| مهدي شاكر العبيدي : دور ومكتبات للنشر والتوزيع ورقم الإيداع في المكتبة الوطنية .

أن تهم بالحديث عن الكِتابِ نشراً وتعضيداً وتوزيعاً وتداولاً بين القراء في داخل الوطن وخارجه ، لا محيصَ لك من أن تردفَ ذلك بماجد صالح السامرائي الذي يشكل موضوع الكتاب بالنسبة له مثل الهم الشاغل اليومي ، على ما يلحظ ذلك متابعو مقالاته الأسبوعية في صفحة (آفاق) من جريدة الجمهورية المحتجبة خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي ، وكان له فضل السبق في مصارحة الجهات المعنية بشؤون الثقافة آنذاك بالإضافة إلى أصحاب دور النشر الأهلية إلى أن كثيراً من الكتب المعتد بها من لدن المستقصينَ والخبراء بأمر الأدب العربي الحديث وذوي الدرايةِ بما يلزم الجيل الأدبي وتاليه مستقبلاً الاطلاع عليه من نفائس المؤلفات المأثورة عن الأساتذة الرواد : طه حسين ، وهيكل ، والعقاد ، ومارون عبود ، وغيرهم ، كانت بالأصل مقالاتٍ منشورة في الصحف والمجلات ، وبادروا من بعد إلى جمعِها والتوحيد بين المتشابه منها في الوجهة والغاية ، والمتناسق في الانطباعات والأفكار ، مما استدعَى جريهم جميعاً على ضربٍ من الأسلوب ونمطٍ من الأداء يحكيانِ تفردهم في معالجاتهم ومداخلاتهم ، واختصاص الواحد منهم بقدر أو حالٍ معينٍ من المزاج والطبيعة النفسية ينعكس على صفحاتها انفعاله الشخصي أو حماسته أو جنوحه إلى السخر والتندر بمجرد اعتزامه الكتابة ، وكذا ظفرَت ، هذه الكتب من الإقبال عليها كمراجع نافعة ما لم، تلقهُ غيرها من كتب أفرغ ذووها مجهودهم فيها على العناية بموضوع واحد.

 

ولا حاجة للتذكير بما تكفل أولاء الرواد عبر مقالاتهم النقدية والفكرية من تعريف بأروع نتاجات الغربيين في ميدان الرواية والتوجه الفكري والرؤى المستقبلية ، أو تسليط نظراتهم على أدبياتنا الموروثة من لقيات الشعر والنثر الفني وتصانيف المنطق والفلسفة ، باستخدام المناهج الحديثة وإيلاء الشواهد من التدبر والتمحيص ، بما يؤوبوا منه بالاستنتاجات الصحيحة والملاحظات الثاقبة عن أصالة الأدب العربي في عصورهِ السابقة ومته إلى الإبداع وقطعه مدى من الصدق والفن وتمثيله مرحلته ، وحسبك دليلاً على ما نقول أن كتابات العقاد عن المتنبي في العشرينيات مما ضمنه كتابه (مطالعات في الكتب والحياة) تظل هي الأشد انطباعاً بالإنصاف والموضوعية والأربى في الأهمية من ناحية امتلائها بالأحكام القاطعة النزيهة ، فضلاً عما اعتمده الكاتب لها أو فيها من أسلوب محكم وصياغة متينة وتعبير رصين ، مما يرشحها لاعتبارها نصوصاً أدبية بارعة ، نقول تربو مراجعات العقاد تلك في جوانب شتى على نظائر لها مما أعد ليلقى في مناسبات ومهرجانات مكرسة لذكرى الشاعر العظيم ، فعنده أن المتنبي “فخر             العرب ، وترجمان حكمتهم ، والرجل الفرد الذي نظم في ديوان واحد ما نثرته الحياة في سائر دواوين التجارب والعظات ، فكانَ كلامها كلامه ، وحقائقها حقائقه ، وساغ له أن يحتجنَ لنفسه ما هو حصة الناس جميعاً ، أو حصة العرب من وقائع الحياة وتجارب الأيام…. وكان يضير أدبهم ـ ولا جدال ـ أن يسقط من بينها ديوان المتنبي ، وأن يسقط عدد شعرائِهم هذا الشعر العظيم القليل النظير” ، كان هذا الرأي الجازم الحاسم يوم أنكر عليهم الأجنبي بلسان المستشرقينَ المدخولينَ على الدراسات العربية كل أصالة وتفرد في ميدان إبداعي ، وعزا نتاجاتهم إلى النظر السطحي ومجاراة غيرهم من الأمم.

 

ومثل ماجد صالح السامرائي في الانشغال بأمر الكتاب ، وأن يلقى منه الرعي والإسناد ما اتسم بالجودة والثرارة والعمق والإبلاغ الصادق الأمين إن في عباراته أو محتواه ، الباحث ميخائيل عواد ، فقد دلل في حديثهِ لجريدة العراق ذاتَ مرة عن خلاصة تجربته في الحياة العلمية والثقافية : “إن البقاء للكتاب ، وإن ما يدونه الإنسان في الكتاب باقٍ على مدى الزمن ، الصحيفة بنت يومها ، المجلة بنت   زمنها ، قد يحتفظ بها وتشكل  مرجعاً للدارسين وقد لا يحتفظ بها ، وبذلك لا تكون مرجعاً ، أما الكتاب فهو سجل وسفر على مدى الأيام  ولذلك أرى أن يهتم الكـُتـاب بنشر نتاجاتهم بكتب تحفظ هذا النتاج ، وأن يُصارَ إلى ضم ما ينشرونه في الصحف والمجلات في كتب تحفظ هذه المقالات من الضياع والنسيان”.

 

فما عسى أن يكون مصير المئات من المقالات الجادة في شتى الموضوعات التاريخية والفكرية والأدبية ، مراجعة ونقداً وتنظيراً ، مما ينشر في الجرائد والمجلات ، ولا مراء أن يساور القرف هذا الكاتب أو ذاك ، وتمتلئ نفسه بالاستغراب والتعجب من سخاوة بعض الناشرين الذين تطالعنا إعلاناتهم في غير مكانٍمن هذه الحاضرةِ العراقية عن تعضيد الكتاب العراقي نشراً وتوزيعاً ، فينفقوا على كتيبات التسلية والبروج والضحك على طول ، ويضنوا بها على كتابات تشكل إضافات ممتازة إلى معطيات الثقافة العربية لو أشبعوها نظراً وإمعاناً ، وتثبتوا من حسن تمكن أصحابها ودرايتهم بعناصر الأداءِ السليم ، وغنى أفهامهم بالآراء والاجتهادات ، يبغون بها حمل الأفراد والجماعات على انتهاج جادة الخير والحق والاعتداد بخصائصهم وشياتهم ، واستهجان المفتريات والأضاليل التي تصم ماضي أمتهم بالقصور وإنـهم عيال على الأجناس الأخرى في الجوانب الإبداعية.

 

وفي ستينيات القرن الماضي ارتأت الجهات المسؤولة عن حماية الثقافة ورعايتها في العراق أن تزيدَ من وعي الناس بأهمية الكتاب في حياتهم ، وتضفي عليه مثل السمت المهيب والقيمة التي تكفل خلوده وبقاءه ، فانتهجَت خطة إيداعه في المكتبة الوطنية ببغداد ، واحتفاظ كل مطبوع جديد برقم خاص.

 

ونعي كلـنا معنى أن تظهر في واجهات المكتبات التجارية وأكشاك الصحف مؤلفات ومصنفات ممهورة بأقلام : الشيخ الأثري ، وعبد الرزاق الحسني ، وعلي الوردي ، وكوركيس عواد ، ونوري جعفر ، وإبراهيم السامرائي ، وغيرهم من الأعلام ، تحمل تلكم الأرقام التي تكسبها روعة وجلال خطر في عين القارئ ، ونرى من الغبن لها والإجحاف بحقها أن تقرنَ بها وتستوي وإياها في حمل الأرقام ذاتها كتيبات متهافتة مدارها حول الألغاز والتسلية ، من غير إنكار أو استكثار على الناشر الأهلي تطلعه المشروع إلى المورد الموفي له بأسباب الحياة.

أوستن – تكساس

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أ. د. محمد عبد الرحمن يونس : “التَّبَايُنُ في الشعر النسوي العربي المعاصر” كتاب نقدي جديد للكاتب جعفر كمال .

 قراءة : أ. د. محمد عبد الرحمن يونس نائب رئيس جامعة ابن رشد للشؤون العلمية …

| د. جبَّار ماجد البَهادليُّ : تَجلِّياتُ الأُسلُوبيَّةِ القِصَصِيَّةِ, وفَنيَّةُ التَّشعِيرِ السَّردِي دِراسةٌ نقديَّةٌ في مَجموعةِ(بِئْرُ بَرَهُوْت), لجَابِر مُحمَّد جَابِر .

مَدخلٌ إلى النَّصِّ القَصصِي        إنَّ من يُريد أنْ يُلقي بنفسه في غَياهبِ النَّصِّ القَصصي, …

تعليق واحد

  1. صالح البياتي

    الأخ مهدي شاكر العبيدي ، اتمنى توحيد جهود العراقيين المغتربين لتأسيس شركة طباعة ونشر ، بمساهمة من الراغبين بهذا المشروع الثقافي، الهدف منه : تخفيف العبء عن الكتاب والمؤلفين وإتاحة الفرص لهم بطبع ونشر كتبهم، وفي ذلك انقاذهم من تحكم دور النشر التجارية التي تسعى وراء الربح فقط، مع خالص التقدير والإحترام
    صالح البياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *