| طلال حسن :  الباندا .. الباندا/ الحلقة الثالثة .

فراء الباندا الصغير

 

     ” 1 ”

ــــــــــــــــــــ

   من أقصى الصين ، جاء ” يان تسي ”  إلى هذه المدينة الصغيرة ، التي تقع في جنوب الوسط من البلاد ، حيث يتواجد الباندا العظيم ، أو ما تبقى منه ، فقد أشيع أنه يوشك على الانقراض .

وفي النزل الصغير ، والوحيد في المدينة ، الذي أقام فيه ” يا تسي ” ، جاءه النادل العجوز بإبريق مليء بالشاي ، ووضعه أمامه بهدوء ، وقال بصوته الشائخ : طاب يومك ، يا سيدي .

وحدق هيو في النادل العجوز ، وقال : طاب يومك .

وسكب النادل قليلاً من الشاي الساخن ، في قدح من الخزف الصيني الجميل ، وقال : تذوق هذا الشاي ، يا سيدي ، وأظنّ أنه سيعجبك .

ورشف ” يان تسي ” قليلاً من الشاي ، وتذوقه جيداً ، ثم هزّ رأسه ، وقال : حقاً إنه شاي طيب .

ثم نظر إلى النادل العجوز ، وقدح الشاي الخزفي في يده ، وقال : قيل لي ، قبل أن أنزل في هذه المدينة ، أنني يمكن أن أرى الباندا في هذه المقاطعة .

ووقف النادل العجوز ، ويداه مضمومتان ، وردّ قائلاً : هذه المقاطعة واسعة جداً ، يا سيدي ، وفي طرف منعزل منها ، توجد أعداد من الباندا فعلاً .

ورشف ” يان تسي ” رشفة ثانية من الشاي ، وقال : جئت إلى هذه المقاطعة ، من أقصى البلاد ، لعلي أحظى برؤية عدد من الباندا .

وردّ النادل العجوز قائلاً : هذا ما يريده بعض الزوار ، لكن هذا مستحيل بدون رجل الباندا .

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

ووضع ” يان تسي ” قدح الشاي جانباً ، وتساءل : ماذا ! رجل الباندا ؟

فقال النادل العجوز : إنه الدليل الوحيد في هذه الأنحاء ، ويعرف كلّ شيء عن الباندا .

ونهض ” يان تسي ” ، وقال للنادل العجوز : أريد أن أراه ، رجل الباندا هذا .

فقال النادل العجوز : إنه في كوخه الصغير ، الذي يقع في طرف الغابة .

وهمهم ” يان تسي ”  فرفع النادل العجوز إبريق الشاي ، والقدح المصنوع من الخزف الصيني ، وقبل أن يخرج من الغرفة ، ويغلق الباب ، قال : هذا الدليل يحب الأزهار كثيراً .

 

     ” 2 ”

ـــــــــــــــــــ

   وصل ” يان تسي ” إلى كوخ رجل الباندا ، الذي وصفه له النادل العجوز ، بعد منتف النهار ، وفوجىء برجل في حدود الخمسين ، نحيل الجسم ، لحيته خفيفة جداً ، قد وخطها الشيب ، يجلس على مقعد واطىء ، أمام باب الكوخ ، فتقدم منه ، وحياه قائلاً : طاب صباحك ، يا سيدي .

ورفع الرجل عينيه المتألقتين كعني وشق فتيّ  ، وقال : أهلاً ومرحباً .

فقال ” يان تسي ” إنني أبحث عن رجل الباندا .

ونهض الرجل عن مقعده ، وقال : تبدو متعباً ، تفضل إلى الداخل ، يا سيدي .

ودخل ” يان تسي ” إلى الكوخ ، وجلس على حشية خشنة ، فقدم له الرجل قدحاً من الماء ، وقال : اشرب ، يا سيدي ، إنه ماء من نبع قريب .

وشرب ” يان تسي ” الماء متلذذاً ، وأعاد القدح إلى الرجل ، وقال : هذا الماء يعيد الشباب .

وأخذ الرجل القدح ، وأعاده إلى مكانه ، وقال : الشباب إذا ولى لن يعود .

وقدم ” يان تسي ” باقة ورد إلى الرجل ، وقال : قيل لي إنك تحب الأزهار ، تفضل .

وأخذ الرجل باقة الأزهار من ” يان تسي ” ، وقال : نعم ، أحبها ، فقد كانت زوجتي الراحلة تحب الأزهار ، وتزرعها بنفسها في حديقة المنزل .

وساد صمت حزين للحظة ، ونظر ” يان تسي ” إلى الرجل ، وقال : اسمي يان تسي .

وقال الرجل : وأنا اسمي وانغ هاو ، تفضل ، فأنت لم تأتِ لتقول لي اسمك ، وتعرف اسمي .

وهزّ ” يانتسي ” رأسه ، وقال : أنت محق ..

وسكت لحظة ، ثم قال : أريد أن أرى الباندا في بيئته ، يا سيدي ، وقيل لي أنك الوحيد ، الذي تستطيع أن تمكنني من ذلك .

وتعكرت عينا ” وانغ هاو ” ، وقال : للأسف ، جئت متأخراً ، لقد تقاعدت .

ولاذ ” يان تسي ” بالصمت لحظة ، ثم قال بصوت حزين : هذه رغبة ابنتي الأخيرة ” شي شي ” ، إنها مريضة بالسرطان .

ولاذ بالصمت ثانية ، وقد بدا الحزن على وجهه ، ثم نظر إلى ” وانغ هاو ” ، وقال : قالت لي تشي تشي ، أريد أن أرى الباندا بعينيك ، يا بابا .

واستدار ” وانغ هاو ” ، وتطلع ملياً عبر نافذة الكوخ الصغيرة ، ثم التفت إلى ” يان تسي ” ، وقال له : نم عندي الليلة في الكوخ ، ويمكن أن نبدأ المسيرة غداً منذ الفجر .

 

     ” 3 ”

ـــــــــــــــــــ

   انطلقا منذ الفجر ، بعد أن تناولا على عجل طعام الفطور ، وأخذ ” وانغ هاو ” معه بعض الطعام ، الذي يحتاجان إليه في رحلتهما ، وراحا يسيران جنباً إلى جنب ، متوجهين نحو جبل أخضر ، يلوح في الأفق ، كأنه الواحة وسط تلال صخرية جرداء .

وخلال مسيرتهما ، التي بدا أنها ستطول ، راحا يتبادلان الحديث ، وخاصة حول دب الباندا العظيم ، فقال ” يان تسي ” قرأت بعض الشيء عن الباندا .

ورمقه ” وانغ هاو ” بنظرة سريعة ، وقال : القراءة مفيدة ، لكنها لا تغني عن مشاهدة الباندا في حياته اليومية ، وسط بيئته الطبيعية .

وهزّ ” يان تسي ” رأسه ، مؤمناً على كلامه ، وعلق قائلاً : يقال أن أعداد الباندا تتناقص سنة بعد سنة ، والبعض يدق ناقوس الخطر .

وقال ” وانغ هاو ” : والسبب نحن ، البشر .

وبشيء من الاحتجاج ، قال ” يان تسي ” : لا تنسّ الأخطار ، التي تشكلها النمور والذئاب والنسور ، على صغار الباندا .

وقال ” وانغ هاو ” : كلّ هذا صحيح ، لكن إذا انقرض البندا في يوم ما ، الذي ظلّ موجوداً لملايين السنين ، فسيكون ذلك بسبب الإنسان لا غيره .

وقال ” يان تسي ” : من حسن الحظ ، أن هناك محميات للباندا ، في الوقت الحاضر .

وقال ” وانغ هاو ” : نعم ، ومنها هذه المحمية ، لكن الصيادين ، والطامعين ، مازالوا يحتالون على قوانين الحماية ، ويتسللون إلى الباندا في بيئته .

وتمتم ” يان تسي ” ، كأنما يحدث نفسه : نعم ، ففراؤه الجميل ، مطلوب في كلّ مكان .

ثم نظر إلى ” وانغ هاو ” وكان يسير إلى جانبه ، كأنه شاب في مقتبل العمر ، ، وقال : يُقال أن أنثى الباندا ، رغم أن ولاداته قليلة ومتباعدة ، تضع صغيرين في المرة الواحدة .

فردّ ” وانغ هاو ” قائلاً : نعم ، لكنها لا تستطيع تغذيتهما والعناية بهما معاً ، فيموت أحدهما على الأغلب ، ولا يعيش لها إلا صغير واحد .

 

 

     ” 4 ”

ــــــــــــــــــــ

   قبيل غروب الشمس ، وصل ” وانغ هاو ” و ” يان تسي ” متعبين إلى سفح الجبل الأخضر ، بعد أن سارا طول النهار ، عدا فترة قصيرة ، حوالي منتصف النهار ، قضياها قرب نبع عذب المياه .

وتوقف ” وانغ هاو ” عند صخرة ضخمة ، تشكل ما يشبه الكهف الصغير ، والتفت إلى ” يان تسي ” ، وقال له : لنتوقف هنا .

وتوقف ” يان تسي ” بدوره ، وقد أنهكه التعب جداً ، وقال : ياه ، لم أسر في حياتي كلها ، مثل هذه المسافة الطويلة والشاقة .

وابتسم ” وانغ هاو ” ، وقال : غداً هو الأصعب ، يا صاحبي ، فعلينا منذ الفجر ، أن ننهض ، ونبدأ تسلق هذا الجبل إلى قمته تقريباً .

وتنهد ” يان تسي ” ، وقال مازحاً ، وهو يتهاوى على الأرض : يبدو أنني لن أرى الباندا ، الذي جئت لرؤيته من أقصى الصين .

ورمقه ” وانغ هاو ” بنظرة سريعة ، وقال : بل ستراه ، وربما تحقق أيضاً ما جئت من أجله .

وأطرق ” يان تسي ” رأسه ، ولاذ بالصمت ، فقال ” وانغ هاو ” : لنخيم هنا ، الجو معتدل الليلة ، وسيبزغ القمر بدراً بعد قليل .

وتمدد كلّ منهما فوق فرشه ، وبزغ القمر فعلاً ، وأطلّ بدراً ساطعاً عليهما ، وراحا يتبادلان الحديث ، قبل أن يستغرقا في النوم .

ونظر ” يان تسي ” إلى ” وانغ هاو ” ، وقال مغالباً النعاس : قيل لي ، أن الباندا لا يتواجد هنا فقط ، وإنما أيضاً في جنوب غرب البلاد .

فقال ” وانغ هاو ” : نعم ، هذا صحيح تماماً ، الباندا لا يتواجد في جميع أنحاء العالم ، إلا في هذين المكانين من الصين فقط .

وأغمض ” وانغ هاو ” عينيه المتعبتين الناعستين ، وقال وهو يتثاءب : لكن يقال أن هناك ، باندا من نوع آخر ، في الهند و ..

فقال ” وانغ هاو ” : نعم ، وهو ليس كالباندا الموجود عندنا في الصين ، فهو صغير بحجم القطة ، ولونه ليس أبيض وأسود ، وإنما بنيّ ، لكنه يشبه الباندا ، ويأكل ما يأكله الباندا ، أي البامبو وكذلك السمك والعسل .

وسكت ” وانغ هاو ” مبتسماً ، فقد سمع ” وانغ هاو ” يغط في نومه بصوت مرتفع ، حقاً إنه ابن مدينة ، ومثله لا يقوى على صعود الجبل .

 

     ” 5 ”

ــــــــــــــــــــ  

   في اليوم التالي ، استيقظا مبكرين ، ونهضا من فرشهما على الفور ، قبل شروق الشمس ، واستأنفا سيرهما ، بعد تناولهما الطعام .

سار ” وانغ هاو ” كوعل جبلي متمرس ، يقفز بسهولة من صخرة إلى صخرة ، بينما عانى ” يان تسي ” من تسلق الصخور ، كما يعاني البزاق العريان من السير بين الحصى  .

ونظر ” وانغ هاو ” إلى ” يان تسي ” ، وقد سارا صامتين لأكثر من ساعة ونصف ، وقال له : تبدو متعباً ، سنرتاح إذا أردت .

وتباطأ ” يان تسي ” في سيره قليلاً ، وهو يلتقط أنفاسه المتقطعة ، وردّ قائلاً : ليس الآن ، ربما بعد فترة قصيرة من الوقت .

ودون أن يتوقف ، أو يتباطأ ، قال ” وانغ هاو ” : أخبرني متى تريد ذلك .

وسكت لحظة ، ورمقه بنظرة سريعة ، ثم قال : لم تحدثني عن ابنتك ، التي جاءت بك إلى هذا المكان ، الذي يبدو أنه لا يلائمك .  

وتوقف ” يان تسي ” ، وتنفس بعمق ، محدقاً في البعيد ، ثم استأنف سيره ، وقال : ليس لي غيرها في الحياة ، فقد ماتت أمها في وقت مبكر ، ولحبي الشديد لها ، آثرت أن لا أتزوج ، وأتفرغ لتربيتها ، لكنها مرضت ..

وسكت ” يان تسي ” ، وكأنه اختنق بأحزانه ودموعه ، فقال ” وانغ هاو ” : الحياة تقسو علينا أحياناً ، فتطعننا في أعز ما نملك ، أنا أيضاً أخذت زوجتي مني ، ولم يكن لي غيرها ، فهي لم تنجب .

وعند نبع ، ينبثق ماؤه من بين الصخور ، وينحدر متخللاً شجيرات البانبو الخضراء الزاهية ، توقف ” وانغ هاو ” ، وقال : لقد آن أن نرتاح .

وتوقف ” يان تسي ” بدوره ، وتلفت حوله ، وهو يتنهد بعمق ، ويلتقط أنفاسه المتقطعة ، وقال : لنتناول بعض الطعام ، ونرتح قليلاً ، ثم نستأنف سيرنا .

وقال ” وانغ هاو ” : كما تشاء .

وحدق ” يان تسي ” فيما حوله من أشجار وشجيرات ، وقال : هنا توجد أشجار بانبو كثيرة .

وابتسم ” وانغ هاو ” ، وقال : هذا يعني ، يا صاحبي ، أن الباندا قريب .

والتمعت عينا ” يان تسي ” ، وقال : هذا ما أتمناه ، هيا نأكل بسرعة .

 

     ” 6 ”

ــــــــــــــــــــ

   نهضا ليستأنفا سيرهما ، بعد أن تناولا بعض الطعام ، وشربا من ماء النبع ، المنبثق من بين الصخور ، ونالاً قسطاً من الراحة .

وحانت من ” وانغ هاو ” التفاتة ، ولمح في حزام ” يان تسي ” خنجراً متوسط الحجم ، وانتبه ” يان تسي ” إليه ، فقال : إنني أحمل هذا الخنجر للطوارىء .

وأبعد ” وانغ هاو ” عينيه عنه ، وقال وهو يسير : هذا شأنك ، يا صاحبي ، لكن من جهتي لم أحتج إلى خنجر ، طوال وجودي على هذا الجبل .

وسار ” يا تسي ” في أثره ، وقال : هذه أول مرة ، أصعد هذا الجبل ، وظننت أنني قد أكون بحاجة إلى الخنجر ، لأدافع به عن نفسي إذا اقتضى الأمر  .

وحثّ ” وانغ هاو ” خطاه ، وقال : أرجو أن يكون خنجرك فعلاً ، للدفاع عن النفس فقط .

وتبعه ” وانغ هاو ” ، دون أن يردّ عليه ، وإن لم يرتح لتعليقه ، وسارا صامتين ، وانغ هاو ” في المقدمة ، يتبعه بشيء من المشقة ” وانغ هاو ” .

والحقيقة أن ” وانغ هاو ” ، كان يفكر ، ومنذ البداية ، وحتى قبل أن يرى الخنجر ، في حزام ” وانغ هاو ” ، في دافع الأخير للمجيء إلى هذه المقاطعة ، أهو حقاً بدافع رؤية الباندا ، أم بدافع آخر ، لا يعرف حقيقته ؟ من يدري .

وعند المساء تقريباً ، وصلا منطقة مكتظة بأشجار البانبو ، وتوقف ” وانغ هاو ” ، وحدق في الأرض ، ثم رفع رأسه ، وراح ينقل بصره بين الأشجار ، فنظر ” يان تسي ” إليه ، وقال : ما الأمر ؟

وردّ ” وانغ هاو ” ، وهو مازال يتمعن في أعالي الأشجار : يبدو أننا سنرى الباندا قريباً .

وصمت لحظة ، ثم قال مشيراً إلى آثار على الأرض : انظر ، هذه آثار باندا ، ومعها صغيرها ، نعم ، لعلهما يتجولان في الجوار ، بحثاً عن الطعام .

ثم نظر إلى ” يان تسي ” ، وقال : أتعرف أن الباندا ، لا ينام في اليوم الواحد أكثر من أربع ساعات ؟ وذلك لأنه معظم الوقت يقضيه في تناول البانبو .

وهزّ يان تسي ” رأسه ، وقال : نعم ، هذا ما قرأته ، ولهذا فإنه لا يسبت في الشتاء ، كما تفعل الدببة في المناطق الباردة .

وصمت لحظة ، ونظر إلى الشمس ، التي تقترب من خط الأفق الغربي ، ثم قال : ماذا علينا أن نفعل الآن ؟ إن الشمس تكاد تغرب .

فتلفت ” وانغ هاو ” حوله ، ثم : نعم ، سيحل الظلام قريباً ، وليس أمامنا إلا أن نخلد إلى النوم هنا ، بين  أشجار البانبو هذه .

ورد ” يان تسي ” قائلاً : لننم هنا إذن ، لعلنا نرى الباندا غداً ، في مكان قريب .

ووضع ” وانغ هاو ” فرشه على الأرض ، وتهيأ للتمدد عليه ، وقال ” ليان تسي ” : هذا ما أتوقعه ، فلننم الآن ، ونستعد ليوم غد .

 

     ” 7 ”

ــــــــــــــــــــ

   ما إن أفاقا ، صباح اليوم التالي ، وتناولا طعامهما ، حتى انطلقا يجوسان متلفتين ، بين أشجار البامبو ، بحثاً عن الباندا وصغيرها .

وحوالي منتصف النهار ، تناهى إلى سمعهما ، وهما يتقدمان ببطء ، حركة بين أشجار البامبو ، وأسرع ” وانغ هاو ” نحو مصدر الصوت ، واختفى عن الأنظار  ، ثم ارتفع صوته من مكان قريب : يان تسي ، تعال ، تعال بسرعة .

وأسرع ” يان تسي ” إليه ، فأشار ” وانغ هاو ” بيده ، وقال : انظر ، هذه هي الباندا ، لقد توقعت البارحة أن نراها ، وها نحن نراها .

وحدق ” يان تسي ” في الباندا ، إنها حقاً وكما قرأ عنها ، وكما شاهدها في الصور ، دب ضخم ، مكور ، فراؤه سميك ، ومن لونين الأبيض والأسود ، والسواد يتركز حول العينين ، والأذنين الصغيرتين ، وهي مستغرقة بالتهام أغصان وأوراق البامبو .

وتلفت ” يان تسي ” حوله ، وقال : إنها وحدها هنا .

فقال ” وانغ هاو ” ، دون أن يلتفت إليه : لابدّ أن صغيرها ليس بعيداً ، ولعله يتناول طعامه من شجيرات بامبو قريبة .

وتراجع ” يان تسي ” ببطء ، ثم استدار ، ومضى مبتعداً ، يبحث بين شجيرات بامبو ، نمت على أطراف مسيل رقراق من الماء .

وتوقف فجأة ، وقد اتسعت عيناه ذهولاً ، فقد وقع نظره على باندا صغير كأنه الدمية ، التي اشتراها يوماً لصغيرته الحبيبة ، ويبدو أنه لم يتجاوز الثانية من عمره بعد ، وكان مستغرقاً في التهام أوراق البامبو .

وتراءت له طفلته ، التي أخذها يوماً إلى حديقة الحيوانات ، ورأت باندا صغير يلهو أمامها ، فقال : انظر ، يا بابا ، إنه دمية ، دمية كبيرة بعض الشيء .

وحين مرضت ، شعرت بالبرد مرة ، فقالت لأبيها : ليت لي دثار ، مثل دثار الباندا الصغير ، سميك مثله ، ومثل لونه أبيض وأسود .

وأخذها ” يان تسي ” بين يديه ، وقال لها : حبيبتي ، سأحضر لكِ فراء باندا صغير ، وسأدثركِ به ، مهما كلفني الأمر .

لكن ابنته الصغيرة المريضة ، اشتدّ عليها المرض ، يوماً بعد يوم ، حتى رحلت ، وقرر بينه وبين نفسه ، أن يحقق لطفلته ، وقد غابت عنه ، ما لم يستطع تحقيقه لها ، وهي على قيد الحياة .  

وها هو الباندا الصغير ، الذي أرادته طفلته ، والذي حلمت أن تتدثر بفرائه الأسود والأبيض ، لا يبعد عنه سوى خطوات قليلة .

واستل خنجره من قرابه ، وتقدم ببطء شديد ، ويبدو أن الباند الصغير أحس بوجوده ، فكف عن تناول أوراق البانبو ، ورفع إليه عينيه الصغيرتين اللامعتين ، اللتين يحيط بهما شعر كثيف أسود اللون .

وارتفعت حركة من بين الأشجار ، وظهرت على الفور الباندا الأم ، فأسرع الباندا الصغير إليها ، وارتمى من ذراعيها ، وهو يغمغم : مااااا .

وهنا أقبل ” وانغ هاو ” ، ورأى ” يان تسي ” ، يقف متردداً والخنجر في يده ، ولكن سرعان ما رآه يعيد الخنجر إلى قرابه ، ويتنهد بارتياح عميق .

وتقدم ” وانغ هاو ” منه ، ووضع يده فوق كتفه ، فقال ” يان تسي ” ، دون أن يلتفت إليه : قلت لك ، إن طفلتي كانت تحلم أن تتدثر بفراء باند صغير .

وصمت لحظة ، ثم قال : لكني لم أقل لك ، أن طفلتي .. رحلت قبل عدة أشهر .

واغرورقت عيناه بالدموع ، وهو يحدق في الباند الصغير ، الذي ضمته أمه الباندا إلى صدرها بحنان : أنظر ، إنه بحاجة إلى أمه .

وأطرق رأسه ، وقد لاذ بالصمت ، ثم قال بصوت حزين دامع : إن طفلتي الراحلة ، لم تعد بحاجة الآن ، إلى فراء الباندا الصغير .

 

                                          2 / 3 / 2019

 

                                        دمية الباندا

 

     ” 1 ”

ــــــــــــــــــــ

في الخارج ، كان الليل ، والنجوم ، والريح ، وفي الداخل ، كان الدفء ، والقنديل الخافت ، وويلو ترقد إلى جانب زوجها شيون .

ويلو تعرف أن شيون ، الذي يريد أن ينام ، لأنه متعب ، لم ينم بعد ، فشيون عندما ينام يرتفع شخيره ، وشيون لا يشخر الآن ، وهذا يعني أنه ليس نائماً .

وتنهدت ويلو ، إذ تراءى لها على ضوء القنديل ، أمها وهي تخيط لها ، على ضوء قنديلهم العتيق ، دمية صغيرة من الخرق ، على هيئة باندا صغير .

وتمنت وقتها ، أنها عندما تتزوج ، أن يكون لها طفل يشبه الباندا ، أو أن يكون باندا صغير ، لكنها آه .. يا للأسف لم يكن لها طفل ، رغم مرور ثلاث سنوات على زواجها من شيون .

واندست في شيون ، على ضوء القنديل ، وهمست بصوت خافت : شيون ..

لم يردّ شيون عليها ، إنه ليس نائماً ، هذا ما تعرفه ويلو جيداً ، بل وتعرف أنه أصغى إليها ، وسمعها أيضاً ، فهمست ثانية : شيون ..

وهذه المرة ردّ شيون قائلاً : نامي الآن .

ها هو قد ردّ ، إنه إذن لم ينم بعد ، فمالت عليه ، وقالت بصوت خافت : أريد عنزة .

وكاد شيون يضحك ، فزوجته ويلو ” العاقلة ” ، تريد في هذا الليل عنزة ، لكنه كتم ضحكته ، وقال لها وكأنه لم يسمعها جيداً : عنزة !

وردتْ ويلو قائلة : قد لا تكفي عنزة واحدة ، يا شيون ، فلتكن عنزتين أفضل .

وهذه المرة ، انقلب شيون في فراشه ، وأصبح مواجهاً لها ، وقال : ما أعرفه ، يا ويلو ، أن أمك الراحلة ، لم يكن لها عنزة في حياتها .

فقالت ويلو : أمي كان لها سبعة أولاد ، ابن واحد ، وست بنات ، أنا واحدة منهن .

وصمتت ويلو ، ولاذ شيون نفسه بالصمت ، وتحير ماذا يقول لها ، فهو لم يفهم ما علاقة كلّ هذا الذي تقوله بالعنزة التي تريدها ، وأضافت ويلو قائلة بصوت أعلى قليلاً : وقد أعطتني أمي لك .

فاستدار شيون عنها ، وهو يقول : لا تنسي ، يا ويلو ، أنتِ أيضاً أردتني .

فقالت ويلو : والآن أريد عنزة .

وبدل لشيون ، أن ويلو لن تدعه ينام ، وهو متعب وعيناه يطبق عليهما النوم ، فقال لها ، بصوت ناعس : ويلو ، نامي ، سآتيكِ بعنزة .

وصمتت ويلو فرحة ، وسرعان ما عرفت أنه نام ، نام نوماً عميقاً ، وكيف لا وها هو شخيره يرتفع ، حتى غطى على الريح ، التي كانت تهب في الخارج .

 

     “2 ”

ــــــــــــــــــ

   اشترى شيون عنزة ، بعد يومين ، وقدمها لزوجته ويلو ، فأخذتها منه جانباً ، ولمحها خلسة بعد قليل ، تجرب ضرع العنزة ، وبدا عليها الارتياح ، عندما درّ الضرع رشقة كثيفة من الحليب .

ورآها في اليوم التالي ، تعدّ رضاعة ، وتملأها بحليب العنزة ، و تلتفت يميناً ويساراً ، ثم تجربها ، فوضعت الضرع المطاطي في فمها ، وامتصت شيئاً من الحليب ، وهزت رأسها راضية ، وتمتمت : جيد .

وخاطبها شيون ، من حيث كان يجلس ، قرب باب الكوخ : ويلو .

وفزتْ ويلو ، ونظرت إليه ، دون أن تردّ ، فتابع قائلاً : يبدو أنكِ عثرت على خشف يتيم ، فقد أمه في حادث مؤسف ، وتريدين أن تتبنيه .

ومرة أخرى ، لم تردّ عليه ، وقد بدا عليها شيء من التأثر ، ووضعت الرضاعة جانباً ، واقتربت منه ، وقالت : الأيتام كثر ، ونحن ليس لدينا طفل .

وخلال الأيام التالية ، لاحظ شيون أن زوجته ويلو ، تدور بين أشجار البانبو ، الموجودة حولهم بكثرة ، وهي تحمل فوطة من الصوف ، فحذرها قائلاً : إنني لا أعرف عما تبحثين ، لكني أحذرك من إناث الباندا ، هذا موسم ولادتها ، وهي تكون خطرة عند الولادة .

ولم تردّ ويلو على زوجها شيون ، لكنها لم تتوقف عن التجول بين أشجار البانبو ، ومعها فوطة الصوف ، فهي مصممة على تحقيق ما تريده ، وهذا ما لا يعرف شيون حقيقته .

وفي تلك الليلة ، وويلو ترقد إلى جانب زوجها شيون ، وعيناها مفتحتان ، قال لها زوجها : أنثى الباندا ، التي تتجول في الجوار ، وضعت ليلة البارحة ، والباندا تضع عادة صغيرين في المرة الواحدة ، لكن هذه الباندا ، لم يكن معها اليوم إلا صغير واحد .

لم تردّ ويلو عليه ، ومضت لحظات ثقيلة وبطيئة ، فقال شيون : مهما يكن ، فهي لن تقوى على رعاية ، صغيرين مرة واحدة .

 

 

     ” 3 ”

ــــــــــــــــــــ

   بعد يومين ، وهما يتناولان طعام العشاء ، على ضوء القنديل الخافت ، قال شيون لزوجته ويلو : اليوم فقط عرفت ، لماذا أردتِ العنزة .

وتوقفت ويلو عن مضغ لقمتها في فمها ، وقالت : صدقني أردت أن تعرف ذلك ، في أسرع وقت ممكن ، وها أنت قد عرفت .

ودسّ شيون لقمة جديدة في فمه ، وراح يمضغها ، وهو يقول : وعرفت أيضاً ، لماذا اشتريت رضاعة ، فلا أنا ولا أنت نشرب الحليب بالرضاعة .

واستأنفت ويلو مضغ لقمتها ، وقالت : أنت محق ، يا شيون .

وأضاف شيون قائلاً : فالرضاعة للصغار فقط .

وهزت ويلو رأسها ، فقال شيون متسائلاً : هل نحن ، أنا وأنت ، صغار ؟

وتوقفت ويلو عن تناول الطعام ، ونظرت إلى شيون ، وقالت : أنت قلت أنك تعرف .

وتناهى من آخر الكوخ ، صوت صغير يتشكى ، فقال شيون : انهضي ، وأرضعيه .

ونظرت ويلو إليه ، وقالت : أنت نفسك ، قلت أكثر من مرة ، أنه من المؤسف أنت تترك الباندا أحد وليديها الصغيرين يموت .

فقال شيون : لستِ أنثى باندا .

فردت ويلو قائلة : لكني استطعت أن أنقذ الصغير ، وأبقيه حياً في مكان آمن .

ولاذ شيون بالصمت لحظة ، ثم قال : أنا معكِ ، يا ويلو ، اذهبي إليه ، وأرضعيه .

ونهضت ويلو بسرعة ، وأرضعت الباندا الصغير ، يالرضاعة المليئة بحليب العنزة ، وشيون ينظر إليها مبتسماً ، ها هي ويلو التي حرمت من الأطفال ، يكون لها طفل ، وإن كان هذا الطفل هو ديسم باندا .

وخلال الأيام التالية ، وحين تكون ويلو منهمكة في شؤون البيت ، يقوم شيون نفسه برعاية صغير الباندا وارضاعه ، وقد راح الصغير ينمو بسرعة ، واكتسى جسمه المدور المضحك بشعر أبيض وأسود ، وقد ظهر الشعر الأسود خاصة ، حول عينيه الصغيرتين الجميلتين ، وحول أذنيه أيضاً .

ومع الأيام ، ومع نمو الباندا الصغير ، ازداد تعلق ويلو به ، خاصة وأن شيون نفسه ، كان يفرح حين يراها تلهو وتمرح معه ، وكان الباندا الصغير يتبعها من مكان إلى مكان آخر ، وكان شيون يضحك منها ، ويقول مازحاً : ويلو ، يبدو أن هذا الديسم ، يظن أنكِ أمه .

وتضحك ويلو من كلّ قلبها ، وترد قائلة : ليت لي طفل مثل هذا الباندا الجميل .

 

     ” 4 ”

ـــــــــــــــــــ

   كبر الباندا مع الزمن ، ومعه كبرت مخاوف ويلو ، فقد لاحظت أنه يتوقف عن تناول الطعام ، بين حين وآخر ، وسط أشجار البامبو ، وكأنه يبحث عن شيء يفتقده ، لكنه لا يعرف ما هو بالضبط .

ترى عمن يبحث هذا الباندا ، الذي ربته ويلو بعيداً عن غابات البامبو ؟ أهي أمه التي يبحث عنها ؟ أم عن رفيق أو رفيقة في عمره ؟ رغم أن ويلو تعرف ، أنا الباندا عامة ميال للعزلة ، والعيش وحيداً ، بعيداً عن الآخرين من بني جنسه .

وكانت ويلو غالباً ما تأخذه إلى مناطق قريبة ، تكثر فيها أشجار وشجيرات البامبو ، ليأكل من أوراق هذه الأشجار والشجيرات ، ومن أغصانها الغضة اللذيذة ، لساعات طويلة ، دون أن يظهر عليه أنه شبع .

وحين تراه يتسلق الأشجار العالية ، وهذا ما يحبه جداً ، ولا يتوقف عن ممارسته ، كانت تصاب بالرعب ، خشية أن يقع على الأرض ، ويتأذى .

وتعجب حين تراه ، يسقط نائماً في أي مكان ، بل لقد رأته أكثر من مرة ، يغط في نوم عميق على غصن من أغصان شجرة ضخمة عالية .

وقد أخبرها زوجها شيون ، أن الباندا لا ينام عادة ، أكثر من أربع ساعات ، والسبب هو حاجته الكبيرة إلى تناول طعامه من البامبو ، الذي يشكل نسبة تسع وتسعون بالمائة مما يأكله ، ويستمر في تناول طعامه هذا ، أكثر من ” 12 ” ساعة ، في اليوم الواحد .

وفي الفترة الأخيرة ، لاحظت ويلو ، أن الباندا ، الذي لم يعد صغيراً ، صار يخرج إلى الغابة ، ويتأخر في العودة إلى الكوخ ، حتى المساء أحياناً .

وذات ليلة ، وويلو تتمدد إلى جانب زوجها ، وضوء القنديل الخافت يضيء الكوخ ، قالت : شيون .

ورد شيون بصوت ناعس : نعم .

وتابعت ويلو قائلة بصوت متردد : الباندا يتأخر في العودة إلى الكوخ مساء .

وقال شيون : لا عليك ، إنه يكبر .

وقالت : ويلو : كم أخشى ، أن يأتي يوم ، يخرج فيه الباندا من الكوخ ، ولا يعود .

وصمت شيون لحظة ، ثم قال : سيأتي هذا اليوم ، إن عاجلاً أو آجلاً .

وهبت ويلو معتدلة ، وقالت : لا تقل هذا ، إنني لن أحتمل غيابه ، بعد أن ربيته كلّ هذه المدة .

ولاذ شيون بالصمت ، ولم يشأ أن يردّ عليها ، وهو يراها في هذه الحالة من الحزن والقلق ، وأغمض عينيه ، وسرعان ما استغرق في النوم .

وجاء هذا اليوم فعلاً ، فقد خرج الباندا من الصباح ، وجاء المساء ، وخيم الليل ، لكن الباندا لم يعد ، ولم يعد أيضاً لا في اليوم الثاني ، ولا في الأيام التالية ، وما أثار عجب شيون ، أن ويلو لم تحزن لغيابه .

وحدق شيون فيها ، ذات يوم ، وقال : لم يعد الباندا إلى الكوخ .

وازداد عجبه ، عندما قالت : لقد كبر .

فقال شيون : يا للعجب ، توقعت أن تحزني لغيابه .

لم تجب ويلو ، وحدق شيون فيها ، وقال : هناك أمر ، لا تعرفه .

وهزت ويلو رأسها موافقة ، وهي تبتسم بفرح ، فتساءل شيون : ما هو ؟

وارتمت ويلو فوق صدره فرحة ، وقالت : سيكون لنا طفل ، إنني حامل .

                                      5 / 3 / 2019

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الثانية.

ومضت الكاهنة ، وأغلقت باب الحرم وراءها ، فأشار الكاهن لكوبابا ، وقال : تعالي …

| طلال حسن : رواية للفتيان ” الملكة كوبابا” / الحلقة الاولى .

  شخصيات الرواية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ الملك هايلوم 2 ـ الكاهن 3 ـ كوبابا 4 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *