لعناصر الرواية، إذ في بعض المقاطع التي يتصل فيها الاسترجاع ببداية الحكاية نجد أنه لا قطع، ويرمي الاسترجاع فيها إلى استعادة الجزء الساقط من الحكاية، الذي يشكل عموما جزءا مهما منها، وربما يكون الجزء الأساسي. وفي بعض حالات الاسترجاع (الخارجي)، نجد النقوزي تستعيد أحداثا تعود إلى ما قبل بداية الحكاية/ البنية الروائية (مرة قلت لمعلمة الدين أني أتخيل الله كالأخطبوط له عدة أطراف. أخبرت أبي، فعاقبني وأبرحني ضربا….)، ترمي به إلى التعريف بشخصية جديدة، ويكون زمن الحدث فيها خارج زمن الرواية.
 
قليلا أقحمت الكاتبة كما في الخاتمة، وبعض المشاهد، تقنية الاستشراف مخالفة لسير زمن السرد، أيضا، بتجاوز حاضر الحكاية وذكر حدث لم يحن وقته، ففي الخاتمة، نراه يشبه حلم كاشف للغيب أو تنبؤ أو افتراضات صحيحة نوعا ما بشأن المستقبل، مستقبل الفكرة، لا مستقبل شخصية (لدينا معلومات أكيدة أن المدعو مجيد الملقب بالمثروك، البالغ من العمر تسعين سنة، هو رئيس عصابة لترويج المخدرات. وهو حي يرزق. رأيته البارحة يركض باتجاه أعلى الجبل وقد كان يتلفت حوله كمن يخفي شيئا.)، فمستقبل فكرة بقاء التهميش مستمرة، تؤكد عليها النقوزي في نهاية الرواية، إثارة لرأس القارئ لينفجر بالصراخ مجيبا عن سؤال لماذا الصمت الدائم عما يتعرض له كل المناكيح في العالم، الاستسلام لقدر الإقصاء، الاعتقال، القتل وربما ادعاء بقاء حياة المهمش بعد موته انتقاما من روحه.
 
إن استخدام الاسترجاع كتقنية إيقاعية لإبطاء الزمن والاستشراف لتسريع الزمن في رواية واحدة، يمثل حالة الرنين الدائمة على طول الرواية، الرنين كحالة فيزيائية تمثلها الأفعال بين الماضي والمستقبل، والتناوب بينهما في عملية بناء الزمن كما ترتأي النقوزي، حالة الرنين تلك في نهاية الرواية، يتفاجأ القارئ معها أنه تعرض لعملية خداع، تعيده لقراءة الرواية مرة ثانية، لكن مع حافز جديد لرؤية بنية الزمن، كزمن تم إيقافه ومحوه، تماما، واعتمدت النقوزي لهذه المراوغة تعديد أساليب الإيقاع لإيهام القارئ أن هناك حكاية مزمنة، لكن في حقيقة الأمر، فالرواية لا تدور في زمن محدد أبدا، بل في لحظة واحدة كثفتها في عقلها أثناء عملية التحضير وبناء روايتها، وما ساعدها في ذلك استخدام بنية الرسائل كمعمار عام للرواية.
 
– المهمشون؛
بين اختيار شجرة شخوص وارفة الأفرع والعلاقات وبين اختيار فرع واحد بورقتين أو ثلاثة، يتردد الكاتب لبناء روايته؛ لكن الكاتب الواعي، النابه لبنيته، يختار ما يتناسب مع مرويته، فشبكة العلاقات المبنية في رواية (المنكوح)، تم إحكامها لمناسبة بنية الرسائل بين مجيد وحسان، كبطلين وحيدين للعالم المرئي بوضوح، ولعل من الملاحظ في النقوزي، الذكاء في الاختيارات المتناسبة في كل العناصر وأهمها على الإطلاق رسم الشخصيتين المهمشتين وخلق المفاضلة/ المنافسة فيما بينهما، مما أظهر صراعا من نوع خاص لم أقرأ مثله كثيرا في الروايات العربية، صراع حي بين من يتصور عن نفسه التفوق على الآخرين ومن يشعر بالدونية أمامه، غير مصطنع بل تم رسمه بدقة واضحة بداية من الفصل الأول، ومثل كل التفاصيل الفنية في رواية النقوزي، تظهر كل القضايا محل الفحص في القطاع الطولي (على عكس تعريفات الرواية النمطية، باعتبارها قطاع عرضي في حياة ما، لرصده وتقديمه مصبوغا بالحقيقة، فيصدقه القارئ) سريعا أمام القارئ؛ تورطه، وهي استراتيجية من صنع الكاتبة لاستدراج القارئ وتكبيله في الواقع، فالرواية التي تنتمي إلى الديسوتوبيا، نعيشها، نفحصها ككتاب، مؤلفين، فلاسفة، مؤرخين، يوميا، لربما قدمنا صورة مقربة من شخوص الواقع حولنا نطرح بهم الأسئلة طامحين في الوصول إلى إجابات ولو مؤقتة، هذا ما طمحت له النقوزي في روايتها الأولى، الإمساك بعدسة مكبرة، تفحص بها شخصي مجيد وحسان وشبكة العلاقات الصغيرة جدا حولهما؛ لتوضيح التهميش باختزال الشريط السردي في عدد شخوص أقل، فلن تجد كقارئ داخل الرواية غير مجيد وأصدقائه/ أصدقاء النار، وأمه وخبر عن أخيه، حسان وأبيه، الكلب، والديك وقططه السبع، شبكة واضحة في حيز ضيق، تعني أن الكاتبة، تراهن على إقحام القراء داخل الرواية، كلاعبين مشاركين فيما يروى لهم على لسان الأبطال، مجيد/ الكلب، حسان، والقارئ كبطل مشارك من الخارج.
 
اعتمدت النقوزي مبدأ اقتصاد السرد، المنتمي إلى قانون الاقتصاد العام القائل بتحقيق الغاية بأقل نفقة ممكنة أو بأفضل نتيجة ممكنة. وترجمت النقوزي هذا المبدأ بالتعبير مختصرا (دون خلل) على لسان شخوص معدودين، عن أفكار كثيرة، مشاهدات، فحص، بحث وتدقيق، فغاية الكتابة هو الفن، بكل تأكيد، وإن كانت الكاتبة قد استخدمت كل هذه التقنيات السابق ذكرها بغرض، فليس غير (الفن)؛ وهو ما تحقق تقديمه، أيضا، بهذا المبدأ المقتصد، الموجز، بناء على ثلاثة معطيات هامة، استغلال الوقائع المشتركة بين الشخوص والقارئ فلا ضرورة إلى وصفها، واستغلال طاقة القارئ على التخيل، فاكتفت برسم الخطوط العامة لكل شخصية مع إخفاء مظهرها، كما أنها استغلت قدرة اللغة السلسة، البسيطة على التصوير والإيحاء، فعبرت بالصورة بديلا عن الكلام وبالإشارة والتلميح بديلا عن التصريح والتفصيل.
 
مجيد: في التحليل السيميائي، هو بطل مركب، ذات فاعلة ومنفعلة في نفس اللحظة، فاعلة تسعى إلى تغيير العالم من حولها، ليناسب رغبته في البقاء على الحال التي يراها تصلح لحياته، وذات منفعلة/ مفعول بها، يصنع منها العالم كائنا جديدا لم يكن ليريده لنفسه، بتدمير وجهه البوهيمي، فالبطل (مجيد)، المنكوح، المثروك، هو العنصر الذي سيتتبعه القارئ على طول الرواية ليتمكن من إعادة كتابة الرواية/ قراءتها كمشارك فيها، كصديق لمجيد، أو كمجيد نفسه/ الكلب، فالقارئ عند ولوجه الرواية للمرة الأولى، سيحاول أن يجمع أجزاء المسرودة المتباعدة، ويقدم وجهة نظر ليساعد في حل إشكالية البطل مع الواقع اللافظ لكل إثنية، حتى وإن كانت هي الأصل في الحيز، إشكاليته الوجودية مع المكان وعلاقته بقيمه الاجتماعية والثقافية، ومجيد الذي يلعب دور البطل في هذه الرواية ليس الشخصية الرئيسية؛ على العكس قد تكون (حسان) في بعض الأحيان، لكنها بكل تأكيد، الكلب، كلب مجيد، صورته الثانية وصوته الأكثر وضوحا في الخطاب السردي.
 
حسان: بعد قراءة ثالثة للرواية، ومع تحليل الخطاب السردي، وجدت أن حسان يمثل الدور الرئيسي في الرواية دون أن يتمتع بالصفات المتفوقة التي يمكن خلعها على البطل، فانقسمت الرواية بين بطل وهو مجيد، أو صورته/ الكلب، وبين شخصية رئيسية فاعلة بقوة في السرد وهو حسان، فهو المغلوب على أمره في كل ما يخصه، بالعمل، أو بالبيت، مغفل، ساذج وضعيف، وذلك كله بالقصد تمت صناعته ليعبر بالصورة الواضحة عن التهميش والإقصاء، في حين أن مجيد يعبر بنوع من المواراة؛ إذ ظهر كضحية لنفسه لا لمجتمعه، على عكس حسان ضحية الحرب، السلطة العامة والأبوية، ضحية المجتمع، ضحية نفسه، فهو هنا أشبه بشخصية آلية، تم إحكام رسمها داخل الرواية ليشعر معها القارئ/ الناقد أنها مخلوقة فعليا على عكس مجيد الذي يمكن أن يمد القارئ يده فيتحسسه.
 
((الصالح: خبز المشردين، لحنه، فنان تم تهميشه كليا، عمار: الوحيد الذي تم رسم صفاته البدنية والعقلية في الرواية، جلال: “مغتصب النساء”، هكذا تم تدويله للقارئ وطرحه (بشخصيته) كسؤال، عبجي: الشخصية شاذة الصورة، بالملابس النسائية والكحلة في عينيه، المشرد، المختل)) في تركيب مشهد واحد، تم صياغة ورسم شخوص سيمرون دون التأثير في الحدث لكن لن ينساهم القارئ بعد الانتهاء من الرواية، وهو ما رمت إليه النقوزي؛ بذكاء استحوذت على قارئها، ودفعت إليه بأربعة شخصيات ككتلة واحدة، ومن ثم اعتقلتهم في سجن السرد ليظهروا جميعا دفعة واحدة، أيضا، في النهاية بصورة ثانية (مخالفة في كثير من تقنيات كتابتهم الأولى؛ إذ جعلتهم يتحركون ككتلة واحدة في الخطاب السردي؛ كدلالة جديدة على التهميش)، عل لسان راو آخر، وبذكاء اصطنعت المشهد دون إقحامه؛ فقد مهدت برسم مشهد بانوراما أصدقاء مجيد.
 
لقد رسمت النقوزي شبكة شخوص دون الدخول في التحليل السيكولوجي أو المجتمعي المباشر؛ بل تركت للقارئ فرصة لفهم كنه هؤلاء المحكي عنهم وبهم داخل خطاب سردي محكم مقتصد. شبكة غيى معقدة يمكن فك ارتباطها سريعا وتحليلها؛ تناسب كما أشرت مسبقا، في البداية، البناء المنشود بلغته البسيطة لتمرير كل ما تود طرحه من أسئلة على ذهن القارئ.
 
– فلسفة تأثيث الحيز؛
ليكتمل البناء المحكم للمسرودة؛ انقسم المكان في الرواية إلى حيز افتراضي تدور فيه أغلب أحداث القسم الأول من الرواية مع الإشارة إلى المكان العام/ الأرضية، التي تتحرك فوقها الشخصيات، لكن مع التركيز على عالم الرسائل الافتراضية، الإلكترونية بين مجيد وحسان، فتخميش الحيز العام لم يكن مصادفة، على ما يبدو؛ لبناء عالم افتراضي مقصود يصبح وعاء لشخوص افتراضيين، لتعبر الرواية عن مجمل الكائن البشري. وفي القسم الثاني صار المكان فعلا متلاشيا إلا من ذكريات القارئ عن غرفة مجيد، صورة المكان الذي يستقبل فيه حسان رسائل مجيد سريعا، الجبل حيث جلسة رجال النار، وحيث أشارت النقوزي إلى صعود روح مجيد من فوقه بنهاية الرواية، أماكن لا تلعب دور الحيز/ الوعاء المكاني لحركة الشخوص واقعيا وافتراضيا لكنها مجرد مكان مهمش تدور فيه شبكة العلاقات والحركة ومزرعة للأفكار.
 
لمناسبة الكتابة المشهدية، كان يلزم توضيح الحيز والانجرار مع خيط الوصف والاطناب، إلا أن النقوزي اخترات طريقا مغايرا، يتناسب مع جميع اختياراتها الجمالية والتقنية في بناء الرواية، تختلف كليا عز السرد الروائي المعروض دائما على ذائقة القارئ العربي، تحديدا، فلم تستهلك الخطاب السردي في الوصف المطول لأماكن تصوير المشاهد، إلا كديكور بسيط في الكادر لتضع لمسة فيها قليل من الحنين لذكريات القارئ مع ما يشابهه، هو، من أماكن؛ لتورط خياله في استحضار غرفته، شارعه، السوق، السرير، وحدته القتالية أثناء التجنيد الإجباري، حافلة النقل الجماعي في مدينته، كما أنها أثثت لخيال القارئ، ليبدع في رسم صورة المكان في مشاهد الحلم والفنتازيا، إذ رسمت المشاهد في مكان داخل منطقة الرؤيا بين الحلم والواقع، وبذكاء استطاعت أن توضح لنا أن هذه الرواية تتحدث عن عالم سيء ومريض، لكنه خيالي قدر الإمكان، وربما يكون هو الواقع.
 
[أمكث في الظلام بمنزل مهجور إلا مز بقايا شبه أثاث متناثر كنجمات شاحبة خطف البؤس لونها، على كنبة عسلية مخدوشة من كل الجهات.. أمد رجلي على سجادة حمراء باهتة، أتحسس فنجان القهوة بأطراف أصابعي ….]
في المقطع السابق، وفي فقرات قليلة، لا يعاد وصفها، أو الإشارة إليه ثانية، أثثت الكاتبة للمكان، بكامل قطعه، وأرتأت أن تفعلها لمرة واحدة عن كل شخصية، فقط، ليمكن لي كقارئ أن أعيد كتابة المشهد مع الأخذ في الاعتبار، الحال الذي يبدو عليه الحيز المناسب لشخوصها، فكرتها، تقنياتها المتعددة.
 
– لعبة الإخفاء، الراوي والرؤية والمونتاج؛
لضرورة المفارقة، قررت أثناء كتابة الورقة النقدية الصمت حيال تعدد أصوات الراوي واصطناع الراوي المتكلم/ المخاطب (أنا/ أنت)، وتركه للقارئ، يستمتع بكشف ما أرادت النقوزي إخفاءه.
 
بهذه الرغبة السينمائية الجادة في بناء رواية مشهدية تعتمد الديالوج المباشر بما يتضمنه من مونولوجات، وخطاب سردي، كان لعنصر المونتاج دوره البارز في كتابة هذه الرواية، فالنقوزي جمعت أجزاء، نتف، حكايات النص المكتوبة بدقة واقتصاد، بتقنيات زمنية وإيقاعية شديدة الحساسية، وفق ترتيب يعالج الكون المرسوم في ذهنها، ترتيب يخالف تدرج الزمن الطبيعي، فقامت بعملية المونتاج بناء على تغيير مواقع أجزاء النص باعتماد بعض تقنيات أشرت لها سابقا، تقديما وتأخيرا، حذفا واختصارا، وعلى الربط بحلقات وصل تسمح للقارئ بإعادة تكوين الأصل وفرصة لترتيب المشاهد، التفاصيل، الحكايات؛ لعبت النقوزي بمهارة طاغية تجعل القارئ لا يشعر بالملل للحظة واحدة أثناء القراءات، بل ودفعه لمعاودة القراءة الثانية مباشرة، والالتفات لبعض المشاهد أثناء القراءة وإعادة تحليلها والوقوف عندها لفك الشفرة/ الرسالة.
 
 إن هذا العمل وبعد جهد طويل معه في القراءة، النقد والتحليل، استحوذ على رأسي بل ودفعني لتبني شخوصه، واعتبارهم أبناء غير طبيعيين لي، وبعد أن أتممت تحليل الرواية، أريت، أن مازال هناك ما هو مسكوت عنه في النص، وهو ما يمكن تأويله وإعادة فهمه، وهذا من سمات الأدب الباقي في أذهان القراء، كفن خالد.
 
– نسرين النقوزي؛ روائية ومدونة أدب ساخر، من مواليد صيدا، لبنان، درست صحافة وإعلام في الجامعة اللبنانية، ولغة إنجليزية في جامعة كيبيك بمونتريال/ كندا، مدرسة لغة عربية ومدرسة لغيى الناطقين بالعربية، تدرس الكتابة الإبداعية ومادة التفكير النقدي منذ سنوات.
 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *